|
مقدمة
: من
المعروف أن
رولان بارط
ظل يشكل الى
زمن قريب جدا
أحدى
المنارات
النقدية في
تاريخ النقد
الأوروبي
الحديث،
والفرنسي
على وجه
التحديد،
كما أنه شكل
منارة
بالنسبة
للنقاد
العرب الذين
تبنوا منهجه
وطبقوه، مرة
بنجاح ومرة
أخرى بطرق
تراوحت بين
النجاح
والفشل
الذريع. ومن
اللافت
للانتباه- مع
ذلك - أن
الكثير من
النقاد
العرب ربما
نسوا هذا
الناقد
الكبير
وتراثه
المهم الذي
نهلوا منه
لزمن طويل،
فسارعوا الى
تبني مناهج
ونظريات
جديدة أخرى،
ومن بين هذه
المناهج
والنظريات
نذكر على
سبيل المثال
لا الحصر : "السيميوطيقا"
(أو
السيميائيات
)
والتفكيكية،
و"الهيرمينوظيقا"،
و"نظرية
التلقي" وهي
مناهج أثبتت
كلها
نجاعتها وكفاءتها
النظرية
والتطبيقية. ونحن
هنا في هذا
الملف الذي
خصصناه
لرولان بارط
من خلال
ترجمة بعض
نصوصه _لا
نريد أن نعيد
الى الأذهان
بعضا من
اشراقات
رولان بارط،
ولا نريد
أيضا أن نفتح
قوسا فحسب،
لأن هذا
الناقد الفذ
لا تستوعبه
لا
الاشراقات
ولا تستنفده
الأقواس،
ولكننا نريد
من خلال ذلك
أن نستعيد
ذكراه لنؤكد
على الدور
الحيوي الذي
لعبا في
تطوير
المقاربات
النقدية
المعاصرة من
جهة، وعلى
ضرورة
الانصات
اليه مرة
أخرى من جهة
ثانية. أما
النصوص التي
ترجمناها
فهي ثلاثة :
دراستان
وهما : "الأدب
الموضوعي" و"الأدب
الأدبي"،
والنص
الثالث "حور
حول الأدب "،
وقد اقتطفنا
كل ذلك من
كتابه "محاولات
نقدية " الذي
يعتبر من
كتبه
الأساسية. ويتعلق
موضوع هذه
الدراسات -
بـ "الرواية
الجديدة "
التي شغلت
رولان بارط
كما يعلم
الجميع. في
الدراسة
الأولى اهتم
رولان بارط
بالرؤية
الموضوعية
للروائي "روب
غريي"
وعلاقتها
بالوصف
الروائي
وبالفنون
الأخرى،
خاصة من خلال
روايته "الممحاوات
"les
gommes. أما
الدراسة
الثانية فقد
اهتم فيها
بالشكل
الروائي
الذي هدم
البنية
الكلاسيكية
وذلك من خلال
رواية روب
غريي "الرائي"le
voyeur. وأما
الحوار فقد
حلل فيه
رولان بارط
بعض القضايا
النقدية
التي كانت
تهم المجال
الأدبي أو
مجال الموضة
التي أولاها
الناقد
عناية فائقة. أخيرا،
فإن ما نرجوه
هو أن نقدم
للقاريء
بعضا من
التراث
النقدي لرولان
بارط الذي
نشعر أننا
قصرنا
في
الاعتناء
به. الأدب
الموضوعي موضوعي
(ة )، صفة 0مصطلح
بصري.
فالزجاج
الموضوعي هو
زجاج
النظارات
الموجه الى
جهة الشي ء
الذي نريد
رؤيته (ليتري(Littre)) توجد
حاليا على
واجهة محطة
القطار
بمونبارناس
عبارة كبيرة
كتبت بحروف
النيون : "كيلومترات
سعيدة "،
وبعض حروفها
منطفيء
باستمرار. ان
هذا موضوع
جيد بالنسبة
لروب غريي،
وقريب من
قلبه، بسبب
أن النقط
التالفة
لهذه المادة
يمكن أن تغير
مواقعها من
يوم لآخر. ومثل
الأشياء
المهيأة
والمتحولة
جزئيا كثيرة
في أعمال روب
غريي، وبصقة
عامة فهي
مأخوذة من
الديكور
المديني (التصاميم
البلدية،
اللافتات
المهنية،
الاعلانات
البريدية،
وأسطوانات
الاشارة،
وشبابيك
العمارات،
وسطوح
الجسور)، أو
من الديكور
المعيشي (النظارات،
الأزرار
الكهربائية،
الممحاوات،
أبار يق
القهوة،
عارضات
الأزياء،
الأكلات
الجاهزة ).
أما الأشياء
"الطبيعية "
فنادرة (الأشجار
في الرؤية
الثالثة
المنعكسة
وذراع البحر
في طريق
العودة )،
وهي منتزعة
مباشرة وقبل
كل شي ء من
الانسان
والطبيعة
لتستعمل
كدعامات
لتأمل "بصري". كل
هذه الأشياء
توصف في
الظاهر بشكل
أقل نسبية مع
طابعها الذي
ليس له معنى،
أو طابعها
الوظيفي
الخاص على
الأقل. إن
الوصف عند
روب غريي هو
دائما
انطولوجي،
فهو يمسك
بالشي ء مثل
المرآة،
ويشكله
أمامنا
كمشهد، أي
أننا نمنحه
الحق في أخذ
وقتنا دون
تفكير في
النداءات
التي يمكن أن
تسردها
جدلية السرد
الى هذا
الموضوع
المفضوح. ان
الشيء موجود
هنا، وهو
يملك الحرية
نفسها في
الانتشار
متله مثل أي
مشهد
بلزاكي،
ودونما حاجة
الى ضرورة
نفسية.
والخاصية
الأخرى لهذا
الوصف انا
ليس ايمائيا
البتة، فهو
يقول كل شي ء
ولا يبحث في
مجموع
الخطوط
والمواد، عن
هذه الصفة
التي تدل
بشكل مختصر
على الطبيعة
الكلية
للشيء (رأسين
: "في الشرق
الخالي، كيف
صار ضيقي"،
أو فيجو: "لندن
اشاعة تحت
سحابة دخان ")
إن كتابة روب
غريي ليس لها
حجم، وليس
لها سمك أو
عمق. فهي تظل
عند سطح الشي
ء، وتجوبه
كذلك، دون أن
تعطي أهمية
لاحدي
مميزاته.
إنها إذن
نقيض
الكتابة
الشعرية.
فالكلمة لا
تنفجر هنا،
ولا تنقب،
ونحن لا
نعطيها
وظيفة
الخروج
مسلحة كليا
أمام الشي ء،
لكي تبحث في
قلب عادته عن
اسم غامض
يختصرها.
اللغة هنا
ليست
اغتصابا
ليم، بل هي
امتداد لسطح
كذلك. إنها
مكلفة بـ"تلوين
"
الشيء، أي
بلمسه،
وبتقديم -
بالتدريج
وعلى طول
فضائه -
سلسلة من
الاسماء
المتنامية
لا يمكن لأي
اسم أن
يستنفده. هنا
يجب أن ننتبه
أن دقة الوصف
عند روب غريي
في علاقة لها
بالانجاز
الحرفي
الواقعي،
فالواقعية
التقليدية
تجمع
الخصائص
بناء على حكم
ضمني،
والأشياء
ليس لها
أشكال فحسب،
بل ولها أيضا
روائح
وخصائص
ملموسة
وذكريات
وتماثلات،
وباختصار
فهي تعج
بالدلالات
ولها ألف
صيغة
لادراكها.وهي
ليست بلا
عاقبة ما
دامت تجلب
فعلا
انسانيا هو
اما النفور
أو اللذة
أمام هذه
التوفيقية
الحسية
الفوضوية
والموجهة في
الوقت ذاته،
يفرض روب
نظاما وحيدا
للاستيعاب
هو الرؤية،
فالشيء ليس
هنا مسكنا
للعلاقات أو
الأحاسيس
والرموز
الكثيرة،
إنه فقط
مقاومة
بصرية. ان
هذا الرفع من
قيمة البصري
يؤدي الى
نتائج فريدة.
ومن هذه
النتائج،
بدءا، أن
الشي ء عند
روب غريي ليس
له عمق، فهو
لا يحمل قلبا
تحت سطحا (والدور
التقليدي
للأديب كان
لحد الآن هو
رؤية أسرار
الأشياء خلف
السطح )، كلا
فالشي ء هنا
لا يوجد خارج
ظاهرته، فهو
ليس مكررا
ولا
مستعارا،
ولا يمكن أن
نقول أنه
لحيف، والا
فاننا سنكون
في حضن
الطبيعة
الثنائية. ان
الدقة التي
يعتمدها روب
غريي في وصف
الشي ء ليست
مقاربة
هادفة، فهي
تذيب الشي ء
كليا بحيث
بمجرد أن
يوصف مظهره
يكون قد
استنفد. واذا
ما تخل عنه
الكاتب فليس
نزولا عند
حاجة
بلاغية، بل
لأن الشي ء
ليست له من
مقاومة إلا
مقاومة
سطوحه،
وبمجرد ما
يتم اجتياز
هذه السطوح
يجب أن تنسحب
اللفة من
استثمار لا
يكون الا
غريبا عن
الشي ء، وعن
قانون الشعر
أو الفصاحة -
ليس الصمت
عند روب غريي
عن الكنه
الرومانطيقي
للأشياء
صمتا
ايحائيا أو
تقديسيا،
ولكنه صمت
يذيب بشكل
نهائي حدود
الشي ء، لا
ما بعده.
فقطعة
الطماطم
الموضوعة
على
ساندويتش
والموصوفة
حسب طريقة
روب غريي
تشكل موضوعا
عنيدا
منطويا
بصرامة في
نظام
جزئياته،
ولا يوحي بشي
ء آخر إلا
بنفسه، ولا
يقود قارئه
الى موضع آخر
وظيفي أو
مادي، فسر "الشرط
الانساني هو
الوجود هنا".
فروب غريي
يذكرنا
بكلمة هيدجر
هذه التي
قالها بصدد
في انتظار
غودو. إذن
فأشياء روب
غريي أيضا
صممت لتكون
هنا، وكل فن
الكاتب هو أن
يعطي للشيء "وجودا
هنا" وأن
ينزع عنه "أن
يكون شيئا
آخر". اذن
فليس للشي ء
عند روب غريي
لا وظيفة ولا
مادة، أو
بعبارة أوضح
فالوظيفة
والمادة
كلاهما
تمتصهما
الطبيعة
البصرية
للشي ء، وهذا
مثال
بالنسبة
للوظيفة :
فعشاء السيد
ديبون جاهز:
إنه قطعة
جاسبو. تلك
على الأقل
علامة كافية
للوظيفة
الغذائية،
لكن روب غريي
يضيف قائلا "فوق
طاولة
المطبخ هناك
ثلاث قطع
رقيقة من
الجامبو
مبسوطة في
صحن ".
فالوظيفة
هنا قد تم
تجاوزها
بالشي ء
نفسه،
فالرقة
والبسط
واللون تشكل الغذاء
أقل مما تشكل
فضاء مركبا.
واذا كان
الشي ء هنا
يشكل وظيفة لشيء
ما فليس لما
يقصد منه (أن
يؤكل )، بل
يشكل وظيفة
لمساره
البصري،
مساره الذي
تكون خطواته
انتقالا من
شي ء الى آخر
ومن مسافة
الى أخرى. ان
طبيعة
التقنية اذا
جاز لنا
القول، هي
دائما ظاهرة
بشكل مباشر،
فالسندويتشات
أغذية،
والممحاوات
أدوات
للمسح،
والجسور
بناءات
للعبور.
فالشي ء ليس
غريبا أبدا،
فهو جزء في
مستوى
الوظيفة
الضرورية،
من ديكور
مديني أو
معيشي. غير
أن الوصف يصر
على أن يكون
أبعد. ففي
الوقت الذي
ننتظر فيه أن
يتوقف حين
يستنفد الشي
ء، يأخذ هو
بطريقة أخرى
آخر نوطة
الأرغن
الشاذة
قليلا ويحول
الشي ء الى
فضاء. إن
وظيفته ليست
إلا وهمية،
فمساره
البصري هو
الحقيقي،
وانسانيته
تبدأ مما بعد
استعماله. انه
التحويل
الفريد
للمادة،
ويجب
التذكير هنا
بأن "حس " ensthesie
المادة
كامن في عمق
كل احساس
رومنطيقي (بالمعنى
العميق
للكلمة ). وقد
بين ذلك جان
بيير ويشار،
بصدد فلوبير
وكتاب آخرين
من القرن
التاسع عشر،
في دراسة
ستصدر قريبا.
فعند الكاتب
الرومنطيقي
يمكن معالجة
موضوع
المادة،
وذلك في
الحالة التي
لا يكون فيها
الشي ء بصريا
بالنسبة
اليه، بل
ملموسا، هذا
يجذب قارئه
ال تجربة
مستوية
للمادة (اشتهاء
أو غثيانا).
وعلى العكس،
عند روب
غريي،
فاستثمار
البصري
والتضحية
بكل خصائص
الشي ء لصالح
وجوده "السطحي"
(يجب الاشارة
هنا الى
انعدام
الاهتمام
بالتقليدي
بهذه الصيغة
من الرؤية )
يلغي كل
التزام
مزاجي إزاء
الشي ء.
فالنظرة لا
تنتج أي فعل
وجودي إلا
إذا كان من
الممكن أن
يختصر في
أفعال اللمس
والهضم أو
الطمر، لكن
روب غريي لا
يسمح أبدا
بتجاوز
البصري
للحشوى، فهو
يقطع بعنف
البصري عن
ابدالاته.
انني لا أرى
في أعمال روب
غريي إلا
استعارة
واحدة، أي
صفة واحدة
للمادة،
تنطبق فقط
على الشي ء
التحليل _
نفسي فقط في
أعماله رقة
الممحاوات (إنني
أريد ممحاة
رقيقة ).
وخارج هذا
الوصف
الملموس
الذي تعبر عن
المجانية
العجيبة
للشي ء التي
تعطي
العنوان
للكتاب
كفضيحة أو
كلغز، توجد
نقطة
المضمون عند
روب غريي،
ذلك لأن
الادراك
البصري الذي
يعم كل مكان،
لا يمكن أن
يؤسس لا
تطابقات أو
اختزالات،
بل فقط
توازيات. بهذه
الاستعانة
المستبدة
بالرؤية
يقترح روب
غريي نفسه
بدون شك لقتل
الشي ء
الكلاسيكي.
إن المهمة
صعبة، ذلك
لأننا، ودون
انتباه منا،
نعيش أدبيا
في تألف مع
العالم، هو
تآلف عضوي لا
بصري. إن
الخطوة
الأولى لهذا
القتل
البالغ
الدهاء هي
عزل الأشياء
ونزعها من
وظائفها
وذواتنا. ولا
يترك لها روب
غريي إلا
روابط
موقعية
وفضائية
سطحية. إنه
يجردها من كل
إمكانية للاستعارة
وينزعها من
شبكة
الاشكال أو
الحالات
المماثلة
التي اعتبرت
دوما حقلا
متميزا
للشاعر (ونعرف
جيدا لحم
أعدت أسطورة
"السلطة "،
الشعرية
أنظمة
الابداع
الأدبي). لكن
أصعب ما يمكن
قتله في
الشيء
الكلاسيكي
هو إغراء
الصفة
الفريدة
والشاملة (الجشكطية
اذا جاز
القول ) التي
تنجح في ربط
كل أواصر الشيء
الميتافيزيقية
(في الشرق
الخالي ). وما
يقصد روب
غريي تدميره
هو الصفة
إذن، فالصفة
ليست عنده
الا صفة
مكانية،
موقعية، وهي
ليست في جميع
الأحوال
تماثلية.
واذا كان يجب
نقل هذا
التعارض الى
ميدان الرسم
(مع أخذ
التحفظات
التي يفرضها
هذا النوع من
المقارنة
بعين
الاعتبار)،
فانه
بالامكان أن
نعطي كمثال
عن الشيء
الكلاسيكي
هذه الطبيعة
الميتة
الهولندية،
حيث إن دقة
التفاصيل
تحتويها
كليا، الصفة
المهيمنة
التي تحول كل
مواد الرؤية
الى احساس
وحيد من
النوع
الحشوي. إن
اللمعان
مثلا هو
النهاية
المتجلية
لكل
التكوينات
الكثيرة في
الفن
الهولندي
مثل المحار
والزجاج
والخزف
والمعدن. إن
هذا الرسم
يحاول منح
الشيء صفة
شفافة بالغة
الرقة. إنه
هذا المنحدر
الرفيع نصف
البصري ونصف
المادي الذي
نقحمه فينا
عن طريق نوع
من البعد
السادس،
العضوي لا
السطحي. وكأن
الرسام قد
توصل الى
تسمية الشي ء
باسم دافي ء
ومدوخ
يتلقفنا
ويجذبنا الى
استمراره،
ثم يورطنا في
غطاء سطح
متجانس
ومادة
مثالية
مشكلة من
نوعيات كل
المواد
الممكنة
التفضيلية.
وهنا يكمن
أيضا سز
البلاغة
البودليرية
الرائعة حيث
كل اسم معجل
بالأنظمة
الأكثر
اختلافا.
يودع إتاوته
من
الاحساسات
المثالية في
قباضة
مسكونة
وكأنها تشع
بالمادة. ان
الوصف عند
روب غريي على
العكس من ذلك
يشبه الرسم
الحديث (بالمعنى
الواسع
للكلمة )،
وذلك من حيث
إن هذا
الأخير قد
تخلى عن
الترصيف
المادي
للفضاء،
ليقترح
قراءة
متزامنة
للتصاميم
التصويرية،
وليعيد
للشيء "نحافته
الأساسية "
إن روب غريي
يحطم في
الشيء
هيمنته
لأنها
تقايضه في
هدفه
الرئيسي
الذي يتلخص
في إدراج
الشي ء ضمن
جدلية
للفضاء الذي
لا يكون
أوقليديا،
ثم ان الدقة
التي
بواسطتها
يوضع الشيء
باخضاعه الى
نوع من
الاكثار في
السطوح،
والتي
بواسطتها
تحقق مرونة
رؤيتنا
لجانب
مقاومة
شديدة
الضعف،
ليسرع لها
أية علاقة
بالهم
الكلاسيكي
في تسمية
اتجاهات
اللوحة. ويجب
أن نتذكر أن
اللوحة في
الوصف
الكلاسيكي
هي دائما عرض
وأنها مكان
غير متحرك
ثابتة
الأزل، وأن
المشاهد (أو
القاريء) قد
أوكل الى
الرسام كي
يتحرك حول
الشي ء
ويستطلع
بنظرة
متنقلة
ظلاله و"
موقعه " (بتعبير
بوسان (pouss':nb،
ويعيد
له تزامن كل
المقاربات
الممكنة. ومن
هنأ تنبع
السيادة
الخيالية "لظروف
" المشاهد (المعبر
عنها با
سمانية
التوجهات :
يمينا يسارا..
امام..خلفا..)
فالوصف
الحديث،
وعلى الأقل
وصف الرسم،
عل العكس من
ذلك، يثبت
الرائي في
مكانه، ثم
يفك العرض
ويوظبه مرات
عديدة
ليلائم
نظرته. وقد
سبق لنا أن
لاحظنا أن
أقمشة الرسم
الحديثة
تخرج من
الحائط،
وأنها تأتي
الى المشاهد
وتحاصره
بفضاء عدائي.
ان اللوحة
ليست "موقعا"
بل هي "شيء
يعكس " (كما
يمكن أن نقول
). وهذا
بالضبط
الأثر الذي
تملكه أوصاف
روب غريي.
فهي تنطلق
فضائيا،
وينفك عنها
الشي ء دون
أن يضيع مع
ذلك أثر
مواقعه
الأولى، ثم
يصير عميقا
دون أن يكف
عن أن يكون
سطحا. وهنا
نتعرف على
الثورة
نفسها التي
حققتها
السينما في
مجال
انعكاسات
الرؤية. في
"الممحاوات
" les
go-nmes كان
روب غريي
مالكا
للأناقة في
اعطاء مشهد
يصف فيه بشكل
مثالي كل
علاقات
الانسان
والفضاء
الجديد.
فبونة " bonna
يجلس
وسط غرفة
عارية
وفارغة،
ويصف الحقل
الذي يرده :
هذا الحقل
الذي يشمل
زجاج
النافذة
نفسها التي
يتحدد خلفها
أفق السطوح،
والذي يتحرك
أمام
الانسان
الجامد،
فيخرج عن "أوقليديته
" في الحال.
لقد أعاد روب
غريي هنا
انتاج
الشروط
التجريبية
للرؤية
السينمائية :
فالغرفة
المكعبة
الشكل هي
الصالة،
وعريها هو
ظلامها
الضروري
لانبثاق
النظرة
الثابتة،
والزجاج هو
الشاشة
المسطحة
والمفتوحة
في نفس الوقت
على كل أبعاد
الحركة، حتى
على أبعاد
الزمن. لكن
كل هذا لا
يعطي في
العادة كما
هو، فالألة
التصويرية
لروب غريي هي
في جزء منها
آلة مخادعة.
ويمكن أن
نمثل لذلك
التطبيق
البارز حين
يبدأ في
ترتيب عناصر
اللوحة حسب
التوجه
الكلاسيكي
للمشاهد
المتخيل،
فروب نمريي
صكه مثل أي
كاتب تقليدي
ينوع
الاتجاهات "يسارا"
و "يمينا"،
وقد رأينا
دورها
المحرك في
التأليف
الكلاسيكي
غير أن هذه
المصطلحات
الظرفية
الخالصة لا
تصف في
الحقيقة أي
شي ء، فلفريا
هي أوامر
اشارية،
وسمكها ليس
أكثر من سمك
الرسالة
السيبرنطيقية.
وقد كان هذا
بلا شك أكبر
وهم في
البلاغة
الكلاسيكية
من حيث إننا
نظن أن
التوجيه
الكفظي
للوحة يمكن
أن تكون له
سلطة ما
للايحاء أو
التقديم. ثم
ان هذه
المفاهيم
أدبيا، أي
خارج النظام
الاجرائي هي
مفاهيم
ثابتة، أي
غير مفيدة
حرفيا، وليس
لها من تبرير
الا لتبرير
الثبات
المثالي
للمتفرج. واذا
كان روب غريي
يستعملها
برؤية
الحرفي
البارع،
فلغرض
السخرية من
الفضاء
الكلاسيكي،
ويهدف تفتيت
تصلب المادة
وتبخيرها
تحت ضغط فضاء
مبني بشكل
كاف. إن
مختلف
تدقيقات روب
غريي وشففه
بالطوبيونمرافيا،
كل هذه الآلة
الهدف منها
تحطيم وحدة
الشيء بوضعه
في موضع بشكل
مبالغ فيه،
أي بشكل تفرق
فيه المادة
أولا تحت
ركام الخطوط
والتوجهات،ويصل
تعسف السطوح
التي تملك
أوصافا
كلاسيكية
تاليا الى
تفجير
الفضاء
التقليدي كي
تستبدله
بفضاء آخر،
يملك كما
سنرى عمقا
زمنيا..
واجمالا
فالعمليات
الوصفية
لروب غريي
يمكن
اختصارها
هكذا: تحطيم
بودلير
بالاستعانة
الساخرة
بلاما رتين،
ويهذا الفعل
يقع تحطيم
لامارتين (هذه
المقارنة
ليست مجانية
إذا سلمنا
بأن حسنا
الأدبي موجه
وفق نظرة
لامارتين
للفضاء).إن
تحليلات روب
نمريي
الدقيقة
والمتأنية
لدرجة أنها
تظهر وكأنها
تسخر من
بلزاك أو
فلوبير من
خلال
تدقيقها
الكبير،
تفسد الشي ء
باستمرار،
وهاجم هذه
الرقة
الوصفية
التي يضعها
الفن
الكلاسيكي
في اللوحة
ليجذب قارئه
صفته (اللمعان
الهولندي،
القفر
الواسيني،
المادة
التفضيلية
لبودلير). ان
روب غريي
يتابع هذه
القدرية،
فيصير
تحليله
عملية لا _
مختمرة، حيث
يجب أن يحطم
بأي ثمن
قوقعة الشي
ء، وأن يمسك
به مفتوحا
ومستعدا
لتقبل بعده
الجديد:
الزمن. ولكي
ندرك
الطبيعة
الزمنية
للشي ء عند
روب غريي
لابد من
متابعة
التحولات
التي يلحقها
به ومن وضع
تعارض بين
الطبيعة
الثورية
لمحا ولته
وقواعد
الوصف
الكلاسيكي.
وبلا شك، فان
هذه الأخيرة
عرفت كيف
تخضع
أشياءها
لقوة
التدهور،
وبدقة أكثر،
فكان الشي ء
الذي منذ زمن
طويل تشكل في
فضائه أو
عادته،
يواجه فيما
بعد ضرورة
منزلة من
الملكوت
العلوي.
فالزمن
الكلاسيكي
ليس له من
صورة أخرى
غير صورة
المحطم
النموذجي (كرونوس
ومنحله ).وسواء
عند بلزاك أو
فلوبير أو
عند بودلير،
أو حتى عند
بروسة نفسه (ولكن
بشكل مقلوب )
يحمل الشي ء
ميلودراما،
فهو يتدهور
فيختفي أو
يجد مجدا
نهائيا. وعلى
العموم فهو
يشارك في
عقائديات
حقيقية
للمادة.
ويمكن القول
أن الشي ء
الكلاسيكي
ليس أبدا الا
مثالا
نموذجيا
لخرابه
الأصلي، وهو
الأمر الذي
يدفعنا الى
جعل الجوهر
الفضائي
للشيء في
مقابل الزمن
اللاحق (الخارجي
إذن لم الذي
يشتغل
كالقدر وليس
كبعد داخلي. إن
الزمن
الكلاسيكي
لا يلتقي
بالشيء سوى
ليكون
كارثته أو
انهيار".
وروب غريي
يعطي
لأشيائه
نوعا مختلفا
جدا من
التحول. انه
تحول صيرورته
غير الظاهرة.
فالشي ء
الموصوف في
مرحلة أولى
وفي لحظة من
لحظات
المسار
الروائي
يعود الى
الظهور بعد
ذلك مصحوبا
بفارق يدرك
بالكاد، لأن
هذا الفارق
ذو طبيعة
فضائية
موقعية (مثال
: ما يكون على
اليمين يصبح
على اليسار). فالزمن
يفكك الفضاء
ثم يشكل
الشيء
كمتتالية من
القطع يغطي
بعضها بعضا
بشكل كلي
تقريبا. وفي
هذا "التقريب
" الفضائي
يوجد البعد
الزمني للشي
ء. فالأمر
يتعلق اذن
بنوع من
التحول نجده
بشكل فج في
حركة صفائح
فانوس سحري
أو في أشرطة
الرسوم "الساحرة
". يمكننا
أن نفهم الآن
الداعي الذي
من أجله كان
روب غريي
دائما
يستعيد الشي
ء بشكل بصري
خالص :
فالمعنى هو
الحس الوحيد
الذي يكون
فيه
المتواصل هو
مجموع حقول
صغيرة جدا،
لكن كاملة،
والفضاء لا
يمكن أن
يتحمل الا
التحولات
المنجزة،
والانسان لا
يشارك أبدا
بصريا في
السيرورة
الداخلية
للتدهور حتى
في حالتها
التجزيئية
الى أقصى حد،
فهو لا يرى
الا الآثار.
واذن
فالمؤسسة
البصرية
للشيء هي
الوحيدة
التي يمكن أن
تشمل في
الشيء زمنا
منسيا يدرك
بآثاره وليس
بمدته، أي
زمنا مجردا
من القدرة
على التأثير. ان
كل مجهود روب
غريي هو اذن
انه ابتكر
للشي ء فضاء
مصحوبا من
قبل بنقط
تحولاته
بشكل أنه
يتقك أكثر من
أن يتدهور.
ولكي نستعيد
المثال
السابق،
فالكتابة
بالنيون في
محطة
مونتيرناس
يمكن أن تكون
شيئا جيدا
بالنسبة
لروب غريي في
حدود أن
المركب
المقترح هنا
هو من طبيعة
بصرية
خالصة، وأنه
مكون من عدد
معين من
المواقع ليس
لها من حرية
سوى حرية
الاستنساخ
أو التبادل.
ويمكننا من
موقع آخر
أيضا أن
نتصور أشياء
سمجة بطريقة
روب غريي،
وسيكون ذلك
مثلا قطعة
السكر
المبللة
بالماء
والتي تذوب
تدريجيا (ومن
ذلك استخرج
علماء
الجغرافيا
صورة
التضاريس
الصلصالية ).
وهنا فان
التقهقر
نفسه سيكون
غير متطابق
مع هدف روب
غريي ذلك
لأنه لا يعيد
زمنا منذرا
ومادة
معدية، وعلى
العكس،
فأشياء روب
غريي لا تخلق
فسادا أبدا،
انها تخادع
أو تختفي،
فالوقت ليس
أبدا تدهورا
أو كارثة،
انه فقط
تبادل
للموقع أو
غطاء
للعناصر. وقد
أشار روب
غريي في
رؤيته
المنعكسة أن
الحوادث
الانعكاسية
هي التي تعرض
لهذا النوع
من القطيعة،
ويكفي أن
نتخيل أن
التغيرات
الثابتة
التوجيه
والناتجة عن
التفكير
النظري يمكن
أن تتحلل
وتتشتت على
امتداد مدة
لكي نحقق فن
روب غريي
بالذات. لكن،
وهذا شي ء
واضح، فان
الدمج
الكامن
للزمن في
الرؤية
للشيء هو فعل
غامض،
فأشياء روب
غريي لها بعد
زمني، لكنها
لا تملك
الزمن
الكلاسيكي.
فزمنها غير
مألوف، زمن
مجاني، يمكن
أن نقول إنه
أعاد اليه
زمنا
مستدركا، أو
على الأصح
أعاد اليه
الحركة بلا
زمن. وليس
لدينا النية
هنا أن نعرض
للتحليل
الاستدلالي
للممحاوات،
ويجب أن
نتذكر جيدا
مع ذلك أن
هذا المؤلف
هو تاريخ
لزمن دائري
ينفي نفسه
بنفسه بشكل
من الأشكال
بعد أن يقود
الناس
والأشياء في
مسار
ويتركهم في
نهايته
تقريبا
وكأنهم في
حالة البدء.
كل هذا يحدث
وكأن
التاريخ طه
ينعكس على
مرآة تضع في
اليسار ما
كان على
اليمين
والعكس،
وذلك على نحو
لا يكون تحول
"القصة " فيه
الا انعكاسا
لمرآة موزعة
على أربع
وعشرين ساعة.
وبالطبع
فلكي تكون
اعادة
الالتصاق
معبرة يجب أن
تكون نقطة
البداية
فريدة. ومن
هنا فان
الدليل ذد
المظهر
البوليسي أو
القريب من
الرؤية
النظرية
يكون هو تحول
هوية جثة ما. نحن
نرى أن دليل
الممحاوات
نفسه لا يعمل
سوى على
تضخيم هذا
الزمن
الممحي أو (المنسي
) الذي أصبغه
روب غريي على
أشيائه،
وهذا ما يمكن
تسميته
بالزمن _
المرآة،
الزمن
النظري.
وسيكون هذا
الأمر أكثر
وضوحا في
طريق العودة
حيث يمثل
الزمن
الفلكي زمن
المد والجزر
الذي يغير
المحيط
الأرضي
بلسان يجري،
الحركة
ذاتها التي
تتبع الشيء
المباشر
برؤيته
الانعكاسية
ثم تجمعها.
ان المد
والجزر
يغيران
الحقل
البصري
للمتجول
معلما يعكس
التفكير
اتجاه
الفضاء. فقط
عندما يتحقق
المد يكون
المتجول في
الجزيرة
غائبا عن مد
التحول ذاته
ويكون الزمن
بين قوسين.
ان هذا
الغياب
المتناوب هو
في الحقيقة
الفعل
المركزي
لتجارب روب
غريي: أن
يغيب
الانسان عن
صنع أو عن
صيرورة
الأشياء
وتشيىء
العالم
أخيرا. إن محاولة روب غريي هي محاولة حاسمة باعتبار أنها تهجم على مادة الأدب التي مازالت تتمتع بامتياز كلاسيكي تام : هو الش& |