|
لا
يمكن الحديث
عن الأدب
العربي
المعاصر ،
وفن الرواية
بالذات ، دون
أن نشير إلى
المكانة
الخاصة التي
يحتتها
الكاتب
المغربي "محمد
شكري " . فهو
واحد من
الكتاب
العرب
القلائل
الذين لاقوا
قبولا
وترحيبا من
القراء
الأسبان (أبناء
لغته
الأصلية) منذ
أواخر
الستينات . وقد ترجمت
روايته "الخبز
الحافي " الى
الأسبانية ،
وكانت لا
تزال ممنوعة
في أغلب
البلاد
العربية ،
وقد ذهل
جمهور
القراء
الأسبان من
أسلوب شكري
المتميز ،
المتحرر من
أي أقنعة
جمالية أو
أخلاقية
يختبىء
وراءها
الكاتب في
العادة ، إما
بسبب الخوف
أو الحياء . فلم يخجل
شكري وهو
يكشف عما
لاقاه من
مهانة
لانسانيته
في مراحل
حياته
المختلفة ،
كطفل وصبي
وشاب. هذه
المهانة
التي هي
نتيجة إهمال
حكومات
ومؤسسات
سياسية
واجتماعية
كان "محمد
شكري " واعيا
بضرورة
الكشف عن
المآسي
الانسانية
التي تسببها
. إنها
الحقيقة مسا
كانت مرة . ومرة
كانت روايته
الأولى "الخبز
الحافي "
التي حازت
الإعجاب لأن
كاتبها لم
يحتجب وراء
أقنعة أو كذب
، فهو كاتب
مبدع
بأسلوبه
الروائي
السلس الذي
عبر فيه وحكى
عن حياته
وحياة أسرته
والمواطنين
المغاربة (والأسبان
) في شمال
المغرب ،
وشمال
الجزائر ،
فقد عاش "شكري
" ، والأصح أن
نقول . " تشرد"
في "تطوان " ،
و "طنجة " ، و"سبتة"
و "مليلة" و "
العرايش " ، و
" وجدة " و "
وهران " (في
الجزائر) . كتبت
روايته "الخبز
الحافي " في
أواخر
الستينات ،
أفا زمن
الأخطاء
الذي يعتبر
الجزء
الثاني
المكمل لهذه
السيرة
الذاتية
الروائية ،
فقد صدر في
المغرب في
أواخر
الثمانينات
، ولم يقابل
بالرفض من
الرقابة ،
ربما لانه لم
يكتب بنفس "االصلف
والفجاجة " ،
كما الخبز
الحافي ،
وربما لأن "
شكري " قد صار
اسما معروفا
في الدوائر
الأدبية
العربية
والعالمية ،
وربما لأن
الرقابة في
المغرب صارت
أكثر مرونة
لا تبالي
بالكتابة عن
شريحة
المشردين في
المجتمع
طالما أنه لا
يوجد هجوم
مباشر عل
المؤسسات
الرسمية . "زمن
الأخطاء"
سيرة ذاتية ،
تذكر للماضي
يرتكز على "الراوية
- الكاتب ا،
حين كان في
العشرين من
عمره وقد قرر
أن يتعلم
الكتابة
والقراءة ،
وهذا الشخص -
الكاتب - لا
يملك من متاع
الدنيا سوى
إرادة قوية
يحاول
الإعتماد
عليها
للخروج من
إسار الفقر
الذي عاش في
ظله طوال
حياته
السابقة . يأخذنا
"اشكري "
بخطى بطيئة
الى شبابه ،
ثم يعود الى
صباه ، ليعود
مرة أخرى الى
شبابه ، يحكي
تفاصيل
طويلة مؤلمة
عن لمجاته
بين الفقر
واليؤس ،
الوساخة
والحشرات ،
بين الألم
والمرض (أقل
الأمراض هنا
هو السل ) حتى
وباء البرص ،
مرورا
بالجنون
والأمراض
التناسلية
التي أصابته
، فهو يحدثنا
باستمرإر عن
علاقاته
بالبغايا
اللواتي
يمارسن "مهنتهن
" دون أية
رعاية طبية . فهن
يعشن ، مثلهن
مثل الرجال
الذين
تترددون
عليهن ، حياة
بؤس وقذارة ،
ببعن
أجسادهن
مقابل نقود
قليلة
لهؤلاء
الذين ليس
لديهم
الكثير . يحكي
"شكري " عن
صباه وعن
كرهه لأبيه ،
هذا الأب
الشاذ في
عنفه الذي
كان يمارسه
ضد "شكري "
وضد بقية
أبنائه
وزوجته .يتذكر
"شكري "
باستمرار
عودة أبيه ،
ثملا ، الى
الكوخ الذي
كانت الأسرة
تعيش فيه بعد
أن يكون قد
فقد كل نقوده
التي كسبها
في القمار ،
فقد كان
مدمنا لا
يعرف كيف
يتوقف عن
اتلعب ، وحين
يكون ثملا
فإنه يخسر كل
شيء . يعود
الأب ثملا
صائحا يوزع
الشتائم في
كل اتجاه ،
فتستيقظ
الزوجة
صامتة لا
تستطيع الرد
عليه ، خوفا
من الضرب
والتعذيب
الذي كانت
آثاره تظهر
على وجهها
وجسدها . وكره
الأب لإبنه
هنا أشبه
باللعنة
الاغريقية
المستمرة ،
فهو يكره
ابنه ليس فقط
في مرحلة
صباه ، بل
وحتى بعد أن
استقل عنه
وأصبح رجلا
متعلما يعمل
مدرسا في
مدرسة
حكومية ، فلا
يفتأ الاب
يلاحقه
بالسخرية
أمام
أصدقائه
وزملائه إن
التقاه
بينهم في
حانة أو حتى
في الطريق ،
مرددا
أمامهم أنه
ابن عاجز لا
يستطيع عمل
شيء أو فهم
لثيء ، وكأنه
لا يريد أن
يعترف بهذا
الأبن الذي
تغلب على
البؤس وخرج
من سطوته . وعلى
عكس مشاعر
الأب ، كانت
الأم التي
تحس بالفخر
بهذا الابن ،
بل إنها تحس
تجاهه بحب
وعطف خاص ،
ربما لانه
كان الوحيد
الذي شاركها
آيام البؤس
والذي كان
يكلمها
بلهجتها
البدوية ،
وليس
باللهجة
المغربية
التي لا تحسن
فهمها كما
كان باقي
أولادها
يكلمونها
ويعتبرونها
جاهلة لا
تفهم . يحكي
"شكري " أنه
لم يعرف
بالضبط عدد
إخوته أو عدد
الأطفال
الذين
ولدتهم أمه ،
فقد كان منهم
من يموت قبل
الولادة أو
بعدها
مباشرة ،
وعندما غادر
كوخ الأسرة
لم يكن يعرف
عدد إخوته ،
حتى هذه الأم
التي توفيت
عام 1984 هي
نفسها لم تكن
تعرف عدد
الأطفال
الذين
وضعتهم . ويكبر
الصبي "شكري
" دون أن يعرف
القراءة أو
الكتابة ،
لكنه يسيطر
على لغتين :
العربية
الدارجة
والأسبانية
التي تعتمها
في شوارع
وحانات "سبتة"
و " طنجة"
عندما كان
يلتقي
بعشرات
الأسبان ،
الذين هربوا
من أسبانيا
بعد انتصار
جيش "فرانكو"
على الجيش
الجمهوري . كانت
هناك مظاهر
عديدة
أسبانية
الطابع :
أسماء
المطاعم
وأماكن
اللهو ،
والمقاهي
مثل "كافي
سنترال " ، "كافيه
دي لابلاتا"
، وهناك كان
شكري الشاب
يستمع الى
الموسيقى
الأسبانية
وموسيقى
أمريكا
اللاتينية ،
الى موسيقى
أسماء كبيرة
في هذه
الفترة مثل "لوتشو
جاتيكا" أو "نات
كين كول " ، "انطونيو
ماتشين " ،
حيث تعلم "شكري
" الأسبانية
في الشوارع
من
المتشردين
والهاربين
من انتقام
فرانكو ، لا
لسبب إلا
لأنهم كانوا
يعيشون في
المناطق
التي يسيطر
عليها
الجمهوريون . ويعشق
" شكري "
مصارعة
الثيران ،
ومن خلال
الملصقات
على جدران
المقاهي ،
يكتشف
الأسماء
الكبيرة من
أبطال هذا
الفن ، وهو
يحدثنا عن "تشيكويلو"
وعن
" الأخوة
برالتا " وعن
"الجايو"
وهؤلاء
جميعا
معروفون
عندنا نحن
الأسبان -
كمصارعين
مشهورين
هربت صورهم
في حقائب
الهاربين
الى المغرب
في هذه
" الرحلة ". إن
رحلة الخلاص
هذه لتذكرنا
برحلة قديمة
جرت في
القرون
اوسطى ،
عندما طرد
العرب من
أسبانيا
وذهبوا الى
شمال
أفريقيا
بحثا عن
الخلاص
وهربا من
انتقام ملوك
أسبانيا
الكاثولوكية
، ولكن في
الرحلة
الأخيرة ، لم
يكن
الهاربون
عربا أو
يهودا ، بل
كانوا من
الأسبان .
فالحاكم
الجديد ، "فرانكو"
، فرض نفسه
كمخلص
لأسبانيا من
الشيوعيين
والماسونيين
والملاحدة ،
كما كان يدعي
، وهي الصفات
التي كان
يطلقها على
كل من يخالفه
الرأي . في
سيرته نراه
يحب الشراب :"الخيريت
الأبيض " وهو
نوع محبوب في
جنوب
أسبانيا ،
كما نراه
يتغزل
بالنساء
السمراوات
ذوات العيون
السود ،أما
حبه للقراءة
فقد وصل به
الى حد "إلتهام
" الكتب من كل
نوع : عربية ،
أسبانية ،
أوروبية
مترجمة : قرأ
"رافييل
ألبرتي " و "ماتشادو"
و "بيثنتة
الكسندرا" "جبران
" و " شوقي " و "االمنفلوطي
" ، وإذ
تصادفه
صعوبات في
فهم بعض
النصوص
العربية ،
فانه يجد
العون من
خلال صداقته
لشاب ضرير
يساعده على
فهم المعاني
وصحة نطق
الكلمات . ويحكي
عن أول لقاء
مع الكاتب
المغربي "محمد
صباغ " الذي
شخعه على
الاستمرار
في الكتابة
والقراءة .
وهكذا جاء
اليوم الذي
رأى فيه "شكري
" واحدة من
قصصه
القصيرة
منشورة في
جريدة "العلم
" ومن يومها
وهو يحاول
أن يبدو "محترما"
ولا يرتاد
الأماكن
المشبوهة . إن
"شكري " الذي
عاش حياة
قاسية
ومعذبة لم
يفقد حسه
الانساني
وتعاطفه مع
كل هذا الجيش
من المشردين
واللصوص
والضائعات
مثل تعاطفه
مع هذا
النموذج
الانساني
الذي يقدمه
بحبه وعطف
شديدين ،
وبتمثل في "حبيبة"
ابنة التاجر
الغني التي
فرض أبوها
عليها
الزواج وهي
في السابعة
عشرة من
عمرها ، من
رجل عجوز لم
يلبث أن
طلقها بحجة
أنها لا تنجب
، ثم يكون
زواجها
الثاني من
شاب في مثل
سنها ، تنجب
منه أربعة
أولاد ، لكن
زوجها
الثاني أيضا
يسيء
معاملتها
فيتم الطلاق
، الأمر الذي
دفعها الى
الجنون ،
ويدخلها
أهلها
مستشفى
الأمراض
العقلية ،
ويزورها "
شكري "
ويلاحظ أنهم
لا يقدمون
لها علاجا ،
وانما مجرد
أقراص مهدئة
ومنومة ،
وكأنه ، في
تلك الأيام ،
يرى ما سوف
يحدث له
شخصيا في
المستقبل ،
إذا دخل
مستشفى
للأمراض
العقلية في "
تطوان " ،
وبعد أن خرجت
حبيبته من
المستشفى ،
واستقرت في
زواجها
الثالث ،
تموت وهي
حامل في
شهرها
السادس
بوباء
الطاعون . يعود
" شكري "
دائما الى
فترة صباه ،
ومنها يلتقط
لحظة
مأساوية لا
ينساها هي
لحظة موت
أخيه الصغير
"عبدالقادر"
أثر فعل
إجرامي عنيف
قام به الأب . كان
"عبدالقادر"
مريضا ،
ولذلك فانه
كان يبكي
طوال الليل ،
ولم يكن الآب
الثمل
العائد من
الحانة
يتحمل هذا
البكاء ،
فانقض على
الطفل وكسر
رقبته بيديه
، كما يتذكر
أيضا آباه في
واحدة من
نوبات غضبه
وعنفه حين
فرب زوجته "أم
شكري " بقدر
فيه عسل يغلي
وكانت تعد
الحلوى
لبيعها في
السوق . هذا
الأب كان
يقاتل مع "
الجنرال
فرانكو" ،
وعندما عاد
الى المغرب
كان يجلس مع
رفاقه من
المرتزقة
الذين
شاركوا في
الحرب
الأهلية
الأسبانية
من نفس
الموقع ،
وكانوا
يتحدثون عن
ذكريات "
شجاعتهم " و "
مجدهم " و "
بطولا تهم "
في هذه الحرب
، مع أن
معظمهم لم
يكنوا
يمارسون هذه
الشجاعة الا
ضد الضعفاء
أمثال " شكري
" وأمه
واخوته . في
"زمن
الأخطاء "
وتحت عنوان "روساريو"
يحكي "شكري "
عن " فرانكو"
وتصرفاته
القاسية ، لا
فقط مع من
يعتبرهم
أعداءه ، بل
ومن هم في
زمرة
الأصدقاء ، و
"شكري " يقدم
الدكتاتور
الأسباني
عبر وجهتي
نظر السيدة "روساريو"
وهي من
محافظة "أستورياس"
في شمال "أسبانيا"
، و ا"فرهين
بريتو"
المنحدر من
نفس محافظة "
فرانكو"
والذي يتذكر
اللحظات
الصعبة بعد
الحرب
الأهلية
عندما حكم
على "أسبانيا"
بالعزلة من
قبل أوروبا ،
و "فرمين "
هذا يتكلم
باحترام عن "بيرون
" د كتاتور "
الأرجنتين "
والصديق
الوحيد "
لفرانكو"
الى جانب
" سالازار"
دكتاتور
البرتغال . ويحكي
"شكري " على
لسان افرمين
" أيضا عن
زيارة "بيرون
" الى "أسبانيا"
في زيارة
رسمية تصحبه
زوجته
الشهيرة "إيفا"
التي سحرت
الأسبان ،
وحتى
"فرانكو"
الذي لم يكن
يهتم بأي
إمرأة ، و "شكري
" يقدم لنا
هذه الأجواء
التاريخية وهذه
الشخصيات
التى تعكس
عبق التاريخ
. ويتذكر
"شكري " أيضا
دخول "أسبانيا"
حلف شمال
الاطلنطي
عام 1955 بعد
السماح
بإقامة
قواعد
عسكرية
أمريكية في
انحاء
مختلفة من
أسبانيا ،
كما يتذكر
الأخبار
الهامة التي
كانت تنشر في
الصحف
والمجلات
الأسبانية
عن بطولة
"فرانكو" في
صيد السمك
والخنزير
البري وصوره
التي كانت
تنشرها
الصحف وتحت
أقدامه
خنزير برقي
ضخم . هكذا
يتذكر "شكري
" من خلال
شخصية "بريتو"
الفاشستي
هذه الصورة ،
لكنه أيضا
يقدم صورة
أسبانيا
الأخرى: صورة
المنفيين
الأسبان .
ويتكلم عن
" بيكا سو" ،
واغتيال "
لوركا " ، و"
ميجل
إرناندت "
الذي مات في
سجنه ، وتذكر
قصيدته
المشهورة "امرق
البصل "
وفيها يتحدث
عن جوع طفله
وينصح
امرأته أن
تعطي للطفل
مرق البصل . شكري
إذن لا يعرف
تاريخ "اسبانيا"
السياسي فقط
، بل
وتاريخها
الاجتماعي ،
فهو يتكلم من
خلال شخصيات
أسبانية
أخرى عن موت "اخوسوليتو"
و "مانوليتي
" وهما من
أشهر مصارعي
الثيران
الذين ماتوا
داخل حلبة
المصارعة . كل
هذه
الشخصيات
تمتزج يحياة
"شكري "
كمدرس في
مدينة "تطوان
" وهو يقيم في
فندق "ريال "
وصاحبة
الفندق
أسبانية
أخرى إسمها "خوسوفينا
"، ومن
" تطوا ن "
يرجع " شكري "
الى " طنجة "
المدينة
التي عاش
فيها وهو صبي
وشاب ، وهو
يقارن بين
صورة "طنجة
القديمة و"طنجة"
الحديثة .
إنه يبكي عل
الأطلال ،
فقد اختفت كل
بيوت البغاء
، كما اختفى
كل من عرفهم
من قبل ،
ويجد إحدى من
أحبهن "من
المشردات "
حتا عذريا
وقد عملت
راقصة في ناد
ليلي . ويحلل
"شكري " مصير
أولئك
النسوة
المشردات
حين يفقدن
الجمال
والشباب ،
كما يفقدن
الأسنان
والشعر
ويعملن
كخادمات في
المراحيض ،
بينما
الفرصة
سانحة أمام
من يتمتعن
بالجمال
والشباب
للسفر الى
أوروبا ، كما
يرقب حياة
فريق آخر من
بنات الهوى
اللواتي
يعشن على
الطبقة
الجديدة ،
فهن أكثر
تحررا في
الملابس
والسلوك ،
وعلى درجة من
اليسر
المادي
ويترددن على
الفنادق و"الكازينوهات
" الفخمة
التي ظهرت
حديثا. ومن
تجربته في
المصحة
النفسية
يكتب شكري
عما يدور في
هذه
المستشفيات
من مآس ،
ويصف عراك
الممرضات
فيما بينهن
أمام عيون
المرضى
المندهشة ،
وحين يخرج من
المستشفى
بعد أربعة
أشهر ، ويعود
للحياة ، يجد
الماضي وقد
تلاشى شيئا
فشيئا ليسمح
للحافر ان
يحتل مكانه .
ونجدنا أمام
"شكري " وهو
كهل في
الخمسين من
العمر ، هارب
من الحب
والعاطفة ،
يعتبر الحب
أو الشغف
سببا لكل
المصائب في
حياة
الانسان ،
ولكنه لا
يزال يشتاق
للجنس
اللطيف ، ومن
هذا الجنس
اللطيف
يختار ذلك
النوع
البعيد عن
الأنثوية
الصارخة ،
وظل حب "شكري
" لثلاثة
أشياء :
الكتب ،
والجنس
اللطيف ،
والشراب .
لكنه يجد في
الكتاب
صديقه
الدائم ، وهو
يكتب ويكتب
كثيرا في اي
مكان يتواجد
فيه ، في
البارات ، أو
المطاعم ،
أو المقاهي ،
مكانه
الدائم
وينقل على
قصاصات من
الورق تلك
الجمل التي
تعجبه من "بودلير"
و "رامبو"
وعظماء
الأدباء
الذين
أحبهم . وتحت
عنوان "موت
الأم " الجزء
الأخير من
الكتاب يقطع
"شكري "
الرباط
الحميم مع
الماضي ، فهو
يرجع الى "سبتة"
بعد غياب عشر
سنوات ،
لحضور زفاف
اخته حيث
تفوض
التقاليد
على شقيق
العروس ان
يحملها الى
بيت زوجها . وفي
فجر أحد
الأيام ،
يستيقظ "اشكري
" عل دق عنيف
على الباب
ليجد زوج
أخته يزف له
خبر وفاة أمه
بعد نزيف
استمر عدة
أسابيع ،
ويعرف "اشكري
" أن امه كانت
تلح في طلب
رؤيته لكن
الرسالة لم
تصل اليه الا
بعد موتها . وها
هو الآن في
طريقه الى "سبته
" يستعيد
الماضي :
يتذكر أمه
وهي تغني له
الأغاني
البدوية ،
وفي نفس
الوقت يسمع
صوت صهره
يحدثه عن
المقبرة
التي
اشتروها في "
سبتة" ،
ويتذكر أخاه
"عبدالقادر"
المدفون في
مقابر "سبته
" تحت تلال
الرمال في
بقعة صارت
مجهولة لا
يعرف مكانها
بالضبط . ويحضة
"اشكري "
طقوس دفن أمه
، ويحكي
بمرارة وألم
كيف ان
الحفارين
أخرجوا
الجثمان عدة
مرات لان
الحفرة لم
تكن تتسع به .
وكأن التراب
يرفض
استقبال أمه
كما رفضتها
الحياة . بعد
الدفن يعود
الجميع
للبيت ،
ويجلسون
أمام مائدة
الطعام حيث
ياكلون
بشراهة ،
وبصورة
استفزازية
يتكلمون عن
الميراث ،
ويتشاجرون
حول بيع بيت
العائلة
الذي قرروا
التخلص منه
على الرغم من
أن الأم كانت
تصير على
الاحتفاظ به
مهما كانت
الظروف . ويحس
"شكري "
بالقرف أمام
طمع أفراد
الأسرة ،
فيهرب من "سبتة"
الى ليل
"طنجة" ، وفي
اليوم
التالي
يستيقظ وهو
لا يستطيع
تذكر كيف وصل
الى بيته . لقد نام
مغيبا
واستيقظ
ليجد فردة
حذائه مليئة
بالبول ،
والأخرى
بالشراب . انه
ليمكننا
القول أن
كتاب "زمن
الأخطاء" هو
تصوير لرحلة
الحياة
ورحلة الموت
، مثل كل كتب
"شكري " ،
ولكننا نجده
وعلى الرغم
من قسوة
الحياة التي
عاشها الا
أنه دائما
يظل عاشقا
للحياة ،
مقبلا عليها
، لا أهمية
للموت
بالنسبة له
رغم حتميته . ان
عشق الحياة
مزروع في روح
"اشكري "،
وهو يبدو
واحدا من
زمرة
الفنانين
والكتاب
الذين كانوا
دائمي البحث
عن جوهر
الحياة ،
مهما قادهم
هذا البحث
الى العزلة
او الجنون . إن
أسلوب "شكري
" واضح وبسيط
: أسلوب رجل
لا يخاف
الكلمات ولا
يخجل منها ،
إن عواطفه
تبدو جلية
بلا مجاملات
، ان الكتابة
عنده فعل
عضوي كما
ينبغي ان
تكون
الكتابة
الحسية ، ومن
خلالها
يمارس "نميمة"جارحة
ضد نفسه
وضد
الآخرين . ورغم
الفرق
الزمني بين "الخبز
الحافي " و
ا،زمن
الأخطاء" (ثلاثون
عاماتقريبا)
فإن "شكري "
يحتفظ بنفس
الأسلوب بما
فيه من شجاعة
وإلهام
وابدا ع . والفرق
بين "زمن
الآخطاء" و
الكتاب
السابق له أن
"االخبز
الحافي " لا
يقدم " شكري "
الا في مرحلة
صباه ، بينما
في "زمن
الأخطاء"
يحتل شبابه
مكانة أكبر ،
عندما كان
مدرسا يعيش
في أوساط
بنات الليل ،
لكننا نجد
اهتمامات
اخرى وقد طغت
على هذه
الحياة ،
كالقراءة
والشراب ،
وتبدأ
الصداقة
والزمالة
تزحف لتحتل
مكان الجنس ،
كما لو أنه
لا يستطيع
إقامة علاقة
كاملة مع
الجنس الآخر
، ويبدو أنه
بدأ يعي حجم
القمع الذي
يراه واقعا
على البشر ،
ولم يستطع هو
الآخر مارسة
هذا القمع
على البغايا
. إن "شكري " كانسان وروائي يحتل مكانة متميزة على خريطة الكتابة العربية ، وميزة شكري هي الشجاعة ، شجاعة الكشف والفضح .
|
|
|