القصيدة العربية الجديدة في سورية
عقد الثمانينات.. افتراق وتحول


حسان عزت (كاتب وشاعر من سوريا)


إذا قلنا قصيدة الثمانينات في سورية ، أو قلنا قصيدة النثر فيها، فما الذي سيعصمنا من متاهة التعميم ويجعلنا نطرح مصطلحا لا يشي بنقيضه ،ولا يوقع الأشياء في الأشياء.. ويجعلنا نقارب حالة محددة لا تقع وما يخالفها على الصعيد نفسه ؟ واذا كانت الساحة الشعرية العربية في

بسورية ولبنان والعراق قد شهدت تعايش الأشكال الشعرية كلها منذ أواسط الخمسينات وحتى الآن فكيف نفرق بين قصيدة وقصيدة ومستوى ومستوى آخر من الشعر وقد اتهم كل فريق خصومة بالكتابة النمط ، والقصيدة الواحدة المكتوبة من الجميع .. أي بفقدان الملامح والخصوصية .. والاستسهال . وسيادة الشكل وعمومية المعنى..

ونحن نقرأ القصيدة العربية الجديدة في عقد الثمانينات ، لابد لنا من التدقيق في المصطلح ، الذي أصبح غائما على صعيد النقد والمتابعة ، فما الذي نقصده بمصطلح القصيدة الجديدة ،، ولماذا بعقد الثمانينات وأي قصيدة نريد؟ وهل يمكن تناول ذلك بعيدا عن النظر في محدثات الحياة العربية ومتغيراتها على صعيد الحضور الجماهيري والفعل الثقافي ، والمناخ الحامل في الساحة العربية عموما والسورية خصوصا؟ لأن الشاعر مهما بلغ من درجة الحساسية والتطرف لا يمكن أن يكون منعزلا عن حركة المجتمع والتفاعلات الثقافية والفكرية والفنية فيه ، بخاصة أن الشاعر في المحصلة النهائية ومهما بلغ من تفكير في مسألة نفض اليد من نظريات الجمهور، والمنبر، والخطاب العام والفرق في مسائل الفن والأدب ونظريات الفن للفن أو الأدب للادب فإنه سيمثل الوجدان المرهف والحساسية القصوى تجاه مشكلات الحرية والكرامة والعدل والجمال والتابو بأشكاله المختلفة .. وبذلك سيمس وجدان الجمع الباحث أيضا عن عدل وكرامة وحرية وعيش أفضل . . وفي دراسة تتعرض للقصيدة والشعر في عقد ما من السنين ، فلابد من التعرض للمسألة النقدية من هذا الشعر والعلاقة مع الاعلام بما له من فعالية وتأثير كبير في الناس والذوائق وعلاقة الايصال والتواصل مع الجماهير.

وفي الوقت الذي أتيح فيه الكثير من النقد والقراءات النقدية للتجارب الشعرية في عقود الخمسينات والستينات والسبعينات في سورية ، فإن قصيدة الثمانينات مازالت بحاجة الى جدية أكبر من حيث الدراسة النقدية ، والتحليل والغربلة والتصفية للوصول الى النماذج الرئيسية في هذه القصيدة والى معرفة الأصوات الجادة والموهوبة فيها، كذلك الوصول الى جماليات ومكونات ونسج ومعايير الاختلاف بينها، وبين غيرها من القصائد.. ومعرفة مدى علاقتها بالتراث الشعري العربي القريب والبعيد.

وفي الوقت الذي ظهر فيه الكثير من الكتب النقدية الجادة والعابرة التي تبحث في الشعر السوري منذ الخمسينات ، وحتى السبعينات من حيث الواقعية أو الرومانسية والأشكال والايديولوجيا.. والعلاقة مع المدينة ، وشعر الأصالة ، وشعر الريادة ، وشعر الاحتراق .. فالكتب التي رصدت شعر الثمانينات لا تكاد تبين إن كان هناك من كتب بل دراسات على درجة من الموضوعية والعمق (1).

إن القصيدة والشعر والفن بعامة بدون الوسط الكامل والفاعل ، بدون النقد وفعالية التذوق والحوار حوله .. بدون الجمهور الذي يتفاعل ويتذوق ويقرأ، سيصير مثل السمك بدون ماء سرعان ما يختنق لأن التفاعل والاهتمام والجدية كل ذلك مثل الهواء والماء الضروريين للشعر والشاعر، أساس الحياة وشروط التنامي والخلق .

الثمانينات والمأزق الصعب :

إذا كان من قدر الشعرية العربية فيما بعد الحرب العالمية الثانية أن تشهد حضور الجماهير وفعالياتها وحضور الأندية الثقافية والفكرية والاجتماعية والسياسية وفعالياتها،وحضور الصحافة والمجلات والمناخ الحامل للفعل والتفاعل والأصداء.. كذلك على أصعدة المؤسسات التعليمية الثانوية والجامعية والفكرية(2)  ، فقد جاء تأسيسها بعد الاستقلال الوطني (3) . ليكون عطاؤها في شبابه .. ففي مراحل التأسيس الأولى ستكون الدهاء حارة ، والأنشطة موفورة ، والحركة غير محكومة بقيود الرقابة المشددة ، والأحكام الصارمة ، والبيروقراطية الخائفة المستندة الى قوانين وتشارين وأسانيد وحواش وهوامش وملاحق وأوامر لكل حركة ومكنة ، وبسبب النهوض الاجتماعي والحرية الوليدة شهدت الأربعينات والخمسينات والستينات حتى أواسط السبعينات حضور الشعر وفعاليته العالية ، وحضور الحياة بكل تناغما تها وخلقها، واصطراع تيارات الفكر والفن والسياسة فيها، وحتى هزيمة 1997 لم تؤثر كثيرا على الفعل ولم تحبط كثيرا حركة الحياة ، بل على العكس مما أشاع اليائسون ، كانت محرضا لفعل نوعي، وصوت أعلى في المطالبة بالديمقراطية والكرامة والمشاركة وكان الشعر على أعلى ما يكون من تنام وتفاعل وحضور(4).

أما في الثمانينات وبعد اجتياح بيروت وخروج مصر من الصف العربي في أواسط السبعينات ، وتشو ذم المقاومة الفلسطينية وانسياحها في الأقطار البعيدة . وهجمة الحصار الغربي على سورية وليبيا، وما سمي الحرب اللبنانية اللبنانية ، والعراقية الايرانية ، واليمنية اليمنية بعد حرب الخليج الثانية ، فبدل أن يشكل كل ذلك أرضا خصبة لحضور الشارع العربي الشعبي فقد كان الوقع قاسيا ومريعا الى درجة انحسرت فيها الجماهير عن شوارعها وساحاتها، وسقطت الشعارات التي ارتفعت لسنين عديدة فأسندت وعيا وأحجبت حلما، وانكفأ الفعل الى هوامش الحياة اليومية ، وتأمين اللقمة والصراع المرير في المشكلات المستحكمة في المدن والازدحام .. السكن ،، المواصلات .. المعاش .. فالمطلب الجمالي أصبح هامشيا، والمطلب القومي أصبح باهتا، والمطلب الأممي أصبح بلا إطار، فقط أصبح الجهد طه مستنزفا والجهد والخيال والجسد كله موظفا لتأمين القليل ، والتوازن في أيام تشبه الطوفان .. ولا طوفان يميت ثم يحيي من جديد.. فهل تكتب القصيدة المرجحة ذات التقاليد العريقة والرجع البعيد.. وهل ثمة وقت للقراءة والفن وتنمية الوجدان ؟ لقد انحدرت الموسيقى والأغنية ،وانحدرت الحياة الفكرية والثقافية ، وأغلقت مجلات عربية تباعا وساد الصمت والوجوم والانتظار (5) وتفرق الشعراء والمثقفون والمفكرون أيدي سبأ.. هل نقدم احصاءات أو نجمع شهادات أو نقدم رصدا لحالات الأفراد والجماعات منهم ؟ كأن العطب وصل الى عمق الخلية .. إن ما حدث من أمور خطيرة في الحياة العربية والقطرية ، وانعكاس ذلك على الوجدان يجعل مسألة استيعابها أشبه بالمستحيل بخاصة من أجيال جديدة يجعلها الاعلام اليومي، وما يقدم على صعيد المؤسسات التعليمية في حالة من الغربة والاغتراب والضياع .. بحيث تبدو همومها اليومية وحاجاتها الواهنة ومشكلاتها الخاصة هي المحور الأساسي في شعرها وغنائها، بل في بحثها الخاص لايجاد المنافذ والبرهات التي تمثلها، ولا قضايا كبرى لها، أو مشاريع أمة مجسدة لطموحاتها.

قصيدة النثر تحديدا:

طالما أن القصيدة التقليدية قد أشبعت دراسة وتنظيرا وطالما أن ما كتب عن قصيدة التفعيلة ، أو الشعر الحر لم يعادله شي ء في حياتنا العربية المعاصرة ، فكتب الدراسة أكثر من أن تحصى سواء على صعيد الحركة الشعرية الجديدة بعامة أو على صعيد أصوات البارزين فيها من نازك الملائكة والبياتي  والسيابي وحتى خليل حاوي (6) وطالما ان هذين الشكلين من الكتابة الشعرية مازالا يتعايشان معا الى الآن ، وان أصبح انزواء قصيدة التقليد شبه مؤكد بعد غياب أبرز شعرائها.. أو بلوغهم من الكبر عتيا.. وقد بقي الاهتمام بها إعلاميا فقط في المناسبات لأنها الأكثر توظيفا للدعاوى السياسية .. أما بالنسبة لقصيدة التفعيلة فإنها مازالت في الحضور بعد، لكل ذلك ولتحول الكثيرين من كتاب قصيدة التفعيلة الى قصيدة النثر (أدونيس ، محمد عمران ، سليم بركات ، عباس بيضون ، الياس لحود، بول شاؤول وغيرهم ) أو مراوحة بعضهم بين التفعيلة وقصيدة النثر، ولسيادة قصيدة النثر بدءا من أواسط الثمانينات سيادة شبه مطلقة وظهورها في أطراف الوطن العربي من المغرب وحتى اليمن والحجاز.. فإن القصيدة الجديدة التي عنينا في عنوان الدراسة هي قصيدة النثر العربية في سورية في عقد الثمانينات خصائصها وأبرز شعرائها.. متضمنة أصوات عدد من الشعراء العرب الذين عاشوا في سورية في عقدي السبعينات والثمانينات ، أو تواجدوا فيها بفعل عوامل خاصة بسبب الدراسة ، أو الشتات ، حيث لم تتضح الخصائص الفردية الشعرية لكل منهم إلا بعد حين .. فبدءا كانت رؤاهم وعناصر كتابتهم لا تفترق كثيرا عن رؤى وعنا هو الشعراء السوريين الشباب .. ثم أخذت تتضح ملامحهم الشعرية عندما بدأوا يمتحون في قصائدهم من ينابيع بيئاتهم ، ويستفيدون من كنوز الأجداد، أومن تشكيلات نسج الجغرافيا ومناهل الانثربولوجيا(7).

وفي اجتهادي أن جدة قصيدة النثر تنبع أولا من طبيعة التطور الحاصل والفرز الطويل وبلوغ شعراء هذه القصيدة من السمو فيها، والاستفادة من كل معطيات التفجر الشعري والأسلوبي اللغوي العربي عبر عصوره ، ومن فجوات ومأزق الشعر العربية التقليدية وأساليبها، ومن تطور الحياة بعامة ، وعدم ارتهانها في حركتها لما عرف من ابداع كائنا ما كان الشأو الذي بلغه(8) ولما حصل في حياتنا العربية من احباط وأحداث وسقوط للشرائح والأنماط ، وافرازاتها الثقافية والفنية ، ولفشل السياسات العربية بأنظمتها ومؤسساتها في اقناع الجماهير ببرامجها ومشاريعها، واحتكامها للقوة والعنف دون العقل والمنطق في عصر أصبح الكوكب كله فيه مثل مدينة واحدة ، ينتقل الخبر فيه أسرع من انتقال الخبر في مدينة عربية ، فلم يكن بعد ذلك من باب أمام الأجيال الجديدة إلا الخروج على السائد والكتابة ببساطة عالية وذاتية قريبة ، وروح سريعة يكاد ينكسر عبرها أي خطاب ، فكيف بخطاب الوجدان الجمعي، أو الخطاب المؤسس والمؤسسي ؟! صحيح أن قصيدة ا لنثر قد ولدت في الأربعينات على يد خير الدين الأسدي في كتابه "أغاني القبة "، وأو رخان ميسر في مجموعته "سريال " ومحمد الماغوط ، وفاتح المدرس مع شريف خز ندار "في الديران التجريبي _ القمر الشرقي على شاطيء الغرب -" وعند علي الجندي واسماعيل عامود، وسليمان عواد (9) فعرفت الايقاع النغمي والموقع بالجملة الصوفية والقرانية عند الأسدي _ والايقاع المرسل المستند الى ثقافة فرنسية عند ميسر والجندي والمدرس وخزندار.. والايقاع المخضرم عند اسماعيل عامود والمنسرح البسيط الداخلي عند سليمان عواد.. والايقاع الاستفزازي والكاسر الماهر في التمامه وصدمه عند انسي الحاج (10) والاستفادة القصوى من عبقرية العامية مطعمة على العربية في استناد الى الثقافة الانجليزية عند توفيق صايغ (11)

وعرفت قصيدة النثر عفريتها العالية وتناميها المستند الى التشابيه وصور الحياة والى ما يشبه القص الحكائي في ألف ليلة والسير الشعبية عند الماغوط ، مع تجربة حياتية بالغة في التشرد والتسكع والاحساس بالانسحاق والغربة _ وستفدو قصيدة الماغوط رمزا ومتكأ وملاذا عند الكثيرين ممن يكتبون قصيدة النثر في الثمانينات إضافة الى بندر عبدالحميد الذي جعل قصيدة النثر أشبه بسياق الخطاب الصحفي اليومي والاعلاني ونزيه أبوعفش الذي طعم القصيدة بجراحه الشخصية وسيرورة الروح المسيحية المشبعة بالحزن والترتيل مستفيدا من رؤيا يوحنا وأباطيل الجامعة ، ومع كل هذه الحوامل والروافد لقصيدة النثر بقيت محاربة ومتهمة بالعداء لأنها مستوردة ، وسفاح ووليد ثقافي غربي أشبه بسقط المتاع .. بخاصة أنها لا تجيد الوقوف على منابر الخطابة ، ولا ليستقيم لها الايقاع العالي المعروف للقصيدة التقليدية ولا تمتلك بلاغة الأجداد(12)  وبقيت حملات العداء والخصومة مؤججة في وجه شعرائها.. ومدججة بكل تهم الخيانة والمروق والعمالة الاستعمارية .. فممدوح عدوان رفع هذه التهم في وجوههم طويلا، وخالد أبو خالد أعاد ملف مجلة حوار وشعر أكثر من صرة وشوقي بغدادي طالع الجميع بمقال لاهب يؤكد فيه ومن مصادر لا تقبل الشك أن الصهيونية وراء قصيدة النثر، وأن البرلمان الصهيونى قد اتخذ قرارا سريا بتخريب اللغة العربية والشعر العربي عبر قصيدة النثر..(13).

فمن يجرؤ بعد ذلك على الاعتراف بقصيدة النثر أو در استها نقديا، أو حتى اتاحة سبل النشر أمامها _ وقد أشيع أن قرارات سياسية قد اتخذها بعض المسؤولين في بعض الدول العربية بتحريم قصائد النثر، واعتبار شعرائها وانصارها من الآبقين .

نماذج أولى .. لعب فوضى

-1-

بلا بارحة ،بلا أنت

في قميصك الأسود

في عين الشمس

يساقط من حولك

وهج صحرائي

بلا بارحة ؟

أنت

الغد يوضح جسد الأمس

لأشياء صغيرة تتحرك

 بلا وجوه

هلا أفرغت جيوبك

بالنهم اللحمي

ما أحيلى وجه انتهى

ليته من خرز الن نرج

وما "الجاثي على ركبتيه "

في سمت الليل سماء الليل

بلا رأس

"نص من ديران مدرس _ خز ندار _ القمر الشرقي على شاطيء الغرب 1962 شعر وشكل .." النص لفاتح المدرس

الفنان التشكيلي المعروف ونقيب الفنون الجميلة سابقا.. أما النص المرافق بالفرنسية فلم أنقله ولم أنقل الرسوم المرافقة .. فالكتاب بكامله يغلب عليه اللعب والتجريب والرؤية البصرية .. وهو مكتوب بخط اليد ومصور وقد عثرت عليه مصادفة .. مقدمة الكتاب للشاعر أو رخان ميسر.. قال في فقرة من مقدمته :

ولهذه المجموعة التي وضعها شريف خز ندار وفاتح المدرس عطاءان ، أحدهما يمد جناحا الى الغرب حيث الأذهان ما برحت متقلصة لا تستطيع استيعاب ما لدينا من خلق وابداع ، ان في ماضينا وان في حاضرنا، وثانيهما هذا التكوين الفني الرائع الذي تحاول فيه هذه المجموعة أن تعانق ما في نفوسنا من رفات لها كل أصداء "سيرناد" جميل (14) .

وهنا يحق السؤال لماذا لم يستمر المدرس وخز ندار باللعب طويلا؟ ولماذا عاد على الجندي بعد الراية المنكسة 1960 الى شعر التفعيلة ؟ ولماذا لم يكرر الأسدي تجربته في أغاني القبة ؟ ولماذا فر الماغوط الى بيروت وأطلت ر شعره منها وبعدها عاد الى دمشق ولماذا عادت حملات المكارثية الثقافية ضد قصيدة النثر الى الظهور في السبعينات والثمانينات ؟ كلما انطفأت تتأجج من جديد.. لعل في هذه الأسئلة بعض الكشف عن سبب تأخر سيادة هذه القصيدة حتى أواسط الثمانينات رغم انتشارها الواسع في بيروت منذ الستينات ، يبدو لي أن المشاريع القومية والاجتماعية الكبرى التي بقيت في الواجهة منذ الخمسينات وحتى الثمانينات وانشغال الطبقات العربية السائدة بتعميم دعاواها وتحول المؤسسات بكاملها من مؤسسة التعليم وحتى مؤسسات الدفاع والاعلام والثقافة الى خدمة دعاوي البرجوازيات الحاكمة هو الذي سد الدرب على قصيدة النثر البسيطة الى درجة يقطع فيها الخطاب الصحفي الطريق عليها، لكن عندما وصلت تلك المشاريع وطبقات تعميمها إعلاميا الى باب مسدود. . وبعد سقوط المشروع الثقافي العربي الثاني في بيروت بعد سقوط المشروع الأول في مصر. لم تجد الأصوات الشعرية الجديدة إلا أن تنفذ بمن بين الخيبات والهزائم والشروخ وتكتب

قصيدتها(15).

كان الشاعر السوري من قبل مجددا أو تقليديا يتكيء بشكل ما الى الجماهيري والشعبي في الجماهير _ يستمد منها القوة ويمنح من أتونها الحار ، ويؤجج فيها العزيمة والمواجهة عبر غريزة الجمع .. ولم يصل اغتراب ذلك الشاعر الى درجة إعلان القطيعة مع كل ما حوله دفعة واحدة في يوم من الأيام .. إلا عند صوت أو اثنين شكا صاحباهما من علل خاصة أو أمراض مستعصية على الحل .. حيث لم يكن ثمة مخرج أو حامل إلا المشعر.. ثم الانتحار أو الموت .. فعبد الباسط الصوفي الشاعر الرومانسي الرقيق والكئيب معا مات منتحرا في مدينة كونا كري في افريقيا 1960 معد ما حاول كسر عزلته التي فرضها على نفسه في حمص نتيجة الاحباط والفشل في العشق (16) .. والشاعر رياض الصالح الحسين مات من داء الكبد في مشفى المواساة بدمشق 1962 وكان يشكو من الصمم وصعوبة النطق .. خلف الأول مجموعة شعرية فازت بجائزة مجلة الآداب 1990 عنوانها "أبيات ريفية " ومجموعة شعرية وكتابات في الدراسة والقصة طبعتها وزارة الثقافة السورية بعد رحيله بسنوات (17) أما رياض الحسين فقد خلف أربع مجموعات شعرية هي أساطير يومية وخراب الدورة الدموية 1979_ بسيط كالما، واضح كطلقة مسدس 1981 _وعل في الغابة (طبع بعد موته 1984- (18).

فما الذي حدث في الثمانينات حتى أطلق الشعراء كل ثورتهم على الأشكال والنواظم ورفعوها قطيعة مع "الما قبل " على أصعدة ما يتعلق بالأيديولوجيا وأوهامها والجماهير وقوتها والشعارات وبريقها وحتى على الكثير الكثير من التراث 191 والفكر والمستتب من المفاهيم (19)، من وجهة نظر التشاؤم البصير إجابة الشاعر محمد الماغوط عن السؤال حول موقفه

ورؤيته الستينية عن الجماهير الدهماء وانفعالها القطيعي: كنت ترى الجماهير دهماء وانفعالها ،وكنت ترى بحر الرماد القادم .. الأن قد بلغ السيل مداه ووصلت الجماهير نفسها الى الواقع الموضوعي الذي انذرتها به ..ألا ترى في الأفق البعيد أملا أو بصيصا من أمل وكان جوابه : لا جديد .. المرحلة نفسها مازالت ولم تنته بعد (20).

والماغوط منذ البداية لم يعول على ما عول عليه غيره ، ولم يسقط في شرك الطوبي واليوتوبيا.. كتب قصيدة نفسه ،وتعرقات يأسه ،، واهتزازات روحه المنكسرة .

حسن أيها العصر

لقد هزمنيي..

ولكنني لا أجدفي كل هذا الشرق

مكانا مرتفعا

أنصب علية رايه الاستسلامي(21)

اسمعه كيف يخاطب السياب بعد موته .. وانني روحه المحملة بالقهر والخوف والكوابيس .. وتأمل كيف يرى بحرقة جارحة ما يسمى الوطن :

هل ترسم على علب التبغ الفارغة

أشجارا وأنهارا وأطفالا سعداء

وتناديها يا وطني

ولكن أي وطن هذا الذي

يجرفه الكناسون مه القمامات في أخر الليل

تشبث بموتك أيها المغفل (22 (

خطوط .. ملامح وأسماء :

في الثمانينات سنقف على قصيدة النثر، بما حققته من مشروعية واعتراف ، وانحسار عداء، ونقف مع شعراء في القطيعة الا صوتا أو اثنين يمتحان من رجع قريب وبعيد، ويعبران عن < اليومي والمطلق في آن معا.. فالشاعر لقمان ديوكي يتكيء بقوة على شعر سليم بركات في تجربته البكر، وأساطيره الكردية بإيقاعها ونفسها الخاص .. يجمع بينهما تحدرهما من الشمال السوري الضائع ، والمعلق على تخوم الفراغ والصدفة .. وسيشكل شعر سليم بركات بما له من قوة وخصوصية عقدة للكثيرين من أجيال الشعر الطالقة في مناطق الشمال الشرقي من سورية ، إما بالاحساس بعدم القدرة على تجاوزه ، أو الاستعارة منه والنسج على رموزه وأساطيره حتى لا يكاد من يقلده يبين(23) الصوت الشعري الثاني هو صوت الشاعر محمد فؤاد، وشعره يعد مثالا أنضج في قصيدة النثر، وقد استفاد الى درجة كبيرة من الانجاز الشعري السوري، والعربي وأضاف الى ذلك تجربته وخصوصيته هو وتعتبر استفادته الشعرية من سابقيه عالية ، قياسا الى استفادة سربه .. صدرت له مؤخرا مجموعته الشعرية الأولى "طاغوت الكلام " وبين مخطوطها الأول الذي لم يطبع لصعوبات شخصية ، وعامة ، ومطبوعها الذي تم تعديل واستبعاد، واضافة وتجاوز كبير لقصائد المخطوط إن في التنامي الشعري الداخلي أو في الشكل ، ويمكن رصد ملامح التأثر عنده بتجارب الماغوط ، وأبي عفش ، ومنذر المصري _وحسان

عزت(24).

ويفترق في أصوات الثمانينات صوت الشاعرة وفاء الخشن بما لشعرها من استفادة ممن سبقوا وقوة تعبيرية وخصوصية ونكهة وتمرد، فالقصيدة عندها أشبه بالنشيد المليء بالبكارة

الجامحة وعلاء اللغة واشتعال الصور.. وهي تبحث عن معنى أبعد وعلاقة بالمطلق الولادة الحياة  الحب والحرية .. تميزها جراة تخدش الأشياء وتجرح الصمت (25)

وسوف تطالعنا منذ أوا سط السبعينات وأ وائل التسعينات أسماء أعد حداد _ خالد درويش . محمد خير علاء الدين _ بشير البكر _ ابراهيم اليوسف _ طه خليل - عبدالله عيسى _ بسام حسين _ حسين بن حمزة - مرهف زينو - مسلم الز يبق - عبدالنور _ هنداوي _ عمر قدور _ أحمد

تيناوي - سيف الرحبي - محمد جان عثمان _ ياسر اسكيف - مرح البقاعي _ ربيعة الجلطي _ محمد كنائسي _ ومن بعدهم غادة السمان الصغرى(26) وأكرم قطريب _ وارغام سفان وغيرهم .. وهؤلاء لا يكتبون بسوية واحدة ولا يجمع بينهم فهم واحد لقصيدة النثر أو الشعر .. عند بعضهم شفافية عالية وتكثيف لافت ،، وكتابة أشبه بالهمس ، أو اللمس البعيد كأنها مصاغة من خيوط الذهب ، كما عند حسين بن حمزة ، وعمر قدور(27) وبسام حسين ، وعند آخرين هضم ثقافي وامتلاك عال للغة وعلاقاتها ، واطلاع بعيد على تجارب القصيدة العربية ، بأشكالها المختلفة كما عند الشاعر الصيني الذي أقام بدمشق ودرس فيها العربية وتزوج من سورية ، الشاعر أحمد جان عثمان وقد أصدر مجموعتين شعريتين على درجة من الحداثة والجرأة لم نشهدها عند الشباب العرب أنفسهم "مجموعته الأولى باسم السقوط الثاني" دمشق 1988، ومجموعته الثانية "لغز الأعراس " 1989.. وقد ارتحل فيما بعد الى الصين(28)

ويمكن الاشارة هنا الى شعراء تمردوا بدءا على المدارس أو التيارات الشعرية العربية وقصدوا مناهل شعرية أوروبية كالمدرسة السيريالية الفرنسي