|
ملحوظة
: الدراسة
الحالية هي
جزء من الفصل
الخامس من
رسالة
ماجستير
عنوانها "إشكالية
التجاوز في
أدب غادة
السمان
القصصي"
أشرف عليها
الدكتور
خليل الشيخ ،
ونوقشت
وأجيزت في
جامعة
اليرموك
بالأردن
بتاريخ 6/7/ 1996م . الزمان
والمكان : لم
تعد
الدراسات
النقدية
المعاصرة
تنظر الى
الزمان في
الابداعات
القصصية
بوصفه مجرد
خلفية جامدة
لابد منها
لأجل سيرورة
الحدث أو
مجرد عنصر
داخل في
عملية
التهيئة
والإعداد Settitig)
) لما هو
المهم في
القصة أو
الرواية ، بل
صار الزمان
ينظر اليه
جزءا ضروريا
وحيويا من
أجزاء
البنية
الأساسية
للعمل
القصصي، لا
تقل أهميته
عن أهمية
سائر
الأجزاء،
حتى قيل : "إن
هذا الزمن
يوشك أن يصبح
بطل القصة "(1)
وهي حقيقة
تشير، من جهة
، الى الافاق
الإبداعيه
الرحبه التي
يختزنها
العنصر
الزماني
بالقوة
منتظرة
المبدع الذي
يهب لها
الحياة
ويجعلها
متحركة في
أرجاء العمل
القصصي
بالفعل ،
لحما تشير
الحقيقة
نفسها ، من
جهة ثانية ،
الى حساسية
دور الناقد
وخطورته معا
حينما يحاول
تتبع تجليات
الزمان
ودوره في
تشكيل
النسيج
العام
للنتاج
القصصي ، في
إطار
محاولته
قراءة هز!
النتاج
قراءة منتجة
. ويبرز
دور الزمان
في أدب غادة
السمان
القصصي حين
تلاحظ
المكانة
الكبيرة
التي يحتلها
من عملية
السرد نفسها
من جهة ، ومن
وعي الشخوص
من جهة ثانية
. فمن الجهة
الأولى قلما
يكون الزمان
سائرا، في
قصص غادة
السمان
ورواياتها ،
على وتيرة
واحدة في
السرد ممتدة
من الماضي
وصولا الى
الحاضر
دونما أي
تغيير في خط
السير، إذ
الغالب أن
تقوم غادة
بتفتيت
الزمان
باستعمال
تقنيات
عديدة أهمها
تقنية
الاسترجاع fiash
Back
التي
تكسر رتابة
خط سيره
وتجعل
إيقاعه
متناغما مع
إيقاع
الشخوص
الداخلي ،
الأمر الذي
يكفل له أن
يكون ذد دور
كبير في
بلورة سمات
هؤلاء
الشخوص من
خلال تتبع
حركات
الذاكرة
لديهم .
والملاحظ
أدن تقنية
الاسترجاع
كانت تستخدم
في مجموعتي
غادة
القصصيتين
الأولى
والثانية (عينان
قدري ولا بحر
في بيروت )
بصورة غير
مباشرة ،
بمعنى أن
الاسترجاع
كان يبدأ
بعبارات مثل
"إنه ليذكر
جيدا"(2)او "وكان
ذلك يوم .."(3) او
لا املك إلا
ان اتذكر" ( 4).
لكن الامر
تغير بعد ذلك
، فصار
الاسترجاع
مباشرا غير
محتاج الى
عبارات تمهد
له ، ومع هذا
فقد بقي
مميزا عن
سائر فصول
السرد
بتقنيات
طباعية خاصة
تتمثل في
حصره بين
علامتي
تفصيص
واستعمال
نوع خاص من
الخط له ،
أغمق من غيره
. والى
جانب تقنية
الاسترجاع
كثيرا ما
تعتمد قصص
غادة
ورواياتها
في كسر رتابة
خط سير الزمن
على تقنية
الحوار
الداخلي أو
المونولوجMonologue)
) وهي
تقنية تتكفل
بتجميد حركة
الزمن لأجل
السماح
بإلقاء مزيد
من الضوء على
باطن
الشخصية
المتحدثة .
ويكون
المونولوج ،
كشأن
الاسترجاع
مميزا في
النص بحروف
طباعية
غامقة
وبعلامتي
تفصيص . وتقنية
المونولوج
وان كانت
كثيرة
الاستخدام
في أدب غادة
القصصي ، إلا
أنها لم تجعل
هذا الأدب -
لا بقصصه
القصيرة ولا
برواياته -
يغدو سائرا
في الاتجاه
الأدبي الذي
يعرف باسم "تيار
الوعي"(steam
of Consciousness) خلافا
لمن زعم ذلك(5)،
ذلك أن هذا
التيار يقوم
أساسا على "ارتياد
مستويات ما
قبل الكلام
من الوعي،
بهدف الكشف
عن الكيان
النفسي
للشخصيات"(6)،
ومن أهم سمات
مستويات ما
قبل الكلام
هذه أنها
أدلا تخضع
للمراقبة
والسيطرة
والتنظيم
على نحو
منطقي"(7)
وهذا غير
متحقق أصلا
في
مونولوجات
قصص غادة
ورواياتها،
فهي جميعا
خاضعة
للتنظيم
المنطقي
الواعي الذي
لا يسمح
للأفكار بأن
تنثال على
الذهن
بطريقة
عشوائية
مفتقرة الى
الترتيب
والتنسيق
كما يلاحظ
لدى وليم
فوكنر
وفرجينيا
وولف وجيمس
جويس مثلا.
ولعل عدم
لجوء غادة
الى تيار
الوعي أن
يكون راجعا
الى حرصها
الشديد على
المحافظة
على سمة
الوضوح في
أدبها، كيما
يصل هذا
الأدب الى
الجمهور
العريض الذي
تكتب له ،
وفي هذا تقول
غادة :
ادفأنا من
الكتاب
الذين
يحترمون
الجمهور
العادي لا
النخبة
وحدها، ولست
من الذين
يعلنون
بعجرفة أنهم
يكتبون
لأنفسهم"(8). وتشترك
مع
المونولوج
في تجميد
حركة الزمن
تقنيات أخرى
كالحوار بين
الشخوص
واللجوء الى
الأحلام
والكوابيس
وقطع السرد
بتضمينه
مجموعة من
الأساطير
والحكايات
الشعبية
والرموز
التاريخية
والحكم
والأمثال من
خلال ما يعرف
بـ"التناص " (lntertextuality)
بالإضافة
الى بعض
الأشعار
التي قد
تضعها غادة
على ألسنة
بعض شخوصها. وأما
فيما يرتبط
بالأهمية
التي
يكتسبها
الزمان في
وعي الشخوص ،
فالملاحظ أن
هؤلاء
الشخوص يعرن
جيدا ما
للزمان من
تأثير حاد في
حيواتهم
ومصائرهم ،
ويكون وعيهم
هذا سببا
لمعاناتهم
في كثير من
الأحيان .
فبطلة قصة "عيناك
قدري" تقرأ
في دقات
الساعة
تلخيصا
شاملا
لحياتها
كلها، تلك
الحياة
الرتيبة
التي لا مكان
فيها لابداع
أو لتجديد (9)،
وبطلة قصة "في
سن والدي"
ترى أن "الساعة
إله وثني
أسنانه
السود لا
تشبع"(10) ،
وذلك حينما
تذكرها هذه
الساعة
بفارق السن
الكبير
بينها وبين
الرجل الذي
اختارته
حبيبا لها.
ويلاحظ "بسام
" بطل قصة "أنياب
رجل وحيد" ،
كم هو الزمن
مخادع
للانسان ،
فهو يمعن في
الهرب كلما
ازدادت حاجة
الانسان
اليه ، إذ "الزمن
حفنة من
الرمل تنزلق
برعونة من
بين أصابعه
كلما شدد
قبضته عليها..
الرمل ينزلق
بسرعة لأنه
سعيد"(11) .
وتلخص "سوسن
" ، في قصة "يادمشق
" ، قضية كلها
حين تعتبر
الرعن في حرب
مستمرة مع
صدق الانسان
في قناعاته
وفي مشاعره :
"هذه الحرب
بين صدقنا
والزمن غير
متكافئة"(12). هذا
كله فيما
يتعلق
بالزمان .
واما المكان
فهو الآخر
ليس ، في أدب
غادة القصصي
، مجرد خلفية
للحدث او
ساحة لابد
منها لحصوله
. انه يتلون
بلون الحدث
ويعمل على
استكشاف
ابعاده
وآفاقه
المختلفة ،
وبتعبير آخر
: "المكان يلد
السر قبل ان
تلاه
الاحداث
الروائية".(13) ومن
هنا كان
المخزن
الاسطوري
الموزع
لهدايا
الموت ، في
قصة "القيد
والتابوت " ،
واقعا في
شارع يدعى "شارع
الزعقة "(14).،
وكانت مشاعر
عبثية
النضال ، في
قصة "بقعة
ضوء على مسرح
" ، مقترنة
بالبار الذي
يدعى "فرسان
دون كيشوت " ،
والذي كان
اخو البطلة
قد اختار
مجاورته
عمدا (15). كما لم
يكن اختيار "الكوميدي
فرانسيز"
مكانا للقاء
المضحك
المبكي بين
بطلة "الدانوب
الرمادي"
وحبيبها
السابق "حازم
" خاليا من
الدلالة (16). وللمكان
دوره الواضح
في التأثير
على سلوك
شخوص غادة
وفي توجيه
تصرفاتهم
وبلورة
نفسياتهم
وقراراتهم ..
فبطلة قصة "جنية
البجع " مثلا
ارادت ان
تخبر زوجها
برفضها ترك
باريس
والرجوع معه
الى بيروت ،
لكنها ابت ان
يكون هذا
الاخبار في
جزيرة البجع
، المكان
الذي شهد
ذروة حبهما ،
لادراكها
مدى التنافي
بين دلالة
المكان
ودلالة
الخبر الذي
كانت تحمله
لزوجها (17). وقد
كانت
للاماكن
التي
شاهدتها
بطلة "الدانوب
الرمادي" في
فيينا: كنيسة
سان استيقان
، بيت
بيتهوفن ،
المقابر ،
قصر شونبرون
، نهر
الدانوب ،
آثارها
الواضحة في
استثارة
ذكرياتها
وتحريك
همومها ، ومن
ثم في تحديد
ردود فعلها (18)،
حتى ليمكن
القول : "ان
المكان
الروائي
يصبح نوعا من
القدر. إنه
يمسك
بشخصياته
واحداثه ،
ولا يدع لها
بالا هامشا
محدودا
لحرية
الحركة "(19). ان
غادة السمان
لتطمح ، بعد
كل ما تقدم ،
الى ان
تتجاوز في
طبيعة
تعاملها مع
كل من الزمان
والمكان
التعامل
المعهود
معهما ،
فيكتسب
الانتان
لنفسيهما
دلآلات
جديدة
منعتقة من
اسار
الدلالات
المباشرة
ومتجاوزة
لها . ويمكن
اجمال اهم
مظاهر هذا
التجاوز في
النقاط
التالية : 1-
الرمزية :
فالألفاظ
الدالة على
الأزمنة
والأمكنة
تتجاوز ، في
ادب غادة
القصصي
احيانا
مرجعياتها
اللغوية
المعهودة
لترتبط
بمدلولات
رمزية جديدة
. فمن حيث
الامكنة
يلاحظ مثلا
ان دكان بيع
الحيوانات
الاليفة ، في
رواية "كوابيس
بيروت " ، ليس
دكانا كسائر
الدكاكين
التي نعهدها
، بل هو رمز
للبنان خلال
فترة الحرب
الاهلية ،
وحيواناته
الاليفة
التي انتهى
بها الامر
الى التقاتل
رمزا للشعب
البائس الذي
تركه زعماؤه
يجوع اولا ،
ليفتك بعضه
ببعض بعد ذلك
. ويؤكد هذه
الرمزية قول
بطلة
الرواية :
،دولكن
ألسنا جميعا
منذ اعوام
مثل كائنات
دكان
الحيوانات ،
وكل ما في
الامر هو
اننا كنا
نتوهم اننا
احرار لمجرد
اننا قادرون
على التحرك
الجغرافي ؟(20).
وتصف بطلة
قصة "بيضة
مكيفة
الهواء"
بيشها في
نيويورك
وصفا جديرا
بتذكير
القارىء
بوصف بيت "مصطفى
سعيد" ، بطل
رواية الطيب
صالح
المعروفة "موسم
الهجرة الى
الشمال " .
فالبيت
النيويوركي
يتملص من
الالته
المكانية
المحدودة ،
ليتحول الى
رمز واسع
الدلالة
بمقدار سعة
دمشق ، بل
الشرق كله "طربوش
ابي يتربع
على الطاولة
في مدخل بيتي
النيويوركي،
اما شباكي
الشامي
العتيق فقد
علقته على
الجدار
كنافذة على
السراغادر
عبرها
جاذبية
البيضة
مكيفة
الهواء ،
نافذة
افتحها ليلا
ولا أرى
الجدار
خلفها ، بل
أرى دمشق ..."(21). واما
رمزية
الزمان فهي
تظهر عندما
يكون الزمان
، في حركته
نحو الامام ،
رمزا لتقدم
البشر ، وعيا
ومشاعر
وسلوكا .
فاذا لم
يتطور البشر
فان حركة
الزمان تفقد
معناها بشكل
كلي وتتحول
الى حركة
صورية ليس
غير ، ولهذا
ساوى "خليل
الدرع " ، في "ليلة
المليار" ،
بين مرور
اسبوع ومرور
قرون حينما
وصف
الاضطهاد
الذي كان قد
لقيه في
بيروت من
الجهات
المتحاربة
هناك : أدلا
ادري غير
انني كنت في
مثل هذه
اللحظة منذ
اسبوع ، او
شهر او عام
او قرون ، مع
الهبوط
الاول
للظلام ،
والشوارع
خاوية ،
ارتجف شبه
معصوب
العينين في
الشاحنة
المحشوة بنا..."(22) ولهذا
ايضا كان
الساحر "وطفان
" ، في
الرواية
نفسها ، يرى
ان الزمان لم
يتقدم حقيقة
ما دام هو
شخصيا لم
يتطور الى
الافضل ،
فمازال
الماضي -
الذي باد
وانتهى في
الحقيقة حيا
، بل اكثر
حياة من
الحاضر: "كأن
ذلك الماضي
حي ومستمر ،
وانا اتابعه
في مكان ما
مع اخوتي
وابي وامي
ورائحة
بيروت
المالحة (...)
وصار الماضي
الميت اكثر
حياة هن
حياتي"(23). وفي
قصة "قطع رأس
القط " يتوقف
الزمن عن
التحرك طوال
فترة زيارة
شبح الخالة "بدرية
" لابن اختها
"عبدول"(24)
وهذا وان
امكن ان يرد
الى الطبيعة
الغرائبية
للقصة ، بحيث
يكون توقف
الزمن واحدا
من الامور
غير
المألوفة
الأخرى التي
حصلت اثناء
زيارة الشبح
، الا انه
يمكن تفسيره
ايضا بلحاظ
المعنى
الرمزي الذي
سبق ذكره
للزمان ،
فالأفكار
المتخلفة
التي طرحتها
الخالة "بدرية
" حول الزوجة
المثالية هي
التي اوقفت
حركة الزمان
، اذ لا معنى
لهذه الحركة
مع وجود مثل
هذه الافكار. 2-
النفسية :
يتجاوز شخوص
غادة السمان
الزمان
والمكان
الموضوعيين
المعهودين ،
ليستبدلوا
بهما زمانا
ومكانا
آخرين
متوافقين مع
الايقاع
الداخلي
لنفوسهم بكل
ما يمثله هذا
الايقاع من
مخاوف
وهواجس
وآمال
ورغبات .
فالزمان
النفسي (25)
يظهر بوضوح
في "كوابيس
بيروت " ،
عندما ابت
بطلة
الرواية ان
تتعامل مع
الفترة
الزمنية
التي قضتها
محبوسة في
بيتها وسط
المعارك الا
بمقياسها
النفسي
الداخلي ،
ولذا كان كل
ما تدريه عن
هذا الفترة
هو كونها
طويلة ، بل
موغلة في
الطول كما
يفهم من
المقطع
الآتي: "لم
اكن ادري
انها المرة
الاخيرة
التي سأغادر
فيها بيتي
الى ما بعد
ايام طويلة ،
وانني منذ
اللحظة التي
اظقت الباب
خلفي اغلقته
ايضا بينى
وبين الحياة
والامل ،
وصرت سجينة كابوس
سيطول ويطول
"(26). واما
الزمن
الموضوعي
الذي تمثله
هذه الفترة
فيزيائيا
فلم يكن يهم
بطلة
الرواية في
شيء ، ولذا
لم تبال
بتحديده على
وجه الدقة ،
واكتفت
بذكره على
نحو تقريبي: "وخرجت
من خلف عارضة
الباب
الحجرية الى
رصيف الشارع
لاول مرة منذ
عشرة ايام
على الاقل "(27). "وكانت
هذه اول مرة
أرى فيها
بشرا (غير
جيران
العذاب ) >م .م
، منذ حوالي
نصف شهر" 0 وظهر
المقياس
النفسي
للزمان لدى
بطلة قصة "لا
بحر في بيروت
" ايضا ، حين
قاست فترة
بحثها عن
بحرها (حويتها
وانسانيتها)
في بيروت
بهذا
المقياس ،
وقد غدا
الزمن
الموضوعي
فاقدا معناه
في نظرها: "عشرة
ايام في
بيروت ! يوم
واحد طويل
توالت فيه
الاجزاء
المضيئة
والمظلمة ،
ونامت شمسه
عند الافق
عشر مرات من
كبد السماء
حتى كبد
البحر ، هكذا
جيئة وذهابا
دون اي مدلول"
(29). كما
تعاملت بطلة
القصة نفسها
مع المكان
بالمقياس
النفسي ايضا
، فصارت
بيروت في
نظرها
معادلة
للمدن
الاخري
عندما يكون
الدافع
النفسي
اليها جميعا
واحدا: "لن
اهرب من
الحقيقة .
انا التي
اخترت ان أرى
وان اعرف ،
وبيروت هي
دمشق وهي
باريس وهي
لندن وهي
نفوسنا .. لا
مفر"(30). ويبرز
التعامل
النفسي مع
المكان لدى
شخوص غادة
المغتربين
في الدول
الغربية .
فهم ، في
غالب
الاحيان ، لا
يرون المدن
التي يعيشون
فيها الا من
خلال نفوسهم
، ولذا يرون
انهم في "مقبرة
، مقبرة من
نوع عجيب ".
او "بين آلات
مصنع ضخم
بارد"(32)، او
في "مسلخ
للحوم البشر"(33).
، او في "بيضة
مكيفة
الهواء"(34).
ويصيبهم كل
هذا بما سماه
"خليل "
الدرع" :
الحساسية
نحو المكان (35)،
ولذا نجدهم
يهرعون الى
معالجة
انفسهم
بإشباع
حنينهم
الداخلي الى
مدنهم
الاصلية ،
فيصر "خليل "
على انه "ما
زال يتحرك في
بيروت لا في
جنييف "(36)،
ويبين "حسان
" انه لم يكن
يعيش مع
صديقه " اكرم
" - وهما في
لندن - الا في
قلب دمشق (37).
وهكذا يكتسب
المكان
النفسي
دلالة جديدة
مناقضة
لدلالته
السابقة ،
فيصبح سببا
للاطمئنان
والهدوء
مثلما كان من
قبل ، سببا
للضيق
والتوتر. وفي
الحالتين
يبدو المكان
- كما كان
الحال مع
قرينه
الزمان - حيا
متوثبا
متحركا
متجاوزا
نمطه
الفوتوغرافي
الجامد ،
الامر الذي
يمنحه
امتدادا
وعمقا
بحركتين
افقية
ورأسية
تكفلان له
مزيدا من
الاهمية بين
عناصر بنية
النص القصصي. 3-
التبادل :
بات معروفا
بشكل واضح ،
منذ نسبية
آينشتاين ،
مدى الترابط
الوثيق
القائم بين
الزمان
والمكان (الزمكان
) فاحدهما لا
ينفك عن
الآخر ، بل
ان الزمان
بعد رابع .
للمكان (38). وقد
ظهر مثل ` هذا
الترابط في
مواضع عديدة
من ادب غادة
السمان
القصصي ،
منها مثلا
قصة "ليل
الغرباء" ،
ففي هذه
القصة كان
المكان (بيروت
) هو السبب
المباشر في
إحساس
البطلة
بالغربة ،
نتيجة ما
كانت تلمسه
في ذلك
المكان من
زيف وخداع
وقشرية
العلاقات
لكن هذا
الاحساس
سرعان ما
انعكس على
الزمان ،
فصار الليل -
كما يوضحه
العنوان – "ليل
الغرباء"
وصارت
البطلة
الشابة تشعر
بأنها قد
هرمت . لكن
الترابط بين
الزمان
والمكان لا
يقتصر ، في
ادب غادة
القصصي ، على
مجرد هذا
التأثير
المتبادل
بينهما ، بل
يتجإوزه الى
نوع من تبادل
المواقع
بينهما ،
فيصير
الزمان
مكانا
والمكان
زمانا ،
وكأنهما
متحدان
مفهوما لا
وجودا
خارجيا فحسب
. ففي "كوابيس
بيروت " يصبح
الشارع زمنا: "والشارع
بامتاره
الخمسة يصير
دهرا
وازمانا
تفصلني عن
الجريح "(39)
كما
تصبح بيروت
أيضا زمنا،
أو يتحول
الزمن كله
الى بيروت "وكان
اسم الزمان
بيروت " (40). ويظهر
تبادل
المواقع هذا
، بصورة
رمزية
ايحائية ، في
علاقة
البناء الذي
اتخذته غادة
مسرحا
روائيا ، في
الرواية
نفسها،
بالزمان .
فهذا البناء
يمثل - كما
اشار غالي
شكري -
بطابقه
الاول
الماضي
بشكله
وسكانه
وقيمه
وافكاره
وسلوكه
وتقاليده ،
فيما يمثل
بطابقه
الأعلى (الثالث
) المستقبل
متجليا في
الكاتبة
ومكتبتها .
وقد يمكن ان
يؤيد هذا
الرأي
بحقيقة كون
الطابق
المتوسط (الثاني)
- الذي لابد
ان يمثل ،
بناء على ما
تقدم ، الزمن
الحاضر -
مغيبا تماما
في الرواية .
فالقاريء
يحصل على
صورة واضحة
للطابقين
الاول
والثالث (الماضي
والمستقبل )
بمكوناتهما
وشخصياتهما
واحداثهما ،
لكنه لا يحصل
من الطابق
الثاني (الحاضر)
الا على صورة
خارجية
باهتة يلفها
الضباب
ويكتنفها
الغموض من كل
صوب . وفي هذا
الغموض وذاك
التغييب
اشارة الى
ضياع الحاضر
، وسط كل ذلك
الجنون الذي
كان يعصف
ببيروت ابان
الحرب
الاهلية . 3-
الشخصية : تتخذ
الشخصية
لنفسها
مكانا مميزا
بين اجزاء
بنية العمل
القصصي لدى
غادة السمان
، حتى ليصبح
مغريا القول
: ان سائر
اجزاء
البنية ما
وجدت الا
لخدمتها .
ومع هذا ،
فلا ينبغي
لهذا الكلام
ان يعني ان
ادب غادة
القصصي هو من
قبيل ادب
الشخصيات ،
ذلك ان
الشخصية هنا-
على ما لها
من بروز
وتميز - ليست
هدفا ومقصدا
نهائيا
للقصة او
الرواية ،
بحيث يصبح
العمل
الادبي
وسيلة لمجرد
عرض شخصيات
قد تبدو
نفسياتها
شاذة او غير
مألوفة ،
والقيام
بتحليلها
عبر استعراض
تصرفاتها
وهمومها .
فشخصيات
غادة - مهما
كانت حية
ومتفردة
وغير
نموذجية - هي
وسيلة دوما
لطرح مقولة
ما حول جانب
ما من الحياة
. وهذه
القضية وان
كان من شأنها
ان تقلل
أهمية
الشخصيات في
حد ذاتها ،
غير ان من
شأنها ايضا
ان تشير الى
طبيعة
التوازن
الذي تتطلبه
لجعل هذه
الشخصيات
تبدو مقنعة
في نظر
القارىء. ويلاحظ
في تصوير
غادة السمان
لشخصياتها ،
انها لا تعير
كثير اهمية
لتصويرها
كما تبدو من
الخارج ، فلا
يكاد
القاري، يجد
صفات لها
تتعلق بطول
القامة او
لون البشرة
او نوع
الملابس او
ما اشبه ذلك
، الا فيما
اذا تعلق غرض
مباشر للقصة
بذكر مثل هذه
الصفات .
وقيما عدا
هذا ، تولي
غادة كل
اهتمامها
لتصوير
الشخصية من
الداخل ، عن
طريق
استبطان
عميق
لهمومها
وعذاباتها
وتطلعاتها.
ويتم هذا
الاستبطان
باستعمال
وسائل
متعددة ،
منها:
التعريف
بالشخصية
الذي يقولاه
الراوي "كلي
المعرفة "(42) ،
وهو الراوي
الذي لا
يمنعه
استعماله
لضمير
الغائب (هو
او هي) في
الرواية عن
الشخصيات من
ان يصبح ظلا
فنيا للمؤلف
، فيعرف عن
الشخصيات ما
لربما لا
تعرفه هي عن
انفسها ،
ويقوم بكشف
بواطنها
امام
القاريء ،
كما في قصة "الاصابع
المتمردة "
مثلا: "انه
يجهل كيف
يصادق او
يشكو او يحب
، بالرغم من
العواطف
التي يضج لها
صدره ، انه
جبان ! وقد
اعتاد خوفه
وضعفه كما
اعتاد كل شيء"(43). وقد
يغيب هذا
الراوي
ويفسح
المجال امام
شخصية من
الشخصيات
لتقوم بمهمة
تعريف
القاريء
بشخصية أخرى
كما تراها هي
، فهذا "ابومصطفى"
مثلا يطلع
القاريء على
حقيقة ابنه "مصطفى"
كما يردها: "هذا
الولد لن
يصير صيادا
ابدا ، انه
مفسود وصايع
.. يريد ان
يكون شاعرا ..
انه نصف
مجنون ، غارق
في الاحلام
والاوهام "(44). وفي
احيان كثيرة
تقوم
الشخصية
نفسها
بتعرية
باطنها امام
القارىء من
خلال
الاسترجاع
او
المونولوج
او الرسائل ،
ومن ذلك
الرسالة
الطويلة
التي عبتها
بطلة قصة "آخر
قصة غير
بيضاء" الى
زوجها
السابق (45). ويضطلع
الحوار بين
الشخصيات
بدور هام في
كشفها ، حيث
ان "للحوار
الروائي
الفعال فضلا
عن انه يضاعف
او ينقص او
يكشف
التعاطف او
النزاع
الكامن او
الظاهر بين
الشخصيات
فانه يتيح
لها ان تعبر
طوعا او
كراهية عما
لا تتيح
الكشف عنه او
استشفافه
اية تقنية
روائية أخرى"(46). وتلجأ
غادة ،
احيانا ، في
كشفها
لشخصياتها
الى
الاعتماد
على ما توحي
به اسماؤها .
فاسم
الشخصية قد
يشي بدورها
الاساسي في
القصة او
بطابعها
المميز ،
فالشاب "وسيم
" مثلا هو
مهوى افئدة
النساء في
قصة "عذراء
بيروت 1973"، و"
مريم " في
القصة نفسها
هي الفتاة
التي تستعين
بالتكنولوجيا
للحفاظ على
عذر يتها (مريم
العذراء) على
الرغم من
علاقاتها
الجنسية
المتعددة ،
والشابة
العائدة الى
وطنها - في
قصة "الساعتان
والغراب " -
بعد
الاغتراب
الطويل عنه
تدعى "عايدة
". ويبرز دور
لعبة
الاسماء هذه
بوضوح ، كما
لوحظ (47) "في
بيروت 75" .
فالاسمان "فرح
" و"ياسمينة
" يشيران ،
بدلالة
المطابقة ،
الى الآمال
التي حملتها
هاتان
الشخصيتان
معهما حين
قصدتا بيروت
. ويشيران
كذلك ،
بدلالة
النقيض ، الى
ما لقيتاه من
صفوف القهر
والاحباط
والحزن فيها
. و"نمر" اسم
يكشف بوضوح
عن حقيقة
الشخصية
التي استغلت
"ياسمينة ".
ودمرتها
نفسيا ، كما
ان الاسم "مرعب
" يلخص الدور
المسند الى
صاحبه . ان
تعامل غادة
السمان مع
شخوصها
ينطوي على
بعض الملامح
المميزة
التي يمكن
عدها مظاهر
تتجاوز بها
الشائع
والمعهود من
التعامل ،
ومن اهم هذه
الملامح : 1-
التماهي :
يشعر قارىء
أدب غادة
القصصي بأن
هناك إلغاء
متعمدا
للمسافة
الفاصلة
بينها وبين
العديد من
ابطالها
وبطلاتها ،
وسعيا
للتماهي
معهم بنحو
يشعر معه
القارىء بـ"انهم
لا يملكون
وجودا فرديا
، بل هم
نماذج عن
مبدعتهم
نفسها"(48).
ويتبين هذا
السعي
للتماهي
عندما نلاحظ
مدى التطابق
بين شخصية
الكاتبة من
جهة وشخصيات
ابطالها
وبطلاتها من
جهة أخرى ،
فشخوص غادة
كثيرا ما
يكونون
بورجوازيين
، ومثقفين
ومغتربين عن
اوطانهم
وكثيري
الاحتكاك
بالغرب ،
وهذه الصفات
تنطبق على
غادة نفسها .
فاذا اضفنا
الى ذلك ان
الشخصية
الرئيسية في
قصصها غالبا
ما تكون
امرأة ، وان
هذه المرأة
كثيرا ما
تكون : كاتبة
ومتمردة على
بعض
المواضعات
السائدة
ودمشقية
الاصل تقيم
في بيروت ،
فسنعرف عند
ذلك كم هو
شديد هذا
التماهي .
وتصل القضية
ال ذررتها مع
بطلة "كوابيس
بيروت " ،
فهذه
الشخصية لم
يكفها
اشتراكها مع
سبدعتها في
الكثير
الكثير من
الصفات
والامور
المشتركة ،
بل صرحت - بكل
وضوح - بانها
مؤلفة "كوابيس
بيروت"(49) ثم
ان هناك
مقالا لغادة
بعنوان "بوركت
شفاه النار
التي احرقت
بيتي"
يتطابق قسمه
الاخير ،
حرفيا ، مع
بعض ما ورد
على لسان
بطلة "كوابيس
0بيروت "(50). ومن
هنا عبر بعض
الدارسين عن
هذه الشخصية
بانها "الراوية
- المؤلفة "(51)
او "الكاتبة -
البطلة "(52). والحق ان غادة السمان بقيت محافظة على شيء من المسافة الفاصلة بينها وبين بطلتها ، فالبطلة كانت عزباء اثناء الحرب الاهلية اللبنانية (ص 30) . وكان ابوها قاضيا (ص 122). واخوها يدعى شادي (ص202) ، وهذه امور لا تنطبق على غادة . لكن هذه المسافة تبقى مساف |