المتطفل


موريس ميترلنك


المنظر:

شخصيات المسرحية:

- الجد (أعمى).

- الأب (بول).

- العم ( أو لفر).

- الأخوات الثلاث (أورسولا، و جينيفيف، و جيرترود).

-الممرضة.

الخادمة.

* غرفة خافتة الاضاءة في بيت ريفي قديم. باب على اليمين. باب على اليسار، وباب خفي صغير في أحد الأركان. وفي الخلف. نوافذ زجاجية مبقعة يغلب عليها اللون الأخضر، وباب صغير ينفذ الى شرفة. ساعة هولندية طويلة في أحد الأركان. مصباح مضاء.

**

البنات الثلاث: تعال هنا يا جدنا لكي تجلس تحت المصباح.

الجد: لا يبدوان ضوءا كثيرا ها هنا.

الأب: أنذهب الى الشرفة أم نجلس في هذه الغرفة؟

العم: أليس من الأفضل ان نجلس هنا؟

فالأمطار مستمرة طوال الأسبوع، والليالي رطبة وباردة.

البنت الكبرى: ومع ذلك فان النجوم تلمع.

العم: آه النجوم -ما هذا بشيء

الجد: من الأفضل ان نجلس هنا، فلا أحد يعلم ما الذي قد يحدث.

الأب: لا يجب أن نقلق أكثر، فلقد زالت مرحلة الخطر، وتم انقاذها...

الجد: أنا على يقين بأنها ليست على ما يرام...

الأب: وما أدراك؟

الجد: لقد سمعت صوتها.

الأب: ولكن الأطباء أكدوا لنا بأنه لا داعي لأن نقلق ولذا...

العم: أنت تعلم جيدا أن نسيبك يحب أن يقلقنا بدون أقي سبب.

الجد: أنا لا أرى الأمور كما تراها أنت.

العم: ولهذا فعليك ان تعتمد على من يرى، فقد كانت تبدو بصحة جيدة عصر اليوم، وهي تنام الآن في هدوء ولا نود أر، نفسد أول ليلة سعيدة جاد لنا الحفل بها... وأعتقد أن لنا الحق ان نرتاح بل وان نضحك قليلا هذه الليلة دون أن نشعر بخوف.

الأب: أنت على حق، فهذه أول مرة أشعر فيها بأنني في بيتي ومع عائلتي بعد تلك الولادة الشاقة.

العم: ما أن يدخل المرض منزلا حتى يشعر الانسان بأن هناك شخصا غريبا في العائلة.

الأب: وكذلك ترى عندئذ انه لا يمكنك ان تعتمد على أي انسان من خارج العائلة.

العم: كلامك صحيح تماما.

الجد: لماذا لم استطع أن أرى ابنتي المسكينة هذا اليوم؟

العم: أنت تعلم جيدا ان هذا ممنوع بأمر من الطبيب.

الجد: لا أدري بم أفكر...

العم: لا داعي للقلق،

الجد: (مشيرا إلى الباب الذي في الجهة أن تسمعنا؟ اليسرى) إنها لا تستطيع

الأب: لن نتحدث بصوت مرتفع، فضلا عن ان الباب سميك جدا، والممرضة موجودة معها وستنبهنا ان اصدرنا أي صوت مزعج.

الجد: (مشيرا الى الباب الذي في الجهة اليمنى) وهو، الا يستطيع أن يسمعنا؟

الأب: لا، لا.

الجد: هل هو نائم؟

الأب: أظن ذلك.

الجد: يجب أن يذهب أحد ويرى.

العم: أنا قلق على الطفل أكثر من قلقي على زوجتك، فقد مرت أسابيع عديدة على ولأدته وهو لا يستطيع ان يتحرك، ولم يبك طوال هذه المدة ولا حتى مرة واحدة، وكانه دمية من الشمع.

الجد: أظن انه سيكون أصما - وقد يكون أبكما كذلك، وهذه هى الثمرة الطبيعية للزواج بين أبناء الأعمام...

(صمت استنكاري)

الأب: إنني مغتاظ منه بسبب الآلام التي لاقتها أمه بسببه.

العم: يجب ان نكون منطقيين، فهي ليست غلطة الصغير المسكين، هل هو بمفرده في الغرفة؟.

الأب: نعم، فالطبيب لا يريده أن يبقى في غرفة أمه بعد الآن.

العم: ولكن أليست معه الممرضة؟

الأب: لا فقد ذهبت لترتاح قليلا، انها تستحق ذلك في الأيام القليلة الماضية، اذهبي أورسولا وانظري ما اذا كان ينام بهدوء.

البنت الكبرى: سأذهب يا أبي (تنهض البنات الثلاث ويدخلن الغرفة التي

في جهة اليمين متشابكات الأيدي)

الأب: متى ستأتي أختنا؟ 

العم: أظن انها ستصل في حوالي التاسعة.

الأب: لقد تجاوزت التاسعة، أتمنى أن تصل هذا المساء، فزوجتي متلهفة لرؤيتها.

العم: انها واثقة بأنها ستأتي، فهذه أول مرة تزور فيها المكان، أليس كذلك؟

الأب: انها لم تقم بزيارة هذا البيت مطلقا.

العم: سوف يكون من الصعب عليها مغادرة ديرها.

الأب: وهل ستكون بمفردها؟

العم: أظن بأن احدى الراهبات ستقوم بمرافقتها، لأنها لا تستطيع مغادرة الدير بمفردها.

الأب: ولكنها رئيسة الدير.

العم: ولكن القانون يسري على الجميع.

الجد: هل انزاح القلق عنكما؟

العم: ولماذا تريدنا أن نقلق؟ ما فائدة العزف عل هذا الوتر دائما؟ ليس هنالك شيء نخافه.

الجد: أليست أختك أكبر سنا منك؟

العم: انها أكبرنا جميعا.

الجد: لست أدري ما الذي قد أصابني، انني أشعر بشيء من الخوف، كم أتمنى لو كانت أختك هنا.

العم: سوف تاتي، لقد وعدتني بذلك.

الجد: أتمنى لو ان هذا المساء قد ولى.

(تدخل الأخوات الثلاث ثانية)

الأب: هل هو نائم؟

البنت الكبرى: نعم يا أبي، انه نائم ملء جفنيه.

العم: ماذا سنفعل ونحن ننتظر؟

الجد: ننتظر ماذا؟.

العم: ننتظر أختنا.

الأب: ألا ترين أحدا قادما يا أورسولا؟.

البنت الكبرى: (على النافذة): لا يا أبي.

الأب: ألا يوجد أحد في الشارع؟ هل تستطيعين رؤية الشارع؟

البنت: نعم يا أبي، فالقمر مضيء وأستطيع ان أرى الشارع وحتى أشجار

السرو.

الجد: ولا ترين أحدا؟

البنت: لا أحد يا جدي.

العم: كيف الجو في الخارج؟

البنت: بديع، ألا يمكنك سماع العنادل؟

العم: بلى، بلى.

البنت: ريح خفيفة تهب في الشارع.

الجد: ريح خفيفة في الشارع،

البنت: نعم، والأشجار تهتز قليلا.

العم: إنني مندهش لأن أختي لم تصل حتى الآن.

الجد: لم أعد أسمع أصوات العنادل.

البنت: يبدو أن شخصا ما قد دخل الى الحديقة يا جدي.

الجد: من هو؟

البنت: لست أدري، لا أستطيع رؤية أحد.

العم: لأنه لا أحد هنالك.

البنت: من المؤكد أن أحدا ما في الحديقة، فلقد توقف غناء العنادل فجأة،

الجد: ولكني لا استطيع سماع أي أحد يمشي.

البنت: لا بد أن هناك شخصا ما يمر بجنب البركة لأن طيور الأوز جافلة.

بنت أخرى: وعاصت كل أسماك البركة فجأة.

الأب: ألا يمكنك رؤية أحد؟

البنت: لا أحد يا أبي.

الأب: ولكن لأن البركة تحت ضوء القمر....

البنت: أجل فبإمكانى رؤية طيور الأوز خائفة.

العم: أنا متاكد ان اختى هي التي أفزعت طيور الأوز، لا بد انها قد دخلت من البوابة الصغيرة.

الأب: لا أدرى لماذا لا تنبح الكلاب.

البنت: أستطيع رؤية كلب الحراسه في مؤخرة "وجاره"، أما الأوز فانها تعبر نحو الضفة الثانية!...

العم: انها خائفة من أختى، سوف أذهب وأرى (ينادي) أختي، أختى، هل هذه أنت؟... لا أحد هناك.

البنت: أنا متأكدة بأن أحدا ما قد دخل الحديقة، وسوف ترون.

العم: ولكنها كانت سترد عل لو كانت أختي!

الجد: هل بدأت العنادل تغني مرة ثانية ياأورسولا؟

البنت. لا أستطيع سماع حتى عندليب واحد في كل الأنحاء.

الجد. ومع ذلك فليس هناك أي حركة.

الأب: انه سكون الموت.

الجد: لا بد أن شخصا غريبا هو قد أخافها، فما كانت لتصمت لو كان الشخص من داخل البيت.

العم: هل ستتحدثون الآن عن العنادل؟

الجد: هل كل النوافذ مفتوحة يا أورسولا؟

البنت: الباب الزجاجي هو المفتوح يا جدي

الجد: أشعر أن البرد يزحف لداخل الغرفة.

البنت: هناك ريح خفيفة في الحديقة، وأوراق الورد تتساقط يا جدي.

الأب: فلتغلقي الباب اذن فالوقت متأخر.

البنت: سأفعل يا أبي - لا أستطيع إغلاق الباب.

البنتان الأخريان: لا نستطيع إغلاقه. 

الجد: لماذا، ما الذى حدث للباب يا أطفالي؟

العم: لا داعي لأن ترفع صوتك هكذا، سأذهب وأساعدهن.

البنت الكبرى: لا نستطيع اغلاقه كاملا.

العم: الرطوبة هي السبب، هيا ندفعه جميعا، لا بد ان هناك شيئا ما يمنعه من الانغلاق.

الأب: سيصلحه النجار غدا؟

الجد: وهل سيأتي النجار غدا؟

البنت: نعم يا جدي، سيأتي ليجري بعضى الاصلاحات في القبو.

الجد: سيسبب ازعاجا في البيت!

البنت: ساخبره بان ينجز عمله بهدوء.

(فجأة، يسمع صوت منجل يشحذ في الخارج)

الجد: ( مرتعدا) آه!

العم: ما هذا؟

البنت: لا أدري بالضبط، اعتقد أنه البستاني، لا أستطيع رؤيته تماما فهو في الظلمة.

الأب. أنه البستاني في طريقه ليجز الحشائش.

العم: يجزها في الليل؟

الأب: أو ليس غدا الأحد؟ بلى - لقد لاحظت ان الحشائش طويلة جدا حول المنزل.

الجد: يبدو لي ان منجله يصدر صوتا عاليا...

البنت: انه يجز مول المنزل.

الجد: هل تستطيعين رؤيته يا أورسولا،

البنت: لا ياجدي فهو في الظلمة.

الجد: أخشى أن يوقظ ابنتي.

العم: ليس في الامكان سماع صوته.

الجد: يخيل اقي انه يجز داخل المنزل.

العم: لا يمكن ان يسمعه انسان مريض، ولهذا فليس هناك خطورة.

الأب: يبدو لي ان المصباح لا يضيء جيدا هذا الليلة.

العم: ينقصه الزيت.

الأب: لقد رأيته مملوءا بالزيت صباح اليوم، بدأت اضاءته تخفت حينما أغلقت النافذ ة.

العم: أظن أن زجاجته متسخة.

الأب: سيضيء بصورة أفضل بعد قليل.

البنت: لقد نام جدي، انه لم ينم طيلة ثلاث ليال

الأب: انه قلق جدا.

العم: ما أكثر ما يشعر بالقلق الشديد، انه لا ينصت لصوت العقل في بعض الأحيان.

الأب: هذا شيء عادي لمن هو في مثل عمره.

العم: الله وحده يعلم كيف سيكون حالنا حينما نكون في مثل عمره.

الأب: انه في الثمانين تقريبا.

العم: فهو معذور اذن على تخريفه.

الأب: انه كسائر فاقدي البصر.

العم: انهم يستغرقون في التفكير

العميق بعض الشيء.

الأب: لديهم وقت فراغ كبير.

العم: لأنهم لا يقومون بأي شيء آخر.

الأب: وأيضا فليس لديهم أي شيء يسلون به أنفسهم.

العم: لا بد ان حالتهم فظيعة.

الأب: من الواضح انهم يتعودون على ذلك.

العم: لا أستطيع أن أتخيل ذلك.

الأب: انهم بكل تأكيد يستحقون الشفقة.

العم: لا تعرف أين أنت، ولا تعرف من أين أتيت، ولا تعرف الى أين ذاهب، ولا تستطيع ان تميز الظهيرة من منتصف الليل، أو الصيف من الشتاء - ظلمة دائمة، دائمة، إنني أفضل أن أموت على حال كهذا، الا يمكن الشفاء منه على الإطلاق؟ 

الأب: هذا واضح كل الوضوح.

العم: لكنه ليس مصابا بعمى تام؟

الأب: انه يستطيع تمييز الإضاءة القوية.

العم: علينا أن نهتم بعيوننا المسكينة وأن نرعاها.

الأب: تراوده عادة أفكار غريبة.

العم: ولكنه يكون جادا في بعض الأوقات.

الأب: انه يقول ما يجول في خاطره تماما.

العم: ولكنه لم يكن على هذه الحال دائما؟

الأب: لا بكل تأكيد، كان في وقت ما عاديا مثلنا، لم يتفوه بأي شيء يحيد عن الصواب، صحيا ان أورسولا تشجعه أكثر من اللازم، فهي تجيب على كل استفساراته...

العم: من الأفضل ان لا تجيب عليها، هذا معروف لا يساعده (تدق الساعة العاشرة)

الجد: (مستيقظا) هل أنام أمام الباب الزجاجي؟

البنت: لقد استغرقت في نومه عميقة، أليس كذلك يا جدي!

الجد: هل أنام أمام الباب الزجاجي؟

البنت: نعم يا جدي.

الجد: أليس هناك أى شخص على الباب الزجاجي؟

البنت: لا أحد يا جدي، لا أرى أي انسان.

الجد: ظننت بأن هناك أحدا ينتظر على الباب، ألم يأت أحد؟

البنت: لا أحد يا جذي.

الجد: (مخاطبا العم والأب): وأختكما ألم تأت،

العم: الوقت متأخر جدا ولن تأتي بعد الآن، إنه ليس أمرا طيبا منها ألا تأتي.

الأب: بدأت أشعر بالقلق بشأنها

(صوت، وكأن أحدا ما يدخل المنزل)

العم: لقد أتت ا ألم تسمع الصوت؟

الأب: بلى، لقد دخل شخص ما عبر القبو.

العم: لا بد انها أختنا، لقد عرفت خطوتها.

الجد: انني سمعت خطوات بطيئة.

الأب: لقد دخلت بهدوء شديد.

العم: انها تعلم بوجود شخص مريض هنا

الجد: انني لا أسمع الآن أي شيء.

العم: ستصعد الى هنا في الحال، سيخبروها بأننا هنا.

الأب: انني سعيد لمجيئها.

العم: كنت متأكدا انها ستأتي الليلة.

الجد: كما هي بطيئة في صعودها!

العم: لا بد أن تكون هي رغم بطء مشيتها.

الأب: اننا لا ننتظر قدوم أي زوار آخرين.

الجد: لا أسمع أي صوت في القبو.

الأب: سأنادي على الخادمة، وسنرى ما الذي يجري هنا

(يسحب حبل الجرس)

الجد: انني أسمع صوتا ما على السلم.

الأب: انها الخادمة صاعدة الى هنا.

الجد: يخيل افي انها ليست بمفردها.