|
اتضاح
الرؤية
الجمالية
للشاعر
وجلاؤها من
سنن الوعي
الشعري
الحداثي
الذي يشاقق
في جوهره
جمود
الوظيفة
المضمونية
المؤدلجة
وينفر من
سطوة الواقع
الثابت. إن
هذه الرؤية
تتمثل في
معايشة
الشاعر
حيوية عالمه
الجمالي
الذي لا يقف
عند حد، إنه
يتغير
دائما،
ويشهد
استقصاءات
موغلة في
تجريبها
وابتكاراتها.
وهنا لن ينظر
الشاعر الى
تناقض ما، أو
الى أن توصف
نصوصه
بالتناقض
لأن هذا كلا
من قبيل
تكامل
العالم
الشعري
عنده، ذلك
لأن الوجود
نفسه مبني في
مغزاه
البعيد على
التكامل. وما
صوره
المتناقضة،
وثنائياته
المتاضدة
سوى لعب أولي
- داخل النص -
بالمستويات
الأولى
للادراك
البشري.
والشاعر حين
يقيم نصه
إنما يبدأ
بهذه
المستويات
ليتجاوزها
الى مستويات
أخرى، ذات
أبعاد
ايمائية
دالة. إن
هذه الرؤية
الجمالية
تتحدد وفقا
لموقف
الشاعر من
العالم
ووفقا
لمذهبه
الأدبي الذي
يتأثث بشكل
تدريجي،
تبعا للخبرة
التشكيلية
والأسلوبية
التي تنضوي
تحت فضاء
متغير، يجسد
فيه الشاعر
وجوده
التقني
ويعكس عبره
أجلى ما
تمثله من
نماذج، وما
ولده من
معان، وما
استنبطه من
دلالات. لقد
كانت شعرية
رواد
القصيدة
الجديدة
تتسم بالثراء
والتنوع في
محتوياتها
الدلالية،
كما تتصف
بجلاء
الرؤية
الجمالية
وتباين
سياقاتها
بين شاعر
وآخر، إذ إن
مسار هذه
الشعرية لم
يمض وفق
أنهاج كلية،
خاصة حين
تحددت
ملامحها
وتمددت منذ
الستينات،
بل وفق الطرح
المائز لكل
شاعر على حدة
على الرغم من
شيوع حالات
معجمية
وصورية
متقاربة،
وذيوع
مباديء
جمالية
مشتركة بين
كل منهم. إن
الوعي
التمثيلي قد
أعطى بداهة
الحركة
الشعرية لدى
الرواد
وصيرورتها،
إذ أن نموذج
الكتابة/التشكيل
كان يفرض
مآثره من
خلال
استحواذ
مفاهيم
الصورة
الشعرية
ببلاغتها
المؤثثة على
سياقات
النصوص.
الابتداع في
جدة التركيب
المجازي،
جدة
العلاقات
المعجمية
تمثل التراث
من الوجهة
التناصية،
تقمص
النبوءة،
افتراض
التوصيل.
الرسالي
للخطاب
الشعري
وغيرها من
البداهات
التشكيلية.
ووجدنا هذا
الوعي
التمثيلي
متكررا لدى
طائفة من
الشعراء
الرواد كما
عند أدونيس
وعبدالصبور
والسياب
وخليل حاوي
والبياتي -
على سبيل
المثال - ومن
هنا تم نوع
من صنع
السياق
الجمالي
المتكامل
شعريا
ونقديا،
والذي قوبل
من جانب آخر
بسياق تلق
أسهم في ذيوع
هذا السياق
الجمالي
وانتشاره. وفي
قصيدة النثر
لم تحظ
التجربة
بوعيها
القرائي
الذي يمكنها
من فرض
ذائقتها وأن
تصنع
سياقاتها
التوصيلية.
ربما لأن
انبثاقها
الجمالي، في
وعده
الارهافي
الأولي،
يتقارب بشكل
أو بآخر مع
النثر الفني
الذي قدمه
كتاب جديرون
بالتأمل
مطالع القرن
العشرين
وأواسطه
أمثال أمين
الريحاني
وجبران
والمنفلوطي
والرافعي ثم
ما قدمه حسين
عفيف في "أوراق
الورد" و "الفسق"
كذلك تماسها
الشكلي مع
قصيدة
التفعيلة
وخروجها من
فضاءاتها
خاصة مع
تجارب مجلة "شعر"
وما تلاها من
كتابات عند
شعراء
أصبحوا الآن
روادا
كلاسيكيين
لهذا الشكل
الذي تبلور
على يديهم
جماليا
وتقنيا
أمثال أنسي
الحاج ومحمد
الماغوط
وشوقي أبي
شقرا ويوسف
الخال
وغيرهم. بيد
أن ذلك لم
يمنع هذه
القصيدة
التي تسير
على حد فاصل
ما بين الشعر
والنثر
الفني من أن
تستلهم
معطيات كلا
منهما في
الصورة
والمشهد
واللقطات
السردية،
فينجم عنها
مزيج تشعيري
مدهش في
النماذج
النثرية
فحسب التي
يقدمها
شعراء
يتمايزون في
اتجاهاتهم
التقنية
داخل سياق
قصيدة النثر. إن
قصيدة النثر
ليست هجرا
شكل مقولب
ثابت، أو
وصفة جمالية
يمارسها هذا
الشاعر
او
ذاك، كما
أنها ليست
بمثابة
امتياز يلصق
على النص
ليمنحه
حداثته أو
جدته، كما
أنها ليست
بديلا عن
أشكال أخرى
إنه حالة
إبداعية
خاصة تتعدد
فيها أنظمة
الوعي
التصويري،
وتتكثف
وتتوسع
نطاقاتها. قصيدة
النثر
منظومة
جمالية لا
يتمكن من
ممارستها
سوى
القادرين
لغويا
وتخييليا. هي
ليست ملاذا
للهاربين من
تبعات اللغة
والنحو
والعروض
والايقاع
كما يظن
البعض إنها -
في نماذجها
المثالية -
فضاء كتابي
مفتوح يتلمس
إيقاع
الوجود ذاته
بدراميته
وتعدده
وتمايزه
وتبدي هذه
القصيدة
مراسها عبر
الكشف
الدائم عن
الشعريات
الكامنة في
أشياء
العالم،
وحضورها لا
يلغي أية
أشكال أخرى
لأنها طريقة
في الكتابة
قد تطغى على
اتجاه ما أو
تيار في زمن
ما وتعاد
الكرة
لطريقة
اخري، وهكذا
يتواتر فن
الشعر
العربي الذي
يشهد من
التعايش
والتجاور
بين شعرياته
ما لم يشهده
من تحولات
تطمس تحولا
آخر أو طريقة
أخرى. وتتعدد
الاتجاهات
في قصيدة
النثر كما
تتعدد
الأساليب،
إذ إنه لا
يمكن أن نضع
جميع من
يكتبونها في
سياق واحد،
إذ أن لكل
شاعر وهجه
الدلالي
الخاص،
ووهجه
التصويري
المميز الذي
يختلف - بشكل
أو اخر- عن
السياق
الجمالي
العام
لقصيدة
النثر
ويتلاقى معه
في آن (1). و في
هذه القراءة
التي تحاول
أن تمتثل
للفروض
النصية التي
يمكن أن تصاغ
عبرها مسألة
صنع الرؤية
الجمالية
نسعى الى
اكتشاف
الشعريات
المتعددة
التي تطرحها
قصيدة النثر
الواهنة من
خلال بعض
تجاربها
المميزة
وصولا الى
تقديم الرؤى
الجمالية
لكل شاعر
وبالتالي
تكوين
سياقاتها
التشكيلية
المتعددة. كأس
سوداء يرى
نوري الجراح
الى العالم
الشعري في
حالاته
الخصوصية
النابهة من
الوعي
بالذات داخل
النص، والتي
تتمثل
لكينونة
الأشياء
بشكل مراقب
وحاسر يرى
الى
تبدلاتها
وتحولاتها
عبر الحواس.
وليست
الكلمات
عنده مجرد
أصوات للبوح
الجمالي، أو
لتكوين
صياغات
قولية، بل
إنها جواهر
لأشياء
الوجود
ومنها -
وعبرها -
يقتنص
بداهات رؤاه
الجمالية.
إنه يصفها في
ديوانه: "كأس
سوداء"
بقوله: الكلمات
أشخاص في
حفل، يقين
اضاءه
لمعان، سيف
يهوي من زمان
الى زمان يصل
وينفر
دم في
المرايا. (2) إن
الأشخاص
تزهو وتزدهي
في الحفل،
كذا الكلمات
تزهو وتزدهي
في سياقاتها
الجديدة
داخل النصوص
الشعرية. لكي
تبث يقينها
الجمالي في
مشاهدها
الصورية
المختلفة،
انها زمن
داخل الزمان
وهي السيف
الذي يصل من
الماضي
للمستقبل
ويعيد تشكيل
دم الوقت في
مرايا
الوجود هكذا
تفعل
الكلمات -
حسب نوري
الجراح -
هكذا تقدم
مآدبها
البواحة.
لتصبح
بمثابة دم
يسيل في جسد
الحياة، في
شكل يبتهج
فيه الشاعر
بدم الكلمات
فيردده في
مقطع
دال
عدة مرات ما
بين "دم
القوة، دم
الأمس، دم
الاشارة، دم
الضحكة
الاخيرة على
المنشفة دم
الفراشة"
حتى يصل الى
قوله: الكلمة
دم الضحكة..
وزهرتها. هل
تصبح
القصيدة
قرينة
الضحكة
قرينة
الاغتباط
والحبور
بالعالم،
عالم الذات
الأثير
الباطني؟ إن
نوري الجراح
يحبذ ذلك وهو
في ديوانه: (كأس
سوداء)
يوقفنا على
رؤيته
الجمالية
الخاصة هذه
الرؤية التي
يمكن
تكوينها عبر
النقاط
التالية: -
صياغة
المشهد
الشعري
صياغة
باطنية،
حلمية. لا
تقف عند حدود
العلاقات
الأولى
للأشياء بل
تنبذ
المعهود
التصويري
كلية وتسعي
لحضور
الايحاء
الغائب،
بمعنى أن
المشهد
يتواتر عبر
ما هو محذوف،
وعبر ما هو
مغيب، وليس
عبر ما هو
حاضر من
كلمات
بالضرورة
وهنا تصبح
لملامسات
الوعي
الداخلي
للكلمات
قيمة قصوى في
نقل مشاهد
الوجود التي
هي مشاهد
الذات
ومرئياتها،
والتي تقف
بحس برناسي
متطور ينحاز
للجمال
الوجودي
الخالص، تقف
بجانب
الحميم
والمأنوس
والصغير
والثانوي.
لكن الأشياء
الصغيرة هي
ايضا
الأشياء
الكبيرة في
الاشتغال
الشعري لدى
نوري الجراح. -
التركيز على
دالات شعرية
محددة وهذا
التحديد
يضمن للشاعر
صناعة أفق
جمالي /
دلالي مميز،
كما يضمن له
بالتالي
حصيلة
موازية
من
جمالية
التلقي
وتوقع
حدوثات
شعرية تؤكد
على التواصل
بانقطاعها
المتمايز
عما ألفه
القاريء.
وتتردد هذه
الدالات
الشعرية عبر
مساحات من
الليل،
والحلم،
والرؤيا،
والموت،
والطفولة،
والحب
وايثار
المضبب من
الألوان
الخابية
والتي
يقودها "السواد"
ويجافيها
البياض.
وتحميل ذلك
بأبعاد
جمالية،
ورمزية
أحيانا مما
يؤدي الى
انتاج دلالة
خاصة
بالشاعر
ذاته. -
التأكيد
الشعري على
حضور "الأنا"
بكل
تفاصيلها،
وصياغة
الأحداث
الذاتية
اليومية،
وتبيان
الاحساس
اليومي
بالوجود،
الذي تتمرأي
فيه الذات،
دون إيثار
طريقة ما في
مكاشفة
الذات بل هي
طرق متواشجة
متشابكة
تتقاطع
وتتكامل،
وتتمثل في
استقصاء
الحالات
الصوفية
والرمزية،
وابتكار
اللحظات من
مواقيت
الزمان
الدائري لا
من الزمان
الخطي حيث
إنه لا ماضي
أو حاضر أو
مستقبل، بل
تثبيت حركة
الزمان
الشعري
بوصفه
كينونة
لحظوية
واحدة. وهنا
يصبح حضور
الأنا حضورا
زمانيا -
بمعنى ما -
يرمي بنظرته
الطائرة الى
خلايا
الأشياء،
ويجدد
دوالها. وهنا
تنبثق
الحالات
الشعرية
وتتوالد. وتتمثل
الرؤية
الجمالية
عند نوري
الجراح في
العثور على
تقنيات
شعرية
طريفة،
وتكوينات
أسلوبية
تصبح بحد
ذاتها
ايقاعا فنيا
يؤكد على ميكانيزم
العمل
الشعري
الراهن،
ويدل على
خصوبته.
وتنطلق هذه
الرؤية
الجمالية
بداءة من صنع
الحياة
الخاصة
للشاعر،
وبالتالي
صنع صور
شعرية تفارق
البلاغة
المعهودة،
صور تحتفي
بسرد الكلام
الشعري، وفي
الوقت ذاته،
تقطيع أواصر
العلاقات
اللفظية
التي كانت
مفاهيم
البلاغة
تؤسسها
وتصنعها
ويصور
الجراح
حياته
الخاصة في نص
بعنوان (متاهة)
يقول في أحد
مقاطعه: كلما
اقتربت من
حياتي
وجدتها اطول
واعرض المتاهة
المصعوقة
بالنزلاء فيض
النور
المدمر كلام
الذين
اغتبطوا
ساعة، وفارقوا، لسعة
الذكرى نهضة
الامل الخدر
اللذيذ
العالي وهو
يتساقط وكذلك، انزلاق
قدم الطفل، بنعومة، على
البلاط
المائل، الى ما لا نهاية
في
طمي النهر. (3) إن
الحياة
الخاصة
بنوري
الجراح تضم
المتاهة
والنور
والكلام
والذكرى
والامل.. الخ
ان الحياة
هنا ليست
شيئا معزولا
عنه، لكنه
يعزله قليلا
عن ذاته كي
يتسنى له
التأمل،
وتبصر حياته.
إنه بفعل
زمني متكرر،
يقترب من
حياته.
والاقتراب
يتم
بالانتقال
من مكان
لمكان أو من
لحظة لأخرى.
إنه فعل يتم
إما بالحركة
واما
بالمشاهدة،
وهنا يشاهد
الجراح
حياته يقترب
منها ويحدق
فيها،. بيد
أنها حياة
أطول وأعرض
تستلب منه
حواسه، هي
حياة أشبه
بالمتاهة
وبغيض النور
المدمر - كما
يذكر - ويتم
فيها
الانزلاق
الى ما
لانهاية في
طمي نهر
الروح
والتخيل
والرؤيا.
وهنا تتكثر
الدلالة في
مرايا الذات
التي تكتب
مكامنها
بشكل آلي
متدفق، بيد
أن الشاعر
يراعي أن
تكون
عباراته
مكثفة
ومشطوفة الى
حد بعيد،
بحيث لا يقع
في التداعي
أو التكرار
اللفظي
والمعجمي
غير الدال،
وبحيث يقدم
نسيجا شعريا
متماسكا
ومعبرا عن
يقظة الأداء
وطفرة
الكلمات. سر
من رآك يتشكل
ديوان "سر من
رآك" للشاعر
أمجد ناصر من
خمسة نصوص،
تتكامل فيما
بينها لتشكل
نص الديوان
كلية، حيث
آثر الشاعر
الا يضع
ثبتا
بالنصوص
وعناوينها
في نهاية
الديوان،
وكأنه
يعطينا
إفادة أول
بأن الديوان
- بوصفه كلا -
نص واحد،
والعناوين
هي: (الرائحة
تذكر - وردة
الدانتيل
السوداء -
معراج
العاشق -
غريب مكلوم
بمنجل
العذراء - لص
الصيف) وكما
هو باد من
العناوين
فإنه لا مجال
للعناوين
التقليدية
المألوفة،
بل ثمة
عناوين تقدم
تجربة
الشاعر
الخاصة جدا،
وغير
المتضامنة
بشكل مباشر
مع واقع ما
يعبر عنه
سلبيا بيد أن
كل هذه
العناوين
تحتضن
الواقع في
خلفية
سطورها
الشعرية. إن
المسيطر على
نصوص
الديوان هو
التجانس
الأسلوبي
عباريا
وتعبيريا،
فلا مجال
لتضاريس
تقنية بين نص
وآخر، حيث
يركز أمجد
ناصر في
صياغة
عباراته
الشعرية على
العبارات
الخبرية
والتي تخفي
في طياتها
إنشائية
التصوير، إذ
تكثر
الأسماء
المعرفة بـ (الى)
والتي يبدأ
بها سطوره
الشعرية،
وكأنه يعيد
تلقيب
الأشياء
بأسماء
جديدة، كذلك
لا توجد هذه
الفوضى
العلائقية
بين الكلمات
وبعضها
البعض، كما
نرى في كثير
من قصائد
النثر. هناك
نظام وهناك
تخييل على
مستوى
العلاقات
الدلالية،
والتصوير،
وسوف أحاول
التركيز على
فضاءين
أثيرين لدى
أمجد ناصر
هما:
الاستقصاء،
وله ضروبه
وأنماطه،
وتنوع
الضمائر. في
"الاستقصاء"
ويمكن
اعتبار هذه
التقنية
بمثابة بنية
أساسية في
الديوان،
يستقصي
الشاعر
الأسماء،
سواء
بتكرارها
والتركيز
على إعطائها
مدلولات
متغيرة
بتجاورها في
سياقات
مختلفة، أو
بترديدها في
شكل
أرابيسكي
تتواتر في
خلفيته
المشاهد
واللوحات
اللفظية
التي لا تطمس
ما يكمن في
المشهد من
بهاء
تصويري، كما
نرى في هذا
المشهد الذي
«يعشق» فيه
ناصر، مفردة
"الأبيض"
بترديدها
وتكرارها،
يقول في «وردة
الدانتيل
السوداء»..
ولنلاحظ
التضاد بين
المشهد
والعنوان: الأبيض
ذو
الشامة ذو
المرمر الأبيض
العسجدي أبيض
الفيروز أبيض
الاستدارة أبيض
على حواف
الزهرى أبيض
تلال بلا
مرتقى أبيض
مخبوء ملفوف
بالشرائط غاف
في الساتان أبيض
الغالب سواه الأبيض
السليط أبيض
النوم
والندم أبيض
الغيم
الممطر في
المخادع. (4) من
البين أن
احتفاء
الشاعر
بالأبيض
هنا، وعدم
ربطه بزمنية
ما بغياب
الأفعال
عنه، يؤكد ما
نذهب اليه من
أن
الاستقصاء
يتم عن طريق
هذا الترديد
في تكوين
مدلولات
جديدة يحضر
الأبيض فيها
باستمرار
برمزيته
الدالة على
الصفاء
والنقاء. وقد
يأتي هذا
الاستقصاء
بتكرار حرف
الجر الذي
يعطي نمطا
سرديا رابطا
للمشهد،
بحيث لا
تنفصم أية
دالة منه عن
سواها في
سلسلة
متوالية.
يقول الشاعر: الرائحة
تذكر
بأعطيات لم
يرسلها أحد بأسرة
في غرف الضحى بثياب
مخذولة على
المشاجب بأشعة
تنكسر على
العضلات بهباء
يتساقط على
المعاصم بأنفاس
تجرب مسالك
جديدة الى
مرتفع
الهواء. (5) فنلحظ
أن حرف الجر
يربط
الأسماء في
متوالية
واحدة، يتم
عبرها تشكيل
المشهد الذي
تسيطر عليه
مفردة
الرائحة،
والتي تقع في
نص (الرائحة
تذكر)، وهو
أول نصوص
الديوان،
والذي يظهر
فيه
الاستقصاء
بشكل جلي من
أوله لآخره،
كأن الرائحة
تسللت من
الحواس الى
الذاكرة،
ومن عبيرها
الناغم
المحسوس الى
الغياب
المعقول
المجرد كما
في آخر سطر
من النص
بالأحكام
النهار إذ
تبدأ´
القهقري...
لتجوس مفازة
الهجران" (6). ويعطي
هذا
الاستقصاء
إفادة تقنية
بإيقاعية
ما، يمكن أن
أسميها بـ "إيقاعية
الأسماء"
حيث يتم
انتاج
الدلالة
دائما عبر
الالحاح على
الأسماء لا
الأفعال،
كأن الشاعر
في شغفه
الأبيقوري
الرائق
بالأنثى
يسعى الى
تثبيت
اللحظة
المسماة،
وتثبيت
الشيء بشكل
أبدي، لا
بتحريكه
زمنيا
بواسطة
الأفعال.
وهنا تستأثر
الصفات
والاضافات
والجمل
الخبرية
بالجانب
الأكبر من
التشكيل
العباري،
ويتبدى ذلك
على الأخص في
النصين
الأولين: (الرائحة
تذكر ووردة
الدانتيل
السوداء) ومن
جهة ثانية،
فإن هذا
الاستقصاء
يتم عن طريق
الكتابة
بالحواس -
إذا جاز
التعبير -
بمعنى أن
الحواس -
خاصة
البصرية
والشامة -
تذهب بعيدا
خلف مكمن
الشيء
المراد
معاينته أو
شمه، ولعل
تكرار دالة (الرائحة)
ما يشي بذلك
فهنا شاعرية
حواس تتواتر
فيها ألفاظ
الزهور
المختلفة
وألفاظ الشم
والاستنشاق
والعبير
الفاغم
الضواع، هذه
الشاعرية لا
تتراسل كما
تنبئنا
الرؤى
الرمزية أو
الصوفية، بل
إن كل حاسة
تنفذ
رغائبها على
حدة: -
باللمسة
أحرر المثال
من قالبه وعلى
ضوء المياه
الشفيفة أصل
الى أصل
الصرخة (7) -
بين الأشجار
شممناك ركضنا
وراء
الرائحة فأوصلتنا
الى ثيابك. (8) وقد
تتحول
الحاسة
الشمية
أحيانا الى
حاسة رائية،
لكن ليست في
شكل تراسلي
قديم: أعيننا
بيضاء من
الفرح كأننا
عمي نراك
بالرائحة ونتقراك
بالأنفاس. (9) وفي
بنية
الضمائر،
نجد أن هناك
نوعا من
التوحد بين
مختلف
الضمائر،
فلم تعد هذه
النظرة
النحوية
التي تفرق
بين ضمير
متكلم، وآخر
مخاطب وثالث
غائب هي
المسيطرة
دلاليا على
انتاج النص
الشعري. ونجد
أمجد ناصر
يوحد بين هذه
الضمائر
شعريا،
الذات (الأنا
هي
المسيطرة،
وتنطوي في
داخلها
الذوات
الأخرى، كأن
الشاعر /
الانسان
العام يعبر
ويصنع هذه
الحياة
العامة -
الخاصة، كأن
الشاعر
يلتقط هذا
الخيط
الخافت الذي
فتله أولا
شاعر جاهلي
هو "عروة بن
الورد"
وأحيانا
يفتله "طرفة"
وأحيانا "عنترة"
والذي يمثله
هذا الشطر
الشعري: "
أقسم جسمي في
جسوم كثيرة". يلتقطه
ويضفي عليه
هالة مجازية
أوسع، تتسع
لاحتضان
القدر
الانساني
العام.
ولامتلاك
هذا الوجود
العرم
السيال
بالدلالات.
أنا، هي: أنت
وهو نحن، عند
أمجد ناصر،
لذا فإنه
عندما يتكلم
بصوت
الجماعة
فإنه لا يعبر
بالضرورة عن
مجموع بل عن
ذاته أولا،
يقول في (معراج
العاشق) (10) -
وليس العشاق
كما نلحظ -
رغم أن
الكلام
بالضمير (نحن): بيننا
في النهار الضوء
يرفعنا
درجات ويردنا
الى شؤوننا
قوامين لنا
وزننا في
الأورقة
والمراسلات هيبتنا
محفوظة في
المجالس مرتفعون
في لغاتنا نتكلم
فيصغي إلينا
فقهاء العهد. وهنا
تصبح
المحبوبة
أيضا، تلك
الشجرة
المتكثرة لا
الواحدة في
أن، تصبح
المحبوبة
للجميع
المتوحد، لا
المتحالف: امرأتنا
كلنا كثيرة
في النهار وواحدة
في شفافة
الليل. ومن
المؤكد أن (الأنا)
بشكلها
المباشر هي
المسيطرة
على الواقع
العباري
للديوان،
فهي التي
تفعل وترى
وتشم وتلمس
وهي التي
تهيمن
دلاليا، إن
في تسمية
الأشياء، أو
في تأكيدها
في الأفعال
بـ (أفعل)،
بيد أن ذلك
لم يمنع أبدا
من ترك
الشعرية
تنسال من كل
دال، الهواء
على رسله
متروكا
والرائحة
تذكر،
وتستقصي،
والحدائق
تبذخ وترمي
ثمارها،
والأشياء
المحسوسة
المادية
تعطى ألقها
ووهجها،
ولاشك في أن
حضور "الأنثى"
هو الذي أعطى
الشاعر
مبررا
جماليا في
التركيز على
ما هو حسي،
طازج، لدن،
وتغييب ما هو
عقلي، الحسي
في الديوان
هو الروحي /المجرد
معا ويبدأ
ذلك مع عنوان
الديوان
الذي يتناص
في شكل طريف
مع حسية
المكان الذي
أنشأه
الخليفة
العباسي وهو
مدينة (سر من
رأى) كأن هذا
الجمال
الباذخ
المدهش في
هذه
المدينة،
يرده الشاعر
فى أنثاه،
محسوسا
مجردا معا. ثمة
أشياء كثيرة
نشير لها
هاهنا، وهي
تميز لغة
أمجد ناصر،
بارتباطها
بهوية
المفردة
ومرجعيتها،
وعدم خلخلة
مواضعتها
قاموسيا
وجماليا إلا
بمقدار،
وتوشيح
نصوصه
بخلالات
تناصية
رهيفة من
القرآن
الكريم
والأحاديث
النبوية
والشعر
العربي
القديم،
كذلك
الاعتماد
بشكل رئيسي
على لحظات
المفارقة
والتضادات
التي تتكامل
لانتاج
نصية
مغايرة،
ويمثل هذا
الديوان
تميزا خاصا
يؤكد شعرية
أمجد ناصر.
ويؤكد على
رؤيته
الجمالية
التي تنبثق
من التركيز
على ما هو
حسي، وما هو
مثير
لانتباهات
الروح
ويقظتها. رجل من الربع الخال: |