السيرة الذاتية النسوية


شرين أبو النجا (كاتبة وأستاذة جامعية من مصر)


الى أي مدى يمكن لكاتبة أن تصرح أن ما تكتبا هو سيرة ذاتية ؟ وهل هذا التصريح يضيف اليها أم ينتقص من شأنها؟ دارت في ذهني هذه الأسئلة إثر قراءتي لخبر صغير نشر في مجلة "أخبار الأدب " تحت عنوان (أدب الاعترافات حرام ): "أكد الدكتور ناصر فريد واصل مفتي الديار المصرية أنه لا يجوز للمرأة أن تؤلف كتابا تعترف فيه بما أمر الله بستره، وهو ما يطلق عليه (أدب الاعترافات )، فالشريعة الاسلامية لا تقر ذلك، وهذا ليس من باب الحجر على التفكير والرأي. إنما الأمر يتعلق بالحفاظ على كيان الأسرة والعلاقة الزوجية الخاصة التي أحاطها الاسلام بكل التقدير والاحترام والرعاية والمحافظة على أسرارها وخصوصيتها لمصلحة الأفراد والجماعة على حد سواءه. جاء ذلك ردا على تساؤل للزميلة ألفت الخشاب في كتابها "فتاوي المرأة " حول ما حكم الدين فيما سمي بأدب الاعترافات وهل يجوز ان تؤلف المرأة كتابا تعترف فيه بعلاقاتها بالاخوين وتكشف ما ستره الله.

والفتوى برمتها تطرح العديد من التساؤلات إن لم يكن علامات تعجب، وأولها هو التسمية التي أطلقت على السيرة الذاتية باعتبارها جنسا أدبيا فسميت أدب الاعترافات. فاعترف بالشي ء أي أقر به على نفسه (المنجد) وكأن هناك افتراض تهمة منذ البداية، أما التساؤل الثاني فهو لماذا اختصت هذه الفتوى المرأة دونا عن الرجل. ووجدت أنني في دراسة نشرت في مجلة القاهرة عن السيرة الذاتية لفدوى طوقان كنت قد كتبت:"المرأة العربية تعيش عموما في جو من الكتمان النفسي واخفاء الحقائق خوفا من صدور حكم الجماعة عليها بالنفى والرفض والن صم. والمجاهرة لا تعني سوى تحد معلن  لتقاليد صارمة تفرض ثقافة أحادية لا يجوز الخروج عنها في وسط هذا الجو الملبد بالمحظورات، تأتي السيرة الذاتية النسائية لتكون بمثابة شرخ في حاجز الصمت، حيث تقال أشياء لم تقل من قبل، وحيث يمكن أن يقراها ويعيدها أي أحد"(2). والحقيقة ان هذا القول ينطبق على اي سيرة ذاتية _ سواء كتبها رجل أم امرأة _ولكن الجلبة تكون أشد في حال كتابة المرأة ولأن الخطاب الاسلامي ينشغل كثيرا بالمرأة فلا عجب أن تصدر هذه الفتوى تتناول الأدب من منطلق ديني.

والجنس الأدبي الذي أعنيه هنا هو السيرة الذاتية الأدبية. أي السيرة التي لا تتطابق تماما مع الواقع في أحداثها بل تحمل في ثناياها الكثير من التحوير مما يضعف امكانية الاحالة الكاملة الى الواقع. وقد تكون هذه السيرة قصة حياة بأكملها أو جزءا معينا منها. ولكن في كل الأحوال لابد أن تكون هناك رؤية معيارية للكاتبة أو الكاتب تحدد ما يجب اهماله وما يجب التركيز عليه. ولا يهم في النهاية من هذه العملية الانتقالية سوى تماسك البنية النصية وهو التماسك الذي يعوض تشرذم وتفتت الذات الكاتبة.

السيرة الذاتية لا تعني أن يقوم شخص بكتابة حياته بتسلسل زمني منطقي بقدر قيامه بكتابة:اته. فالذات في الأصل متشرذمة، متفتتة ومفككة تحمل في طياتها مساحات صمت وشروحا. وهذه المشاكل الوجودية  ntological يتم اكتشافها والتعبير عنها بكتابة سيرة ذاتية، والسيرة الذاتية الأدبية تأخذ - منطقيا - شكلا روائيا بمعنى حدث كذا ثم كذا. ولكن أثناء تبلور هذا الشكل الروائي يكون الكاتب على وعي تام بالتفتت الداخلي للذات والذي ينعكس في السلوك الخارجي. وبذلك تتحول كتابة السيرة الى وسيلة لاضفاء التماسك واكتساب هوية محددة للذات. أي أن الذات ليست متوحدة وساكنة طوال الوقت بل هي متفتتة، متعددة ولا زمنية atemporal  وهو مفهوم ينتمي الى نظريات ما بعد الحداثة. ويلتقي مع هز المفهوم تعريف شاري بنستوك للسيرة الذاتية حيث تقول: " إن السيرة الذاتية تكشف الفجوات، ليس فقط في الزمان والمكان أو بين الفردي والمجتمعي، ولكن أيضا التباعد المتزايد بين طريقة وموضوع الخطاب، أي أن السيرة الذاتية تكشف عن استحالة تحقيق حلمها: ما يبدأ بافتراض معرفة الذات ينتهي بخلق قصة أخرى تعتم على الافتراض الأول"(3).

وكأن السيرة الذاتية هي "المرآة التي يلتقي فيها الفرد مع ذاته "(4) ليتحاور معها ويضفي عليها بعض التناسق والتماسك. الذات التي عاشت مشتتة لفترة طويلة تلتئم بعض أجزائها على الورق "السيقان الرفيعة للكذب " هي الرواية الأولى للكاتبة عفاف السيد وهي تدور حول تجربة الزواج التي خاضتها الراوية لتكتشف العديد من الخيانات الصغيرة والكبيرة فتحول حياتها الى غابة مليئة بسيقان كذب رفيعة وسامة. هذا هو الاطار العام للحكي أو بالأحرى سبب الحكي. وعندما سألت الكاتبة عن مقدار التوثيق في هذا العمل. أجابت: هذه رواية وبعد لحظة تفكير قالت "بل هي سيرة ذاتية أنا أكتب نفسي "(5). عفاف السيد لا تكتب رواية بقدر ما تكتب (كملم أشتات ) ذاتها وذات الآخر وذات القاريء. ومن التقاء الثلاث ذوات في فضاء النص تخرج الكاتبة / الراوية أكثر تماسكا وقوة. ورغم أن الرؤية المعيارية قد حددت للكاتبة أي فترة في حياتها ستكتب عنها إلا أن الذات التي تنشد الكمال ظلت تعود الى طفولتها لتربط بين ماضي وحاضر النص فيشكلان معا نقطة انطلاقة للكاتبة. وهناك ثلاثة مداخل لتحليل هذا النص، أولا: التلاعب بفكرة الزمن شكلا ومضمونا، ثانيا: توريط القاريء في النص أدبيا ومعرفيا، ثالثا: التحولات التي مرت بها الذات الكاتبة the writing self  أثناء كتابة النص.

الزمن:

تبدأ الرواية من لحظة النهاية التي تبدو وكأنها لحظة بداية الكتابة: " ببساطة، سأكتبك وأنا أضحك هكذا، لأني أعرف أن للكذب سيقانا رفيعة، وأخاديد متعرجة، وحيلا كالتي حول النقاط وبين حرف وحرف، ومحشوة بها الكلمات الآن. لا تنزعج، سأكتبك جميلا كلحظة التمسك بك وأنت تمزقني بنصل متعرج، لأنك الملاذ المرجو، والمقصد الوحيد. سأبدأ من لحظة النهاية، فالحزن يفري القاريء أكثر، والفرح ليس له مكان بيننا، على الأقل في هذا النص "  (ص 1). توشي اللغة الأولى بمضمون النص فهو نص حزين بالأخاديد المتعرجة المحفورة في الشكل (البنية النصية ) والمضمون (الحدوتة ). فالزمن بمتشابك ومتداخل مثل الحالة الشعورية التي تكتبها الراوية. بعد أن تمعن في ترصيف ألم لحظة النهاية، تحدد الكاتبة تاريخ بداية العلاقة وهو الثامن من أكتوبر 1996، أما النهاية فكانت في العاشر من يونيو 1997 وهذا هو الزمن الواقعي للحدوتة أما الزمن النص فهو 24أبريل 1997 وحتى 30 يونيو 1997 وبغض النظر عن اشكالية تداخل الأزمنة، يبقى من الصعب ترتيب وحكي الحالة الشعورية بتسلسل زمني "حدث كذا ثم كذا" فتوظف الكاتبة التواريخ في محاولة لتثبيت بعض اللحظات وللامساك بالاحساس وهي تضفر كل هذا مع السرد فتقول: "اليوم هو الجمعة، الخامس والعشرون من ابريل، والساعة بالضبط الحادية عشرة والنصف، أرأيت أني دقيقة جدا في تحديد التواريخ " (ص 2). وهذه القدرة على التحديد تكسب الراوية مصداقية وسلطة في الحكي ولكنها على وعي أيضا بتشر ذم الذات وتشظيها وصعوبة الكتابة: "في أوقات كثيرة أحاول أن استخلص ادراكي من التشبث بتلك النمنمات التي صنعت تلالا من الفوضى في روحي" (ص 8). وهذا التأرجح بين التحديد الدقيق والفوضى يعكس تأرجح الذات بين الثبات والتشظي والمحاولات التي تبذلها لاضفاء بعض التناسق والتماسك المعرفي على رؤيتها للعلاقة برمتها.

يتداخل الزمن الواقعي مع الزمن النصي لتفشل الكاتبة في استعادة كل التفاصيل من تلالا الفوضى فتلجأ الى تضفير قصص قصيرة في متن النص، كانت قد كتبتها قبل وأثناء الكتابة الحالية. وكل قصة تحمل تاريخ كتابتها وهي على التوالي: "ولد جميل " - 17./ 2/97، "تداول " - 28/ 5/97، "قرار بسيط "-27/ 3/97، "مقعد شاغر لا يهم أحدا" - 23/ 4/97، "حد الأمان" _ 11/ 11/97، "قلب وحيد" _ 22/ 4/97، "امتداد" – 25/5/97 وتواريخ كتابة القصص كلها ما عدا "تداول " و" امتداد"، تدل على أنها تعوض عدم تزامن السرد مع العلاقة. فالكاتبة تحاول قدر استطاعتها تصوير الحالة الشعورية المفككة بشكل متماسك وهي تعي أن هذا التماسك الشعوري هو ما ينقص النص: "أعلم أنك يا قارئي مرتبك للغاية وأنت موقن أن نظراتي ليست وحدها القلقة والسريعة ولكنه سردي أيضا ولذلك ربما أنت تود العودة معي الى اتساق السرد لتتفهم نوازع روحي في هذا العشق، ولأحاول أنا اكتشاف أي مقدمات أخرى حملتني الى موقعي الآن عند حافة كون الافتعال.." ص 49. سرد يكتب ويكتشف الذات. تساعد هذه القصص القصيرة على تضفير زمن الحكي مع الزمن الواقعي فلا تستعيد تفاصيل الماضي وهي مرتكزة في نقطة في الحاضر بل تستحضر الحالة

الشعورية كما كانت في ذاك الوقت. تتجاور الأزمنة والتفاصيل لتعيد تشكيل الصورة. في قصة «ولد جميل » تسجل الراوية كل تفاصيل "محسن " زوجها خوفا من فقدها "لم تعرف اذني خلف كل شيء أبتعد خطوتين لتنفتح العدسة ويتسع مجال الرؤية وتكون تعاشيق الصورة في الأصل تمتمات صغيرة تسربها عيني،معظمها خوف من الفقده (ص 7). إذا كان الخوف من الفقد هو الذي يتحكم في الحالة الشعورية للراوية، فهو أيضا الخوف من فقد كل التفاصيل الصغيرة، هو الذي حدا بها ال تضمين هذه القصص القصيرة في متن النص. هي محاولة للامساك بكل التفاصيل الصغيرة العديدة التي تكون في النهاية حياة الذات. وتأتي بعض القصص كهوامش لتفصيل ما هو مجمل مثل قصة «حد الأمان » إذ تقول الراوية في متن النص: "إذ اكتشفت أن القصص التي كتبتها لك لم تكن كافية، كحظات العشق التي كثفتها لك في كلمات، وأن قصة «حد الأمان » لما اردت أن أقول لك فيها إنك نحيت كل هاهي، بما في ذلك عشقي القديم الطفولي لصلاح..." (ص 84) ثم تورد قصة «حد الأمان " التي تفصل فيها ذكريات طفولتها وحبها لصلاح، في مدينة السويس. أما عن غياب الترتيب الزمني لهذه القصص القصيرة فهو يعني أن التفاصيل العديدة التي تتشكل منها الذات لا يمكن الامساك بها وترتيبها زمنيا فاللحظات لا تكتسب دلالة بسبب تعاقب الزمن ولكنها تسب دلالة من خلال وضعها في سياق: سياق

النص.

القاريء:

تقول عفاف السيد: " أكتب لكيلا اكون وحيدة " (5). هو هاجس الوحدة إذن الذي يدفع الكاتبة الى الاستئناس بالكتابة. ولكنها في الكتابة أيضا لا تريد أن تبقى داخل النص بمفردها. منذ البداية يجد القاريء نفسه متورطا في النص: "سابدأ من لحظة النهاية فالحزن يفري القاريء أكثر " (ص 1). يبدأ النص بدرجة وعي عالية بوجود القاريء أو بمعنى آخر بوجود مستمع لكل هذه الآلام: "وعدتك منذ البداية أن أكتبك جميلا، ولكن من حق قارئي أن يعرفك حقيقة، ليكون السرد مفهوما وأقدر أن أوضح الحبكة، وكذلك فقد قررت أن يكون نصا متاحا لغيرك ليتفتت ألمي، ويزوي بين القراء فلا أحمل لعنة الاهانة الى الابناء (ص 9- 0 1). ادخال القاريء في النص ليس فقط محاولة لتخفيف الآلام عن طريق البوح بها، ولكنه أيضا محاولة لتعرية الذات والآخر، "شفافية الازدواج بين الراوي والكاتب تترك حيزا للذات كي تقف فيه أمام مرآة ذاتها،وتحاور معرفيا عريها"(6). في كتابتها لذاتها لا تتمكن الراوية الا أن تكتب الآخر فالذات لا تتشكل بمفردها بل من ومع آخرين: "أرأيت كم أنت مني، وأنت تعلم هذا، وسوف يعلمه القاريء، ذلك الذي يؤرقك دائما أن تكون امامه فاتنا ونظيفا وملاكا في كل قصص التي كتبك فيها، لكني الآن اكتب حقائق وأنزع تلك السيقان الدميمة والرفيعة للكذب، والتي غرستها في أحوال أخرى بعيدا عن المرآة التي اعلقها الآن أمام روحي في مواجهة الشمس " (ص 13) المرآة كاشفة للذات والذات مسكونة بالآخر فلابد ان يحدث الكشف للجميع أمام القاريء. يتحول القاريء الى ذات أخرى تسمع وتقرأ وتحاور وتدخل في علاقة مستقلة مع ذات الراوية:"هل رأيتني يا قارئي في مكاني الأصلي، هناك دائما أكون لو احتجت أن تستفسر عن معنى كلمة، او ما جدوى هذا النص، أو ربما أخذك الفضول لترى عيني الجميلة، لكن لا تندهش لما تجدني باكية " (ص 15). كتقي انا السيرة مع أنا القاريء ليدخلا في علاقة وثيقة ويصبح القاريء شاهدا على الأحداث بل أحيانا مشاركا في صنع النص:" لا تبتعد يا قارئي فأنا اريدك معي الآن ولو نتمدد معا في شسوعة الرجع وتكون كل هذه الرمال التي صادفها البشر منذ البدء حولنا، فنبقى كنقطتين لا نشبه محيط الرمال، فنبان للسماء مختلفين ويكون تميزنا الدائم فتغار الرمال منا أو تحاول البكاء أو الرقص " (ص 19). وكأن توريط القاريء في النص ولد احتمال تغيير ~ر الأحداث والحالة الشعورية للراوية. يدخل القاريء النص ليؤثر على النسيج اللغوي وتخاطبه الراوية بصيغة الملكية فتقول «يا قارئي» عوضا عن «حبيبيه الذي فقدته: «هل رأيت يا قارئي _ عفوا إذ دائما ألحق بك ضمير الملكية _وذلك لأنني أضحيت منك، فلم أعد في حرج وانا أدنو منك لحد اختزال نفسي في حرف الياء الملحقة بآخر اسمك » (ص 82). هل تكون العلاقة مع القاريء هي بسبيل العلاقة المكتوبة على مستوى اللاشعور؟

لا تنسى الراوية أن تشرح للقاريء المعطيات المعرفية لذاتها لتستقطبه، فهي تدين كل المعطيات الانثوية التقليدية التي يفترضها المجتمع وذلك في معرض حديثها عن "الأخرى" التي احتلت مكانها في حياة محسن: "دائما ما كنت أملا الفراغات حولك بالحديث عن ميتافيزيقا ابن طفيل.. وعوا لم ما تحت فلك القمر وما فوق فلك القمر، والديلاي لاما، ولوحات صلاح عناني ودالي ومايكل أنجلو، ويوسف شاهين وسبيلبرج ونيلليني، وواجب الوجود، والعلة الأولى، والأقيسة وابن عربي،والشيعة، وفرنسيس بيكون، وعبدالغفار مكاوي، وفاطمة المر نيسي، وايزابيل اللناي وصديقاتي اللاتي س أروع الروايات والخطاب المعرفي المقدم من وجهة نظر الرجل ومؤسسات الخطاب النقدي النسوي والمليون ونصف امرأة المعلقات في دروب المحاكم والسماء الأولى حيث نعلق من شعورنا وصدورنا لأننا نساء.... والخوف من فقدك " (ص 78) تتساوى كل المعطيات المعرفية المكونة للذات مع "الخوف من فقدك "، خوف يحتل جزءا كبيرا من الذات أيضا وتتعارض هذه المعطيات مع نسق حياة (الأخرى) وتنصب الراوية من القاريء حكما: "هل رأيت يا قارئي أن الحديث عن الترزي والسوليتير

يمكن أن يهيل المعرفة على جانبي المقاعد، حتى إن فتحت الأبواب تطاير كل شيء في الأثير " (ص 78). تستفيض الراوية في تفصيل همومها وتختزل هموم «الأخرى» في كلمتين لتصل الى جوهر المشكلة: «إن محسن يخضعني لمقاييسه العادية » (ص 79). هي مشكلة التنميط للرجال والنساء على السواء ولكن الراوية استطاعت أن تؤكد على اختلافها من خلال الاستفاضة في الحديث واشراك القاريء معها في اهتماماتها حتى ولو كانت هذه الفقرة تثقل على شاعرية النص وهي تقول هذا صراحة: «الآن، أنا فكرت في استعراض قدراتي المعرفية لأعطي لك انطباعا خاصا بأني لست بكل تلك الهشاشة والسطحية وانني مدركة الى حد ما الأبعاد الابداعية وسميوطيقا النص"  ( ص 98- 99). ويأتي السؤال: من هو القاريء الذي تورطه الكاتبة في النص ؟ هل هو قاريء «خارجي» أم من صنعها؟ هو الاثنان معا. فهناك بالطبع قاريء خارجي للنص تخاطبه الراوية طوال الوقت - أو توهمنا بهذا. وهناك قاريء أخر من صنع الراوية نفسها وتقول له «اقترب مني لأتفنن في تشكيلك » (ص 74). هو قاريء منحوت في النص يكاد يقترب من القاريا النموذجي الذي تحدث عنه امبرتوايكو: "إذا أراد المؤلف أن يجعل النص قادرا على التوصيل فعليه أن يفترض أن مجموعة الشفرات التي يعتمد عليها هي نفس المجموعة التي يستخدمها القاريء المتوقع والذي تفترض فيه القدرة على تفسير تعبيراته بنفس الطريقة التي (17) ولدها بها المؤلف"(7). واذا كان هذا هو حال القاريء فلابد أن يبدي استجابة مطابقة لخطاب الراوية المعرفي وهذا يضفي تماسكا وثقة على الذات المتشرذمة وفي متن النص وقرب النهاية تعترف الراوية بهذا فتقول: "اكتشفت الآن أنني لم أقم بكتابة نص، حسب قواعد محددة وانني لا أتجاوز الزمان والمكان أي أنا في نقطة محورية لا تتحرك فيها أحداث أو ينتقل عبرها شخوص، وان الأحداث راكدة ومضطربة وانني المتحدث الأوحد، وكل النص يمرق خلال وعيي أنا، حتى إنك يا قارئي، وأنت المخاطب الأمكر، متشكل حسب موقعي أنا في النص، وأنك كشخصية رئيسية هنا لا تعرف نفسك إلا من خلالي..." (ص 99). هي إعادة صياغة وتشكيل للعالم كله حيث تأخذ الذات موقعها من الآخر المرجو. ويتوغل النص في الحكي يتوحد القاريء الخارجي مع القاريا المنحوت في النص ليكتشفا معا أبعادا جديدة في الذات وأثناء هذا تعمل مرأة الكتابة على كشف الجميع وهكذا يتحول القاريء من مستهلك الى منتج للنص يشارك في عملية الكتابة رغما عنه لأن الراوية اقتحمت عالمه وأدخلته معها في كل التفاصيل المبعثرة التي تحاول أن تجعل منها كلا متماسكا: ه وهكذا ترى يا قارئي أنني فقدت الحبكة في النص، أو تعمدت ذلك، أنا لن أوضح لك هذا لتدرك ورطتي الحقيقية في كوني لا أعرف إن كان نص فعلا يتبع التفكيكية أم إنني أترك كل تلك الصفحات لأعدو بكل جروحي الى حضنك.."

(ص 101). بكل هذا التوريط للقاريء يصبح النص مربكا إذ لا يوضح أبجدية تلقيه ولكن «العمل الفني ليس كوب ماء في درجة حرارة الغرفة ولكنه يحتاج الى تدريب وفي التدريب نفسه متعة للقاريء"(8) والتدريب مع نهاية النص يولد حميميه حتى يبدأ حوار حقيقي بين الكاتبة والقاريء.

الاشارات والتحولات.

"الرمال، ذلك العالم الشاسع من الروعة، دائما ما أحلم أن أكون في كون كله رمال محضة وأن أدوس في ذراتها بأقدامي العارية، أفوت لمسافات باتساع العمر، هكذا أشعر بكل تلك الشفافية والاتساق... وأفوت، أفوت إلا ما لا نهاية " (ص 17). بنية "السيقان الرفيعة للكذب ه بنية رملية، كلما تتبع القاريء الراوية في منطقة تغوص قدماه في الأعماق والأحداث والتفاصيل وبمجرد خروجه من تلك البقعة يغوص في بقعة أخرى وهكذا يتحول النص الى مساحة شاسعة لا نهائية من الرمال لا يحدد نهايتها إلا الراوية نفسها.

النص يشبه الرمال في اتساعه ورحابته تحمل كل ذرة فيه عدة قرائن للعشق. تندمج الراوية في تحليل ما أسمته (معطيات العشق ) وتقدم كل هذا للقاريء رغم أن هذه الكتابة ليست إلا محاولة لترتيب أجزاء الذات المتبعثرة.  بتحليل معطيات العشق تكتشف الكاتبة أغوار الذات وتشرك معها القاريء: «ولنبدأ من أول لحظة، أجل هذه هي البداية يا قارئي التي أرجأتها من بداية النص، فكن متيقظا معي لأني مع لجرئي لكل هذا السرد، لم أعرف بشكل يقيني ولماذا أنا في هذه الحالة الشعورية التي لا تدعو للفرح، وتفرقني في كل هذا الألم والتعاسة، وكذلك أنا لا أعرف بالضبط لماذا أنا أكتب هذا النص ولا ما الفائدة من تدوين كل تلك الحقائق بتفاصيلها المرهقة، ولا أدري لماذا أنا استدعيك دائما يا قارئي من أزمنة ربما أنت مستريح وراغب في بقامك فيها.. إنني أعاني وأنا في فراغ الصفحة أدور فأشبه انسان ابن سينا المعلق في الفضاء ولكني حين أنزع عني العشق والسكينة والحروف أصير أنا ذات الحزن » (ص 35- 36). أحد الاكل ابن سينا على وجود النفس هو افتراض وجود انسان معلق في الفضاء بدون أي مؤثرات خارجية. والراوية تشبه نفسها بانسان ابن سينا المعلق في الفضاء والمعلق في فراغ الصفحة. ثم تردف قائلة حين أنزع عني العشق أصير أنا ذات الحزن » وكان العشق جزء كامن في النفس لا علاقة له بما في الخارج، فحين تنزعه تصير هي الحزن أي أنه عندما تحكي الراوية عن حالة العشق فهي تحكي ذاتها، العشق هو الذات (الأنثوية ؟) وكل التحولات التي تحدث للعشق هي تحولات تحدث للذات في بداية النص تجعل الراوية من الطرف الآخر مقرر النهاية: «حين قلت لك قبل أمام أن الخسارات قد بدأت، لم اكن أعي تماما أنها بدات فعلا ن ان كل لحظة تمر تجرفنا الى نهاية مصطنعة _أنت صانعها - وأن كل الذي يحدث الآن، أنت رتبته ونسقته جيدا، وأدرت المؤامرة على خير وجه، وقطعا أبدعت اخراجها في هذا الشكل النهائي الذي تبان عليه وسط الصحاب " (ص 8- 9). وتتوغل في النص بهذه المنظومة، طرف صانع للنهاية وطرف ساكن يقبل النهايات كما هي. فتتحول الكتابة الى فعل ايجابي يجب كل النهايات، فعل ارادي واع بكل المؤثرات الخارجية فلا تصبح الذات كانسان ابن سينا المعلق في الفضاء: «هل تواني يا قارئي، إنني أتمدد في هذه الفقرة عند حافة اللوم. هذه عينك تستنفر طاقات مقاومتي ولكني أرفض ساعدتك لي على الخروج من ذلك الحزن، ذلك أنني استبقيه مرغمة ليكتمل النص، وربما إذ أفكر في ذلك بشكل مهرجاني مستهلك فإني حزينة فعلا واذ أدعي إنني أعتلي ء بالتعاسة لأنها أداة في الاستمرار الابداعي وربما الحزن يغريك يا قارئي للقراءة فإنني أعتذر عن ذلك الادعاء، فأنا فعلا أتعذب وأنت إذ تواني في علك الحالة الاستسلامية تندهش.." (ص 18) يصبح الابداع قصديا وواعيا ومتوهجا للبحث عن الأمان من الفقد.

الخوف من الفقد هو الذي يتحكم في النص. فالعلاقة قد انتهت لفظيا في الرابع والعشرين من ابريل والكتابة بدأت من هذا التاريخ واستمرت حتى 30يونيو. في العاشر من يونيو كان القرار النهائي لانهاء العلاقة وتكتب الراوية عن العشرين يوما التي تلت ذلك وهي الفترة التي أيقنت فيها أن الخوف من الفقد هو الذي جعلها تتمسك بكل الأطراف المهلهلة الواهية. والخوف من الفقد هو الذي يدفعها الى التمسك بالقاريء والاستنجاد به. تشرح له ذاتها - عشقها من خلال تقديم كل التفاصيل، ثم تعتذر وتبرر: "أجد التفاصيل مهمة فأكتبها، لأنني لن أقدر أن أقدم لك نفسي مجزأة ومهترئة فلا يتسنى لك معرفتي لما تجمع الأجزاء المتاحة فلا تكفي لتكوني في واقعك، حتى لو كنت بذلك الاسهاب أكون نفسي بشكل مزعج أو رخيص " (ص51).   وهكذا تسرد الراوية كل التفاصيل، العشق، الخيانة، الجسد، الكتابة، هي، هو، ولا تنسى أن تتأكد بين الحين والآخر من وجود القاريء معها. وتزداد مخاطبة القاريء حتى يصبح بالتدريج شخصية رئيسية: "أنت ترى إذن أيها´القاريء إنك أصبحت المخاطب في النص وأنني قد نحيت محسن الى صيغ أخرى مختلفة، وهكذا تدرك إنني ما كنت في حاجة اليه إلا لكي أخاطبه، ولما وجدك قد ألفتني فها أنا بكل ود أحتمي بك وأبدأ ذلك الطقس من الاندماج معك ومعاتبك أحيانا لأنك ربما تسي ء فهمي وتعتبرني مخطئة " (ص 69). وكأنما استعادة التفاصيل هي محاولة لاخراج " محسن " من مجال العشق مع الابقاء على حالة العشق -الذات - أي محاولة لطرد كل الأجزاء المهلهلة في الروح والحفاظ على الحالة الأصلية: الحزن _ العشق - الذات. وبهذا يتزامن ازدياد مخاطبة القاريء والتوجه له مع التلاشي التدريجي لصورة " محسن " والتكثيف الشديد لحالة العشق وارتفاع نبرة الشجن. يخرج «محسن » من مجال الما بة ليحل القاريء محله. إحلال واستبدال لمواجهة العشق ؟ والراوية على وعي أيضا بهذا: "خشيت أن تدخلني لحظة خروج محسن وأنا أصارع الحنين " (ص 90). هذا الوعي الشديد بخطورة الانزلاق في منعطف آخر هو علامة قرب انتهاء النص. أغرقت الراوية النص في تفاصيل العشق وتفاصيل الذات ثم _ وكأنها. استردت وعيها لتنهض من العثرة وتعلن فجأة: "لقد قررت هذا وبشكل مفاجيء أن أتركه يا قارئي فهلا ربت على روحي التي تريق نفسها في هذا المتن ثم تنكمش في الهوامش تسد جروحها بالكتمان والحزن " (ص 69). وكأن كل الصفحات السابقة وكل السرد يهدف الى اعلان هذا القرار ويصارع الخوف من الفقد. ومع هذا القرار المعلن -ولكنه ليس مفاجئا - ت