قصيدة النثر.. تأملات في المصطلح


محمد الصالحي (كاتب وناقد من المغرب)

يصطدم الباحث في قصيدة النثر العربية بمعضلة تدخل الحدود بين أشكال أدبية عدة أفرزتها المحاولات الإبداعية العربية الحديثة منذ ما سمي بعصر النهضة. أي منذ النحاولات الأولى لزعزعة الفواصل السميكة الموروثة بين الشعر والنثر، إذ لم يعد الشكل الظاهر للنص كافيا لوضع هذا النص في خانة الشعر وذلك في خانة النثر، لأن هذا تطاول على اختصاصات ذاك والعكس(1).

ففي زمن وجيز تجمعت في سلة النقد الشعري العربي مصطلحات من مثل:

الشعر المنثور

القصيدة المنثورة

الشعر المرسل

الشعر المنطلق

الشعر الحر

النثر المركز

النثر المشعور

النثر الموقع

البيت المنثور

النثر الشعري

قصيدة النثر

النثيرة...

و المتأمل للدرس التقدي العربي الحديث حول الشعر سيلاحظ الفوضى السائدة بسبب عدم تدقيق المصطلح وبسبب من عدم توحيد ثانيا. إن الباحث الذي يتناول قصيدة النثر في الشعر العربي الحديث ليجد من أولى أولوياته توضيح هذا المصطلح توضيحا شافيا حتى يتسنى له فرز المتن الذي سيتعامل معه، وحتى يساهم ، ما استطاع في تجلية هذه الضبابية المفاهيمية التي ما انفكت حدودها تتسع.

لقد شهدت القصيدة العربية، في ظرف وجيز جدا من التغيرات والتلوينات ما لم تشهد طلية تاريخها الطويل، فلم تكد قصيدة (التفعيلة ) تبشر بإيقاعها الجديد الذي سيحرر في نظر أصحابها ، الشعر العربي من الرتابة الوزنية والملل القافوي، حتى ظهرت قصيدة النثر، أو القصيدة التي تدعي كونها نثرية لترى في التفعيلة مجرد تكرار لقوانين العروض وخروجا محتشما عن سياج الخليل (2) ، ولتدعو الى شكل جديد يتسع  للمعاني الجديدة (3) داعيه الشاعر الى ايجاد لغه جديدة  تتيح إمكانية التعبير عن فورات نفسية أكثر قوة بعيدا عن قيد الوزن والقافية ، لا مفر من نظرة تبسيطية كهذه الى المسألة لأن الثورة على القديم تأتي، دوما من الإحساس بكون المؤسسة القديمة (البيت التقليدي والسطر التفعيلي هنا) لم تعد ملائمة للبت في مشكلات أوجدها مناخ جديد، ومن أن سوء الأداء يستلزم البحث عن بديل أسلم ما يتولد عنه عصيان عادة ما يكون عنيفا (4)، لهذا صاحبت الدعوة لخرق كل الممنوعات لغويا ، أخلاقيا، واجتماعيا ، الدعوة لكسر بنية اللغة الشعرية (5).

ظهور قصيدة النثر بشكلها الصارخ والهجومي في لحظة زمنية سمتها الاستعمار الغربي لبلدان العالم العربي وبلوغ الحركات الاستقلالية الوطنية أوجها، وفي لحظة كان الفكر العربي فيها يتوزعه تياران قويان سمي الصراع بينهما- اختزالا - صراعا بين الأصالة والمعاصرة ، جعل النقاش حول قصيدة النثر يحتد ويتخذ أبعادا لم يثرها أي نقاش شعري عربي من ذي قبل .

ذلك أن القيم العربية العامة لم تتغير جذريا حتى تتغير الأشكال الأدبية والبنى الذهنية جذريا،.

المجتمع العربي مايزال يراوح مكانه اجتماعيا وثقافيا، ولم يزده الاستعمار الغربي والصدمة الحضارية الناتجة عنه إلا نكوصا وارتدادا الى ذاته وماضيه ، فهو لم يبرح بعد لحظة الخطابة والتوصيل الشفاهي الى مرحلة الكتابة ، بما ترمز اليه الكتابة من اعتماد التقنية أداة في تفعيل التواصل الأدبي والشعري خاصة ، ومن حرية فردية في التلقي والتأويل (6).

لقد نظر الى النص الجديد، في ظل الظروف العامة أعلاه ، كمؤزرة للانكسار العام الذي أضحت الأمة تعيشه ، حضاريا وسياسيا، ورثى في (اللاشكل ) الذي أصبحت تنادي به قصيدة النثر، معادلا موضوعيا للبعثرة التي تعرفها الأحوال العربية (7) ونحن على بعد سنوات قليلة ، فقط من سقوط فلسطين والاستقلالات الوطنية في معظمها، طرية لا تزال ، وثقافيا /أدبيا، مايزال الشعر التفعيلي يثير جدلا صاخبا بين المؤيدين

والرافضين (8).

ومما يزيد هذه الفرضية تأكيدا أن النقد العربي الذي رأى (في قصيدة النثر) عصيانا وشكلا غربيا دخيلا، رحب بقدوم الرواية والقصة القصيرة ، وهما شكلان غربيان ، ورأى في موت المقامة حدثا طبيعيا ، كما لم ينتبه لكون الشعر التفعيلي ، ذاته فكرة غربية رغم قيامه على التفعيلة الخليلية .

من هنا الصعوبة الكبرى التي لقيتها هذه القصيدة في الانضمام للحقل الشعري العربي، والرفض الذي ووجهت به هي وأصحابها ، إذ لأول مرة في تاريخ الشعر العربي سيرفض نص ويحارب ، وينظر في ذات الآن ، الى الشاعر كشخص غريب الأطوار، بل وكمريض عصي على المعافاة ، والى قصيدة النثر كمؤشر على قساوة اليأس الذي أصاب الذات العربية(9).

إن مثل هذه الأحكام ، وهي كثيرة تجعل الشعرية في رتبة أدنى من الشعر، فتحكم على النصوص انطلاقا من الموضوعات التي تثيرها مستخلصة الجمالي من الوجودي(10)، في حين أن العكس هو المطلوب من كل عملية نقدية علمية تعتمد الملاحظة والاستقراء والرصد والمقارنة لا المناظرة والجدل ، وتسعي الى أن تشارك الابداع في تأسيس مذهب أدبي جديد زي أسس واضحة ، لأن الجنس الأدبي لا يولد كاملا، كما لا ينال فشله إن فشل ، من القيم الأدبية الراسخة (11).

فهذا النوع من (النقد) إنما يحجب ضوء النص ، ويحول دون الدنو منه لمساء لته فهو يسائل المضامين في غفلة عن علاقتها بالمستويات الايقاعية المتعددة للنص ، وهو لا يرى في اللغة إلا طريقا للوضوح والابانة غافلا عن كون الوضوح الايقاعي لا المعنوي هو المطلوب في النص الشعري، وهو نقد يسائل الشاعر أكثر مما يسائل النص ، وهو ينطلق من معيار شعري سابق يحاكم في ضوئه النص الجديد (12).

فإلى جانب الحيرة التي يدفع اليها ازدواجية الانتماء للشعر والنثر معا (قصيدة النثر) فإن الأشكال (اللاشكلية ) التي تتخذها هذه القصيدة بحرية بادية ، والموضوعات الصاعقة التي لم يخطر بمال ، يوما أنها ستصبح موضوعات شعرية وشخصية شاعرها القريبة من شخصية الصعلوك بمعنييه القديم والحديث معا، ولفتها التي تخلت عن كل (وقار)، وتنصل شاعرها من كل مسؤولية سياسية أو قومية مباشرة ساعيا الى تغيير الحياة بدل تغيير العالم ، مقتربا من رامبو ومعرضا عن ماركس ، حيث غدا الشاعر الحداثي يمارس نشاطه بغض النظر عن الشروط العامة التي تضمن لرسالته سلامة الوصول والفهم فهو قد أعاد النظر في مفهوم الشعر وفي وظيفته ، ومنح نفسه كشاعر، وضعا اعتباريا غريبا، وصدم المتلقي ولم يأبه بالمؤسسة الوسيطة التي تعين من يتكلم وتحدد له شروط الكلام (13) .، وملغيا بكثير من الكبرياء والعجرفة شجرة نسبه في مناخ يؤمن بتسلسل الأنساب ويقول بوراثة كل ذلك سهل عملية الهجوم على "قصيدة النثر" والمناداة بوأاها في المهد، ودفع النقاد الأكثر اعتدالا الى تقديم النصيحة لأصحابها بالبحث عن الشعر في مظانه لأنهم أخطأوا الطريق !

هذا المصطلح المركب (قصيدة - النثر) الذي زاد من صعوبة تقبل هذا النص لا يمكن فهمه الا في ضوء الحيثيات السابقة لأن صفة النثرية هنا تحمل حكم قيمة وتستدعي على الفور النص المضاد، أي (قصيدة الشعر) التي هي القصيدة الموزونة تقليدية أم تفعيلية (15).

ورغم أن كتاب (قصيدة النثر) عربيا هم أول من استعمل هذه التسمية وكتبوا تنظيراتهم الساخنة  مرددينها فإن أعداء الشكل الجديد سرعان ما سيستغلونها (التسمية ) للطعن فيه ومهاجمته (16).

ويبدو أن مصطلح (قصيدة النثر) أطلق ، عربيا ، بنوع من الطمأنينة "رغبة في تسمية الأشياء بأسمائها للخروج من البلبلة  والخلاص من تشويا الحقائق (17) كما كانت نية المتحمسين له ، في حين أنا مصطلح يفتح باب الجدل على مصراعيه بدل أن يفلقا فإضافة لكونه يستدعي تعميق النظر في مفهوم النثر وهي مهمة ليست سهلة أبدا فإنه يجعل من البحث عن علائق النص الجديد بالأشكال الشعرية السابقة عليه أو المحايثة له ضروريا كما يستعجل تحديد الأسس الشكلية والبنائية لقصيدة النثر التي مهما ادعت أنها ضد الأشكال كلها فإن لها شكلا .

هكذا ستضع قصيدة النشر الدرس النقدي في مأزق لأنها جمعت بهذا الشكل الفج بين الحقلين المكونين للعملية الأدبية كلها: الشعر والنثر. وهذا الجمع الذي يفاجئنا منذ البدء، سيبعثر المسلمات الاجناسية ويدفع الى اعادة النظر في استراتيجيات التلقي .. بتعبير أوجز نقول : إن قصيدة النثر جسدت كل الاشكاليات الشعرية العربية قديما وحديثا وحتمت إعادة النظر في القناعات النقدية والأدبية والبحث عن معرفة انسب لما يفرضه النص الجديد (18).

من هنا كان ضروريا النظر في العلائق بين الشعر والنثر للاقتراب ، ما أمكن من الفجوات التي يتسرب منها هذا لذاك والعكس ، واستقصاء الامكانيات الايقاعية التي تنطوي عليها اللغة بعيدا عن الثنائية الصارمة : الشعر /النثر.

لذا لن نبحث عن تعريفات للشعر وللنثر، ولا عن التقلبات المفاهيمية التي لحقتهما عبر مسيرة الأدب العربية الطويلة ، وانما سنسعي الى الاقتراب من الابدالات الايقاعية بينهما.

أي ما هي المتجليات الشعرية في جسد النثر العربي؟ ما هي المتجليات النثرية في جسد الشعر العربي؟ كيف حصل هذا التداخل حتى أصبحنا أمام أجناس أدبية تحمل أسماء لا تحيلنا لا على النثر ولا على الشعر، بل ترمي بنا وبمسلماتنا في منطقة التماس الصعبة حيث يصطدمان وينتج عن اصطدامهما شرر مستطير؟

من منهما (الشعر والنثر) تخلى عن بعضه أكثر من الأخر؟ ماذا فقد الشعر حتى عد قريبا من النثر؟ ماذا فقد النثر حتى عد قريبا من الشعر؟ ثم لماذا حين حصل هذا التداخل أصبحنا أمام نص سلمنا بشعريته ، رغم أنه تخل عن كثير من مواصفات الشعر المتداولة والمتعارفة ؟ هل لأن الأفضلية في تراثنا الأدبي كانت دائما للشعر، وأن النثر مهما يكن فنيا، فانه يبقى في منزلة دون الشعر؟

سنتوقف قليلا عند معنى كلمة "نثر" حتى نستجلي حقلها الدلالي ، لأن المتأمل في المصطلحات التي منحتها الأشكال التي سبقت قصيدة النثر في الزمن أو جايلتها ، سيرى كيف تبرز صفة النثرية كخاصية مشتركة بين أكثر هذه المصطلحات تداولا: الشعر المنثور - النثر الشعري - قصيدة النثر.

يعرف القاموس المحيط للفيروز آبادي كلمة "نثر" هكذا نثر الشي ء ينثره وينثره نثرا ونثارا رماه متفرقا كنثره فانتثر وتنثر وتناثر والنثارة بالضم والنثر بالتحريك ما تناثر منه أو الأولى تخص ما ينتثر من المائدة فيؤكل للثواب . وتناثروا مرضوا فماتوا والنثور الكثيرة الولد والشاة تطرح من أنفها كالدود كالناثر والواسعة الإحليل .

والنيثران كريهتان وككتف ومنبر الكثير الكلام ونثر الكلام والولد أكثره والنشرة ´الخيشوم وما والاه أو الفرجة بين الشاربين حيال وترة الأنف ، وكوكبان بينهما قدر شبر وفيهما لطخ بياض كأنه قطعة سحاب وهي أنف الأسد والدرع السلسة الملبس أو الواسعة . والعطسة والنثير للدواب كالعطاس لنا. نثر ينثر نثرا أو استنثر استنشق الماء ثم استخرج ذلك بنفس الأنف كانتثر والمنشار نخلة يتناثر بسرها أو أنثره أرعفه وألقاه على خيشوما والرجل أخرج ما في أنفه أو خرج نفسه من أنفه وأدخل الماء في أنفه كانتثر وا ستنثر والمنشر كعظم الضعيف لا خير فيه "(19).

يجمع بين هذه المعاني جميعا معنى الشتات واللاتناسق : رمي الشيء متفرقا - تناشر الشيء - المرض - كثرة الكلام - العطاس - الرعاف - العظم (الشخص الذي لا خير فيه ) ... والشتات اللاتناسق هما الصفتان اللتان جعلتا العرب قديما، يسمون النثر نثرا لأن شكله يوحي بالتبعثر عكس الشعر الذي يسيجه سياج الوزن والقافية والتشطير فيجعله ذا شكل بين واضح .

من هنا نفهم لماذا ظلت الشعرية تحتفظ بشرطي الوزن والقافية كشرطين ضروريين لا محيد عنهما رغم انتقال هذه الشعرية من طور تعريف الشعر بالوزن والقافية والمعنى، الى طور تعريفا بالوزن والقافية والتخييل درءا منها لكل (تسيب ) قد يلحق الشكل الشعري فيفقد تناسقه ويصبح نثرا.

هذا الهاجس هو ذاته الذي سيجعل العرب المحدثين يمنحون الأشكال الجديدة الناتجة عن قرع النهضة العربية باب الحداثة ، يمنحونها صفة النثرية كأنما فاض الشعر عن ضفتيه فتناثر فأصبح نثرا ،وأخذ يغطي بياض الورق كأي نثر عادي.

قد يكون هذا تفسيرا شكليا محضا، لأن الشعر ليس مجرد هيئة على الورق ولكنه علاقات ودينامية وصراع وأخيلة وايقاع ، لكننا ملزمون ، ونحن فروم تدقيق المصطلح بهذه الاشارة لأن التسمية التي منحها هذا الشكل أو ذاك تحمل من الدلالات الحضارية والسياسية أكثر مما تحمل من دلالات شعرية .

تتفق جل الدراسات المنجزة حول بدايات تململ قارتي الشعر والنثر في الأدب العربي الحديث واقترابهما من بعضيهما حول كون أمين الريحاني ومي زيادة وجبران خليل جبران أول من كتب نصومعا أدبية استدعت إعادة النظر في مفهومي الشعر والنثر معا لكون هذه النصوص تحمل في أغلبها شكل النثر، لكنها، إيقاعيا ورؤيويا مختلفة عنه فقد برز فيها النبر بشكل يجعلها أكثر غنائية وحضرت فيه الذات الكاتبة بحدة جعلت إيقاعها منسجما متراصا، ومالت الى التصوير بطريقة غير مطروقة من ذي قبل في النثر العربي، واستفادت من تقنية السجع من غير إفراط ، مما جعل المتقبل يستعيض عن القافية والوزن والتشطير بتقنيات جديدة . واذا كانت هذه الكتابات قد أدرجت ، في باديء الأمر، في زخانة الشعر المنثور فإن كتابات جبران سرعان ما ستمنح اسما جديدا أكثر غموضا واستفلاقا "النثر الشعري".

هذان المصطلحان سينضاف اليهما، بعيد ذلك بقليل ، اسم ثالث سيزيد المسألة تشابكا، إذ سينعت ما كتبه أحمد باكثير، وغيره كثير، بالشعر المرسل ، قبل أن تتوسع دائرة المصطلحات لتشمل الشعر الحر وقصيدة النثر لاحقا.

الشعر المنثور والنثر الشعري:

يعرف أمين الريحاني "الشعر المنثور" بالقول : (هو آخر ما توصل اليه الارتقاء الشعري عند الافرنج وبالاخص عند الأمريكيين أو الانجليز، فملتون وشكسبير أطلقا الشعر الانجليزي من قيود العروض كالأوزان الاصطلاحية والابحرة العرفية . على أن لهذا الشعر المطلق وزنا جديدا مخصوصا وقد تجيء القصيدة فيه من أبحر عديدة متنوعة . ووالت ويتمان هو مخترع هز الطريقة وحامل لوائها، وقد انضم تحت لوائه بعد موته كثير من شعراء أوروبا العصريين المتخلقين بأخلاقه الديموقراطية المتشيعين لفلسفته الأمريكية ) (20).

ينطوي هذا التعريف على كثير من الحقائق تضيء كثيرا من جوانب المسألة الاصطلاحية التي نحن بصددها. "فالشعر المنثور" تسرب الى الرقعة الشعرية العربية من نافذة أمريكية مع مي وجبران والريحاني، ما يعني أن التقسيم الاستعماري للعالم العربي له دوره المباشر في تفعيل الغموض وتصارع الأشكال والرؤى في الشعر العربي الحديث ، ونحن سنرى لاحقا أن "قصيدة النثر" ستدخل الشعر العربي، تنظيرا، من نافذة فرنسية ويستفاد، ثانيا من هذا التعريف أن الريحاني وصحبه كانوا منشغلين بفكرة النهوض . وهم يعيشون في أمريكا ، فرأوا في العروض العربي عرقلة أمام النهوض الشعري. وكلمتا (ارتقاء) و(قيود) في نص التعريف يفسران مدى انشغال أمين بفكرة التقدم التي  كانت انشغالا ثقافيا عربيا يومئذ، فقد دعا خليل مطران الى تحرر الشعر العربي شريطة أن يبقى شرقيا وعربيا ، ودعا بول شحادة الى تقليد الشعر الأوروبي والتخلي كلية عن القافية لأن ذلك يجعل النظم سهلا ويمكن الشاعر من التعبير بطلاقة أكبر كما دعا عبدالفتاح فرحات الى تحرير الشعر من الوزن والقافية حتى يتسع للملحمة وحتى يساير النهضة الغربية (21).

يستشف من خلال هذه الدعوات وغيرها كثير جدا، مدى انهمام الفكر والنقد العربيين بالآخر، وبفكرة التوفيق (التلفيق ) التي لا تلائم البتة الابداع الأدبي لأن هذا الأخير لا تنفع فيه الحلول الوسطى ، والابداع ليس تعديلا في بنية أدبية سابقة ، حذفا واضافة ، وانما هو خلق جديد واعادة تشكيل ، الشي ء الذي يبرر هشاشة هذا الشعر ولاشعريته ، في الغالب ، وهو ما يتم السكوت عنه ، في معظم الأحيان تحت ذريعة التقدم وزحزحة الثابت والبحث عن أشكال أكثر ملاءمة ومرونة . يقول الأب لويس شيخو:"... على أننا كثيرا ما لقينا في هذا الشعر المنثور قشرة مزرقة ليس تحتها لباب وربما قفز صاحبها من معنى لطيف الى قول بذيء سخيف أو كرر الالفاظ دون جدوى بل بتعسف ظاهر، ومن هذا الشكل كثير من المروجين للشعر المنثور من مصنفات الريحاني وجبران وتبعتهما فلا تكاد تجد في كتاباتهم شيئا مما تصبو اليه النفس في الشعر الموزون الحر من رقة وشعور وتأثير"(22).

وفكرة التقدم هذه إضاءة لما أوردناه سابقا عن كون أسماء الأشكال الشعرية في الأدب العربي الحديث ذات أبعاد حضارية وسياسية أكثر منها أدبية ونستشف من تعريف الريحاني كذلك الهاجس الشكلي الخارجي المتحكم في الدرس النقدي العربي يومئذ ، وهو هاجس يرى في كل نص لا يخضع للوزن والقافية شعرا منثورا، والدليل ورود اسم والت ويتمان ككاتب شعر منثور في حين أنه كتب الشعر الحر وهو من رواده الأوائل . وهذا الهاجس الشكلي سنراه لاحقا عند الحديث عن "قصيدة النثر " حيث أعتبر ويتمان ، في النقد العربي رائد هذه القصيدة لمجرد خروجه عن حدود الصرامة الوزنية والايقاعية للشعر الأمريكي السائد قبله .

إلا أن المهم في تعريف أمين الريحاني هو ايراده لما يميز الشعر المنثور عن الشعر التقليدي، وهو محاولة الخروج عن الوزن العروضي الواحد، والقافية المتكررة بالاستفادة من مزج البخور وتنويع القافية .

ويبقى الاشكال الأكبر هو هذا المتمثل في الفروقات بين الشعر المنثور والنثر الشعري. إن الباحث ليجد صعوبة في تعليل الخلط المذهل الذي يمزج بين الشكلين آنا، ويفصل بينهما آنا. في الشعر المنثور يأتي الشعر موصوفا وما النثر سوى صفة ، وفي النثر الشعري يحدث العكس . فهل كتابات جبران نثر ذو ميولات شعرية ، وكتابات الريحاني شعر أخرج مخرج نثر؟ لم تسعفنا الدراسات الشعرية العربية بحل لهذا الاشكال يقول أنيس المقدسي : (لابد من التمييز بين النثر الشعري والشعر المنثور، فالأول أسلوب من أساليب النثر تغلب فيه الروح الشعرية من قوة في العاطفة وبعد في الخيال ، وايقاع في التركيب وتوافر على المجاز، وقد عرف بذلك كثيرون في مقدمتهم جبران خليل جبران حتى صاروا يقولون الطريقة الجبرانية (....) على أن الشعر المنثور غير هذا النثر الخيالي وانما هو محاولة جديدة قام بها البعض محاكاة للشعر الافرنجي. وهمن فتحوا هذا الباب أمين الريحاني فإن في الجزء الثاني من ريحانياته عشر قطع وفي الجزء الرابع ثلاث عشرة قطعة تلمس فيها جميعها هذه النزعة الى النظم الحر من قيود الأبحر العروضية المعروفة ) (23).

قد يكون هذا التعريف أقرب الى الافتراض السابق حول كون النثر الشعري نثرا أولا، والشعر المنثور شعرا