المسرحي العربي: جواد الاسدي أحاول 
تفكيك بيت النص، وخلع أعمدة التمثيل الميت

الصـور المرافقة
الصور المرافقة

حاوره: يوسف ابولوز(كاتب من الأردن)


 لا يعتمد المخرج المسرحي المتميز جواد الاسدي على خلق حالة مسرحية تهييجية حركية ونافذة في حدتها ولذعها من خلال شخوصه وادواته واسلوبه الجمالي الفذ.. لا يعتمد على ذلك وحسب بل يسعى دائمة الى نقل الحياة برمتها من خارج المسرح وتجسيدها على الخشبة، او يحدث العكس احيانا، كأن، ينقل الحياة في المسرح الى الخارج.. الى الحياة، وهو في عملية الاخراج لا يقف في هذا الموقف التخصصي الواحد في العمل المسرحي، بمعنى، انه عندما يخرج العمل فهو يقوم بأكثر من عملية الاخراج.. طيلة ذات الوقت يتحول الى اكثر من كائن.. كاتب، موسيقي.. ممثل، مشاهد، مستمع، وربما اكثر من ذلك.. ومن يشتغل في ورشة الاسدي عليه دائمة وابدا ان يتحمل نزقه وهياجه وعنفه، وفي الوقت نفسه، عليه ان يتحمل قسوة الحنان فيه.. ينقل الاسدي شهواته الى الخشبة، وكذلك تصيب عدواه كل فريقه وكل رفاقه على الخشبة الى درجة ان يتحول هذا الفريق الى مجموعة من القتلى او القرابين ولكنه سرعان ما يضيء لهم شمعة ويأخذهم من طوافهم المجنون بين العتمة والضوء الى شعلة من النهار الذي لابد منه.. النهار الذي يبحث عنه مسرح الاسدي. وعدا ذلك هو حلم طويل يسعى الى تطويق الليل وحصار الالم المقدس الذي ينجزه العمل المسرحي لحظة بلحظة امام جمهور يبدو مأخوذا بما يحصل في العرض، او مأخوذا بما يحصل في نفوس هذا الجمهور الذي يعرف فجأة ان المسرح هو "اللامستور" وان التمثيل هو جزء من الحياة. كذلك هو جزء من هذه المرآة الكبيرة جدا والتي لا تصدق احيانا الا بتهشيمها واعادة صقلها من جديد.

* استطاعت تجربة الاسدي المسرحية ان تمثل الحنين والحب والغربة، واستطاعت تجربته القبض على الممكنات التي مازالت في حوزة انسان مطحون بالمعاناة، ومع ذلك هو انسان نميه ر مكسور لانه على خشبة حياته وعلى خشبة موته يصرخ دائما: المجد للحياة..

* جواد الاسدي عاشق كبير للمسرح. ومن دون فضائه هذا، ترده لا يعالجه شيء آخر الا الصمت، ولانه يكره الصمت ولا يعتبره فضيلة فانه دائم العيش في الفن.. في اللغة المشتعلة بضوء ذهبي دائما.. في القصيدة، في العبارة التي هي موقف وشهوة وانتظار ورحيل دائم الى محطات مغسولة بمطر لا يشبه الا ذاته.

* هنا حوار مع جواد الاسدي يشعل الذاكرة ويشعل النار من بعيد. لا نقترب هنا كثيرا من المسرح، ويبدو حوارنا وكأنه يدور على اطراف المسرح، خوفا من الدخول الى عتمات أخرى كثيرة تتطلب ان نكون اكثر قسوة مع انفسنا اولا.. وعلى اي حال ثمة في الحوار الكثير من الشعر. والقليل من التنظير. وهذا في حد ذاته مسرة اخري، فالمسرح يشاهد اكثر مما يعالج بالنظرية، تماما، كالقصيدة التي تتسرب الى رمل الروح من دون مساءلة او اي اعتبارات اخري. ولكننا في النهاية سنكون مسحوبين الى داخل مسرح جواد الاسدي حتى ولو كنا معه على اطراف مسرحه.

* اسمك مرتبط بالمسرح الفلسطيني.. مرتبط بتلك الخشبة التي تشتعل فيها النار او تشتعل حولها وعلى اطرافها منذ اكثر من 40 عاما، فكيف تنظر للمسرح الفلسطيني الآن، ما الذي ينقصه، وما الذي تقوله من اجل مسرح فلسطيني اكثر فاعلية ؟

* الاسدي: كأنما صورة المنفى والاقتلاعات المزمنة صنعت عندي الانتماء الطهراني للمقدس الذي سيج ارواحنا وسنواتنا التالية، دون ان ادري وبدون قصد مسبق دخلت في ملكوت المسرح من باب المنفى الآخر كي اظل امجد مرأيا الحريق الابدية، في توحد صلواتي ومع طقوسية نير أنية ربطت عنقي بعنق فلسطين، ارتديت جبتها ولهثت في مخيماتها وكتبت أسمها على رأس القصيدة الساحرة، حاولت ويشفف ان اتقدم بحذر كي انفض عن المسرح الفلسطيني غبار الصراخ واللهاث خلف الخطاب المظلل، بنيت نور الشخصية في الظل البعيد، صبرا على رأسي وشاتيلا في قلبي، الحريق مظلتي والمضي في سفينة الخراب قدري الصلب المعدني، منحت الممثلين أقصى ما لدي من حسرة ودمع، في البروفات وبعدها ثم قبلها كنا نغرف من يوم القيامة قواميسنا ومفرداتنا، فلسطين تتقدم مثل هودج عاصف في دنيا تعيش على الانفصام الابدي بين التوق للحب والحب موتا من جهة ثانية، فلسطين المعشوقة نهارا تغتصب في ليالي الوحشة، والمسرح الذي ننشد هو بيان الوحشة والاغتصاب، القدس عروس قواربنا، القدس قداس القوس، القدس عروس خناجرنا، القدس محطتنا، القدس وحيدتنا، القدس ترملنا، ارملة قدس الروح، في المسرح دائما نتوق لاستنهاض المدينة الفاضلة المؤجلة، او تبشر الصلوات من اجل الركوع للحرية الأم، ليس ما يدل على الازدهار المسرحي، كأنما المسرح صار محطة انتظار للمخبولين النشاز، الركاكة والرطانة، والتسفيه والتخبط في مربع الابتذال والفكاهة العاهرة، كل هذا اصبح يشكل السمة الجوهرية لصورة التمسرح والمسرح المقلوب على قفاه. المجد للمقدس المنسي، المجد للانهيار، ولعمود النهار الميت اغنيتي اليابسة.

منذ خمسة عشر عاما أحاول عبر عملي مع المسرح الفلسطيني ان افكك بيت الفص ثم اخلع اعمدة التمثيل الميت، الاشارات ودلالاتها المكثفة أرسمها في فنجان قهرتي ثم أنفذها في الظل المسرحي، ليس هناك أي مجد للثبات، ولا ركيزة للونين اللفظي الخطابي، ولا أي توق لابتزاز الجسد، الميلان المركب النحتي غاية من غايات بروفاتي، المس وثعبان التغير هندسة مشهديتي، ملاحقة النور الخافت، والموسيقى الجسدية الروحية صلواتي، هكذا أحاول العبور لمنح النفس المزيد من اللذة الخشنة، ما زلت أجلس تلميذا على مصطبة فلسطين، دائما أخبىء لها وردة من ضوء حر، ما زلت أجلس على نهر الغصة والحسرة والاحباط كي ارقب ليل السكاكين الطويل الذي يحيل فلسطين الى حفلة من الرايات وروايات المذابح بصمت، اتفق الجميع عليه، الخناجر تفرز في ظهر فارس التحرير، الطلقات تحده من الشمال والعاصفة من الجنوب اما من الشرق والغرب، غروب مريع، ليل العرب صار اكثر غربة من غربانهم، ليل العرب والخيانات الاليفة، توا بيت الايائل في مساء الانتفاضة تتطاير، بينما الامة كلها غافية على مخدة من رماد، مازلت أدفع المسرح الذي اعيش واتنفس نحو هذا الهول المفزع، إنني أمشي نحو تمجيد الكوفية ثم انوي السفر فيها للمجهول المؤبد.

* هناك خلف الستارة، حيث رائحة العتمة هي ذاتها رائحة الاقتلاع، الغياب، المنافي، الحب والمرأة، ترى ما هو النص الذي خلف الستارة ولم يتقدم جسور بضع خطوات الى الخشبة نود الامساك عليه هناك في خلوته المستوة ؟

* الاسدي. منذ ذلك المساء الذي فتحت فيه كتاب القديس غارسيا لوركا، منحتني (يرما) مسرحيته الساحرة معايشتين. احداهما في بروفات المسرح والاخرى قبلها او بعدها، ان هذا الما قبل او الما بعد بالنسبة لي هو السياق الاخطر في حلقة القيام بالبروفات، فالمقابل هو الاستيقاظ على ريش الحمامة التي هبطت على حافة شباكي وهي تحمل على جنحها ندى الفجر، بصحبة الحمامة ومع فيروز الله الصباحية، احيي ماريا، تلك الفتاة التي كانت تمني على سطح النص تحمل بين يديها ضوء الحنين المجنح، ثم اسلط الضوء على فيكتور الذي يتسلل مع ذكورة المساء كي يداعب روح يرما، اما خودن العقيم فها اني أراه يزدهر في حضرة الجواميس في المزرعة، يرما عندي مثل ماريانا، عزاء غرناطة وروحها التي اعدمها جمرها وهي تهفو للحرية وتدق ابواب الدولة، او لقرع زيفها، تلك البروفات كتبت لي حياة تفصيلية من لوعة ورغبة وحب عاصف، مع يرما الباحثة عن ضوء رحمها، الولد المقدس الذي تنشده، كان عندي ولد مقدس اسمه كوردن، بصحبة كوردن وعلى فراشه المدمي نبت عذاب يرما وهي تنشد ولدها، قال لي الدكتور وقتها، ان ابنك سيلقى مصرعه بعد اربع سنوات، لان قلبه مذبوح، وقلادة خصره مقطوعة، قدماه مشتظية، وظهره عار الى جنون مريع، اما ان تحمل طيبه او.. قلت سأحمل طيبه، حملت ولدي بين ضلوعي ثم ركضت به نحو ست زينب، ركعت في حضرتها وصرت ارتل ثم انوح واصلي الى الله كي يحمي القصيدة الذهب الذي احمل طيبها، في تلك الايام بالتحديد كانت بروفات يرما تتغذى من دم ولدي الوليد المسيح المطوب سلفا، لقد تمادى التوحد الطقوسي الدموي بين قصة يرما وجنوح جسدها للولد وبين طائري الناري الذي سيهوي، صارت بروفات مميتة، عاصفة، قاسية وسحرية في آن، بعد كل بروفة كنت اموت على السرير، ثمة قسوة مريعة كانت تعصف بي بعد البروفة.. لم يكن الممثلون يعرفون تلك القصة الممزقة، كأنما اللذة بالاحساس مع يرما وغنائيتها القصائدية وهي تنشد شروق ابنها هي لحظة عذاب خطير تهز روحي وانا انظر الى ابني وهو يموت ببط ء، اي وحشة واي فراق !!.

دائما كان هناك ثمة قرين حقيقي تبتكره الطبيعة المتوحشة كيما تزيد وحشتي، يومها وخلال ايام بروفاتي على مسرحية "ماريانا لوركا" ايضا جنحت الى قراءة الهيجان، وهي رواية تسجل بشفافية ساحرة موت لوركا، على وقع بروفات ماريانا قرأت موت لوركا، ولعل اخطر ما في مسرحية "ماريا لوركا " هو ان لوركا حقق فيها نبوءته عن طريقة موته، حقا لقد اطلق الرصاص على لوركا الكاتب الاسباني الرائع بالضبط كما اطلق فونسيكا الشرطي الوغد الرصاص على ماريانا في نهاية المسرحية، انه شاعر رأى موته على الورق، شاعر منح بطلة مسرحيته دعاءه الحية، حال انتهائي من قراءة الهيجان، اشهد اني اجهشت بالبكاء، البكاء الصراخ، البكاء الجنون، لا اعرف لماذا انتابني شعور حقيقي برغبة خفية لاعداد هذه الرواية مسرحيا، حالا طرحت على نفسي السؤال المستعصي، من سيلعب دور لوركا؟ فتشت بين وجوه الممثلين عن واحد يليق بلعب دور لوركا؟ قلت من هذا القديس والقصيدة والسحر والموسيقى الذي سيجتمع في ممثل واحد؟! مر ببالي ومن باب المداعبة وجه اخي عبدالله الاسدي، لماذا وجه عبدالله ؟ اقسم لم أحذر وقتها السبب الذي جعلني استدعي ابن امي للعب الدور علما بأنه لم يكن لاخي اية صلة بالمسرح، كان سائق سيارة جسور ومغامر لا تعرف مغامرته حدا، بعد ارق ليلي عنيف استسلمت لنوم قلق، ظل وجه اخي يلاحقني، وضعت اخي في مساحة نص الهيجان وحقا تخيلت انه حل محل لوركا.، وعندما اقتربت النهاية وحان وقت اعدامه رأيت وشاهدت صورة اعدام اخي في لوركا، كم مت من الفزع ليلتها، ايها الرب انقذني، ناديت، لماذا هذا الامتزاج ؟ في اليوم الثاني كلمت الممثلين ورويت لهم الرواية الحلمية الكاملة ثم واصلت العمل على مسرحية ماريانا، بعد شهر من بروفاتي على المسرحية وصلني نبأ اعدام الستارة المسرحية التي هبطت على جثمان اخي في صراخ حتى الغيبوبة المؤبدة. تمددت على سرير الوحشة ثم دخلت في غيبوبة مفزعة وجدت نفسي بعدها في أحد المستشفيات تطرز جسمي الابر والحمى والذهول.

* ما افق التعاون بينك وبين د. وليد سيف ؟

لا الاسدي: كتب الدكتور وليد سيف مسرحيته التي عنونها بشكل اولي باسم (حريم ) التي تقرأ الدكتور بزوايا مركبة تخلط بين المناخ الحكائي التراثي وبين المعاصر في دلالات واشارات الى منطقة الحلم والقسوة.

يجري الاستعداد لاخراج (حريم ) في سياق عرفي عربي، مع بروفات تحقق للنص معادلا بصريا يعطي للممثل الاولوية المطلقة من حيث الفاعلية والارتجال والبحث في خواص الشخصية المركبة، لا اريد الحديث عن التجربة قبل الخوض فيها، ولا انوي الاسترسال في شرح النص مسبقا، بانتظار تحقيق النص عرضا مع الجمهور العربي.

و كيف تعاملت مع تجربة تمثيل "رأس المملوك جابر" بلغة وممثلين اسبان، ما الصعوبات وما الجديد في ذلك ؟

*الاسدي: رأس مملوك سعدالله ونوس على خشبة اسبانية ؟ كان هذا بحد ذاته بالنسبة لي نقطة حلم مدهشة احببت خوضها منذ زمن طويل، ولعل اكثر الاشياء دهشة هو ذلك الامتزاج العذب بين خواص النص العربية وبين ايقاع واحساس الممثل الاسباني، واجهتني صعوبات خشنة وعنيفة في بداية الامر من حيث التكيف لايقاع حياة ممثلين لم اعرفهم ولم أرهم على المسرح وأجهل طاقاتهم الخلاقة ونزعاتهم المسرحية والانسانية، لقد تهجية الحياة أيام البروفات بمتعة وعذاب، بحب واندهاش، باندفاع وارتداد، جلس المترجم الى جانبي، حاول ان ينقل إحساسي بالنص، جلست المترجم الى جانبهم حاول أن ينقل أحاسيسهم بالنص وبي، ثمة دهشة لحانت تلف الترجمة وردود الافعال، غرابة اللغة واحتشاد الاشارات والاصوات التي داخلت العربية بالاسبانية، المسرحية منها والحياتية، كل هذا منحنا لذة فريدة من نوعها، تبدأ البروفات في تمام الساعة الثامنة والنصف صباحا ولا تنتهي الا بحدود التاسعة مساء مع استراحة ساعة واحدة للفداء، مكان البروفة كان يلزمنا للسفر يوميا اكثر من ( 40) دقيقة جنبا لجنب مع البحر وبصحبته يبدأ الصباح العذب وجنبا لجنب مع البحر نعود في المساء من ساعات عمل صعبة وقاسية، احب الممثلين النص من فاحيته الشرقية ولكونه نصا مكتنزا بالحكمة واللعب والفنتازية، المملوك، المماليك، العباسيين، ونقلة خيال حالم لعصر قديم يعاد تأسيسه على الخشبة المسرحية في ايقاع ولذة ومتعة جديدة يطلق العنان لها ممثلون اسبان، كل هذا صار مغريا للمنتج ولفرقة مسرح (لا كاسولا الاسبانية ).

عالم البروفات على المملوك جابر كانت غنية بالتفاصيل المسرحية

والانسانية، التعامل مع التمثيل والدخول مع الممثلين في علاقة وجدانية ومسرحية كان هدفي الاول، ليس من بروفة مهمة بدون حب جارف، اللغة عرقلتني في بداية الامر، طائر اللغة مرمرني، حاولت ثقب جدار اللغة بالقليل من الكلمات الاسبانية التي تهجية وقعها (بونديا: صباح الخير)، الممثلون يعرفون منذ الصباح الباكر (صباح الخير) وانا اجيبهم بونديا، ثم حشد من الكلمات الاخرى، حب، حبيبي، جيد، رديء، وقائمة او قاموس الحياة، الاكل، الشرب، والمزيد من النظرات، والملامسات الوديعة التي تعوض ثبات اللغة وعجزنا المشترك في الخوض معها، لم يستطع المترجم اللحاق بي، كما ان تدفقهم ورغباتهم واسئلتهم النشطة حول الحركة والمعنى والميزانية والافكار والدلالات اربك المترجم الذي حثثنا؟ للتوغل في القاموس اللغوي، العربي والاسباني، بعد فترة وجيزة كأنما صرت جزءا من عائلة المسرح، لقد تجاوزنا الصعوبات القاسية، تعلم المترجم تسهيل مهمتنا المشتركة، ادركنا خطط بعضنا، هضمنا النص، تلمسوا بحب خطتي الاخراجية، ثم مضينا بعيدا في الارتجال بعد أن قطعنا شوطا مهما على صعيد تجاوز الصعوبات الجوهرية، الموسيقي (انجل ) الذي سميته الملاك الطاهر كان طاهرا وملاكا في التلاحم مع البروفات، لقد جلب ادواته الموسيقية، خصوصا الايقاعية منها وعسكر معنا مما ادى الى منح البروفة طعما رائعا وعنيفا تحركت اجساد الممثلين على ايقاعاته العراقية التي حاولنا كثيرا ان نصهرها في بنية العرض المسرحي (اليسا روث ) النيوغرافة التي عملت مع (اليا كازدن ) اكثر من اربعة اعمال تركت مدريد وقدمت لنا تطريزات عربية سلوكية شرقية على صعيد الديكور والملابس، ايام العرض تقترب، مضى على بروفاتنا اكثر من شهرين ( 14 ساعة بروفات في اليوم ) لقد بدا واضحا ان الهيكل الاولي للعرض قد تشكل وان ثمة نضوجا صار يدب في جسد العرض المسرحي، الافتتاح كان في مدينة (الكوي) الاسبانية بحضور ( 0 120) متفرج، خرق العرض العربي روح ووجدان الانسان الاسباني في يوم من سحر واستقبال أخاذ.

* أقمت في الشارقة قبل 5 سنوات حوالي 4 شهور وقدمت خلالها "مقهى بوحمدة " فما هي ذكريات المقهى.. ذكريات الشارقة..؟

* الاسدي: قد لا اغالي اذا قلت ان حنيني الى الشارقة ينبع من عشقي لناسها، فتحت المدينة لي بابها وجذبتني الى حنين اخاذ ثم رنحتني في غرام اخاذ لبس وشاح القصيدة الماس، اي خور فكان يخرق تلك القوارب الماثلة، المتكئة على جمر الرمل ! اي طبور تلك التي كانت تحث ارجلنا نحو موج مبهج، ومقهى عامرة بالكركرات ومساءات العافية والانثى الذهب، سيدة الكحل والاسكنجبيل، اي رب كان يدفع القصيدة للغيبوبة في الشعر الرعوي، أو لمساء الكاكاو.

عائلة مقهى أبو حمدة تبني لنفسها بيتا للنص وتشيد في تلك القاعة الصغيرة اعمدة للضوء، ليس للممثلين سوى كسر سورة اليقين والسفر في الشك ثم التحليق مع ثعبان الفنتازية، امامنا بروفات الاعياد ومسى الاجساد، امامنا الضحكة المجلجلة والدمعة الصافية، امامنا نهارات من فضة وتهجي حنين للتمثيل المقدس، كنا نمشي بدون ضجة، العرق ينزل من أجسادنا في همسات داخلية عميقة، النيران مصطبتنا وانتظار التفجر، كنا نستدعي الشخصيات المسرحية الى مربع اللعب، ثم نهومها او ننومها، نطير بها ونهجع في السكوت المرير، ليس عندنا اي ادعاء ولا رغبة في التفاوض مع النرجسية، كل ما لدينا، فوانيس للمني في الضوء، وصلاة ثم تبتل مع التقمص والتجسيد، النقاء والطهرانية في البروفات زوادتنا، في تلك المساحة الطيبة كان الممثلون ينبتون ريش قلبهم وينحتون الممثل التواق للعزف في سيمفونية المسرح المقدس، انني ادرك الأن معنى اولئك الممثلين الحالمين واعرف بياض روح النيوغراف، كما اني اتذكر تلك الجنية الساحرة التي كانت تقرفص في المسرح كي تسجل ذكرياتنا وصيرورة بروفاتنا، اعرف ايضا نهار الطيب لكل من كان يحيط بنا من اوفياء شاركوا في التجربة وعمروها بالصدق والحب. هذه هي عائلة الشارقة المسرحية، خرز من الجنة.

* تعتمد في الغالب على جسد مسرحي جديد، كيف ترصده، كيف تقدمه، وما هي تلك الحدقة التي من خلالها يمكن مراقبة هذا الجسد الجديد؟

* الاسدي: اتوق بشغف لاستنباط النهار الكريستالي من عتمة الجسد، في عتمة الجسد يسكن طائر التقمص والعذاب الفذ والمزيد من السببي التراجيدي او الفكاهة المرة العفيفة، في ذلك السرداب، تتغذى الروح من جلجلة النيران والوحشة، في تلك القارة البعيدة، اردنا ان نطلي الوجوه باليانسون والاصباغ كي ندفع المهرج المخبول بالحكمة لليقظة، لهذا الجسد اعمدة ضوء اسميها ملكوت الاصابع، في هذا الجسد قارورة خمر الاجنحة المرفرفة اسميها العيون، لهذا الجسد شجرة اسميها العمود الفقري، على سطح هذا الجسد تنام الحشائش والمراكب الصغيرة والموا ويل والمزيد من الخيام والارغفة والعطش، على المسرح اطلق مدفع الجسد للتثاؤب او للنواح، على المسرح يميل الجسد لاستنطاق فتوته كي يعيد الاعتبار لدورها النحتي التقمص الشعري الأخاذ، في جسد الممثل تكتنز الخيول والقبائل، الطوفان ايضا يخبىء نفسه بين ثنايات الاجساد، للاصبع عين وقلب وروح، للعين اصبع وفم واقدام، للقدم جبهة ورقبة وانف، في كل عضو من اعضاء الجسد تكتنز عناوين الجسد الاخرى، وفي كل عنوان من عناوين الجسد ثمة امكانية لاعادة خلق المهمات والذهاب الى ما بعد الحدود، الى ما بعد الاعتياد، ال ما بعد اللغة، اي الابحار نحو الملكوت المخبوء،

غير المعلن والمكرس، بمعنى آخر ان الجسد احتمال لم تفتح ابوابه، ومحطة مشرعة لفتح الكتاب المحرم ونبش الاسئلة المحظورة هذه هي ترتيلة الجسد في محراب المنحوت المسرحي، هذه هي عين الجسد التي تسلط الضوء على روح الجسد.. هذه هي التعويذة للمسرح الممسوس.

* في كتابك "مرايا مريم"  كيف تنظر الى الصلة الروحية بين القصيدة والمسرحية وبخاصة انك تنطوي في الصميم على روح شاعر وهذا ينعكس على اختيارك للنصوص وللممثلين معا؟

 

* الاسدي: كتاب النشر ستتصدره فاطمة أمي، وجدانياته ستكون حفلة المنافي وقافلة الذكريات المتنكرة في ازياء الموتى والمندثرين في قبة العباءات الكربلائية، حاولت ان اعطي لنفسي في هذا الكتاب فرصة التناوب بين البروفة وانعكاسها على ما بعدها، بعد البروفة دائما كنت احس باللوعة لفقدان ناري لم تتسع له المساحة المسرحية ولا الممثلون ولا صورة النص، لهذا فان جذور كتاب النثر أتت من أجل ديالوج المشقة في انتظار المعشوقة الام، او الحبيبة المدينة، او طوفان الرايات والنقر والنواح المبكر، انه مسرح من نوع آخر يطلق نذوره ممثل صار القاسم المشترك الاعظم لكل العروض المسرحية التي لم تتسع له، لهذا صار الكتاب ممثلي في الخلوة المنشودة التائهة في قبة السكوت امام مرآة النبيذ والعربدة والاشارات ومكالمة النفس في السر، كل هذا الذي لا تتسع له سوى المرأيا التي تجذبك دائما للبوح والمجاهرة في خلوة فجر مدنسة، هناك على مقربة من بار يسكنه المشعوذون تنبت مفردات النص هناك في جوف الاسطبل على مقربة من الخيول الذبيحة المصلوبة علنا امام بكاء السائس، هناك في فترات صمت الممثل الذي اسس سلطته فوق الخشبة مع حشود من جماهير مبهورة ينتابها نزوع نحو اللطم والتهشيم. كل هذا وسراه قدم لة مسودة الكلام في البياض الملطخ بالوحل.

*بين الخشية والخشبة هنأك نقطة سرية مختبئة في مكان ما من فضائل المسرحي، فما هي خشية جواد الاسدي؟ واين تكمن مخاوفه او يكمن خوفه؟

* الاسدي: الموت بعد انفضاض الجمهور الموت في انسدال الستار على العرض.

الموت في نوم الممثلين ومغادرتهم للشخصيات التي

لعبوها فوق الخشبة.

موت الاسرة وهي تودع ضوء المسرح موت حفيف الكراسي وهي تموء وحيدة في الليل مدلهم بعد وحشة الحشود.

موت البروجوكتور الذكر

موت البروجوكتور الانثى

وحدانية العشاء الاخير

وحشة الطاولة

انهيار الابواب

سقوط السقف في تصفيق الجمهور

انتظار الانثى مظلة الزوجة المسافرة

انهمار الفرات على الاجساد المشبعة بالعطش

لهاث دجلة الى سريري اللليلي