|
كتب "نجيب
محفوظ
" في سنة 1939 أولى
رواياته
" عبث الأقدار"
فهل كان من
مجرد
المصادفة أم من توفيق
الحدس أن
يطلق عليها
هذا الاسم ، الذي يبدو
لأول وهلة
رومانتيا
ساذجا في رومانتيته
، بل يبدو
كأنه من
عناوين تلك الروايات التي تعج
بها أسواق
التسلية
والتلهى ،
كروايات "ريدار هاجارد"
الذي كان نجيب محفوظ عندئذ
معجبا به ،
يقرؤه بشغف ،
ولعلك تلمس تأثيره
واضحا في
كتاباته
الأولى ؟! يخيل
لي أن "عبث
الأقدار" هو
مقوم رئيسي
من مقومات
عالم "نجيب
محفوظ " ،
ومهما أجلت
النظر في
كتاباته
طولا وعرضا
خلال السنين
الطوال فلن
يسعدني أن
أفلت من
اليقين بأن
هذه القدرية
من مميزات
فنه وفكره ،
ولعل
القدرية
أيضا من
خصائص
رؤيتنا
الأصيلة نحن
المصريين
منذ أقدم
عصور
تاريخنا .
لست أقطع في
ذلك بشيء .
ولست أفسر
هذه القدرية
في الوقت
نفسه تفسيرا
ضيفا يقصرها
على
الاستسلام
للمصير
استسلاما
سلبيا خانعا
، فقد تكون
شجاعة العمل
، والصبر
عليه ،
والكفاح
الدؤوب ، بل
قد تكون
المغامرة ،
وركوب
المخاطر ،
كلها واقعة
في داخل
إيمان -
يتجاوزها
كلها -
بالقدر
وبالقضاء
المحتوم ،
بأن "المكتوب
على الجبين
لا بد أن
تراه العين "
. وليس ذ لك
تناقضا الا
في الظاهر ،
وهناك مواقف
فلسفية تعرف
مثل هذا
التناقض بين
الياس
الكوني وبين
حرية
الانسان في
تخطيط مصيره
، بين القلق
الوجودي
وبين
الاختيار . ومهما
يكن من الأمر
، فقد اتخذت
المشكلة
أوضح
قوالبها
وأكثرها
عريا في
رواية "نجيب
محفوظ "
الأولى ، وهي
المشكلة
التي ستصبح
فيما بعد من
أولى بؤرات
اهتمامه ،
وسوف تتصل
عنده أوثق
اتصال
بمشكلة حرية
الانسان في
العمل ،
ومصيره في
العالم . "عبث
الأقدار" هي
قصة ارتقاء "ددف
رع " عرش مصر،
خلفا عظيما
لسلف عظيم هو
"خوفو" صاحب
الهرم ، وهي
أيضا قصة
ارتقاء ابن
وفي نموذجي
من أبناء
الطبقة
الوسطى ،
مدارج المجد
حتى أسمى
مراتبها -
وهذه قصة
أخرى لن يفتأ
"نجيب محفوظ
ا، يرددها في
كل أعماله
على وجه
التقريب ،
بكل
تنويعاتها -
ولكنها فوق
ذلك كله قصة
القدر
المضروب ،
النافذة
كلمته ، أو
بالأحرى قصة
الحوار الذي
يدور دائما
بين الانسان
إذ يتحدى
الجبرية
المفروضة
عليه " وهذه
القوة
العليا
المطلقة
الكلية التي
تحدد في
النهاية
مسار حياته
مهما تملص من
قبضتها .
حوار ينتهي
دائما
باخفاق
الانسان
واندحار
بطولته ،
ينتهي دائما
بسيادة شيء
ما أعلى من
منطق
الانسان
وأقوى من كل
جهوده "لقد
اتفقت كلمة
الحكمة
المصرية
التي لقنتها
الأرباب
للسلف . . بأن
الحذر لا
ينجى من
القدر . . لو
كان القدر
كما تقولون
لسخف معنى
الخلق ،
واندثرت
حكمة الحياة
وهانت كرامة
الانسان ،
وساوى
الاجتهاد
الاقتداء ،
والعمل
الكسل ،
واليقظة
النوم ،
والقوة الضعف
، والثورة
الخنوع ، كلا
. . . إن القدر
اعتقاد فاسد
لا يخلق
بالأقوياء التسليم
به " . وعلى
الرغم من هذا
الاحتجاج
القوي فمن
العجيب أن
تنتهي
الرواية
بنفاذ كلمة
القدر . فهل
يرى الكاتب
ان معنى
الخلق لسخيف
، وان حكمة
الحياة
المندثرة ،
وان كرامة
الانسان هي
حقا من
الهوان
بمكان ؟
والغريب أن
مضي حكم
القدر انما
يتأتى ، في
أولى روايات
"نجيب محفوظ
" ، عن طريق
فروب الكفاح
الشريف
والخلق
الفاضل
والشجاعة
وحصافة
العقل وفطنة
القلب معا . جاءت
نبوءة ساحر
بكمة القدر
أن "سيرتقى
عرش مصر "ددف
رع " وهو بعد
طفل رضيع ،
ومن ثم فلن
يخلف "خوفو"
على عرشه
ابنه من صلبه
، لى اذن
فلينهض
ا،خوفو"
ليقضي على
هذا الطفل
الرضيع ، ان "ددف
رع " يفلت من
المصير ،
ولكن ينتحر
أبوه كاهن "رع
" الكبير ،
ويفتديه طفل
آخر فيموت
عوضا عنه ،
وتهلك أمه في
طريق الهرب .
هذه الكوارث
التي تحل
دائما
بالأبرياء
في مجرى
فاجعة
منطلقة في
مسارها لا
تتمهل ، هي
نغمة أخرى من
النغمات
الثقيلة
التي لن تفتأ
تتردد
بأصدائها
الموجعة
طالما صحبنا
هذا الكاتب
القاسي في
عالمه
الرهيب . لكن
قسوة الكاتب
هي قسوة
الأمانة
والصدق
بازاء رؤية
لا تهاب
المواجهة . وتمضي
الرواية حتى
يعنو "خوفو"في
النهاية
لكلمة القدر
، ويموت ،
على عظمته
وحكمته
واحاطته
بأسباب
السعادة
كلها ،
مقهورا. في
هذه الرواية
، اذن ،
نلتقي لآول
مرة ، في
اكثر
القوالب
عريا وبساطة
بالكثير من
المواقف
والشخوص
التي سوف
نتعرف عليها
مرارا فيما
بعد . الموظف
الطيب
بملامحه
المرسومة
بعناية
وتشخيص حريص
، كم مرة سوف
نلقاه ، بين
موظفي
الحكومة
الذين تغص
بهم روايات "نجيب
محفوظ " ، هذه
الملامح
الجسمانية
والقسمات
النفسية
مرصودة في
تسجيل دقيق ،
مركزة في
تقطير مكثف
في واحد، أو
موزعة على
كثيرين ،
لكنها هي لا
تتغير ،
كأنها من
ظواهر
الطبيعة في
مصر ، والفتى
الذي يحب
الأميرة بنت
الملك من آول
نظرة
ويخلصها
الحب حتى
النهاية ،
ويخطبها
لنفسه من
مقام أبيها
العالي ، ان
قصة هذا الحب
وهذه الخطبة
سوف تلاحقنا
في روايات "نجيب
محفوظ " ، وقد
اتخذت صورا
شتى ولكن
نمطها باق
ثابت أبدا لا
يحول - "بنامون
" و "رادوبيس
" في "
رادوبيس " ، "
ا سفينيس " و "
امنريديس "
في "كفاح
طيبة" ،"محجوب
عبدالدايم "
في " القاهرة
الجديدة " ، "رشدي
" و " نوال " في
"جان
الخليلي " ، "كامل
رؤية" و "رباب
جبر" في "السراب
" ، " كمال
وعايدة" في "قصر
الشوق " ثم "عيسى
وسلوى" في "السمان
والخريف " بل
ان خطبة "عباس
الحلو" و ا"حميدة"
في " زقاق
المدق " قد لا
تخلو من
أصداء ك الموقف
النمطي
بعينه . هل
هي إحدى
خصائص
الطبقة
الوسطى
الصغيرة ،
تطلعها الى
التعلق
باذيال
الطبقة التي
تعلوها في
مدارج السلم
الاجتماعي ،
هل هو شق من
أشواق النفس
الانسانية -
تطلعها الى
الارتقاء
علوا في
مدارج السلم
الذي يصل بين
الأرض
والسماء ،
كأنه سلم
يعقوب في
التوراة ،
أيا كان
الأمر
فالغالب
الأعم أن
يسقط
المتطلع الى
أعلى ، وان
تتدهور
درجات السلم
تحت قدميه . وعلى
الرغم من أن
الروايات
الفرعونية
الثلاث تدور
في مصر
القديمة ،
وعلى الرغم
من احتفال
الكاتب بأن
يسوق
التفاصيل ،
كعادته ،
فلست أجد
فيها روايات
تاريخية
بالمعنى
الحقيقي ، هي
روايات
أفكار
وأقضية
وتحليلات ،
وان اتخذت
اطارها من
التاريخ
القديم . فهي
لم يقلب
رائحة
التاريخ
المميزة ولا
تبعث نكهته
ومذاقه . لم
تهتز الحياة
بكثافتها في
الأسماء
التاريخية ،
ولم يتح لنا
أن نغوص في
أعماق
بصائرهم
وعقائدهم
ورؤيتهم
للحياة. .
والأرجح ان
هناك حيودا
عن التزام
الدقة ، كل
الدقة " في
تصويرالعادات
والأدوات
وأنماط
السلوك
وتصوير
العقائد - بل
في أسماء
المدن
والبلدان
حيث يستخدم
الكاتب في
الغالب
الأعم
الأسماء
اليونانية
للبلاد في
عصر لم تكن
اليونان فيه
قد عرفت عنها
شيئا عل
الاطلاق - "هيراكيونبوليس
" مثلا بدلا
من "هاتنن
نسوت " (أهناسيا)
و"أمبوس "
بدلا من "
نوبيت "- ولكن
الأسماء
المصرية
القديمة ترد
أحيانا بدلا
من الأسماء
اليونانية
في الوقت
نفسه : "نخب "
بدلا من "ايلثيابوليس"(الكاب
) .. وهكذ
ا . . تلك
مسائل
متروكة
للباحثين
التاريخيين
وأضرابهم
ولكن ذلك كله
يهون ،
بالطبع ،
فإنني زعيم
بأن هذه
الروايات
ليست
بالروايات
التاريخية ،
وهي ليست على
اليقين
روايات
رومانتية ،
مهما أحب
الكاتب أن
يسميها بذلك
، بل هي في
ظني
الارهاصات
الأولى
للأبنية
العقلية
التي سوف
يبنيها ا"نجيب
محفوظ " ،
والتجارب
الأولى التي
يتيح فيها
لمقومات
فكره
الأساسية أن
تتشكل خلقا
سويا . سوف
نلتقي
بالقدر
والمصادفة
في "رادوبيس
" ثانية
الروايات
الفرعونية
كما نلتقي
بها في كل
رواياته عل
وجه التقريب
: "مصادفة . ان
هذه الكلمة . .
مهضومة الحق
، يظن بها
التخبط
والعمى ومع
هذا فهي
المرجع
الوحيد
لأغلب
السعادات
وأجل
الكوارث ،
فلم يبق
للآلهة الا
القليل
النادر من
حادثات
المنطق . كلا . .
ان كل حادثة
فى هذا
العالم لا شك
موكلة
بارادة رب من
الأرباب ،
ولا يجوز أن
تخلق الآلهة
الحادثات -
جلت أو تفهت -
عبثا أو لهوا..
-وما
المصادفة ؟. .
إنها قضاء
مقنع ! -انها
كالعاقل
المتغبي " . "رادوبيس
" هي قصة هذه "المصادفة"
أو هذا
القضاء
المقنع الذي
ربط مصير
فرعون مصر
العظيم "مرتدع
الثاني "
بالغانية "رادوبيس
" ، وفقدانه
العرش في
سبيل هواه
الجموح ،
وهزيمته من
جراء هذا
الهوى ، في
صراعه مع
كهنة آمون .
وتنتهي
القصة
بنهاية
أخذنا منذ
الآن نتعرف
عل ملامحها
وننتظر
فربتها ،
تنتهي بمقتل
الملك ،
وانتحار "رادوبيس
" وقضاء "
طاهوا،
القائد
العظيم -على نفسه
بالخيانة ثم
بالفضيحة ثم
الانتحار .
في "كفاح
طيبة" ثالثة
الروايات
الفرعونية ،
وأصلبها
عودا
وأحفلها
بمشاهد
الكفاح
والحرب
والتدبير
المحكم
لتحرير مصر ،
والارادة
النافذة الى
هذا الغرض ،
تلعب
المصادفة
أيضا دورها
في التقاء " ا
سفينيس" ـــ
وهو " أحمس "
مستخفيا تحت
اسم تاجر ،
متنكرا بزيه
- و "أمنريديس
" بنت ملك
الرعاة
الأعداء -
وهي الأميرة
التي علقها
قلبه حتى
النهاية -
قصة الحب
والهوى
المنكوب في
هذه الرواية
، وهي القصة
العاطفية
الوحيدة
فيها ، يدور
محورها حول
مصادفة -
انها قضاء
مقنع !-ثم
تأتي الى
خاتمة حزينة
بالغة الأسى
. أما
في "القاهرة
الجديدة"
فالقدر يعلب
بيد جسور ،
والمصادفة
فربة "قاصمة
" . "محجوب
عبدالدايم "
، البطل
العدمي
السافل
بتجرده من كل
أصول الخلق
القويم في
سبيل
المصلحة ،
والمصلحة
الأنانية
وحدها ،
البطل الذي
رسمه "نجيب
محفوظ "
بدقته " البا
ثولوجية "
التي
سنألفها
فيما بعد -
البطل
المتحلل
الذي رفع
شعارا واحدا
يظلل حياته
حتى الخاتمة
الفاجعة
المحتومة
شعار "طفل "
كل شيء "طظ "
الا أنا
ومتعتي
وسعادتي
ومجدي
وثروتي -"محجوب
عبدالدايم "
قد جاء ليعقد
قرانه على
عشيقة "قاسم
بك فهمي" وهو
لا يعرفها ،
يتزوجها حتى
يغطي بزواجه
الشائن على
العلاقة
الأثيمة
التي تربط
بينها
والرجل
الخطير ،
ويتقاضى
الثمن -
وظيفة في
الدرجة
السادسة لها
مستقبل باهر
مضمون - فاذا
هو يلتقي
وجها لوجه "بإحسان
شحاته"
حبيبة صديقه
القديم ،
الضحية
الأخرى في
مجرى
الكارثة ،
والطرف
الآخر من
طرفي
الفضيحة. -
"أما تستفيق
" ؟ فنظر إليه
بعينين
ذاهلتين
وتمتم قائلأ
: - اني أعجب
لهذه
المصادفة ! -كيف
ترى هذه
المصادفة ؟ -مصادفة
سعيدة بلا
جدال ! وجعل
الاخشيدي
يتكلم عن
المصادفة
متفلسفا ..
وظن عم شحاته
انه أحاط
بالموضوع
حين قال : ان
المصادفة من
صنع الله
وبأمره
سبحانه ". وينعقد
الزواج ،
ويقول "محجوب
" لشريكته . -"تآلفت
حياتنا
بمعجزة ، وما
كنت أحسب قبل
اليوم أن
المصادفة
تلعب هذا
الدور
الخطير فى
حياة
الانسان ،
فما أحقها أن
تسخر من
منطقنا ومن
سنن الوجود
جميعا" . التكآة
الواهية لا
تكاد تستقيم
على عودها :
هناك دائما
نافذة
مفتوحة
بالصدفة
تفضي الى
أبواب لا
يمكن
إغلاقها ،
هناك زيارة
في سبيل غرض
، هو أبعد
الأغراض عن
الحب
والزواج ،
تنتهي
بالمصاهرة
وتشابك أوثق
الوشائج ،
هذه النافذة
المفتوحة
نجدها في "خان
الخليلي " ،
في "زقاق
المدق "، في "السراب
" - هذه
الزيارات
نجدها في "بداية
ونهاية" وفي
"قصر الشوق " .
أما التقاء "
نور" ، البغي
القديسة ، و "سعيد
مهران " اللص
والضحية
والرمز ، وقد
كاد ينساها ،
فمثال متميز
علمجرد صدفة
تبدأ مسارا
من أخطر
المسارات .
ولعل "اللص
والكلاب"
ابعد أعمال
نجيب محفوظ
دلالة على
القدرية ، في
عالمه .
فاللص يشتبك
مصيره بمصير
الغانية ،
نتيجة لهذا
اللقاءالذي
جاء مصادفة ،
ولكن الآمر
الأخطر هو
المناخ
السائد . *** مواقف
الحب ،
والموت ،
مواقف
اللقاء
والافترا ق
والسعادة ،
الهزيمة
أمام قوة
أكبر من أية
إرادة ،
فالكارثة
والتعرف الى
الجنس
والغوص في
أغواره ،
كلها تتخذ
قوالب يدعو
بعضها البعض
بأوجه الشبه
والتساوق من
رواية الى
رواية ، ومن
جانب الى
جانب في هذا
العالم
الغريب . إن
الكوارث
تنزل
بالأبرياء ،
الأخيار
دائما
مصابون ،
هناك الشوكة
الصلبة
الدقيقة
المغروزة في
لحم كل فاكهة
غضة . بذرة
الخيبة في
قلب
الانتصار .
قيم الخلق
موضوعة
دائما في
الميزان ،
وقياسها الى
السعادة
والمتعة
والاستقرار
قياس مهتز
يميل بالشك
والتردد
والحيرة ،
فالفساد
مثاب والخير
منكور الحظ
من الثواب.
ولعل صدق
الكاتب
بازاء مشكلة
الخير
والفساد هذه
، هو القيمة
الخلقية في
عالمه ولعل
صراحته
وأمانته في
مواجهتها هي
التي تعصمنا
من مغبة
الإنكار
التام
والعدمية
والكفر بكل
قيمة خلقية . ولعل
هذه الصراحة
المطلقة في
مواجهة
عالمه بكل ما
فيه من شر
وقبح هي التي
أوهمت بحياد
صانع هذا
العالم
الفني ،
وبموضوعيته
، وليس الأمر
في ظني حيادا
وموضوعية
بقدر ما هو
أمانة قاسية
لا تتراجع
امام الشائك
والمنكر
والمظلم
المخوف . *** على
أن ثم ظاهرة
أخرى تمتاز
بها أعمال "
نجيب محفوظ "
الأولى ، حتى
،.صلت الى
مراحلها
الأخيرة ،
ظاهرة
الشمول الذي
يسعى الى ان
يمد أسبابه
على كل شيء ،
واتساع رقعة
العمل الفني
اتساعا شاسع
المساحة
عريض
الجوانب ،
وكثرة
الشخوص
والمواقف
سواء كانت
جليلة
أو تافهة ،
وتسلسلها في
احتفاء شديد
بالتفاصيل
الصغيرة
والتطورات
الكبيرة
سواء بسواء ،
ومعالجتها
كلها بنغمة
واحدة سواء ،
نبرة هادئة
بعينها
تتناول
عملية ركوب
ترام أو
عملية إجهاض
، وتسرد شرب
فنجان
القهوة
وحساب مصروف
البيت او
تبتعث مأساة
حب مدمر أو
انهيارا
مدويا لصروح
حياة كاملة ،
هذه النظرة
الشاملة
للكون
بصغائره
وجلائل
أحداثه ،
تأتي على
نغمة واحدة
لا صعود فيها
ولا هبوط . هذا
التسطيح في
العلاج ،
مقرونا
بالاتساع
العريض في
الرقعة
الكلية
للوحة ، يكاد
- وحده - يوحي
بموقف الكون
نفسه من
الانسان في
مواجهة
محايدة
صامتة تبالي
، ويكاد يشف
، بأسلوب
البناء وحده
، عن موقف
الكاتب نفسه
من الكون
ويقينه بأن
العالم في
الجوهر لا
يبالي
بالانسان ،
تستوي عنده
صغائر حياته
وكبائرها .
ومن ثم يتسلل
الى عالم "نجيب
محفوظ " هذا
المناخ
البارد
العام الذي
يخامر كل ركن
فيه ، وما قد
نراه أو نحسه
خطيرا أو
عميق الأثر
يفقد وزنه
على قدم
المساواة مع
التوافه
واندراج
الكل في نفس
واحد متعادل
النبرة ، أو
تكتسب هد
التوافه
ثقلا في
الوزن اذ
تضارع
الكوارث
الكاوية
والنكبات
القاصمة
والسعادات
المحلقة
والنشوات
الثملة سواء
بسواء في
كفتى ميزان
هذا العالم
اللتين لا
ترجح
إحداهما
الأخرى . يرتبط
ذلك
بالأسلوب
اللفظي الذى
يتبناه "انجيب
محفوظ " في
تلك المرحلة
فنحن نجده
يقول : "عندما
بدأت
الكتابة كنت
أعلم اننى
أكتب باسلوب
أقرأ نعيه
بقلم "
فرجينينا
وولف " ، ولكن
التجربه
التي أقدمها
كانت فى حاجة
الى هد
الأسلوب .
لقد اخترت
الأسلوب
الواقعى في
هذا الوقت
الذي كانت "فرجينيا
وولف " تهاجم
الأسلوب
الواقعى
وتدعو
للأسلوب
النفسي .
والمعروف ان
أوروبا كانت
مكتظة
بالواقعية
لحد
الاختناق .
اما انا فكنت
متلفا على
الأسلوب
الواقعي
الذي لم نكن
نعرفه
حينذاك ،
والأسلوب
الكلاسيكي
الذى كتبت به
كان هو أحدث
الأساليب
وأشدها
اغراء
وتناسبا مع
تجربتى
وشخصي وزمني
، وأحسست
انني لو كتبت
بالأسلوب
الحديث
سأصبح مجرد
مقلد". ولكن
تقليب
النظرة في
أسلوب نجيب
محفوظ - في
هذه المرحلة
- لا بد أن
يدعوللتساؤل
عن هذه
الكثرة
الكاثرة من
القوالب
القديمة
المحفوظة ،
الجاحظيه
تقريبا ،
التي تتراص
في كتاباته ،
وقد كان
بوسعه في ظني
أن يتخفف
منها أو أن
يتفادى منها
أصلا ، ولكنه
عن عمد أو عن
غير عمد يترك
هذه القوالب
التي لا حياة
فيها تقف
جامدة في
أحرج
المواقف
وأدعاها الى
استخدام
الأسلوب
المتحرك
النشط الحي . لم
أهتد في
تفسيرذلك
الا لشيء
واحد أحسسته
بمعاناتي ،
هو ان لهذه
القوالب من
العبارات
والألفاظ
تأثيرا
وظيفيا هو
تأتير
المخدر
والمسكن ،
استخدامها
أجدى بكثير
من
الاستغناء
عنها ، فهي
لا تروع سواء
بجدتها أو
حيويتها ، أو
بغيابها
وبالفراغ
الذي تحسه
عند
افتقادها ،
بل هي تسمح
للذهن ان يمر
عليها دون أن
يتوقف ، كما
يكون من شانه
أن يتوقف في
الحالتين ،
وما زال
الذهن
مشغولا
بالحدث الذي
تشير اليه
هذه القوالب
، وللخيال
مطلق الحق في
أن يستند الى
هذه الإشارة
الجامدة دون
ان يهتز بها
، الحواس لا
ترتج باصالة
العبارة ولا
يبهرها رونق
الجدة أو ضوء
الكشف
الجديد ، لكن
الحواس أيضا
لا تستشعر
فقدانا ولا
يستلفتها
الفراغ
والنقص ،
ويتاح عندئذ
للصورة أن
تستقر على
هونها ، أن
تثبت في
الوجدان على
مهل .. وبذلك
نقبل دون
معارضة أخطر
الأمور
وأيسرها ،
وبذلك يسكن
الكاتب من
نفرتنا
ويروض العقل
على
المطاوعة
والتصديق . ولكن
الارهاصات
بالأسلوب "الحديث
" تفاجئنا
عند "نجيب
محفوظ " ، في
أعماله
اللاحقة . وهو
يسمي هذه
المرحلة "بالواقعية
الجديدة" : "تستطيع
ان تقول إنني
فى المرحلة
الأخيرة
أتبع
الواقعية
الجديدة،
وهذه لا
تحتاج
إطلاقا
لمميزات
الواقعية
التقليدية
التي يقصد
بها أن تكون
صورة من
الحياة . .
الواقعية
الجديدة
تتجاوز
التفاصيل
والتشخيص
الكامل ،
وهذا ليس
تطورا في
الأسلوب . . بل
تغيرا فى
المضمون . الواقعية
التقليدية
أساسها
الحياة ،
فانت تصورها
وتبين
مجراها
وتستخرج
منها
انجاهاتها
وما قد
تتضمنه من
رسالات ،
وتبدأ القصة
فيها وتنتهي
وهي تعتمد كل
الحياة
والأحياء
وملابساتهم
بكل
تفاصيلها ،
أما فى
الواقعية
الجديدة
فالباعث على
الكتابة
أفكار
وانفعالات
معنية تتجه
الى الواقع
لتجعله
وسيلة
للتعبير
عنها". وايا كانت صحة التسمية التي يطلقها الكاتب الكبير عل أعماله في مراحله الأخيرة ، وأيا كانت صحة تحليله للواقعية التقليدية - فإنه قد أشار الى أهتم ظواهرهاعلى وجه التحقيق -لكنني ما زلت أرى في "واقعيته التقليدية" ظاهرة فنية أخطر من مجرد أن تكون "صورة للحياة" وأرى وراءها "أفكارا ومعاني " هي أعمدة الهيكل منها ، وخلف تفاصيلها المتنوعة أنماطا رئيسية وصورا أولية ، ونماذج أسطورية أو قالبية تحكمها جميعا قدرية صارمة محتومة ومرسومة سلفا .
|
|
|