الحياة بحثا عن السرد


بول ريكور

ترجمة: سعيد الغانمي(كاتب وباحث من العراق)


إن كون الحياة ذات صلة بالسرد أمر كان معروفا دائما، وقد تكرر قوله كثيرا، فنحن نتحدث عن قصة حياة لنصف التواشج بين الميلاد والموت. مع ذلك، فان المماثلة بين الحياة والقصة ليست واضحة في الواقع، ولابد من وضعها تحت طائلة الشك النقدي. وهذا الشك هو عمل كل المعرفة التي استحصلتها العقود القليلة الماضية حول السرد، وهي معرفة يبدو أنها تفصلى السرد عرت التجربة الحية وتقصره على منطقة الخيال. سنمضي، أولا، لاختراق هذه المنطقة النقدية ونسعى لاعادة التفكير بطريقة أخرى في هذه العلاقة المسرفة في التبسيط والمباشرة جدا بين التاريخ والحياة، تلك الطريقة التي يسهم فيها الخيال في صنع الحياة، بالمعنى البيولوجي للكلمة، اي الحياة الانسانية. اريد ان أطبق على العلاقة بين السرد والحياة حكمة سقراط القائلة ان الحياة بلا عناء لا تستحق ان تعاش.

سأتخذ نقصة بدء لي، حين أدنو من منطقة هذا النقد ملاحظة أحد الشراح: القصص تروى ولا تعاش، والحياة تعاش ولا تروى. ولتوضيح هذه العلاقة بين العيش والسرد، اقترح ان نبدأ أولا بفحص فعل القص نفسه.

ونظرية السرد التي أزمع مناقشتها حديثة جدا، ما دامت في أرقى صورها تعود الى الشكلانيين الروس والتشيك في العشرينات والثلاثينات، والى البنيويين الفرنسيين في الستينات والسبعينات. ولكنها قديمة جدا، ايضا، بحيث تمكن رؤيتها وقد تجسدت في كتاب "فن الشعر" لأرسطوطاليس. صحيح أن أرسطو لم يعرف سوى ثلاثة أجناس أدبية، هي الملحمة والتراجيديا والكوميديا. غير ان تحليله كان من العمومية والشكلية بما يكفي لايجاد متسع للتحولات الحديثة. ومن ناحيتي، لقد استبقيت من "فن الشعر" لارسطو مفهوم بناء الحبكة e mplotment المركزي، الذي هو في اليونانية "ميثوس "  mutos إله الاساطير والمرويات، الذي يشير الى كل من الحكاية fable (بمعنى القصة المتخيلة) والعقدة plot   (بمعنى حبكة القصة المبنية باتقان). وهذا الركن الثاني من الميثوس عند ارسطو، هو الذي أجعله دليلا لي، وارجو ان استخرج من هذا المفهوم عن الحبكة جميع العناصر التي يمكن أن تساعدني فيما بعد في اعادة صياغة العلاقة بين الحياة والسرد.

وما يسميه ارسطو بالحبكة ليس بالبنية الساكنة، بل هو عملية واجراء متكامل لا يمكن ان يتم ويكتمل، كما سأحاول أن أبين فيما بعد، إلا لدى القارىء او المتفرج، إي لدى متلق حي للقصة المروية. وأعني بالعملية المتكاملة العمل التأليفي الذي يضفي على القصة هوية ديناميكية متحركة، اي ان ما يروي هو قصة متعينة، واحدة وكاملة في ذاتها. وعملية بناء الحبكة هذه هي التي سأضعها موضع الفحص في الجزء الاول من مقالتي.

بناء الحبكة

سأعرف عملية بناء الحبكة، تعريفا واسعا، بوصفها تركيبا بين عناصر متنافرة. تركيب بين أية عناصر؟ قبل! كل شيء تأليف او تركيب بين الاحداث والعوارض التي هي متعددة، وبين القصة الواحدة المكتملة. ومن خلال وجهة النظر الاولى فذه، تقوم الحبكة بوظيفة ايجاد قصة واحدة من أحداث متعددة، او اذا شئت، تحول الاحداث العرضية الكثيرة الى قصة واحدة. ومن هذه الناحية فان الحدث ليس مجرد شيء عابر، أعني انه اكثر من مجرد شيء يحدث وكفى، بل هو ما يسهم في مجرى عملية السرد، مثلما يسهم في بدايتها ونهايتها. وانطلاقا من هذا، فان القصة المروية هي دائما من مجرد احصاء وتعداد في نظام معين، سواء أكان متسلسلا أم متعاقبا للاحداث او العوارض التي تنظمها قي كل معقول. والحبكة، كذلك، تركيب من وجهة نظر ثانية، فهي تنظم معا المكونات التي لا تقل تنافرا عن الظروف غير المقصودة، والكشوف التي تؤدي الافعال، والتي تفتقر اليها، والمصادفات او المواجهات المخطط لها، واشتباكات الفاعلين ابتداء من الصراع وانتهاء بالتعاون، والوسائل المعدة اعدادا متقنا او بائسا للوصول الى الغايات، وأخيرا النتائج غير المقصودة. ان جمع كل هذه العوامل في قصة واحدة يجعل الحبكة كلية شاملة، يمكن القول انها متوافقة  Concrdentومتضاربة discordant في وقت واحد (وهذا هو سبب حديثي عن التوافق المتضارب او التضارب المتوافق فيما بعد). ونحصل على فهم لهذا التأليف من خلال فعل متابعة قصة ما، لان متابعة القصة عملية معقدة جدا ، تقودها توقعاتنا حول نتيجة القصة، والتوقعات التي نعيد ترتيبها في اثناء مواصلة القصة حتى تتوافق مع الخاتمة. ولابد أن أشير، عابرا، الى ان أعادة رواية القصة يكشف، بجلاء، عن هذه الفعالية التركيبية التي تعمل عند التأليف الى حد اننا لا نقع في أسر الجوانب غير المتوقعة للقصة بنفس الدرجة التي ننصرف فيها الى الطريقة التي تؤدي بها الى خاتمتها. واخيرا فان بناء الحبكة هو تركيب بين المتنافرات بمعنى اكثر عمقا بكثير، وهو المعنى الذي سنستعمله فيما بعد لوصف الزمانية الخاصة بالتأليفات السردية. ويمكننا القول ان هناك نوعين من الزمن في كل قصة مروية. فمن ناحية، هناك تعاقب متقطع مفتوح ولا نهائي نظريا، وهو سلسلة من الأحداث الأننا نستطيع دائما طرح السؤال التالي: ثم ماذا؟ ثم ماذا؟) ومن ناحية اخرى، تقدم القصة المروية جانبا زمنيا آخر يتسم بالتكامل والنضج والاختتام الذي تدين له القصة بحصولها منه على صياغة تصويرية متعينة configuration . بهذا المعنى يكون تأليف القصة، مني الوجهة الزمانية، استخراج صياغة تصويرية من تعاقب ما. ونستطيع سلفا أن نخمن أهمية هذا الاسلوب في تشخيص القصة من وجهة النظر الزمنية، بقدر ما يمثل الزمان بالنسبة إلينا ما يتقضى ويجري، وما يبقى ويظل من ناحية اخرى. وسنعود لاحقا الى هذه النقطة. ولنحصر اهتمامنا في الوقت الحاضر بوصف القصة المروية بأنها كلية زمانية، والفعل الشعري بأنه خلق وساطة بين الزمن كانقضاء ومرور، والزمن كدوام وبقاء. فإذا تحدثنا عن الهوية الزمنية للقصة، فيجب أن نصفها بأنها شيء يبقى ويظل أمام ما يمر ويجري.

من هذا التحليل للقصة بوصفها تركيبا بين المتنافرات، يمكننا الاحتفاظ بثلاث سمات: الوساطة التي تؤديها الحبكة بين الاحداث المتعددة والقصة الموحدة، وأوقية التوإفق على التضارب واخيرا التنافس بين التعاقب والصياغة التصويرية.

لابد لي من تقديم اللازمة المعرفية (الابستمولوجية) لهذه الاطروحة حول بناء الحبكة، الذي فهم بوصفه تركيبا بين المتنافرات. وتتعلق هذه الازمة بنوع المعقولية التي ينبغي عزوها الى فعل الصياغة التصويرية. لا يتردد ارسطو في القول بأن كل قصة مبنية بناء محكما تعلمنا شيئا، أضف الى هذا، انه قال ان القصة تكشف عن جوانب شمولية في الوضع الانساني، وان الشعر، من هذه الناحية، اكثر تفلسفا من التاريخ الذي يعتمد الى حد كبير على الجوانب العرضية في الحياة. ومهما كان ما قيل عن هذه العلاقة بين الشعر والتاريخ، فمن الأكيد ان التراجيديا والملحمة والكوميديا، اذا لم نذكو سوى ما عرفه ارسطو من أجناس أدبية، تطور نوعا من الفهم الذي يمكن تسميته بالفهم السردي، والذي هو أقرب الى الحكمة العملية في الحكم الاخلاقي منه الى العلم، او بمزيد من العمومية، ألى الاستعمال النظري للعقل. ونستطيع توضيح هذا بطريقة بسيطة جدا. تتحدث الاخلاق، كما فهمها ارسطو، وكما يمكن فهمها حتى اليوم، حديثا مجردا عن العلاقة بين الفضيلة والبحث عن السعادة. ووظيفة الشعر بشكليه السردي والدرامي ان يقترح على الخيال وعلى توسطه، اشكالا مختلفة تكون "تجارب فكرية، كثيرة، نستطيع ان نتعلم من خلالها الربح! بين مظاهر السلوك البشري والسعادة والشقاء. من خلال الشعر نتعلم كيف تنتج تقلبات الحظ من هذا السلوك او ذاك، مثلما تبني الحبكة ذلك في السرد. وبسبب الألفة التي صارت لدينا عن أنواع الحبكة التي نتلقاها من ثقافتنا صرنا تعلم ربط الفضائل، او بالاحرى أشكال التفوق، بالسعادة او الشقاء، وتشكل هذه "ألدروس"  الشعرية "الكليات " التي تحدث عنها ارسطو، غير أن هذه الكليات تحتل مرتبة دنيا بالقياس الى المنطق او الفكر النظري. فينبغي ان نتحدث عن الفهم، لكن بالمعنى الذي أعطاه ارسطو لكلمة  pronesis(اي الحصافة والتبصر والتدبر) التي ترجمها اللاتينيون بكلمة prudentia، بهذا المعنى تهيأت للحديث عن الفهم الحصيف  pranetic لكى أقارنه بالفهم العقلي، والسرد ينتمي الى الفهم الاول، لا الى الثاني.

إن النتيجة المعرفية (الابستمولوجية) لبحثنا، هي الاخرى لها تطبيقات متعددة في مجهود السردية المعاصرة المتواصل لبناء علم أصيل للسرد. وفي تقديري فان هذه المغامرات، وان تكن مشروعة تماما، لا تحظى بالتبرير الا حين تماثل فهما سرديا سابقا عليها دائما، ومن خلال هذه المماثلة، تضيء هذه المغامرات "بنى عميقة"  يجهلها من يروون او يتابعون القصص، ولكنهم يضعون السردية على مستوى المعقولية نفسه الذي للسانيات او لعلوم اللغة الاخرى. وان نحدد معقولية السردية المعاصرة بقدرتها على ادعاء المماثلة عند مستوى الخطاب الثاني، وهو شيء فهمناه مذ كنا صغارا على انه قصة، لا يعني تكذيب التعهدات الحديثة، بل يعني أن نضعها في مكانها الدقيق من تراتب درجات المعرفة.

لقد كان بإمكاني، بدلا من ذلك، أن أبحث في مكان آخر غير أرسطو عن نموذج فكري اكثر حداثة، مثل نموذج كانت kan تمثيلا، والعلاقة التي يقيمها في كتابه "نقد العقل الخالص " بين الرسوم التخطيطية schematism والمقولات. فمثلما تحتل الرسوم الذهنية لدى كانت مركز المقولات الابداعي، وتشكل مبدأ تنظيم الفهم في المقولات، كذلك يشكل بناء الحبكة، على النحو نفسه، مركز السرد الابداعي، وتشكل السردية اعادة البناء العقلانية للقوانين الكامنة في الفعالية الشعرية.

وبهذا المعنى، فهي علم ينطوي على ما يقتضيه: اي ان ما تسعى لاعادة بنائه هي التحديدات والضوابط المنطقية والسيميائية جنبا الى جنب قوانين التحويل، التي توجه اشغال السرد. ولذلك لا تعبر اطروحتي هنا عن أية نية عدوانية ضد السردية، بل تنحصر في القول ان السردية هي خطاب من الدرجة الثانية، يسبقه دأئما فهم سردي، ينبع من الخيال الخلاق.

ومن هنا فصاعدا سيتركز التحليل كله على مستوى الفهم السردي ذي الدرجة الاولى.

وقبل أن أتحول الى قضية العلاقة بين القصة والحياة، اود.ان أتأمل في النتيجة الثانية التي ستضعني على طريق اعادة تأويل العلاقة بين السرد والحياة.

يمكن القول ان هناك "حياة" للفعالية السردية مندرجة في فكرة التراثية التي يتصف بها! لمخطط السردي schema.

والقول بأن للمخطط السردي نفسه تاريخه الخاص، ولهذا التاريخ خصائص التراث كلها، لا يعني البتة، الدفاع عن التراث باعتباره نقلا جامدا لركام لا حياة فيه. بل يعني على العكس، وصف التراث بكونه نقلا حيا لابداع يمكن تنشيطه دائما بالعودة الى اكثر اللحظات ابتكارا في التأليف الشعري. وظاهرة التراثية هي المفتاح لتشغيل النماذج السردية، وبالتالي، لتحديد هويتها. ولا شك ان تشكيل تراث ما يعتمد على تفاعل عاملين، هما المبتكر Annovation والراسب ,Sedimentio واننا لنعزو للراسب النماذج التي تشكل انماط بناء الحبكة التي تسمح لنا ان ننظم تاريخ الانواع الادبية، لكننا لا ينبغي ان نغفل حقيقة كون هذه النماذج لا تشكل ماهيات أبدية ثابتة، بل انها تنبع من تاريخ مترسب طمس تكوينه من قبل. واذا سمح لنا الترسب او الراسب بتحديد هوية عمل ما بكونه مأساة، مثلا، او رواية تربوية، او دراما اجتماعية، او اي شيء آخر، فان تحديد هوية عمل ما لا يستنفد باستنفاد النماذج التي ترسبت قبله. بل لابد من ادخال ظاهرة الابتكار المقابلة في الاعتبار.

لماذا؟ لان هذه النماذج نفسها التي تنبع من ابتكار أسبق، تقدم دليلا هاديا لتجريب آخر في الميدان السردي. تتغير القوانين تحت ضغط الابتكار، لكنها تتغير ببطء، بل انها تقاوم التغيير بسبب عملية الترسب. هكذا يظل الابتكار القطب المضاد لقطب التراث. وهناك دائما متسع للابتكار الى حد ان ما تم انتاجه، وبالمعنى العميق لشعرية الشعر، هو دائما عمل فريد، دائما "ذلك العمل بذاته ". فالقوانين التي تشكل نوعا من القواعد التي تتحكم بتأليف الأعمال الجديدة، تتجدد، بدورها بحيث يصير ما قبلها نمطا باليا. فكل عمل هو انتاج أصيل، وكينونة جديدة في عالم الخطاب. لكن العكس لا يقل عن ذلك صدقا، اذ يظل الابتكار سلوكا تحكمه القواعد، لأن عمل الخيال لا يأتي من فراغ. فهو يرتبط، بطريقة او باخرى، بالنماذج التي يوفرها التراث. غير ان بوسعه الدخول في علاقة متغيرة مع هذه النماذج. ويظل نطاق الحلول واسعا بحق بين قطبي التكرار الذليل والانحراف المحسوب، مرورا بجميع درجات التشويه المنظم. فالحكايات الشعبية والاساطير والمرويات التراثية تقف قريبة من قطب التكرار. وهذا هو السبب الذي جعلها تشكل الملكوت الاثير للبنيوية. ولكننا حالما نترك وراءنا ميدان هذه المرويات التقليدية حتى ينتصر الانحراف على القانون. فالرواية المعاصرة، مثلا يمكن الى حد كبير أن توصف بكونها رواية مضادة للرواية، اذ تصير فيها القوانين نفسها موضوعا لتجريب جديد. ومهما قيل عن هذا العمل او ذاك، فان امكان الانحراف يظل ضمنيا في العلاقة بين المبتكر والراسب، او بين الابتكار والترسب، وهذا ما يشكل التراث. وتضفي متغيرات هذين القطبين على الخيال الابداعي صفة التاريخية، وتبقي التراث السردي تراثا حيا.

من السرد الى الحياة

يمكننا الآن أن نهاجم المغالطة التي نتأمل فيها هنا: وهي ان القصص تروى، والحياة تعاش. حيث تبدو هوة لا تردم تفصل بين القص والحياة.

ولكي نردم هذه الهوة، لابد في تقديري من ان نعيد النظر بطرفي هذه المغالطة، ونتمعن فيهما.

ولنمكث لحظة على جانب السرد، اي على جانب الخيال، لنرى بأية طريقة يعيدنا الى الحياة. وتكمن أطروحتي هنا في ان عملية التأليف او الصياغة لا تكتمل في النص وحده، بل لدى القارىء، وبهذا الشرط تجعل من اعادة صياغة الحياة في السرد امرا ممكنا. ولي ان أقول، بعبارة أدق، ان معنى السرد او دلالته تنبثق من "التفاعل بين عالم النص وعالم القارىء". هكذا يصير فعل القراءة اللحظة الحاسمة في التحليل بكامله. فعليها ترتكز قدرة السرد على صياغة تجربة القارىء.

اسمحوا لي ان أركز على المفردات التي استعملتها هنا: "عالم النص وعالم القارىء". يعني الحديث عن عالم النص التركيز على ملمح ينتمي الى اي عمل أدبي، يفتح امامه افقا لتجربة ممكنة، عالم يمكن ان يعاش فيه. فليس النص بالشيء المغلق على ذاته، بل هو مشروع كون جديد منفصل عن الكون الذي نعيش فيه. وامتلاك عمل ما من خلال القراءة، يعني نشر أفق عالم ضمني يحتوي على الافعال والشخصيات واحداث القصة المروية. وبالنتيجة، ينتمي القارىء دفعة واحدة الى افق تجربة العمل في الخيال، والى فعله او فعلها الواقعي. ان افق التوقع وأفق التجربة يواجهان باستمرار احدهما الآخر، وينصهران ببعضهما البعض. وبهذه النظرة يتحدث "غادامير" عن " انصهار الآفاق " الجوهري في فعل فهم النص.

أعرف جيدا ان النقد الادبي حريص على ابقاء التمييز قائما بين داخل النص وخارجه. ويعد اي استكشاف او سبر للعالم اللغوي خروجا عن نطاقه. اذن، يتسع تحليل النص ضمن حدود النص، ويحرم أية محاولة للخطو خارج النص. هنا يبدو لي ان هذا التمييز بين الداخلى والخارج هو نتاج منهج تحليل النصوص نفسه، وانه لا يتطابق مع تجربة القارىء. وينشأ التضاد بينهما عن تعميم الخواص التي تتسم بها بعض الوحدات اللسانية على الادب، مثل الفونيمات واللكسيمات والكلمات. فالعالم الواقعي يقع خارج اللغة في اللسانيات. لا القاموس ولا النحو يحتويان على الواقع. ان هذه المبالغة في النقل الاستقرائي من اللسانيات الى الشعرية هي بالضبط، فيما يبدو لي، ما يغري النقد الادبي، أعني التصميم المنهجي المناسب للتحليل البنيوي، في معاملة الادب من خلال المقولات اللسانية التي تفرض عليه التمييز بين الداخل والخابى ج، ومن وجهة نظر  تاويلية (هرمنيوطيقية) اي من وجهة نظر تأويك التجربة الادبية، فان للنص معنى مختلفا تماما عن المعنى الذي يعرفه التحليل البنيوي فيما يستعيره من اللسانيات. فهو وساطة بين الانسان والعالم، وبين الانسان والانسان، وبين الانسان ونفسه. والوساطة بين الانسان والعالم هي ما ندعوه المرجعية، والوساطة بين الناس هي ما ندعوه الاتصالية، والوساطة بين الانسان ونفسه هى ما ندعوه بالفهم الذاتي. والعمل الادبي يتضمن هذه العناصر الثلاثة ة المرجعية والاتصالية والفهم الذاتي.

إذن، تبدأ المشكلة التأوينية حين تفرغ اللسانيات وتغادر. وهي تحاول ان تكتشف ملامح جديدة للمرجعية ليست وصفية ة وملامح للاتصالية ليست نفعية، وملامح للتأملية ليست نرجسية، ما دامت هذه الملامح وليدة العمل الادبي. بكلمة وجيزة، توضع الهرمنيوطيقا او التأويلية عند نقطة التقاطع بين الصياغة ا لصورية (ا لداخلية) للعمل configuration ، وبين اعادة التصوير (الخارجية) للحياة  refiguration، في رأيي، ان كل ما قيل سابقا بخصوص حركية الصياغة التصويرية الخاصة بالخلق الادبي ليس سوى اعداد طويل لفهم المشكلة الحقيقية، أعني مشكلة تحول الصورة المناسب للعمل. من هذه الناحية، يكون بناء الحبكة هو العمل المشترك لكل من النص والقارىء. لابد لنا ان نتابع الصياغة التمثويرية وان نصحبها ونحقق لها قابلية كونها متبوعة، حيثما يكون للعمل، حتى ضمن حدوده الخاصة، صياغة تصويرية، فمتابعة سرد ما هي اعادة تحقيق فعل تصويري يضفي عليه شكله. وكذلك فانها فعل القراءة الذي يصاحب اللعب بين الابتكار و الترسب، اللعب بالضوابط والقيود السردية، مع الاحتفاظ بامكان الانحراف، بل حتى بالصراع بين الرواية والرواية المضادة. واخيرا، فان " فعل القراءة" هو ا لذي يكمل العمل الادبي، ويحوله الى "دليل " للقراءة، بما فيه من مزايا غير قطعية وبثروة تأويلية خبيئة، وقدرة على ان يعاد تأويله بطرق جديدة وفي سياقات تاريخية جديدة.

 لقد صار بإمكاننا، قي هذه المرحلة من التحليل، ان نمسك بالكيفية التي يصطلح فيها السرد والحياة، لان القراءة نفسها هي أصلا طريقة للعيش في عالم العمل الخيالي، وبهذا المعنى يمكننا القول ان القصص تروى، ولكنها أيضا "تعاش على نحو متخيل ". ينبغي الآن ان نلم بالطرف الثاني في هذه  الثنائية، وهو ما نسميه بـ "الحياة". ينبغي ان نتساءل عن البديهة المغلوطة التي تعاش الحياة بمقتضاها ولا تروى.

ولهذه الغاية لابد ان اركز على القابلية قبل السردية pre-narrative فيما ندعوه الحياة. مايجب ان نسأل عنه هو التوازن المفرط في بساطته بين الحياة والتجربة. ليست الحياة سوى ظاهرة بيولوجية، طالما بقيت خالية من التأويل. وفي التأويل يؤدي الخيال دور الوسيط. وحتى نتيح المجال لمثل هذا التحليل، لابد ان نؤكد خليط الفعل والعناء الذي يكون نسيج الحياة. فهذا الخليط هو ما يحاول السرد ان يحاكيه بطريقة ابداعية. حين تحدثنا عن ارسطو تعمدنا حذف التعريف الذي يقدمه للسرد، فهو يرى انه "محاكاة فعل ما" mimesis praxeos. لذلك علينا ان نبحث عن نقاط الاسناد التي يجدها السرد في التجربة الحية للفعل والعناء، والتي تقتضي، في هذه التجربة، مقاومة السرد وتعبر عن حاجتها له.

أول نقطة يرسو فيها الفهم السردي في التجربة الحية تكمن في بنية الفعل ألانساني والعناء. من هذه الناحية، تختلف الحياة الانسانية اختلافا شاسعا عن الحياة الحيوانية، وللسبب نفسه عن وجود الجمادات. ونفهم ما الفعل والعناء من خلال قدرتنا على ان نستعمل، بطريقة ذات معنى، كامل شبكة التعبيرات والمفهومات التي تمنحنا اياها اللغات الطبيعية لكي نميز بين "الفعل " الارادي، و"الحركة" الجسدية المحض، و"السلوك " التشريحي النفسي. على هذا النحو نفهم ما يعنيه المشروع والهدف والوسيلة والظروف، وغير ذلك. وتشكل كل هذه الافكار شبكة ما نصطلح عليه بـ "دلاليات الفعل ". فبهذه الشبكة نجد كل مكونات التأليف بين المتغيرات. من هذه الناحية، تكون ألفتنا بالشبكة المفهومية للفعل الانساني من نفس مرتبة الالفة التي لدينا عن حبكات القصص المعروفة، لنا، فهو نفس الفهم الحصيف الذي يوجه فهم الفعلى (والعناء) ويوجه السرد ايضا.

ثاني نقطة رسو يجدها السرد في الفهم العملي تكمن في المنابع الرمزية للميدان العملي. وستقرر هذه النقطة اي مظهر من مظاهر الاداء، او القدرة على الاداء، او معرفة كيف يؤدي، هو الذي ينتمي الى مجال النقل الشعري. واذا كان بالامكان رواية الفعل حقا، فذلك لانه قائم، اصلا، بالالفاظ والاشارات والقوانين والمعايير، فهو دائما موسوط رمزيا. ولقد فهمت الانثربولوجيا الثقافية ملمح الفعل هذا فهما رصينا.

اذا تحدثت بطريقة اكثر تحديدا عن الوساطة الرمزية، فذلك لكي اميز بين رموز الطبيعة الثقافية، وافرز ذلك النوع من الرموز الذي يكمن وراء الفعل الى حد انه يشكل اساس معناه، قبل ان تنفصل المجاميع المستقلة التي تنتمي الى الكلام والكتابة، عن مستوى الممارسة العملية. ونحن نجد هذه الرموز حين نناقش قضية

الايديولوجيا واليوتوبيا. وسأحصر ملأحظاتي اليوم بما يمكن ان يصطلح عليه بالرمزية الضمنية او الكامنة، في مقابل الرمزية الصريحة او المستقلة.

وفي الحقيقة، فان ما يميز الرمزية الضمنية في الفعل، عند الانثروبولوجي، هي انها تشكل "سياقا وصفيا" لافعال مع&