تجليات المكان في الفيلم المغربي
"عرس الدم" نموذجا


عبدالاله الجوهري (كاتب من المغرب)


قبل البدء!

الحديث عن المكان بمعزل عن الزمان شيء لا يمكن تصوره لا ذهنيا ولا فنيا، لأن العلاقة بينهما علاقة أساسية تشخص جدلية الواقع في الحياة. كما تشخص جدلية الواقع الفني في حد ذاته، لكننا لدواع منهجية لا علاقة لها بالرؤية سنضطر الى فصل المكان عن الزمان رغم استحالة العزل فعليا.

المكان لغة في الأصل تقدير الفعل مفعل، لأنه موضع لكينونة الشي ء فيه والجمع أمكنة، وجمع الجمع: أماكن، أما المكان في العمل الابداعي فهو الاطار الجغرافي الذي تدور فيه أحداث قصة متخيلة.

ويمثل المكان على مستوى الملاحظة المباشرة في حياتنا اليومية الأحداثيات الأساسية التي تؤطر الأشياء المرئية فنستطيع أن نميز الأشياء من خلال وضعها في المكان، ومن المسلمات، انه لا يمكن لجسمين أن يشغلا المكان ذاته في الوقت ذاته ولا يمكن أن يحمل جسم واحد مكانين متغايرين في نفس الآن كما أن ارتباط الانسان به أقوى، لذلك اكتسب دورا أساسيا في حياته وأثر تأثيرا مباشرا في مشاعره وسلوكه اليومي، ومن خلاله استمد جوهره وبقاءه. ويرى يوري لوتمان أن النماذج الاجتماعية والدينية والسياسية والاخلاقية في عمومها تتضمن وينسب متفاوتة صفات مكانية تارة وتارة أخرى في صورة صفة أخلاقية حين تقابل بين (اليسار واليمين ) أو بين المهن (الدونية ) و(الراقية ) وكل هذه الصفات والأشكال تنتظم في نماذج للعالم تطبعها صفات مكانية بارزة وتقدم لنا نموذجا ايديولوجيا متكاملا يكون خاصا بنمط ثقافي معطى(1)  بل إن الانسان - ومنذ أقدم العصور - عمل على اعادة انتاج المكان فنيا باعتباره منطلق الاحلام ومرتع الذكريات، وجعله مكونا أساسيا في نسيج كل أعماله الابداعية، وأي ابداع فني يفتقد المكانية فهو يفقد خصوصيته وبالتالي أمالته، والمكانية هي الصورة الفنية التي تذكرنا أو تبعث فينا ذكريات الطفولة، حسب تعبير جاستون باشلار. فتجليات المكان إذن تتم انطلاقا من المعرفة الذاتية المكتسبة، أي علاقة الدال بالمدلول حسب هيدجر أو ما يعرف عند الفلاسفة المسلمين بالفيض خاصة الفارابي وابن سينا أو ما يسمى بالمحايثة عند ابن عربي إن النظر الى المكان يتم عبر مستويين موضوعي وذاتي.

الموضوعي: هو الادراك الملموس لفضاء ما. وتدخل في هذه العملية الحواس والعقل (المكان بالمعنى العلمي والفيزيائي المحدد) أما الذاتي: فهناك بعدان: الوجداني وتدخل فيه الا حساسات والمشاعر، والنفسي: يرتبط أساسا بالاسقاطات التي نسقطها على مكان ما انطلاقا من خلفيات نفسية عادية مرتبطة بمدى الاعجاب أو با يسمى الميولات الأولية ثم خلفيات لا شعورية، أي الارتباط بما هو مخزون في الذاكرة التي تجد نبعها الأساسي في الماضي (الطفولة )، فالفنان حينما يعيش لحظات الابداع فإنه يعيش مجددا ما شهده بكليته بأسلوب جديد، لا إعادة رسم لوحة طبق الأصل عن الواقع، ويعمله هذا فإنه يبعث الأمل ويحدث تأثيرا طازجا لدى المتلقي، وتجب الاشارة في هذا الصدد الى أن أهمية المكان في الفن تتفاوت باختلاف الأجناس والأنواع الفنية، حيث تكبر هذه الأهمية وترتفع في فنون معينة كالرسم مثلا، وتتراجع هذه الأهمية الى أدنى حد ولكنها لا تتوارى نهائيا في فنون أخرى كالموسيقي والرقص... الا أن الفن السينمائي يعتبر بحق من أهم الفنون التي تبرز فيها أهمية وضرورة استحضار مكون المكان، ولحل طبيعة هذا الفن نفسه والمعتمد أساسا على الكاميرا كأداة «ناقلة ومصورة » لواقع ما يفرض هذه الأهمية، ويذهب الناقد الفرنسي مارسيل مارتن في طرحه أبعد من هذا في قوله:«إن المسرح الى جانب الهندسة والنحت والرقص، فن داخل الفضاء(Dans  l'esparce)  على عكس السينما.والاختلاف جوهري.فهي فن للفضاء,            (De  l'esparce) بمعنى: ان السينما تحمل في خصوصيتها التقنية أن تنقل أو تعيد انتاج (Reproduire)  )الفضاء المادي والواقعي بطريقة واقعية ولكن أيضا على مستوى التشكيل الفني تمكن من خلق وبناء فضاء فيلمي متخيل واصطناعي وعليه فالفضاء الفيلمي ليس إطارا بسيطا والصور فيه ليست فقط عروضا ذات بعدين إنه فضاء حي، أبدا غير مستقل عن محتواه لكن مرتبط حميميا بالشخصيات التي تتطور داخله "(2) فهو يسم الأشخاص والأحداث في العمق فيغدو العمود الفقري الذي يربط أجزاء الفيلم بعضه ببعض، انه يلد السرد قبل أن تلده الأحداث وبشكل أعمق، ربما،وأبعد أثرا، يقول صلاح أبوسيف: "إن المكان خصب في السينما لأنه يعطي امكانيات متعددة للمخرج لتكثيف دلالات الأحداث اذا اتقن ربط الأمكنة ببوضوع القصة " بمعنى أن الأفلام الجيدة هي تلك التي لا يكون المكان فيها مجرد ستارة خلفيا للأحداث بل امتدادا للموضوع والشخصيات، يوصل الى المعلومات شأنه شأن الاضاءة والملابس والماكياج ويخبرنا بأشياء كثيرة.. انه مكون فاعل وضروري بالنسبة لتطور السرد، ولا يمكن أن نتخيل أحداثا دون مكان يؤطرها، فهذا جورج بلان في حديثه عن الحدث والمكان في الرواية، فانه يربط الحدث ربطا دياليكتيكيا بالأمكنة «فحيث لا توجد أحداث لا توجد أمكنة » بل أن بعضهم طابق بين الشخصية والمكان الذي تشغله وجعل منه: «تعبيرات مجازية عن الشخصية: إن البيت امتداد للانسان فإذا وصفت البيت فقد وصفت الانسان »(3) وعلى الرغم من كل هذا فهناك الكثير من النقاد من اعتبر قضية المكان في الابداع السينمائي قضية متوهمة ولا جدوى من الاهتمام بها باعتبارها ليست عنصرا اشكاليا لدى الفنان. فالمكان في الفيلم هو معطى يحدد سلفا داخل حيز محدود داخل إطار عدسة (محددة الرؤية ) في الكاميرا السينمائية، ويورد الناقد المصري فاضل الأسود مواقف عدة وجد غريبة من توظيف المكان في السينما نكتفي بذكر بعضها، تعميما للفائدة: فرودلف ارنها يم يرى: ه إن الاستجابة السيكولوجية الاساسية (يقصد بها استجابة المشاهد ) هي استجابة للأحداث وليست استجابة للتأمل في الأشياء.. ورغم انتقادات جير الدماست لهذه الرؤية النقدية إلا أنه لا يرى بأسا من القول بأن "شرط تعرف المشاهد للمادة التي يردها مرتبط بمدى محاكاة تلك المادة المعروضة على الشاشة للواقع المحيط، أو بعبارة أخرى من خلال البحث في العلاقات والروابط التي تشد المشهد السينمائي ليس الى غيره من بقية المشاهد السينمائية وانما الى شي ء آخر بعيد وخارج عن بنية العمل السينمائي ولا يتصل بجوهر السرد السينمائيه. أما إدوين مرير، فقد كان يعتقد بأن الصراع الدرامي كي يتفاعل ويتخذ هجراه الطبيعي فلابد وأن تبدو الشخصيات داخل منظر مغلق، فامكان والانتقال من مكان الى آخر يمنع تدفق الفعل الدرامي "فليست هناك صلة قوية بين الأحداث والأماكن ". قائلا: «ان الرواية الدرامية تدور في الزمان مع تحديد عابر للمكان » وهكذا يخلص فاضل الأسود، الى أن استبعاد ملامح المكان هي فكرة هاجرت من المسرح الى الرواية قبل أن يستعيرها حقل السينما(4). وهذا صحيح فإذا ما عدنا الى النقد الروائي، فإننا سنجد أن أغلب الدراسات لم تهتم بمكون الفضاء ولم تعره اهتماما خاصا باستثناء محاولات قليلة وجد مبتسرة، أهمها، محاولة المنظر الرومي يوري لوتمان، وقد أدى هذا الاهمال الى عدم قيام شعرية ناجزة للفضاء تبحث في تكوينه وعلائقه ووظائفه وبالتالي تضع له قانونا سيميولوجيا شبيها بذلك الذي وضعه فيليب هامون للشخصية وجيرار جينية للزمن السردي. قانون يثمر ويفني الدراسات الروائية ويفيد النقد السينمائي انطلاقا من التقاطعات القائمة بين الفنين السرديين الحديثين، إن النقاد السينمائيين التقليديين رفضوا البحث في معالجات المكان واقتصر همهم على تجليات وتطورات الحدث مضحين بالعناصر الفنية الأخرى، وهو ما جمل محاولاتهم النقدية جد مبتسرة لا تحيط بكامل المكونات، إن دراسة عنصر المكان يعود فضل استثماره والعمل على بلورته الى مدارس النقد الحديث ورغم محاولاتهم على درب الجدية: فإننا نرى أن هذا العنصر الفني مازال بحاجة الى المزيد من الدراسة والتمحيص لكيلا يظل حضوره عقيما والتعامل معه مجرد ديكور أو خلفية تؤطر الأحداث فقط، وانما عنصر فني أساسي يصكك وجوده داخل العمل الفني ويصكك أستقلاله عن العالم الواقعي ويوطد علاقته أكثر مع عوامل الخيال، وهذا الانجاز في اعتقادي مركول أساسا للسينمائيين اولا فعليهم أن يمتلكوا القدرة والجرأة الفنية لانتشال المتفرج من هيمنة المقارنة مع الواقع، أصلعا فعلت بعض المجالات الطليعية وعلى رأسها محاولة المخرج الأسباني لويس بونويل حين حول المراحيض في فيلمه «شبح الحرية » الى غرفة للاكل، وفي اعتقادي هذا وحده قد لا يكفي أو كما يقول صديقي الناقد بوبكر الحيمي: لانتشال المتفرج من سلطة الواقع إن الاعتناء بالصورة عبر التكوين هو الذي ينزع عن الفضاء طابعه الواقعي ويمنحه لحفضاه خضع لاختيار عبر عملية التأطير(5). والكاميرا وحدها قادرة على الانتقال من مكان لآخر كما يمكنها تجزيء نفس المكان فتفقده وحدته إضافة الى امكانية اللعب بالأشكال واجزاء الفضاء أي ما يمكنه تسميته بـ «بوليفو نية الفضاء» وباعتماد المخرج على اللقطات نحير المتسلسلة حسب المنطق الحكائي السائد سينمائيا وباعتماده أيضا على الايقاع البطيء، فإنه يعطي للعين فرصة التركيز على الفضاء عوض الجري والانتقال المستمر من لقطة الى أخرى، وبذلك يمكن أن يمرر المخرج رسالته الفنية المراد توصيلها الى المشاهدين واخبارهم فنيا بما يريد تبليغه، وللأسف فإننا نجد أن قلة قليلة من المخرجين هم الذين استطاعوا أن يشحنوا المكان بشحنات دراسية حقيقية نذكر من بين هؤلاء المخرج ارسون ويلز في رائعته السينمائية «المواطن لحين ». فالقصر الشامخ الذي وظفه يخبرنا عن شخصية «كين » الخيالية وسيطرته المتزايدة على الآخرين أمحو مما يخبرنا أي شي ء أخر في الفيلم، هذا القصر سيتحول مع تطور أحداث الفيلم الى نوع من السجن الغريب بحيث يكتشف «كين » في وقت متأخر بأن الانسان يمكن أن تحككه ممتلكاته، فالمكان هنا أصبح «شخصية» فاعلة حية متحركة، وفضاء الصحراء في فيلم «لورا نس العرب » للمخرج دافيد لين يبدو فاعلا في طبائع الشخصيات بطلا يملي قوانينه الخاصة ويكرس حضوره الفني المتميز، فضاء حقيقي بعيد عن السقوط في إغراءات التصوير السياحي أو المجاني، وربما من بين الأسباب الأساسية التي أدت الى فشل تجربة المخرج الايطالي برناردو تلوتشي. مع فضاء الصحراء في فيلم «شاي في الصحراء» هو عدم الانصات الى نبضات هذا المكان الجميل والتواصل معه وجدانيا. الشي ء الذي جعله يصوره كفضاء جامد فاقد للحيوية والانسانية، أو كما أشار الى ذلك الناقد الفرنسي سيرج تربيانا بقوله: «لقد صور الصحراء كما تفعل ذلك الاعلانات الاشهارية التي يبثها التليفزيون » - أي فهم المكان والتواصل معه وتأطيره فنيا بعين ذكية قادرة على التقاط ما لا يرى وكل عجز في التخيل سوف يؤدي حتما الى عجز في الابداع، وأي استناد على مقولات أو مذاهب مثل «الواقعية » لا يعفي الفنان من مسؤولياته الفنية، أي أن واقعيته يجب أن تكون فنية تعيد خلق الواقع لا نسخه نسخا باهتا. فالفنان فنان أولا وأخيرا، فهذا صلاح أبوسيف رائد الواقعية في السينما العربية جل انتاجاته تنتصر للفن قبل انتصارها للواقع، تشحن الحواري والأزقة والفضاءات المنسية بشحنات إبداعية خلاقة فتصبح هذه الأمكنة فاعلة نابضة بالحياة حاملة لدلالات ورموز غنية فمثلا الحمام في فيلم «حمام الملاطيلي » يصبح عالما مصفرا، فضاء لممارسة الفواية وترجمة الشهوات التي قادت الى الهزيمة، وصحراء المخرج توفيق صالح في شريط «المخدوعون » تبدو فضاء للعزلة والنفي القاتل تبتلع الانسان وتقول ما لا تقوله عشرات الخطب الرنانة في ضرورة التشبث بالوطن.. أفلام منحت للمكان موسيقية خاصة عندها أفكر فيها تحضرني الفضاءات المغربية الأصيلة.. فاس بدروبها الضيقة، مراكش بساحاتها الزاهية، شفشاون بدورها البيضاء البهية، ورززات بقصباتها المنسية، الراشيدية وفضاءات الصحراء اللامتناهية المنفتحة باتجاه الأعماق القصية أمكنة وظفت في العشرات من الأفلام الأجنبية بنسب ابداعية متفاوتة، زينت أفلاما وبهرت عيونا لكنها في الأفلام المغربية ظلت متوارية الى الحدود الدنيا في وجودها، فكاميرا المخرج المغربي غالبا ما تراهن على الأذن وتطمس العين. وان لجأت الى تصوير فضاء ما فاعلم أنه لن يكون إلا ديكورا خارجيا «لتسييحي فو لكوري» أو مكان مادي مباشر حيث تدور الأحداث دون اكسابه أي بعد جمالي بمعنى أن تصويرهم له هو تصوير سطحي جامد أقرب الى الكليشيه حيث انعدام الجهد الفني لاستكناه دلالات الأمكنة من خلال عناصر الاخراج والتصوير وبعملية حسابية بسيطة فلن تجد إلا أفلاما لا يتجاون عددها عدد الأصابع أو أكثر بقليل هو الذي استطاع أن يجعل الاحساس بالمكان تطويرا بصريا للشخصية والشيمة وامتدادا لهما، نكتفي بذكر بعضها: فـ «وشمة » حميد بناني جعلت من المكان حالة واقعية بل بمثابة فسيفساء تترابط ضمنه الأحداث بشكل غير مزعج أي أن المكان هو سيد البناء في العملية السر دية للأحداث مما جعلنا نظل على علاقة وثيقة بكل الأماكن التي عرضها الشريط ويقترح علينا الناقد المغربي إدريس القري أن نتعامل مع هذا الشريط ك "سلسلة " صور بصرية تبدي لنا معالم مكان مغربي أصيل بكل تراتبيته وقيمه وتقاليد وطقوس الانسان المنفعل به، أفكار وتصورات ومعتقدات الانسان الفاعل في هذا المكان أيضا.. ويضيف في معرض تحليله: «... ولا يخرج إطار صورة شريط «وشمة » عن فضائه البدوي الطبيعي التقليدي بكل تجذره وبساطة تأثيثه وصدق وتكامل قطعه مع ما يحمله الفاعلون الاجتماعيون فيه من قيم وتصورات للكون والحياة والانسان.."(6). وعلى هذا الخط الابداعي في استكناه المكان والتحاور مع فضاءا ته حملنا المخرج المرحوم محمد الركاب في فيلم «حلاق درب الفقراء» ليقدم لنا أماكن خلقت الكاميرا بينها وبين عين المتفرج علاقة حقيقية قوامها الابداع الحق حيث انتفاء الشرخ أو الفجوة. أمكنة سبورة برؤية فنية عميقة يتداخل فيها الواقعي بالمتخيل لدرجة يحس معها المشاهد ان الأحداث التي يحتويها ويؤطرها لا حدود بين مستوى واقعيتها وبين مستوى بنائها التخيلي، فالركاب كان ابن الدرب يغرف من الذاكرة والمخزون الخيالي وهو يصور/ ينقل عوالم هامشية تنتصب فنيا رغما عن العين وتؤثر بفعل هامشيتها/ تهميشا بالتحديد لما تخفيه في فضاءاتها واختيار الهامش يبقى أحد روافد الابداع في السينما المغربية وهنا يحضرني «بادس » كعلامة مضيئة في مسيرة المخرج محمد عبدالرحمن التازي الفنية فيلم ينبني على الصراع والتوتر بين شخوصه صراع محوره الاساسي والجوهري سلطة الرجل يسانده في ذلك المكان وحرية المرأة المغتصبة، فالمكان هنا سياج يسيج الانطلاق يأسر المرأة مثلما ياسرنا بجماله يمارس علينا فتنته، افتتان بالخوف والحقد الجميل، لقد وظف النازي المكان بشكل مضبوط ومتمكن، بحيث أن هذا التمكن هو الذي أعطى للشريط تلك الشحنة الابداعية وحوله بشكل مثير الى عنصر فاعل في تنامي الأحداث وتطورها بل حوله (المكان ) الى معادل للقدر يمسك بشخصياته (النسائية ) ولا يدع لها إلا هامشا محدودا لحرية الحركة. وبدا البحر كفضاء للانطلاق والحرية من سلطة الأب والزوج، لكن عزلة المكان تتكرس أكثر مع إلقاء الصيادين لشباكهم في البحر، فكل الطرق مسدودة ولم يبق للمرأة إلا رقصة إنسانية في محاولات لتحطيم المقدس في عالم هامشي /مهمش، وفي فيلم «شاطيء الأطفال الضائعين » كعب جدلية الداخل والخارج دورا أساسيا في الدفع بالأحداث، نجد أنفسنا أمام صور فنية رسمت بعناية من خلال كاميرا حاذقة تعيد اكتشاف مواطن الجمال في فضاء شاعري تحالفت معه لتقديم صور مشحونة بشحنات ابداعية خلاقة: البحر بامتداده اللانهائي، الملح بالسر الدفين فيه، الفيلا والصراخ المنبعث، الشاطيء بملامحه الطفولية.. مكونات تؤازر الفضاء العام وتعمق من قوته الدرامية.. هي أفلام قليلة تلك التي ترسم فضاء اتها بعناية وتمنحها حضورا دراميا فاعلا بل إن مخرجين من أمثال حميد بناني الجيلالي فرحاتي ومحمد عبدالرحمن التازي في أفلامهم الأخيرة بدا المكان عندهم متواريا ثابتا وساكنا مثلا فيلم: د،خيول الحظ » الفضاء، ضاع وراء سراب البحث عن مجموعة من الوقائع والأحداث لشخصيات ثانوية وأخرى مقحمة. فبدت هبخة الفيلم متوارية باهتة يلفها ضباب غامض، أما في فيلم "البحث عن زوج مراتي" التازي قدم لنا ,فاس الواقع وليس فاس الفن، فالأمكنة جاءت معادلة للواقع لم يضف عليها المخرج من حسه الفني شيئا لم يستطيع استكناه دلالاتها الفنية أو أن يتجاوب مع أنقاسها السحرية، ففضاء البيت في الشريط بدا غارقا في متاهات الزليج والنقش باهرة العين، والكاميرا تلهث لثنقل لنا صورا تذكارية "كارت بوستال " مهتمة بالجدران والأبواب الخشبية أكثر من اهتمامها بالمواقف الدرامية، مواقف كان يجب أن تستمد قوتها من المكان بدل أن تستمده من النكتة والمواقف المفتعلة، وهذا يجعلنا نقول: ان في العمل الفني السينمائي الرديء لا يوجد مكان حقيقي، أي مكان يجعلنا نتذبحي أمكنتنا التي عشنا فيها أو التي حلمنا أن نعيش فيها، فهو مكان لا يخاطب خبرة المشاهد، فالمخرج يجب أن يعلم أن الأمكنة والفضاءات الفيلمية هي مجازية (صكها مثل كل أمكنة الفنون ) أي لا تساوي الواقع، والمكان داخل أي عمل ابداعي يصبح في النهاية نوعا من السعة المجازية.. وفضاء شريط «عرس الدم » أثار في احساسا بالألفة اكتسبته من فضاء أعيش فيه وأصبحت جزءا منه، " فضاء الطين المدكوك " بتعبير إدريس الخوري، وانجذابي اليه هو نفس انجذاب بنبركة الى الفضاءات القصية المنجذبة الى مناطق جنوبية، بيت الطفولة باعتباره جذر المكان، حسب تعبير باشلار، علما بأن بيت طفولة المخرج يمتد على مساحة مكانية شاسعة تبدأ من حدود مدينة مغربية (كولميم ) وحتى تخوم مدينة تاريخية منسية (تمبوكتو) حيث شساعة الصحراء، فضاء اختاره بنبركة ليصور فيه الفيلم الأكثر قربا الى قلبه انطلاقا من نص مسرحي شهير (عرس الدم ) للشاعر والمسرحي الاسباني جارسيا لوركا. لقد أعاد كتابة الحدث الدرامي للمسرحية وتشكيله في فضاء حضاري مغربي بخصوصياته وذاكر ته، وقد برر بنبرلحة ذلك بقوله:"لقد وجدت أن ما يحدث في مسرحية لوركا يمكن أن يحدث في الواقع المغربي. لحما أن الحدث الدرامي الذي يسوغه لوركا المسرحي وجدت أنه الى وقع بنفس الطريقة تقريبا في منطقة تافراوت هنا بالمغرب "(7) تبريرات يرفضها بعض النقاد، خاصة مصطفى المسناوي الذي انتقد الفيلم بقوله 0«لقد حاول هذا المخرج أن ينقل مسرحية لوركا الشهيرة نقلا آليا الى أحدى مناطق الجنوب المغربي، دون أن ينتبه الى أنه أسقط على المنطقة علاقات وأعرافا اجتماعية لا تعرفها قط (قضية الثأر مثلا) والى أنه زاد الأمر تعقيدا حين جمع في حفلة العرس كل الفرق المغربية الغنائية التي لا علاقة لها بتلك المنطقة (من الموسيقى الجبلية الى رقص الكدرة )(8) ورغم ذلك يرى الناقد العربي ابراهيم العريس `في كتابه «رحلة في السينما العربية » أن «شريط «عرس الدم » يبقى أق ى ما حققه بنبركة في سيرته السينمائية ». وقوة الشريط في اعتقادنا نابهة أساسا في جوانبه التقنية التصويرية، والهم الأساسي الذي شغل المخرج هو تأطير اللقطات أي تأطير اللقطة السينمائية لتصبح امتدادا فنيا يوصل الفن السينمائي باللوحة التشكيلية ليأتي التوليف، والتوليف هو منطقة الاخراج الفعلية بالنسبة لبنبركة، فيتم تركيب اللغة حيث تتجمع اللقطات / اللوحات وتلتحم لتنسج فيلما متماسكا، تربطه خيوط متعددة تذهب من المستوى التشكيلي الى الصوتي الى الدرامي، والمكان يحضر هنا وسط هذا الزخم التعبيري الفني لا كفضاء مؤثث لبنية الفيلم وانما شخصية فاعلة / مشاركة في صياغة الفضاء الفيلمي. فالمكان هنا هو الصحراء بكل فضاءاتها: الرمال، الحجارة، الواحة. المكان هو البيوت الواطئة المعتمة، بل المكان هو ذلك البيت الشامخ حيث تتداخل جدرانه مع حجارة المنحدر، الكاميرا تتنقل بنا بشكل متوجس نقرأ الأمكنة على بساطتها قراءة متأنية داخل وخارج حيزها العادي، وبالتالي أن تحيط بها بدون رتابة لأن وضوح القصة وعدم التوائها وكونها تتحرك في حيز لسيق بالمكان الكبير الذي هو الصحراء جعل من السهل ابراز دلالات الأمكنة التي بدا أن لكل منها غاية محددة.

منذ البداية ومع استعراض الجنيريك يخبر المشاهد من خلال اللوحة التشكيلية الثابتة أن الفضاء هو المحدد والمؤطر لأحداث القصة، إنه مكان صحراوي أو لنقل فضاء القصبات بمعمارها الهندسي الشامخ المنفلق على الزمان وفي المكان، ومن مشهد القصبة الرابضة فوق القمة، قمة رابية، نأكذ على حين غرة الى داخل بيت واطي، حيث الظلمة والفراغ الا من جسد امرأة يستعيد الذكرى الحلم أو لنقل الكابوس /مقتل الزوج والابن البارحة واستشراف المستقبل الغامق كلون الدم /مقتل الابن الثاني مستقبلا، الحلم هنا يصبح كابوسا يرتبط بالمكان أو بالواقع عامة، فهذا فرويد يقول: "إن الحلم مرتبط بالواقع وأن الحلم حقيقة، حقيقة صاحب الحلم، الحلم لا ينفصل إذن عن الواقع فهو قادر على إضاءة الواقع ". الحلم في الفيلم ليس لغزا كما تعودنا أن نجد في أغلب الأعمال الفنية وانما هو حدث واقعي تسلل الى نفسية البطلة، أو حلم لا لغز فيه واضح نحس منذ البداية أنه بمثابة نبوءة ستتحقق فيما بعد، وما يعاضد هذه النبوءة هو خواء وقسوة المكان وسلطته الفاعلة، فمكان الفيلم "الكبير" أو فضاؤه العام يفتقد للآمن والدف ء يفتقد الحب، وان كانت الحياة تنبث في كل الاشياء عندما تتجمع المتناقضات حسب باشلار، فإن متناقضات الشريط تبعث الكآبة، الخوف بل الموت ومع كاميرا المخرج يتكرس هذا الطرح من خلال مقاطع وصفية تستعرض أمكنة تستفز العين بقساوتها/ جماليتها تأخذنا الى الكثبان الرملية بصفاتها / جبروتها، الى الواحة المحصورة في حيز مكاني ضيق محفوف بالمخاطر رغم الخضرة: العقرب والأفعى، صور توجز بشكل بليغ وتحيلنا على العلاقات الاجتماعية المنسوجة بين الشخوص، يبدو الهدوء والسلام لكنه سلام بين الأعداء ورغم جمالية هذا الفضاء، وهو جميل بالفطرة (فالصحراء بيداء الشعراء). ورغم الامتداد اللانهائي والانفتاح باتجاه السماء، فالمكان يبدو معزولا منغلقا وضيقا، وعندما يريد المخرج تأطير بعض الأماكن المحدودة الحضور في هذا الفضاء الممتد من خلال كاميرا مدير تصويره المتميز جيرولامو لا روزا، فإن عملية التأطير هاته يراد من خلالها ابلاغنا بتراجيدية المكان، فبيت الحبيبة / الخطيبة زاوية تصويره غالبا ما تكون مأخوذة من الأسفل في محاولة لتأكيد موقع أصحابه الاجتماعي لكن انغراسه في صخر المنحدر وأ شجار الصبار التي تسيجه. تجعلنا نحس بأنه مصدر المأساة القا&#