اول عاصمة لعمان قبل الاسلام 
قلهات: حضارة نصفها في القلب ونصفها في الطين

الصـور المرافقة
الصور المرافقة

طالب المعمري


  • مالك بن فهم: طرد المحتلين.. ثبت الوجود العربي والازدي خصوصا.

  • ياقوت الحموي: فرضة بلاد عمان.

  • ابن بطوطة: مدينة حياة.. وحضارة.

  • ماركو بولو: مدينة هامة.. استراتيجية الموقع والمكان.

  • البوكيرك: دمرها.. بداية الغزو البرتغالي.

  • مايلز: بقايا حضارة اندثرت معالمها.

من الصعب أن يبدأ الانسان بشرح الصعوبات التي تواجها كمدخل للحديث عن أي موضوع يريد أن يتحدث أو يكتب عنه خصوصا فيما يربط العلاقة بين القرب - البعد. فالموضوع الذي نريد أن نكتب عنه قريب مكانيا غائر في التاريخ والأزمان فهو بعيد بتسلسله ووضوحه. فالبعد ليس بالاحقاب وتعاقب الحضارات والأزمنة. ولكن البعد الحقيقي هو القطيعة التي تفصل بين تلك التعاقبات الزمنية والمعرفية وتموجاتها عبر دهور الزمن بحيث أنك ترى الشيء ولا ترده في نفس الآن. تشاهد بقايا ولكن أين التفاصيل.. فالتفاصيل أساس من أسس المدنيات والأمكنة التي تؤسس لذاتها والا أصبحت الحياة مجرد زنبرك لا يستقر على حال هنا.. أو هناك. قطيعة بين حياة هنا.. وحيرات مخبأة لا نعرف عنها غير شذرات لا تسمح لنا بالحكم الحقيقي أو التقريبي على أقل تقدير. عندما وقفت متكئا على جدار الزمن القلهاتي كان البحر وقتها أقرب الى اللون الرمادي فالموجة تلبس اليابسة بياض البراق، وتهرب الى منبعها في حضن الماء.. كان شهر ديسمبر شهر الاغتسال حينما زرت قلهات.. المدينة التاريخ، القرية، الزمان. والحضارة التي وقفت هنا أو ذهبت بلمعان الذهب الى التاريخ دون الجغرافيا كشيء أحاول أن أقبض عليه إلا من حجارة وسراديب وبقايا... من مسجد أو ضريح أو ربما مبخرة فاح التاريخ من قبابها وانسلت الجغرافيا من بين أصابع أقدامها. (كما ونحن عندما ندخل مدينة ما نبني ونؤثث فضاء المكان بحكى وحكايات وأساطير ثم في الصباح. لم يبق إلا ما قبض عليه المكان بنواجزه كشاهد وشاهدة. إننا نحن وليس غيرنا).

حضارة قلهات.. من أهم الحضارات العمانية وهي كعين لاقطة حينما تسرق الشمس من أشعتها الأولى وتسوقها بخيوط من ذهب أو نار الى أول يابسة عمانية.

فقلهات مكملة مع اختيها مدينة صور العمانية ومنطقة رأس الحد اليابسة البكر لأول أرض عربية تشرق عليها الشمس. وهي المودعة الأولى لغروبها الى زوال اليوم وانقضائه. إذن فالأرض الممتدة من قلهات حتى رأس الجنز شهدت أعظم حضارات الجزيرة العربية.خصوصا أن الاكتشافات أثبتت أن الابجدية شهدت ولادتها الأولى في منطقة رأس الجنز في الألف الثالث قبل الميلاد (1). كما أن مدينة صور وهي الجارة الكبرى لمدينة قلهات لا تتعدى المسافة بينهما 40كلم والتي قطعها الرحالة المغربي ابن بطوطة مشيا على الأقدام (2) موطن الحضارة الفينيقية الأولى قبل هجرتهم نحو مناطق البحر المتوسط خلال الالف الثانية قبل الميلاد، ويعتبر هيرودوتس نقلا عن كهنة مدينة صور الفينيقيين في أيامه بأن هذه المدينة أنشئت قبل 2300 سنة من تلك الأيـام. (3)

فقبل الدخول في صلب الموضوع حول حضارة قلهات وهي بلا شك حضارة عريقة. حضارة ثرية وغنية عالمية المكانة وهي كذلك حضارة منسية، وأن الزمن دفنها مع ركامه بعد الزلزال الذي قضى على معظم شواهد المدينة قبل ثلاثمائة عام حسب ما ذكره الأهالي. لابد لي أن أرثي لحالي وأنا أقف في ذلك اليوم من ديسمبر الذي بدا لي أنه يحمل الى برودة خاصة في هذا المكان الهاديء بأحجاره وركامه وبحره الرمادي المزرق. فمن يسمع ويقرأ. ليس كمن يعايش حالة يريد أن يردها على غير حالها المندثر. ولا يريد أن يجتر العبارة التي تقول "أثر بعد عين" فيبدو أن للعين احالات وللقلب قراءات. فالقراءة الحقيقية للمكان تتعدد على مستويين الأول قراءة المكان عينيا (ما بقي، وما اندثر) والمستوى الثاني: قراءة المكان وتفاعلاته بالذهاب ليس للمكان وحده وانما الى المراجع والكتب التي تسند واقعية حضور المكان عبر الكتابات التي تنير ظلمة التاريخ وتقرأ على أقل تقدير تفاصيل من عبروا وعمروا هذا المكان وخلفوا فيه وله مكانا في الجغرافيا والتاريخ.

فبالرغم من الدمار الممثل بالزلزال الذي شهدته حضارة ومدينة قلهات قبل ثلاثمائة عام حسب ما ذكره سكان قلهات الحاليون وما ذكرته معظم الكتب التي تحدثت عن قلهات بشكل مقتضب.

فرغم الزلزال وما ألحقه بالمدينة من خراب عظيم يستطيع الزائر أن يلاحظ فعل الحضارة التي قامت فوق تلك الأرض المدمرة فأنقاضها موجودة رغم أن معظمها مختف في باطن الأرض.

وحتى يتسنى لنا الولوج الى قراءة المدينة بشخوصها، وحياتها، وعظمتها، وتقهقر هنا، ثم الكوارث التي حلت عليها وانتقالها الى عالم النسيان لابد من الحديث عن الغضب الذي ارتبط بمثل هذه المدينة التي كانت تسمى يوما ما "فرضة بلاد عمان" كما وصفها ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان.

ويتمثل هذا الغضب في خمس نقاط هي:

1- غضب المكان بقسوته التضاريسية والحرارية الصعبة.

2- غضب المكان كعرضة لمخاطر الغزاة المحليين، "الصراعات المحلية" والاقليميين، "الفرس"، والدوليين "البرتغاليين ".

3- غضب الطبيعة: الزلزال وما خلفه من آثار مدمرة.

4- غضب النسيان: الذاكرة المفقودة والتاريخ المنسي.

5- غضب الاقتراب من البحث والتنقيب عن آثار وحفريات الكشف عن حضور المكان وحضارته

التاريخ الاول:

إذا كان التاريخ ينطلق من أول نقطة لفعل حدث ما. فإن أول ما سجله بالنسبة للتاريخ العماني ستمثل بالتسجيل للحواضر والمدن فإنه بدأ مع أول عاصمة سياسية لعمان "قلهات" فقلهات بهذه الصفة لا تستطيع أن تموت وان بقيت مدفونة لا نعرف من حكاياتها الا القليل بما ذكره التاريخ بشيء لا يلبي مطمح الدارس لحضارة بحجم حضارة قلهات ودورها المؤثر في مسيرة عمان منذ مئات السنين قبل الميلاد.

يبدأ التاريخ الفاعل لقلهات مع أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الثاني ق.م. (4) بهجرة بني الأزد بقيادة زعيمهم مالك بن فهم الى عمان في اعقاب انهيار سد مأرب الذي نجم عنه فوضى اجتماعية أدت الى هذه الهجرات الجماعية نحو الشمال ومن ضمنها عمان.

وقد اختلفت المصادر التاريخية حول أسباب لجوئه الى مدينة قلهات وكيف وصل اليها. هل عن طريق البر أم البحر. ولماذا اتخذها مقرا مستقرا وعاصمة لملكه.

المؤرخون العمانيون معظمهم يرجحون وصوله بحرا دون التطرق الى الكيفية التي وصل فيها الى المدينة وما هي المقومات التي تهيأت له في ذلك رغم أن بعض المصادر تذكر أن وصوله كان على مراحل يتوقف في المناطق التي عبرها، كما أن مالك بن فهم ومن أتى معه من الأزد ليس لهم دراية بالبحر خصوصا وان المسافة ليست بالقريبة وهم يعيشون في أوطانهم الأولى في منطقة أو مناطق جبلية وليسوا أهل بحر. هذا ربما ملحوق عليه في المغامرة والأسفار والظروف الصعبة وأيضا في رأيي لو أنهم جاءوا برا لاستقر بهم المقام في مناطق غير تلك المدينة التي اختاروها وهي قلهات وهي نائية نسبيا عن مركز المدن والحواضر في ذلك الزمان. يتبين أن المقارنة تميل الى أن طريقهم كان طريق البحر، لهذا تعددت أسباب مالك بن فهم في اختياره هذه المدينة التي سنناقش مدلولاتها وأهمية هذا الاختيار الصعب والاستراتيجي في نفس الآن. وخيارنا في تفهم تلك العلاقة المتبادلة بين الصعب والاستراتيجي يرتكز على قراءات من عين المكان وقراءة المصادر التاريخية والجغرافية. ومنها أن قلهات تقع على البحر في منطقة وسطى من البلاد العمانية وبالتالي يسهل لمالك الاتصال ببلاد اليمن التي هاجر منها والتي يسكنها بقية قومه ولا تنقطع امداداتهم له اذا طلب مساعدتهم في النزاع المرتقب بينه وبين الفرس.

الاتصال البحري:

ان موقع هذه المدينة بالقرب من الجزء الشمالي من عمان الذي كان الفرس يحكمونه ويتخذون من صحار مقرا لحكمهم ولنفوذهم، مكن مالكا من أن يستطلع أحوالهم عن طريق الاتصال البحري الذي كان يربط قلهات بصحار وغيرها من الموانيء التي تقع على الساحل العماني.

يضاف الى ذلك أن قلهات في حد ذاتها كورة منيعة يسهل الاتصال بها عن طريق البحر، كما أنها وكما أشرنا كانت محطة هامة من محطات التجارة، فكانت تفد اليها السفن القادمة من بلاد الهند، وكذلك السفن القادمة من اليمن وظفار عن طريق بحر العرب. مما أدى الى انتعاش أحوالها المالية والمعيشية الى حد كبير، ولذلك فإن مالك بن فهم فضلها لتكون مقرا له ولم يتوغل في داخلية عمان حتى يصفي حسابه مع الفرس أولا.

وربما يكون مالك بن فهم قد اتخذ من قلهات مقرا لحكما بسبب أخر، وهو أن هذه المنطقة من عمان كانت لا تخضع للنفوذ الفارسي، ولذلك فإن أهلها وكذلك القبائل التي تسكن بالقرب منها كانوا غير خاضعين لأي سيطرة فارسية. ومن ثم يمكنهم بأن يلتفوا حوله وأن يقدموا العون والمساعدة لتخليص بقية بلادهم من الناحية الشمالية من النفوذ الفارسي، وهذا ما حدث بالفعل، لأن مالكا وكما تؤكد كتب التاريخ قدم من اليمن في عدد من أهله لا يزيد على ستة آلاف وانتصر على الفرس الذين كان جيشهم لا يقل عن أر بعين ألفا (5). ومع الاعتراف بشجاعة مالك وقومه إلا أن هذا النصر لا يمكن أن يتم الا بفضل المساعدة التي لقيها من سكان البلاد الذين جاءوا واستقروا فيها قبل قدومه، وهم عرب مثله.

لكل هذه العوامل والأسباب اتخذ مالك بن فهم مدينة قلهات مستقرا له وعاصمة لملكه. بعد أن رأى الفرس يسيطرون على الجزء الشمالي من عمان، "فأنزل بها من كان معه من الحشم والعيال والنساء والأثقال.. ليكون أمنع لهم، وترك عندهم من الخيل والرحال ما يحفظونه ثم سار هو ببقية عساكره وصناديد رجاله" للقاء الفرس الذين انتصر عليهم انتصارا ساحقا في صحراء سلوت بالقرب من نزوى وأجبرهم على التقهقر الى صحار، حيث عقدوا معه هدنة على أساس أن يمهلهم عاما يعودون بعده الى بلادهم "وأعطوه على ذلك عهدا وجزية" فاستجاب مالك لطلبهم وعاد الى قلهات.

وعندما نقض الفرس الهدنة بتأثير ملكهم "دارا" الذي غضب من العهد الذي أبرمه نائبه في عمان مع مالك بن فهم، وأرسل قوات كبيرة الى عمان، انقض مالك على هذه القوات من قلهات ودحرها وفر الفرس الى بلادهم هاربين، واستولى مالك على بقية عمان وما يليها من الأطراف وساس الناس سياسة حسنة "وكأن ينزل الى شاطيء قلهات وينتقل الى غيرها" ويحدد العلامة نور الدين السالمي مقر اقامته تحديدا أدق فيقول انه "كان ينزل ما بين عمان الى ناحية اليمن، وكان أكثر نزوله بشاطيء قلهات من شط عمان، وينتقل منها الى غيرها".

ومعنى ذلك أن مالك بن فهم لم يتخذ من قلهات مستقرا له وعاصمة دائمة لملكه، ولكنه لان مع ذلك ينتقل منها الى غيرها من المدن لتفقد أحوال مملكته، ثم لا يلبث أن يعود الى قلهات لأن

أكثر نزوله واقامته كان بها كما ذكرها العلامة نور الدين السالمي في كتابه تحفة الأعيان.

وهكذا فإن اتخاذ مالك بن فهم في البداية من قلهات قاعدة عسكرية برز منها لقتال الفرس وتحرير البلاد من احتلالهم لها، وبعد انتصاره عليهم عاد الى قلهات واستقر فيها واتخذ منها عاصمة له.

وعلى ذلك فإن هذه المدينة تعتبر أول عاصمة عربية لعمان يتخذها ملك عربي في تاريخ عمان القديم، ومع ذلك فربما كانت هناك عواصم أخرى سبقتها وربما كان هناك ملوك آخرون سبقوا مالك بن فهم واتخذوا عواصم لملكهم، وهذا أمر طبيعي، ولكن كتب التاريخ لاذت بالصمت ولم تنبئنا بشيء عن هذه العواصم. ولذلك فإن قلهات تفوز بسبق الحديث كأول عاصمة عربية لملك عربي ولأول دولة عربية قامت في عمان قرب نهاية القرن الثالث للميلاد. واستمرت قلهات عاصمة للبلاد حتى انتقل الحكم من بني مالك بن فهم الى بني الجلندى الذين نقلوا كرسي الحكم الى توأم ثم اتخذوا من صحار عاصمة لهم ربما لاعتبارات سياسية وتجارية، وعند ظهور الاسلام كانت هذه المدينة (صحار) مقرا لحكام عمان من بني الجلندى كما تحدثنا كتب التاريخ. ولذلك فإن صحار تعتبر أول عاصمة لعمان في العصر الاسلامي، كما كانت قلهات أول عاصمة لها في عهدها القديم.

اسباب اختيار المكان:

بالنسبة لاختيار مالك بن فهم قلهات مقر حكمه فذلك يرجع الى أسباب أخرى هي في رأيي ترتبط بوضعية المكان وقدرته الحصينة ومناعته وصعوبة الوصول اليه.

ولماذا لم يختر مثلا صور أو قريات أو أية منطقة ساحلية أخرى ربما اختياره وقع على المنطقة لأن بها ظروفا غير التي تشاهد الآن وهي: ربما كانت المنطقة مسكونة. وفيها عوامل الحياة ولم تذكرها مصادر التاريخ ولم يصلنا شيء من ذلك. وثانيا ربما اختار هذه الرقعة من الأرض ليؤسس هو بنفسه حاضرها ومستقبلها ولكي يجعل أتباعه دوما على استعداد لملاقاة الأعداء والغزاة بمكان قاس ولابد من أن يعكس قساوته على ساكنيه. وتكمن عبقرية مالك بن فهم في معرفته بالبيئة وما يحيط بها من أخطار خصوصا محدودية عدد رفاقه وجماعته، فالطبيعة والاختيار الآمن للمكان عامل قوي للحماية كما أن المنفذين الجنوبي نحو صور والشمالي ونحو قريات يمكن السيطرة عليهما بسهولة وهناك أهم عاملين للحماية الأساسية وهي السلسلة الجبلية من الخلف والبحر وأهواله من الامام.

استنتاج آخر ربما أطرحه هنا لماذا أيضا ومرة أخرى اختيار مالك بن فهم قلهات رغم وعورتها كما ذكرنا، وبما أن مالك بن فهم خلال تحركاته من اليمن جلب معه المأكل والملبس بحيث لا يشغله شاغل عن تحقيق طموحاته بالاستقرار هو وجماعته لتكوين الحياة الحضرية في هذه البقعة العربية، وهذا يتأتى من أن كون معظم جنوده وأتباعه من الفرسان المحاربين الشجعان. لهذا نجد اهتمامهم بالزراعة والرعي محدودا جدا في المراحل الأولى كما ذكرته جل الدراسات التي تطرقت الى سيرة مالك بن فهم وذلك بسبب الحروب التي ذكرناها مع الفرس الذين كانوا يحتلون بعض أجزاء عمان في ذلك الوقت.

قبل انتقالي للتطرق الى ملامح مدينة وحضارة قلهات لابد لي أولا وقبل كل شيء أن أذكر بحسرة الهنات والثغرات التي يطويها التاريخ بين صفحاته والمتمثلة في جوانب منسية من تاريخنا العماني والعربي. وما يؤسف له حقا ومن خلال دراستي هذه وجدت ما يجب أن يصحح له في التاريخ.. للمكان وللمستقبل وللأجيال التي ستأتي والتي لا تعرف الكثير عن تاريخها الحافل بالعظمة. وتبين لي أيضا أنني في هذه الدراسة وغيرها كثيرا ما وجدت ضعف المصادر التاريخية العمانية المتمثلة في الكتاب العمانيين - قدماء ومعاصرين - لهذا وللحقيقة كتب العلامة نور الدين السالمي أكثر التصاقا بالاحداث التي تشملها من غيرها من الكتب التي قرأتها.

إذن من يريد أن يعرف التاريخ العماني فعليه بقراءة كتب الرحالة والمستشرقين والغزاة الذين عاشوا في عمان وتنقلوا فيها والذين ربما نتفق معهم في بعض الأحداث والسير والحالات ونختلف معهم في أمور أخرى، ومن هذه الأمور التي نختلف معهم فيها حول هوية المكان أن عمان لم يوجد بها عنصر عربي قبل وصول مالك بن فهم اليها وهذا كلام مغالط فيه ومردود عليه وهذه المسألة تحتاج الى دراسة وتعمق وتمحيص واف.

فالتاريخ العربي للمكان العماني لم يبدأ فقط بوصول الأزد الى عمان.. الأزد قبيلة عربية كبيرة هاجرت من اليمن وأثرت بشكل كبير في الأرض العمانية وتفاعلت مع غيرها ايجابيا مع الوجود الغربي بأفراده وقبائله. ولكن الحضور العربي دوما موجود.

عمان والعرب الاوائل

سكن العرب عمان منذ وجدوا. فقد عاش عاد وقبيلته على تلك الكثبان الرملية الواقعة بين عمان وحضرموت.

وقد ذكر المؤرخ والجغرافي اليوناني سترابو الذي عاش في النصف الأول من القرن الأول ق.م. (6) وترك مؤلفات كثيرة من أصول الشعوب والعلاقات ما بينها أن قبيلة "ثمود" عاشت في

المنطقة نفسها، أما القبائل العربية الأخرى القديمة فقد أورثت أسماءها لبعض المدن العمانية مثل قبيلة "صحار" التي عاشت في منطقة "الباطنة"، ثم قبيلة أوبال التي ورد ذكرها في وادي بني رواحة والرستاق. كذلك هناك روايات يتناقلها علماء الانساب العرب ومفادها أن سام بن نوح حكم المنطقة الممتدة من الحجاز الى عمان وأن حفيده سهيل أسس مدينة صحار.

حوالي القرن الثامن ق.م وسع يعرب بن قحطان سلطان قبيلته يعرب وأرسل أخوته ليحكموا عمان وحضرموت والحجاز. ويقول ابن خلدون: "كان يعرب بن قحطان من أعاظم ملوك الأرض. ويقال إنه أول من حياه قومه بتحية الملك وهو الذي ملك اليمن وغلب عليها قوم عاد. وغلب العمالقة على الحجاز. وولى أخوته على جميع ما فتح. فولى جرهما على الحجاز. وعاد بن قحطان على الشحر وحضرموت بن قحطان على جبال الشمر. وعمان بن قحطان على بلاد العرب.

لكن يشجب خليفة يعرب فقد سلطانه على عمان التي استعادها ابنه عبد شمس. وحكم عبد شمس جميع مناطق جنوب الجزيرة، وخرجت من صلبه سلالة الحميريين الذين حكموا اليمن منذ سنة (115 ق.م) حتى ظهور الاسلام وقد ارتبطت عمان بعلاقات وثيقة بمملكة الحميريين ومملكة سبأ.

أما حمير نفسه، الذي حمل هذا الاسم بسبب ثوبه الأحمر فهو ابن عبد شمس. واسمه مازال مستخدما في عمان حتى أيامنا هذه.

قلهات المدينة.. والحضارة

بعد أن ثبت مالك بن فهم قلهات عاصمة لملكه برزت قلهات كعاصمة يحسب لها حساب في الخارطة الاقليمية للمنطقة. وتجسد هذا بما تميزت به من سطوة وحظوظ قلما توافرت لمدينة في ذلك الزمان.. حيث أنها برزت كأحد أهم المناطق ليس على مستوى الساحل العماني فقط وانما على امتداد حضورها ليشمل الخليج العربي وبحر عمان والمحيط الهندي وكانت بعد ذلك من أهم موانيء المنطقة وملتجا لكافة الحالات والظروف التي عايشتها المنطقة فهي بتمركزها الوسط سهل لها هذا التميز والحظوة بين حواضر المدن في تلك الأحقاب.

ولكن هذه الميزة جلبت عليها بقدر ما هي نافعة مضار ومصائب عديدة أولى هذه المصائب انه من يسيطر عليها يسهل عليه السيطرة على بقية المناطق العمانية منها وأن تحصيناتها واستحكاماتها كانت قوية صعب على الغزاة اقتحامها ومن يستولي عليها فقد يسهل له تحقيق مناله بالسيطرة على بقية أجزاء البلاد.

كما أن تحكمها على الطرق البحرية جعلها مفتاح المنطقة بحريا. أما بريا فإن وادي العسر كان يعد ممرا طبيعيا الى داخلية عمان وهذا بالفعل ما تحقق لمالك بن فهم من خلال قراءته لجغرافية المنطقة. وأيضا من أتى بعده وسيطر على المناطق المحيطة بها الذي تمثل بالمفردات التي ذكرت بعض المصادر أحداثها ونسيت بعضها والمتمثلة في مدن سيراف وقبس وهرمز: ومحاولاتها السيطرة على مدينة وميناء قلهات. وقد أتاحت الاضطرابات التي اقترنت بغزو المغول لفارس في القرن الثالث عشر الفرصة لحكام هرمز أن يدخلوا تغيرات على الوضع وبالتالي أخذوا ينهجون سياسة أكثر استقلالا من زي قبل، فعندما حاولت السلطات الفارسية فرض ضرائب على سكان هرمز غادر هؤلاء الى قلهات وأخذوا يوجهون القوافل التجارية نحوهم مما أجبر السلطات الفارسية على عقد اتفاقيات معهم.(7)

كذلك حلت أسرة الحبوضي محل أسرة المنجوي في منطقة هرمز القديمة وأخذ أمراؤها يولون ساحل عمان اهتمامهم فحولوا قلهات الى مركز تجاري هام ومعقل حربي منيع وذلك خلال اعوام 1261م.(8)

كما تشير المصادر البرتغالية بأن هناك أربعة مراكز للقوى في عمان في ذلك الوقت ودورها في السيطرة على منطقة قلهات والمتمثلة في أحد هذه المراكز أن قبيلة بني جبر وما تشير اليه تعليقات البوكيرك الى أن بني جبر وقاعدتهم في الاحساء يسيطرون على البلاد العمانية ويقتسمون الحكم فيها مع النباهنة والهرمزيين وغيرهم والأراضي الواقعة من الخليج حتى عدن والتي تصل الى مشارف مكة. فالابن الذي يحتفظ باللقب عن أبيه كان يحكم فرطاق وظفار وقلهات ومسقط والأراضي التي تمتد حتى حدود عدن.(9)

كذلك تعرضت قلهات الى دمار وتخريب على يد الفونسو دا البوكيرك قائد الحملة الاستعمارية البرتغالية سنة 1507م وذلك بسيطرته على قلهات ونهبه للمدينة وأحرقها قبل مواصلتهم السير الى مسقط التي تعرضت هي الأخرى الى دمار وخراب كبيرين.(10)

وقد حافظ العمانيون على تفوقهم البحري في غرب المحيط الهندي طوال عهود قبس وهرمز وقلهات، أما شرق المحيط الهندي فقد بقي خاضعا لسيطرة الصين وسيطرة اندونيسيا المتزايدة. وقد ذكر ابن بطوطة أن رحلته الى الشرق في القرن الرابع عشر الميلادي من بنادر الملبار كانت تتم على مراكب صينية.

وكانت هناك تطورات هامة تجري على فنون الملاحة عند العرب من أهمها استعمال