المتنبي والمرأة

محسن الكندي


جاء "المتنبي " في عصر متأخر من الحضارة العربية، التي ازدهرت وفاقت سمعتها أصقاع الدنيا وهو لا بلا شك قد تأثر بالشعراء الذين تغنوا بالمرأة كرمز حضاري له عبقه الشعري الخاص .

وإذا كان حال المرأة في الشعر الجاهلي صورة جميلة يزين بها الشعراء مطالع قصائدهم ، وعلاقتهم بها تتخذ طابع التكريم والتقدير مرة، والتبذل والمجون أخرى، فهي عند المتنبي أيضا على هذا النحو. فقد كانت صورها الحسية ماثلة في شعره - كما سنرى - تطفح منها رائحة الغرائز بأجل الصور البدائية، وبأسلوب يعتمد على التصريح كما نجد تشابها في المعاني التي طرحت لدى بعض الشعراء الذين جاءوا في كافة العصور، (كالبحتري وجميل بثينه ، وبشار بن برد، والطرماح

وغيرهم ) ومعاني المتنبي .

ولو استطردنا في شرح هذا التماثل في المعنى الذي طرحه المتنبي في غزلياته وجدنا تشابها مع هؤلاء الشعراء، غير ان المتنبي وصف حبيبته كالشمس في سطوعها ونقاوتها، وجمالها الأخاذ في قوله .

كأنها كالشمس يعيي كف قابضه

شعاعها ويراه الطرف مقتربا

فهو هنا يستحدث نفس الصورة الوصفية التي جاء بها "ابن عينيه " قبله في قوله :

وقلت لأصحابي هي الشمس نورها

قريب ولكن في تناولها بعد(1)

وفي قول "بشار بن برد":

أو كبدر السماء غير قريب

حيث يوفى والضوء منه قريب (2)

أو قول الطرماح:

تراها عيون الناظرين اذا بدت

قريبا ولا يسطيعها من يرومها(3)

وتأثر في وصفه لعيون حبيبته الحالمة

ألم ير هذا الليل عينيك رؤيتي

فتظهر فيه رقة ونحول

ويقول ابن المعتز.

ضعيفـة أجفانـه *   والقلب منه حجر( 4)

كأنما الحاظه      *    من فعله تعذر

ويقول البحتري :

وكأن في جسمي الذي *  في ناظريك من السقم (د)

ومن الملاحظ أن المتنبي قد جدد في المعنى بإبراز قوته ، وكثافته ،ودفعة خياله ، فهم جميعا لم يصلوا، إلى مرتبة المتنبي ، لقول "ابن المعتز" الأخير، وان كان أجود من "البحتري " ولكنه لم يصل إلى قول "المتنبي"، فسقم عين الحبيب انتقل اليه وأمرضه فهو تجاوز الوصف الى الفعل ، وأورد صورتين في البيت المذكور، وكلاهما ذا أثر فعال في شخص المحب ، بينما "ابن المعتز" و"البحتري " لم يتعديا وصف صورة واحدة.

ويمكن القول بأن "المتنبي " رغم أنه تأثر بغيره لكنه كان تأثيرا مصحوبا بجديد له جانب كبير من الإثارة.

نظرة المتنبي للمرأة

( 1 ) النظرة العدائية :

رغم تلك الكثرة من الدراسات التي تناولت حياة "المتنبي " وشعره ، إلا أنها لم تذكر شيئا عن علاقته بالمرأة، أو حبه لامرأة بحينها كمثل تلك العلاقات التي شاعت عند أقرانه ، ورفقائه .

ان تلك الدراسات تضاربت في آرائها حول المرأة عند هذا الشاعر كما يقول الأستاذ "القويضي " في دراسته "المتنبي بعد ألفي عام ".. "انه لم تمتلكه المرأة، ولم يشغله الحب " بل هو مترفع عنه مشغول بطموحه ، الذي تاق اليه في دنياه ، ولعل أبيات المتنبي التالية دليل هذه الدراسات في هذا الرأي .

لولا العلا لم تجب ما أجوب بها

وجناء حرف ، ولا جرداء قف ود

وكان أطيب من سيفي معانقة

أشباه رونقة الغيد الأماليد

لم يترك الدهر من قلبي ولا كبدي

شيئا تتيمه عين ولا جيد(6)

وكذلك قوله في قصيدة أخرى

وللخود مني ساعة ثم بيننا

فلاة إلى غيرالقاء تجاب

وما العشق الا غرة وطماعة

يعرض قلب نفسه فتصاب (7)

وغير فؤادي للغواني دمية

وغير بناني للرماح ركاب

غير أنني أختلف مع هذه الدراسات التي ترجع عداء "المتنبي " للمرأة. من خلال هذه المقطوعات التي يقتطعها الدارسون ، فيفسرونها حسب هواهم ، وأمزجتهم ، فالمقطع الثاني من قصيدة قالها وهو في حالة نفسية صعبة، وكما تشير مناسبتها، فإنه قالها عندما اتخذ قراره بهجر مصر، فانتابته اثر ذلك الوساوس ، فجمع قواه وما توزع من عزمه ، وما تشتت ، ثم صمم على الرحيل ، ويكشف ذلك في بقية القصيدة :

وفي الجحيم نفس لا تشيب بشيبة

ولو ان ما في الوجه منه حراب

لها ظفر ان  كل ظفر أعده

وناب إذا لم يبق في الفحم ناب

اذن ذلك التعزيز الذي تلمسه أولئك الكتاب في نظرتهم "للمتنبي " على أنه عدو المرأة في تلك القصيدة لم يكن صادقا، فـ "المتنبي " قد صارع الدهر فصرعه ، فها هو يستجمع قواه لينهض من كبوته فيظهر، وكأن غلاب الدنيا في فترات معينة من حياته لم يدع له فرصة يعطيها لعشقه ، فيهيم في أناة كما يصنع هؤلاء الذين وادعتهم الحياة وهادنهم الزمان فصادقهم الهوى، فعايشوا لهو المرح ، ومرح الحب والغزل . 

وتبنى نظرة الدارسين الذين يؤيدون فكرة عدائية "المتنبي " للمرأة على بعض النماذ ج من قصائده ، فها هو المستشرق الفرنسي "بلاشير" يستشهد لذلك ببيتين هما:

اذا غدرت حسناء وفت بعدها

فمن عهدها أن لا يدوم لها عهد

و قوله:

ومن خير الغواني فالغواني

ضياء في بواطنه ظلام

ويقول "بلاشير" "فالشاعر الذي يعبر عن رأيه في النساء بهذا الشكل لا يستطيع الاشادة بالمرأة الا مضرا مكرها"(8)

ويظهر لنا حكم "بلاشير" هذا، بأنه فيه شيئا من التجني على "المتنبي " ذلك أن المتنبي في حقيقة الأمر لم يكن عدوا للمرأة. ففي شعره دليل حي علي تقديره لها واعتزازه بها، فهو يقول في موضع آخر فيها:

أسر بتجديد الهوى ذكر ما مضى

وفي كان لا يبقى له الحجر الصلد

فالمتنبي ببسر عندما يجدد الهوى ذكر أيام الوصال ، وان كانت تلك الذكرى تقطع قلبه حزنا وأسى، بل يذوب لها الحجر الصلد أسفا وحنينا. فهل ألذي يقول هذا عدو للمرأة، وليس ذلك فحسب بل انه من أجل الحبيب يلذ طعم السهاد، كطعم الرقاد أيضا :

سهاد أتانا منك في العين عندنا

رفاد وقلام رعى سربكم ورد(9)

و"بلاشير" ليس وحده قد تبنى تلك الفكرة ازاء "المتنبي "، فهناك كتاب حذو حذوه في دراساتهم ، فها هو ذا "علي الجندي " في كتابه "غزل المتنبي وحبه " يعتقد بأن "المتنبي " يبرأ من الحب براءة تامة، فترام حبيبا شكس الخليقة، حمي الأنف ، كثير الاعتداد بنفسه ، بعيد مرامي الهمة، يهمس بالثورة تارة، ويصرح بها أخرى، ويتطاول الى معالي الأمور، ويتحدث عن آمال جسام . . . الخ

فهو القائل:

أمط عنك تشبهي بما وكأنه

فما أحد فوقي ولا أحد مثلي

وكذلك فعل "حسن علوان "، في مقالة له عن المتنبي اذ يقول عن المتنبي : "فلم ينفذ إلى قلبه سحر المرأة، ولم تلتهب فيه عواطف الغرام ، لأن نزوعه إلى المجد وتطلعه إلى الرئاسة لم يدع للمرأة سلطانا على قلبه .. هذه الحياة الصاخبة الجامعة المفزعة أبت على "المتنبي" أن يصغي الى الحب ، وأن يستجيب إلى صوت العاطفة".

وسرد الدكتور"سامي الدهان" في كتابه "الغزل منذ نشأته " نفس الفكرة قائلا بكل صراحة : وما لا يعرف "للمتنبي " قلبا أحب ، وهو القائل :

وما كنت ممن يدخل العشق قلبه

ولكن من يبصر جفونك يعشق (10)

فمن هذه الفاتنة التي أحبها (المتنبي )؟ أهي الدنيا أم المناصب العالية أم الثروة والطموح ، والمجد والعز والنصر؟ وهل ترك قلبه مكانا للمرأة فيه غير أن يلهو بذكر اسمها ليفتتح بها شعره ويعطر بها نشيده ؟

هذه هي بعض الآراء حول النظرة العدائية "اللمتنبي " للمرأة، والتي يتبناها بعض مؤرخي سيرة هذا الشاعر، غير أنني لا أوافق هذه النظرة التي تحمل بعض الشطط في الحكم والابتسار فـ "المتنبي " كما أراه انه حتى ولو لم يعلق قلبه بواحدة فإنه أنصف المرأة، وقدرها حق التقدير، وأعتقد ان ابتعاده عن النساء، ووصفه لهن ببعض ما يظهر عداءه لهن له ما يبرره ، فهو ابتعد عنهن في مرحلة من حياته ، ولظروف خاصة ألمت به ، ولا أستبعد ان تكون تلك الظروف متعلقة بحبه للملك وطلب الاماراة، جعلته يفتعل التزمت ، وموقف عدم الاهتمام بهن ، لئلا يهتم بالهزل

ومطاردة النساء، واقتناص اللذة، ومعاقرة الخمر، كما فعل كبير الشعراء "امرؤ القيس" فضاع منه ذلك ، لذا هو يبتعد عن مواطن الهزل ، وينزع إلى العظمة، ليوهم من حوله أنه أهل لكبار الأمور، ويصلح أن يكون رجل دولة، وهو في حقيقة أمره شغوف بالنساء يحرص على حبهن ، وقد عشق كما يعشق الرجال ، لا سيما في صباه ولسنا ننكر ذلك في شعره القائل :

وكيف التذاذي بالأصائل والصخى

اذا لم يعد ذاك النسيم الذي هبا

ذ كرت به وصلا كأن لم أفز به

وعيشا كأن كنت أقطعه وثبا

وكذلك:

هذه مهجتي لديك لحين

فأنقضى من عذابها أو فزيدي

(2 ) النظرة الشغوفة بالمرأة :

أعتقد جازما بأن (المتنبي ) كان شغوفا بالمرأة، متيما في هواها، يدل على ذلك مفتتح قصائده ومطالعها، التي ينشدها ساعة الاستقرار، فيها الصور الكثيرة في الغزل بها والتشبيب بصفاتها، غير أن حياته التي اختارها ان تكون في بلاط أبي العشائر، أو سيف الدولة أو كافور، أو غيرهم من الأمراء وعلية القوم ، تكتم  عليه أن يكتم حبه وأن يلزم حياة المجد ليصل إلى الهدف .

وكما يقول الدكتور "سعد شلبي ". فان المتنفس الذي يفصح عن حبه المكتوم هو مطالع بعض قصائده (11)، ومن نماذج هذا الغزل الذي كان فيه ذ كر المحبوبة لأول مرة . وهي "جمل " قوله في قصيدة مدح فيها "شجاع بن محمد الطائي ":

جرى حبها مجرى دمي في مفاصلي

فأصبح لي عن كل شغل به شغل

ومن جسدي لحم يترك السقم شعرة

فما فوقه  الا وفيها له فعل

  اذا عذلوا فيها أجبت بأنه

حبيبتا قلبا فؤادا هيا جمل

كأن رقيبا منك سدى مسامعي

عن العذل حتى ليس يدخلها العذل

كأن سهاد الليل يعشق مقلتي

فبينهما في كل هجر لنا وصل

أحب التي في البدر منها مشابه

وأشكو الى من لا يصاب له شكل

فهذا المطلع ينبض ببأساء الحب ، وشجن المحب المتهالك الذي أصبح عبرة للمحبين ، فقد أحب حتى ذهب عقله ، وجرى الحب في عروقه ، فأذهله عن كل شيء ، وأصاب من جسمه كل شيء ، فلا مجال لرجعة عن حبه ، فلا يملك الا الأنين باسمها وصفاتها، وكأن جمالها قد صرفه عن كل عذل ، ذلك الجمال الذي أسهره ليله فلا يكاد ينام .

ومطالع (أبي الطيب ) الغزلية كثيرة ومتعددة. فله في كل البيئات المكانية التي قضى بها صفوة حياته حب ، فالحب لم يفارقه ولم يتعد سنين عمره ، فقصائده التي كتبها في الشام أو لسيف الدولة أو لكافور، أو التي صاغها وهو في بغداد أو شيراز أو خراسان كلها تنبض بالحب والإحساس به ، فانظر وصفه للمرأة، في مطلع قصيدته المدحية لـ"علي بن منصور" التي يقول فيها:

بأبي الشموس الجانحات غواربا

اللابسات من الحرير جلاببا

المنهبات قلوبنا وعقولنا

وجناتهن الناهبات الناهبا

الناعمات القاتلات المميتات

المبديات من الدلال غرائبا

حاولن تفديتي وخفن مراقبا

فوضعن أيديهن فوق ترائبا

وبسمن عن برد خشيت أذيبه

من حر أنفاسي فكنت الذائبا(13)

فهذه الأبيات تمتلىء بمعاني الحب ومعرفة الغواني وطبائعهن ، وما يحدثن من تأثير، ففي البيت الرابع مثلا مشابهة "عمر بن أبي ربيعة" حيث يترك الحسان يتغزلن فيه ، ويحرصن على حبه ، وفي البيت الأخير صورة طريفة تقوم على الاستعارة التصريحية والمكانية في آن واحد، فهي مختلطة حسب التعليل ، والأبيات تنساب انسيابا موسيقيا رائعا.

و"أبوالطيب " لطالما يستظهر حبه من شدة الجوى للحبيب ، وهو يتخيل طيف حبيبته يمر عليه فيخلق معه حوارا يستعطفه ليبعث اليه بأخبار محبوبته وأحوالها، فهو يوازن بين هذا الخيال وصاحبته ذاكرا رأيه في وصال كل منهما وهجره . . وعلى الرغم من أن هذا الحوار جاء كمطلع لقصيدة مدحيه مدح فيها عضد الدولة، فانها مليئة بالأحاسيس ، فهو يقول مخاطبا هذا الطيف الخيالي:

عد وأعدها فحبذا تلف

ألصق ثديي بثديها الناهد

وجدت فيه بما يشح بها

من التشتيت المؤشر البارد

وإذا خيالاته أطفن بنا

أضحكه أنني لها حامد

لا تعرف العين فرق بينهما

كل خيل وصاله نافد

والوجه الجمالي في هذه الأبيات ان المتنبي معني بالغزل ، فهو يتجاهل فيه تجاهل العارفين ، ويشخص الخيال ، ويجري على لسانه ذلك الحوار الحي .

وهكذا يبدو "المتنبي " متيما بالنساء، شغوفا بهن ، قد صدح بذلك في مرحلة ما قبل اتصاله بسيف الدولة، وهو ما يؤكد مصداقية حكمنا السابق  فانظر كيف يستنطق ذلك :

أطعت الغواني قبل مطمع ناظري

إلى منظر يصغرن عنه ويعظم (13)

ولا يمكننا الا القول ان "المتنبي " عرف الهوى وذ اق مرارته ، وحلاوته ، وعاش تجاربه ، تخرج بهذه النتيجة بعد أن قارب الخمسين من عمره تبرهنها قصيدته البائية التي تتوسم مظاهر التجارب ، والخبرة ولعل مطلع القصيدة يكشف ذلك:

وغير فؤادي للغواني رمية

وغير بناني للزجاج ركاب

وتشير بعض الدراسات التي تناولت ظاهرة الحب عند "المتنبي " إلى أنه كان عاشقا لأخت سيف الدولة "خولة" وان سيف الدولة كاف على علم بما كان بين المتنبي وأخته من المحبة الغالبة على أمرهما. وانه كان وعد "أبا الطيب " وعدا لم يوف به في أن يزوجه أخته هذه ، وتستدل هذه  الدراسات بقول "المتنبي ":

ومن مضت غير موروث خلائقها

وان مضت يدها موروثة النشب

وهمها في العلا والمجد ناشئة

وهم أترابها في اللهو واللعب

يعلمن حين تحيا حسن مبسمها

وليس يعلم إلا الله بالنشب (14)

فقد ذكر "أبوالطيب " في هذه القصيدة أخلاق "خولة" ثم ذكر ما كانت عليه من علو النفس والهمة منذ نشأتها، ثم ذكر ابتسامتها، وهذه كافية للدلالة على معرفته بـ"خولة" معرفة صحيحة تبرهنها الخبرة واللقاء.

وأراني اختلف مع هذه الدراسات في هذا الرأي ، ذلك ان "المتنبي"  كان اتصاله بسيف الدولة اتصالا ذا مطامع . . كما ان "خولة" في هذه القصيدة جعلت من المتنبي حكيم الشعراء، وشاعر الحكماء وذلك أمر مرفوض أيضا لأن "المتنبي " كان حكيما قبل أن يتصل بسيف الدولة والحكمة مبثوثة في ثنايا شعره قبل أن تطأ قدماه أرض حلب .

ولو نظرنا إلى تلك الأبيات لوجدنا انها خالية من أي منظر للحب ، فهي في أساسها قد كتبت في رثائها، وتقديم التعزية لأخيها سيف الدولة، ولا أعتقد ان الموقف يتحمل تبرير مكنونات النفس، ولكننا عرفنا أن "المتنبي " أيضا في كثير من قصائده يتشوق إلى "أم سيف الدولة" ويظهر الحب لها فهل يصح أن نقول انه أحب "أم سيف الدولة""، إنني لم أجد الدليل قويا إزاء هذه العلاقة في شعر "المتنبي " ولا حتى في تاريخ حياته وخاصة الخمسة عشرة سنة (أي منذ أن وطئت قدماه أرض حلب ) فهو لم يتفوه بذكرها ولو مرة واحدة، فكيف تأتي هذه الآراء إلا على سبيل الحدس "وخلاصة القول بأن "المتنبي " أحب ، وكانت صلته بالمرأة قوية في صباه ، وفي عنفوان شبابه ، كيف لا وهو الجواب في صحاري العراق ، وبوادي الشام ، متنقلا بين القبائل والحواضر، وهو الشاعر المرهف الإحساس ، الذي ما فتىء أن استلهم شغفه بالحب من خلال وصف واثارة "للبدويات الرعابيب على الحضريات " وذلك لجمالهن المطبوع ، وأيا كان الأمر ف "المتنبي " تبعا لذلك منساق وراء هذه الصفات الجميلة الأثيرة

إلى قلبه تبرهنها أبياته الجميلة :

هام الفؤاد بأعرابية سكنت

بيتا من القلب لم تمدد له طنب

وقوله واصفا البدويات:

حسن الحضارة مجلوب بتطرية

وفي البداوة حسن غير مجلوب

أفدى ظباء فلاة ما عرفن بها

مضبغ الكلام ولا صبغ الحواجيب

ظاهر تصوير المتنبي للمرأة :

سوف أركز هنا على المظاهر الحسية، والمظاهر الرمزية لتصوير "المتنبي " للمرأة مستلهما مطالع القصائد التي جاءت حاملة هذا الاطار.

* أولا : المظاهر الحسية :

حدد "المتنبي " المظاهر الحسية