حسين كمال وصطلح الفن الكبير

الصـور المرافقة
الصور المرافقة

حسين حداد


عجيب ما نراه في المصرية.. وعلى مستوى الاخراج بالتحديد . فالملاحظ أن الكثير من المخرجين المصريين ، يعيشون حالة غير طبيعية من عدم الاستقرار في مستواهم الفني . فمرة يفاجئنا أحد المخرجين بفيلم جديد وجيد، ثم نراه في فيلمه الآخر يقدم فيلما رديئا، ولا يرتقي حتى الى مستواه السابق من الجودة والتجديد. . وهكذا. وهذا يدل على غياب رؤية فنيه وفكرية لهذا المخرج ، واعتماده على مهارته الحرفية وعلى السيناريو المكتوب ، بالإضافة الى عناصر أخرى كالممثل والمصور.

ولكننا هنا أمام حالة خاصة جدا، تتمثل في المخرج "حسين كمال "، الذي يعد

من أهم مخرجي السينما التقليدية التجارية المصرية . ومما لا شك فيه ان

"حسين كمال " مخرج مبدع موهبة فنية كبيرة، خسرته السينما المصرية الجادة بعد

أن أهداها فيلمه (البوسطجي )، والذي قد نعده من أهم عشرة أفلام قدمتها السينما

المصرية على مدى تاريخها كله .

إن "حسين كمال " في أفلامه الثلاثة الأولى (المستحيل ، البوسطجي ، شيء من

الخوف ) قدم سينما جديدة، أثارت اهتمام النقاد، وبشرت بظهور مخرج كبير يقدم

سينما هادفه ، ذات تقنيه عالية . الا ان توقعات النقاد خابت بعد ان حصلت

انتكاسة كبيرة لهذا المخرج ، بعد إخراجه فيلم (أبي فوق الشجرة). حيث اختار

السير في تيار السينما التجارية، وآثر أن يكون مخرج شباك . . على حساب فنه

وموهبته . وقدم أفلاما كثيرة، لاتمت إلى  أسلوبه السينمائي المتميز الذي بدأ به حياته الفنيه .

قال حسين كمال ذات مرة : (هناك سؤال مهم . . هل تريد عمل أفلام مسفة من

أجل المكسب ، أم تريد رسالة ثقافيه من خلال الفيلم ، انه لا يمكن الجمع بين الثقافة والهلس ) " 1 "، ولكن حسين كمال تراجع عن فكرته هذه ليتشبث بالنقيض . . أي سينما الهلس - على حد تعبيره - وهي السينما التي تضع شباك التذاكر كمقياس للنجاح .

وهذه المقدمة . . ربما تكون قاسية، ولكنها الحقيقة . لذلك سيكون من الأفضل

ان نتتبع مسيرة حسين كمال السينمائية، لنكون صادقين في رأينا هذا، والذي بني

على مشاهدات ومتابعات لجميع أفلام هذا المخرج .

بدأت ميول إ(حسين كمال " ( 1930) الفنية منذ الصغر-كما يقول -بعد أن

تعود أن يذهب إلى دار السينما مع العائلة . وكان إحساسه بالخوف والرهبة

والانبهار من هذا العالم الغريب ، قد أثر في شخصيته . وعند بلوغه مرحلة المراهقة وجه اهتمامه نحو السينما والموسيقى :وقد حاول بعد تخرجه من المدرسة دراسة السينما. . الا ان والده أجبره على دراسة التجارة، رغم مقاومته في الدفاع عن ميوله الفنية، وبعد حصوله عل دبلوم التجارةالمتوسطة من مدرسة الغرير، سافر الى باريس لتحقيق حلمه القديم ، والتحق بالمعهد العالي للسينما (الاديك )، لدراسة الاخراج ، حيث تخرج منه عام 1954 . وعند عودته إلى مصر يقول : فوجئت بأن مجتمع السينما في مصركان مغلقا على مجموعة بعينها من المخرجين والمساعدين (. ..) وكانت فترة عصيبة شعرت خلالهابإحباط ويأس لا مثيل  هما(!!). واكتفى خلال هذه الفترة بتصميم ملابس وديكورات فندق النيل هلتون . حتى جاء افتتاح التلفزيون ( 1960 ) ليقدم حسين كمال أوراقه ويجتاز امتحان القبول بتفوق . وقد قبل أيضا لكونه دارسا للسينما ويجيد خمس لغات. حيث ارسل

لبعثه تدريبية الى "ايطاليا"، اكتسب خلالها الاحساس بطبيعة العمل التلفزيوني . وعند عودته ثانية عمل مخرجا للبرامج منها (مجلة الشباب + مشاكل وآراء). بعد ذلك أخرج عدة تمثيليات تلفزيونية منها (الحظ ورايا ورايا) و (البديله ) و (لمن تحيا) و (رنين ) التي فازت بالجائزة الأولى في مسابقة داخلية بالتلفزيون عام (1963 ).  ثم (كلنا اخوة) و (الفخ ) ونحيرها. وأهم أعماله التلفزيونية فيلم (المنعطف ) عن قصة لنجيب محفوظ ، وقد فاز بالجائزة الأولى للدراما في مهرجان التلفزيون عام (1964). حيث لفت الفيلم أنظار النقاد والمهتمين بامكانيات حسين كمال كمخرج سينمائي . في الوقت نفسه الذي اخذت مؤسسة السينما، دورها في مجال الانتاج السينمائي ، وفتحت الطريق أمام المخرجين الشباب ، حيث كانت فرصة حسين كمال باخراج أول افالمه (المستحيل ) من خلال القطاع العام .

يقول حسين كمال : (مهما كان نجاحي في هذا الفيلم باقيا.. ويشاد به الى وقتنا

هذا.. فاني لن أنسى أستاذي الكبير "صلاح ابوسيف " الذي أعطاني فرصة

عمري ، لأقدم هذا العمل . . الذي جاء بكل المقاييس منعطفا جديدا نحو السينما كفن قبل ان تكون تجاره !!.

لقد قدم حسين كمال في (المستحيل - 1965 ) قصة "مصطفى محمودا، مشكلة

اجتماعية نفسية بأسلوب فني جيد وجديد على السينما المصرية آنذاك . حيث لجأ فيه الى تطبيق خبراته الفنية التي اكتسبها من دراسته وعمله في التلفزيون . وقدم فيلما بطله هو التصوير السينمائي ، حيث اهتم بالناحية التشكيلية فيه من تقسيم الكادر وتوزيع الظل والضوء في المشهد، وكان مدير التصوير الكبير "عبدالعزيز فهمي " هومن ساهم بشكل رئيسي في تجسيد ما أراده حسين كمال .

إن بطل المستحيل (كمال الشناوي ) يعاني من سأم في حياته التي رسمها له

والده . سأم من كل شيء . . من بيته الذي تخيم عليه الكآبة والحزن .. من زوجته (كريمه مختار) وعقليتها التي وإن كانت حريصة على راحة زوجها الا انها تنتسب الى عقلية المرأة العربية التقليدية المتخلفة . انه يعيش في رنابة الواقع المحيط به ، ويحاول الخروج منه بأية وسيلة. يتصل بعلاقة بزوجة جاره (ناديه لطفي ) التي أخذت مكان أختها بزواجها هذا، الذي كان خارجا عن ارادتها، وتعيش أيضا في حالة نفسية عصبية، إنهما يلتقيان وكل منهمايعيش هذا السأم .. انها علاقة عاطفية غير طبيعية، فالماساة التي يعيشانها هي التي جمعتهما، فكل منهما لم يخترحياته .. تلقاها جاهزة ولم يساهما في خلقها. . يحاولان أن يتغلبا عل كل هذا إلا أنهما يصدمان بالمستحيل . . بالواقع المفروض عل كل منهما.

ان حسين كمال كان مصرا عل الدقة في التفاصيل ، بمعنى أنه اهتم اهتماما كبيرا

بتفاصيل الشخصيات والاضاءة والديكور والاكسسوار. حيث قال إن هذا يمكنه من

(التركيز على الاطار الذي توضع فله الشخصية، على ان الشخصية ليست الا

عنصرا من عناصر التعبير في الفيلم ، ولا بد من وجود تكامل بين هذه العناصر جميعا، وانا لا اهتم باللقطة فحسب بل بالكادر نفسه وليس اهتمامي من الناحية الجمالية كما يقول النقاد عني ، فإنا لست مخرج كادرات جمالية، وانما اهتمامي ينصب في الأساس على معطيات الكادر الدرامية . هذه العناصر جميعا التي تدخل في بناء الكادر أو اللقطة، موظفة لتقول شيئا محددا !!)."1"

فنحن نلاحظ ان تفاصيل حجرة النوم الخاصة بالبطل وزوجته ، من السرير ذي

الأربعة عمران الى بقية الأثاث الغير منظم في تكوينه ، تشعرك بمدى انهيار الحياة الزوجية التي يعيشها البطل . كذلك الاضاءة في الحجرة والتي تشعرك بالكآبة وعند فتح النافذة، يندفع ضوء ساطع وحاد يعطيك الاحساس بأنك في صيف

مقبض وحار، مما يجسد الاحساس لدى الزوج بالضيق والرغبة في الهرب . ان

جميع العناصر من ديكور واضاءة واكسسوار وزوايا التصوير، تساهم مجتمعة في تجسيد الاحساس بانهيار الحياة الزوجية بين البطل وزوجته .

أما حجرة نوم سيدة المجتمع المغامرة (سناءجميل )فيقول عنها حسين كمال .

(كانت تشبه الغابة بقوانينها الخاصة، هناك ديكور فخم جدا، لكنه خاو خال من

الانطلاق ، فرغ كبير هي ضئيلة في داخله ، وكانت حول السرير تماثيل زنجية، كل تمثال منها يمثل علاقة من علاقاتها، وهكذا يمكن ان ندرك بان علاقاتها هذه

تتصف بالبدائية والهمجية، رغم إدعائها التحرر والانطلاق !!). " 1 "

 ورغم تحمس حسين كمال لفيلمه (المستحيل )آنذاك . . الا أنه بعد أن انخرط في

الاتجاه التجاري ، هاجم فيلمه هذا منكرأ تلك المرحلة الجادة من مسيرته الفنية..

ففي رد على سؤال عن رأيه في هذا الفيلم قال : (وجدته كارثه بشعه . . حلم قديم

يرتبط بفكرة ثابته عن السينما التعبيريه "الألمانيه ". . شخصيات غريبه تتحرك في

عالم غريب ، "سناء جميل " في غابة . . "ناديه لطفي " تقول كلا، غريبا.. فقط "كريمه مختار" التي تجاوبت معها. . لم أكن أعرف كيف أصف إحساسي ، الا الآن !!)0 " 2 "

بعد ذلك قدم حسين كمال فيلمه الثاني (البوسطجي - 1968 ) ليؤكد هذه المرة،

مقدرته كمخرج في التعامل مع التخلف الشديد الذي تعاني منه القرية المصرية في

الصعيد .

يتناول الفيلم قصة "عباس " (شكري سرحان ) الشاب القادم من القاهرة لاستلام وضيفته كناظر لمكتب البريد في قريه (كوم النحل ) في الصعيد.

والفيلم يطرح عدة خطوط درامية مختلطه مع بعض . . الا أن هناك خطان

مهمان رئيسيان . الأول يخص ("البوسطجي " القاهري الذي يعيش صراعا

حادا بين تصوره للواقع الاجتماعي ، وتصور أهالي القريه المتخلف لهذا الواقع .

انه يعيش في عزلة اجتماعيه قاسية ومملة. فيحاول كمصر حدة هذا الملل والوحده ويلجأ لفتح رسائل أهل القريه . وكذلك للتعرف اكثر على ما يدور في هذه القريه . أما الخط الدرامي الثاني ، فهو قصة الحب بين فتاة من القرية (زيزي مصطفى) وبين شاب من خارجها، حيث تثمر هذه العلاقة تجنيناقبل الزواج . يفاجأ  البوسطجي بهذه العلاقه ويتعاطف معها كثيرا. الا انه - وبسبب خطأ منه -يتسبب في انقطاع خط الاتصال بين الاثنين ، وتكون نتيجة ذلك مقتل الفتاة عل يد والدها الصعيدي (صلاح منصور) لمحو هذا العار، وينتهي الفيلم بلقطات معبرة وجميله لعباس وهو يبكي ويقطع الرسائل وينثرها في الهواء لاحساسه العميق بالذنب بحدوث هذه الجريمه .

الفيلم مأخوذ عن قصة قصيرة للأديب "يحيى حقي "باسم (دماء وطين )، الا ان

السيناريو استطاع أن يحولها إلى فيلم سينمائي متماسك ، به كل مقومات الفيلم

الناجح . وإن الاضافات فيه مدروسة بعناية، ولا تشعر المتفرج بالاطالة أو

الافتعال . يعقب حسين كمال (في هذا الصدد) ويقول : (أنا باستمرار حريص الى

أقصى درجة، عل ابراز فكرة المؤلف ثم إضافة فكري الخاص . وأنا في (البوسطخي ) قلت وجهة نظري في الجملة التي جاءت مع المشهد الاخير "مملكه

ثانيه ". . ولكن لا بد ان أقدم ا"يحيى حقي "، والا اذا كانت لدي فكرة اخرى، فلأكتبها واقدمها للناس . وعموما فان اختيار موضوع معين والاحساس به ثم اخرابه يعني انني متفق معه !!)"1".

أما عن كتابة الفيلم فيقول : (المؤكد أثني وجدت نفس فعلا في فيلمي الثاني

(البوسطجي )، بعد عامين من التفكير الطويل والتأمل العميق . . كان هذا الفيلم

مثل لحظة تنويم ، وقد كتبته مع "صبري موس "ى و "ادنيا البابا"، دون علم "اصلاح ابوسيف ،ا، ثم ذهبت اليه وقلت لن أصنع الا هذا !!) "3".

وبهذا الفيلم استطاع حسين كمال ان يحقق استخداما متقنا للمونتاج بقيادة"" المونتيره " (رشيده عبدالسلا م ) ، التي عملت معه في أغلب أفلامه بعد ذلك .

كذلك استفاد كثيرا من التفاصيل الصغيرة والشخصيات الثانوية، في إغناء الخط

الدرامي الرئيسي وتعميقه . وحقق ايضا توازنا ملحوظا وموفقا، بين السيطرة على

حرفياته الفنيه والتقنيه كمخرج ، وبين المضمون الذي يطرحه الفيلم .

ففي بيت البوسطجي ، الذي إستأجره من العمدة وكان مهجورا في السابق ، هذا

البيت قصد به المخرج ، أن يمثل سجن البوسطجي في القرية .

 فالبيت واسع جدا، الا ان جدرانه متهدمة، والمكان مشبع بالرطوبة . . مما ساهم في احساس البوسطجي بالكآبة، وانزوائه في ركن من أركان هذا البيت الكبير. كما أن الصور الاباحية التي على الجدران ، ومشهد الغازية - وبفضل هذا الجو القذر الذي يعيشه - تمثل حرمانه الجنسي ، وتحوله الى وسيلة خاطئة للاشباح . كذلك مكتب البوسطة بتكوينه وشباكه الحديدي ، يمثل سجنا آخر، يجعلك تشعر بأنه سجين فيه . أما مشهد الاغتصاب في برج الحمام ، فبقول عنه حسين كمال (أنا انفذ اللقطه أو المشهد ليعطي معنى محددأ. فمثلا في مشهد البرج ، عندما قرأته في السيناريو اول مرة، كنت أسمع طبولآ تدوي في المكان ، وبنيت تصوري للمشهد عل أساس توظيف الكاميرا والموسيقى والديكور والاكسسوار. لخدمة مضمون محدد. فمع الطبول قدمت سلامة و "مريم " بثلاث زوايا مختلفه رئيسية، تهدف الى تعريف المتفرج بالمكان الذي يجمع بين الحمام الأبيض رمز البراءه والطهر، في حركة متصلة من أعلى ومن أسفل ثم الرجل والفتاه عل أرفى البرج ، وكان المشهد مرسوما، في محاولة لعجنهم مع بعض ، أو تذويبهم في داخل بعض . ثم بزاوية منخفضة مع صرخة الاغتصاب .. وتسكن الحركة فجأة لتبلور موقف الرفض والادانه !!) " 1 ". أما مشهد المجلات الاباحيه في مكتب البوسطة، فقد جاء ليعطي فكرة سيئة لأهل القرية عن البوسطجي ، ويستغلونها في تحطيم

شخصيته . ورغم رفضهم لما في هذه المجلات ظاهريا، إلا أن امنيتهم هو ما

فيها.. هنا ابراز للتناقض في شخصياتهم .

وعن أسلوبه السينمائي يقول حسين كمال : (أسلوبي أستمده من العمل نفسه ،

فأنا آخذ المشهد وأذوب فيه ، فالمشهد هو الذي يفرض علي الطريقه التي انفذه بها. فالعمل المكتوب هو الذي يفرض ويحدد أسلوب المعالجة، حيث أنني أترك نفس له تماما !!). فهو عندما أراد اخراج هذا الفيلم ، سافر الى أسيوط واقام ثلاثة أسابيع ، علاوة عل ذهابه لقرية (النحيلة) التي تبعد ساعة ونصف من أسيوط ، يراقب ويتعايش مع جوالفيلم قبل البدء في الاخراج . وليس هذا الا دليلا على واقعية حسين كمال -في البوسطجي فقط - وحرصه الشديد على إظهار القرية بشكل صادق وحقيقي ، ومختلف عما قدمت في أغلب الافلام المصرية السابقة . كذلك شخصيات الفيلم التي استطاعت ان تقنعنا بمصداقيتها وذ وبانها في هذا الواقع الحقيقي . . وكانت موازية لكافة العناصر السينمائية الأخرى .

لقد استطاع حسين كمال ، كسر وتحطيم بعض القواعد التقليدية وتقديم

شكل جديد، قد وضعه في مصاف أهم المخرجين المصريين المجددين آنذاك . ففي

فيلمه الثالث (شيء من الخوف - 1969)، قدم أسلوبا مستحدثا على السينما

المصرية، حيث لجأ الى اسلوب فني جعل الفيلم أشبه بالحكاية الشعبية. علما بان

الفيلم مأخوذ عن قصة قصيره للكاتب ثروت أباظه .

يبدأ الفيلم بحكاية "عتريس " و ""فؤاده "، طفلان يعيشان في ظل قرية يخيم

عليها الخوف والرعب . . طفلان تجمعهما البراءة والصحبة وكره العنف والدم .. رغم محاولات عتريس الجد لاعداد حفيده ليكون الرجل القوي والمسيطر من \بعده .

وتمر السنون ويكبر الطفلان لتتحول الصحبة الى حب يصطدم مع التحولات

الجذرية التي طرأت على شخصية عتريس بعد مقتل جده بين يديه مفتديا بحياته .

فيصبح عتريس الصافي والمسالم ، اكثر استبدادا وبطشا من جده .. وهذا معناه أن

كلأ من ا"عتريس " و ا"فؤاده " قد اختار كل منهما طريقا مختلفا. حيث ان فؤاده لا

تخاف بطش من يثيرون الرعب في القرية ويحرقون زرعها ويقتلون رجالها . وأول مواجهة بين الاثنين تحدث عندما يقوم "عتريس " بقطع المياه عن القريه ليميتهم وأراضيهم عطشا، وهنا يقفز السؤال : من يبدأ الخطوة الاولى في تحطيم الظلم  والعبودية ؟ وحيث ان الاهالي لا حول لهم ولا قوة، نتيجة الخوف الذي يعشعش في قلوبهم . . تأتي ا"فؤاده " لتعيد المياه الى الارض العطشى وأهلها. عندها يقرر ""عتريس " الزواج من " فؤاده " واحتوائها تحت مظلته .. ومع رفض "فؤاده " لهذا الزواج ، إلا أن والدها ومن شهد على عقد الزواج ، يدعون أنها قد وكلت والدها. . ويشاع هذا الخبر في القرية بعد ان عرف "عتريس " كل شيء من "افؤاده ". وعلى رأس من يجاهر بأن (زواج عتريس من فؤاده باطل ) هو الشيخ "اابراهيم ". لذلك يدفع ثمنآ غاليا نتيجة ذ لك ، وهو أرضه ثم ابنه . وتكون تلك هي الشرارة التي تتحول الى  مسيره كبيره يشارك فيها جميع الاهالي وهم يحملون جثة محمود متجهين الى قصر "عتريس " للقضاء عليه وتخليص "فؤاده ". وينتهي الفيلم باحتراق "عتريس " داخل قصره ، نتيجة المشاعل التي يقذفها الاهالي على القصر.

ان حسين كمال كان ذكيا في لجوئه الى أسلوب الحكايات الشعبية واستخدام

الأغنيات التي توزعت طوال الفيلم للتعليق على الأحداث . حيث أكسب الفيلم نكهة

خاصة، تجعل المتفرج يتحمس للفيلم حتى النهاية، هذا من جهة.. ومن جهة اخرى

حاول حسين كمال تغطية ما في القصة من مبالغات في المواقف ، معتقدا بان  الموقف بمجمله وليس بتفاصيله ، هو هدف الفيلم .

على عكس ما كان في فيلميه السابقين ، حيث كانت التفاصيل عونا له في إغناء الحدث الدرامي الرئيسي وتعميقه .

لقد تخلى حسين كمال عن واقعيته في هذا الفيلم . . والتي قدمها بشكل صادق في

(البوسطجي ). فالواقعية ليست أن تصور الواقع ، وتجعل الشخصيات تتكلم بلغة

المكان . . بل هي تقديم الأحداث والشخصيات بشكل مقنع وصادق ، لتذوب في هذا الواقع وتعطي عملا واقعيا متكاملأ. ورغم ان حسين كمال في هذا الفيلم استطاع ان يجعل المتفرج يعيش مع الريف المصري بتقاليده وعاداته ولغته ، الا

أنه لم يستطع ان يقنعه بهذه الصورة المفتعله من الاجرام المتمثل في عتريس . 

فالاجرام أما ان يخون من الحكومات وأعوانها، أو يكون اجرام الاقطاع . كذلك

وكما هو معروف منذ أقدم العصور، ان القرية المصرية يقوم فيها حكم تكوين

الأس ة على أن المرأه تكون دائما في حماية الرجل . . فكيف يمكن تصديق ان تكون فؤاده (المرأة) هي من ينقذ القرية من الظلم . كما ان اصرار (الجد) "عتريس" على أخذ وعد من حفيده لمواصلة ما بدأه ، والتحول المفاجأ "عتريس " يتناقض تماما بع الواقع . أي ان حسين كمال لم يستطع اقناعنا بواقعية بعض شخصياته واحداثه في فيلمه (شيء من الخوف ). في النصف الأول من الفيلم كان دور الصوره السينمائية بارزا، حيث كان الحوار مركزا . وليست مشاهد الأرض العطشى وما بها من تشققات ثم ارتوائها بالماء، الا دليلا على ذلك . أما في النصف الثاني فقد طغى عليه الحوار، وضعفت تكوينات الصورة. رغم ان الحوار الذي كتبه "الأبنودي " تتضح قيه الصياغة الجيدة والعذبة، في اختيار الجمل الحوارية. أما الموسيقى التصويرية مع الكورال والأغاني ، فقد أضفت على الفيلم طابعا مؤثرا وجميلأ. ورغم بعض السلبيات التي احتواها الفيلم ، الا انه يظل واحدا من الأعمال البارزة، لتقديمه اسلوب الحكايات الشعبيه بشكل جديد ومؤثر.

بهذا الفيلم ينهي حسين كمال مرحلة من اهم مراحله السينمائية.. وهي المرحلة

التجريبية. يقول حسين كمال : (كانت الافلام الثلاثة سابقة لعصرها بما تقدمه

من جديد مختلف عما كانت تقدمه السينما المصريه عموما في الستينات ، فلم يستطع الناس ان يستوعبوا هذا الجديد بسرعة.

ولكن بعد فتره أصبحت هذه الافلام التي شكت عقدة لي وللناس ، مفهومه من

الجميع وبالتالي مرغوبه من الجميع !!) "3". وبفيلم (شيء من الخوف ) أيضا،

ينهي حسين كمال تعاقده مع القطاع العام ، ويتجه للعمل مع القطاع الخاص . لتنفيذ افلام تستهدف تحقيق اكبر الايرادات ، ولتخاطب الغرائز والرغبات السهله لدى الجمهور الواسع والمتخلف .

هذا ما حدث بالضبط لحسين كمال . . إنها انتكاسة كبيرة لمخرج جاد، غير فيها

أسلوبه السينمائي واهتماماته الفكرية بالكامل. واذا حاولنا في البحث عن أسباب

هذه الانتكاسة، فلا نجد الا ان حسين كمال قد سعى لإرضاء الجمهور العريض -

والذي حققه بفيلم ،اابي فوق الشجرة" - على حساب امكانياته الفنيه والفكرية . أما

هو فيبرر ذلك بقوله . (الفن نوعان . . الفن التجريبي والفن الكبير، لكل الناس. . هذه مسألة محددة تماما في رأسي . في السيده زينب كانت الناس تحطم الكراسي سخطا، وفي البيت كانت اكوام الصحف التي تمجد.

(000) اعتقد ان الفن التجريبي ضروري جدا، ولا بد ان يوجد من يصنعه ، ولكني اخترت أن أصنع الفن الكبير. لقد وضعت إسمي على باب سينما شبرا، بدلا من اضعه على باب نادي السينما أو مركز السينما !!) "2".

ونحن نقول انه من الصعب -كما هو معروف - الجمع بين النقيضين . . إرضاء

الجمهور وارضاء النقاد في آن واحد. فهي معادلة قال عنها الناقد الفرنسي (جورج

سادول ) انها محاولة اختراق المستحيل .

والفن عموما وظيفته الأساسيه هي ا