جذور النزعة السوريالية
في السينما الامريكية

الصـور المرافقة
الصور المرافقة

بقلم : جان متري (فيلسوف وباحث فرنسي في جماليات السينما)
ترجمة : عبدالله عويشق (قاص ومترجم من سوريا)


كتب هنري ميللر في مقال له في : الفن والسنما ما يلي : "الفيلم التجريبي" هكذا سمي، لمجرد أنه يتجرأ على أن يكذب في مواجهة مرآة الحياة، ليس نقطة الذروة فيما بلغه الفن السينمائي، إنه محاولة لا أكثر، وخطوة تمت المجازفة بها في مجال ما لم يستكشف بعد، ولا يكاد يبلغ النصف تقريبا المجال الذي ارتادته السينما حتى الآ ن، بل ما يزال ثمة محيط غير مستكشف ينتهي الى ما لا نعرف من شواطيء غريبة، ولا جدال في أن ثمة عالما سينمائيا لا يقل من حيث المضمون والشكل روعة وغنى لا ينضب عن العالم الذي يعرفه الصوفي أو الشاعر، إنه ~لم من شأنه حال اكتشافه أن يغيرا لهواء الذي نستنشقه، وعنصر الأساس فيه هو المزاجية. وتتجلى هذه المزاجية في كل مرة يتحررا لخيال فيها من عبوديته للذكاء.

"خطورة المزاجية هي في أنها تغذي الحلم، هذا ما تتمثل قيمة المزاجية فيه طالما أن الحلم والرمز هما عمودا الحياة.

"في صحونا، نسبح في بحر ميت، وينظم حركاتنا انقباض النفس والخشية. لكن حالما ينسدل الجفن على العين، تنفتح الرؤية على عالم نحس أنفسنا فيه على أرضنا وفي ميتنا لأننا أحرار فيه، وهذه الحرية تعبر عن نفسها عبر تحولات ط تنتهي. ولكم يبدو عالم الصحو عندئذ مفرطا في غرقه في سكونه ! ما ينظر اليه على أنه الحياة إنما يرتدي صفات الموت. وفوق كل مظهر باد للجمود تترك الرنكة المدخنة Hareng saur  السكة الدبقة لأثر مخره في هجرته. ويتحول العالم الأليف واليومي الى صحراء تضرب جذورها فيها خشنة الصنع والمفتقرة للاتقان، أشبه بمروح منهارة تنتسب الى ماض بعيد.

"أي درع حماية هي التي تتحرك في الحلم بلا جهد في حماه : ومن أين تأتي تأثيرات اصباح القطب الشمالي التي لم تسجلها الكاميرا في أي يوم؟ وعلى أية شاشة سحرية تطفو مترنحة هذه الطائفة من الصور التي لا هدف لها؟ ترى أيكون ثمة مخرج صامت وخفي؟ ومن هو إذن ذلك الذي يتعاون معه؟»

"(....) تكمن ممالك في أعماق المادة ما من فكرة عن وجودها تتطرق الى أولئك الذين يعيشون في عالم الفكر. كذلك هو الأمر في هذا العالم الذي يخيل لعيوننا المفتوحة أنه لا يتغير، فإن فيه امكانيات لتحولات تذهب من الشيطاني حتى السمو، والتي تملك المزاجية وحدها القدره عل جلائه في وضح الضوء، والسينما من بين كل الفنون هي التي في حورتها أفضل الوسائل لاستغلال عنصر المزاجية هذا بالفة أقصى حد لمداه. ففي السينما نستطيع أن نندمج مع الحلم والواقع في آن معا. والستار الذي يفصل بينهما، عندما يغمره النور، قادر على أن يسفر عن حرقات الروح التي تبث في الحياة حيويتها».

"روح الانسان التي استنفدت الرغبة قواها تسعي جهدها بثبات متجدد لتطرح عنها ما يرزح عليها من أوزار بفضل القوى التي تأتي بالعجائب. فعضو حاسة الروح هو العين، وهذه بعد أن تأملت خلقها تدرك حسيا معنى ما كانت تسعي لبلوغ تأمله منذ بدء الأزمان. إن عينا ثالتة تهدم رؤية العجيبة التي تحيط بمعنى الخلق، إن الأعمى، دون غيره، يمكن أن يعبر عن البحث الحقيقي عن المجيبة، كما أن البصير وحده يمكن أن يعبر عن الانخطاف والوجد. فهو إذ ينفذ الى عمق مملكة الرؤية متغلغلا فيها، فإننا نتحرك عندئذ وهبط التناغم اللامادي عند الملائكة، إن عالم العجيب هو الذي يفيء بنوره دنيانا الداخلية، مثلما ينتشر ويكبر نور القمر الفضي. عندما يتم التعبير عن الخارق كاملا، فإن أكثر الأعماق عتمة واظلاما في الروح يبلغها النور فتضيء. واذ ذاك، وبالاقتصار عل نفسنا وحده بلا حاجة لغيره نساند الكون سرمدي الثبات الذي يطبع الشكل والصورة فيه المنطق الموصول الذي  للحلم ».

كتب هذا المقال عقب ظهور فيلم هانز ريشتر "الأحلام التي يمكن للمال أن يشتريها»، الذي تم إخراجه في عام 1946، مع غوغنهايم وكينيث ماك فيرسون (مدير التصوير: أرنولد إيغل) وافتتح عصر الأفلام السيريالية المصورة في هوليوود.

يتألف الفيلم من ست قصص - كما يذكر هرمان واينبرغ بذلك _ تتسم بخيالية التوهم والفرويدية، أو ببساطة بتحليل مشاعر النفس، وتربه بينها فكرة مشتركة، والرمز المادي لهذه الفكرة هو علبة موسيقى تصدر منها أغان شائعة مكرورة عندما يضع المرء فيها قطعة نقد معدنية، لولا أن العلبة في فيلم ريشتر «تعزف أحلا ما). وهي الأحلام التي يمكن شراؤها بقطعة نقد معدنية بالطريقة المذكورة، والاسطوانات الست صاغ بالترتيب خيالاتها : فيرنان ليجيه، وماكس ارنست، ومارسيل دوشان ومان راي، وكالدر، وريشتر ذاته.

كان في نية ليجير وريشتر منذ زمان أن يعملا فيلما سويا. وقدم لهما منظر أحد شوارع نيويورك الفكرة التي ألهمتهما بالفيلم. ذلك أن جرانا ستريت (الشارع الكبير) هو شارع مخصص كاملا لمستلزمات الزواج. الواجهات التي تشع ليلا فيه بالأضواء المتألقة تعرض تماثيل لها عيون كبيرة فارغة النظرة لعارضات بثياب الزفاف. ووجد ليجير في المشهد نوعا من استعارة رمزية لزواج بالجملة شبيه بالانتاج بالسلسلة، واستمد ريشتر منه "باليه ميكانيكي» شعبي الطابع وفق خط الأسلوب الأمريكي الذي تحل التماثيل فيه محل الممثلين، في شكل ملهاة قصيرة على  طريقة لوبيتش،لوبيتش في فيلما : حلقة الزواج. الموسيقى الطباقية في هذه الحلقة الأولى من الست هي لحن أمريكي شعبي تفنيه ليبي هولمان، كلمات جون لاتوش، بمرافقة غيثار: جوزيه وايت.

الحلقة الثانية من الفيلم،وهي لـ0ماكس ارنست، ألفها ريشتر مستمدا إياها من رسوم كتاب ارنست : ماء، وتحديدا من صورة فيه تمثل  رجلا يحاول الاقتراب من شابة غارقة في النوم وتفصله عنها قضبان حديد. ولم يغادر ارنست الاستديو قط طوال فترة تنفيذ الحلقة الخاصة به، وانتهى الأمر معه في آخر المطاف _ في حلة كاهلة وربطة عنق بيضاء، وبشريط أحمر _ لأن يمثل هو نفسه فيه الدور الثلاثي لرئيس الجمهورية، وللسلطة الأبوية، والضمير: نوع من ثالوث غير مقدس لا يكف يزعج العاشقين ويسترق السمع اليهما من وراء الأبواب ويتدخل في شؤونهما. تجري هذه الدراسة السوريالية عن الحرمان الجنسي في مناخ يكاد يكون كليا مناخ من يسيرون في نومهم، وتقع أحداثه في حوالي عام 1850، شأن الأمر في كتاب ماكس ارنست. كتب بول باولر موسيقى الفيلم، ووضع ماكس ارنست كلمات مونولوج "تيار الضميره الذي تتلوه النائمة.

الدوافع لـ : كالدر هي البطل في الحلقة الثالثة. وقد بني ديكورا حولها نصف دائري كلوحة خلفية للعسل، وعلى لوحة الخلفية هذه اختلطت الدوافع بطيونها خالقة كونا فاما: نظام شمسي بأصوات بللورية الرنين ويتألف من أقراص تتحرك بشكل جذاب ومن مدارات تذكر بالمواضيع التصويرية عند بول مكي أو عند ميرو التي دعيت فجأة الى حياة سحرية. فهي قد بدت تشبه أحيانا جزيئات تتحرك تحت مجهر عملاق، وتجريدات من عالم ذري، ونباتات تمثل باليها حقيقيا في كون لا يتحدد بأبعاد. إدغار فاريز هو الذي كتب موسيقى هذه الحلقة.

سيناريو الحلقة الخاصة به : نرجس، ألفه ريشتر نفسه. وهو عن رجل مثله مثل الآخرين يكتشف مصادفة بأنه مختلف عما يتخيل عليه نفسه. ويضعه هذا الاكتشاف في نزاع مع الواقع جارا إياه الى سلسلة من المغامرات الخيالية التي لا تصدق يكتشف من خلالها شيئا فشيئا هويته الجديدة. وقد رافقه في خط رحلته السوريالية : زوس (ماضيه) ولاعبو الورق (رفاقه في دنيا الواقع)، والنار والماء، والحب والموت. كتب ريشتر المونولوج الداخلي، وكان جاك بينتر، وهو الممثل المحترف الوحيد في الفيلم، بطله الرئيسي.

وقدم مارسيل دوشان من فاحيته أقراصا البصرية، وهي دوائر مرسومة ببعدين، لكنها تصبح دوائر ذات ثلاثة أبعاد عندما توضع في الحركة على منضدة دوارة. كانت الأقراص كاملة بذاتها، وبالتالي شكلت مواضيع محدودة الصلاحية لاعادة تكوينها سينمائيا. لكن ألوانها، على الشاشة، صارت ملائمة للتصوير لأقصى حد بتعارض مع الصور بالأسود والأبيض الفياضة بحركة حية التي في لوحة دوشان الشهيرة : عارية تهبط درجا. كتب جون كاج مرافقة موسيقية _"بيانو معد".

آخر حلقة في الفيلم مستمدة من سيناريو لـ : مان راي، وعنوانه : روث، ورود، ومسدسات. وهو نوع من هجاء للسينما يقترح نهجا يتيح للمشاهد أن يشارك بالحدث لأقصى ما يمكن، بإعادة تمثيل الحدث باطراد مع وقوعه وقد طلب ريشتر من مان راي أن يدير بنفسه العمل في الحلقة الخاصة به، ولكن هذا الأخير رفض. «اصوره كما لو أنه مناظر إخبارية،، ذلك ما قاله له مان راي على سبيل النصيحة، وكان قد أعد أمر رحيله الى هوليوود، يبقى أن النص هو مع ذلك لـ : مان راي.

وقد رافقته موسيقى داريوس ميلون.

وكان من نتيجة النجاح، كما تقدم القول، الذي استقبل هذا الفيلم به موجة كاملة من الأفلام السوريالية الفرويدية وأفلام التحليل النفسي - أو المزعومة كذلك - التي لم تبرحها السينما الأمريكية بعد -التجريبية منها عل أية حال -.

كانت مايا ديرين أول من تمثل عنده هذا التيار، علما بأنها والحق يقال كانت صورت قبل ذلك عدة أفلام تداخلها رؤى أحلام. أول تلك الأفلام هو: عيون الشبكة بعد الظهر Meshes of the afternoon   بالتعاون مع اسكندر حميد، والذي ظهر في عام 1943.

شابة (مايا ديرين) تعود لبيتها وتستغرق في النوم. وترى نفسها في نومها عائدة الى بيتها حيث تتعرض لعذاب الوحدة والحرمان وتنتحر فعلا. ولم يتجاوز الأمر في الفيلم اسقاط الواقع على الخيالي، حتى ولو كان ذلك مجرد إنذار على سبيل التحذير. إلا أن فيلمها التالي : على الأرض،  At Land      (1944)) ˇوهو نوع من «رحلة ميثولوجية في القرن العشرين »، خلطت فيه الواقع بالخيال بمزيد من علاقة حميمة بينهما، ولكنها أدخلت في الوقت ذاته عالما كاملا من رموز أكثر أدبية منها سينمائية. تكمن الأهمية في الفيلم في نوع من هدم لـ: المكان _ الزمان الواقعيين. لصالح خيالي تأخذ العلاقات بين الأشخاص والأشياء فيه معنى استعارة مرموزة.

وقد جرت متابعة هذا البحث في فيلم : دراسة حول تشكيلات الرقص لآلة التصوير(1945)A study for, choregraphy for the camera     وكانت حركات الراقص : توللي بيتي تتواصل فيه عبر سلسلة من الديكورات (غابة، ضفة أحد المناصف من الداخل وكذلك شقق من الداخل، الخ..) وفق تصاعد ايقاعي مفصل الحيثيات. وقد طرح المؤلف على نفسه فيه شكلا جديدا لحركات الرقص يستخدم امكانيات السينما المكانية - الزمانية.

كما أن الرقص بقي في أساس فيلم : كتاب الطقوس لزمن تحول شكله(1946)      Rituel in Transfigured Time  وكانت النية فيه سوريالية بشكل بات، رغم أن تلك النية استوحت : دم شاعر، Sang d'un poéte   بأكثر من استلهامها: العصر الذهبي.

ويتناول الفيلم ألاعيب الحب التي يلجأ اليها عاشقان (ريتا كريستياني، وفرانك ويستبروك). وتم أداء ذلك بطريقة رمزية ويرقص تشكيلي، فعبر الزمان والمكان من الطفولة الى الشيخوخة ومن الشتاء الى الربيع، يعيش الأشخاص في تحولات لا تنقطع، فهم أحيانا تماثيل وفي أحيان أخرى شخوص بشرية.

تأمل حول العنف Meditation on Violence   (1948) وعين الليل الحادة، The very Eye of Night    (1958)هما فيلما رقص أيضا، يدخل الأول في مجموعة رقص تشكيلي، حركات وجر صيني مسجلة بالسرعة البطيئة، ويستخدم الثاني تمارض السالب ~ :لموجب في الفيلم كي يعرض الراقصين وهم في عالم من أحلام يردها النائم، مؤلف من نجوم وغيوم.

من بين أفلام الرقص التي تحمل على غرار أفلام مايا دارين نوديا تتصل بهذا القدر أو ذاك بأحلام النائم أو سورياليه بشكل مبهم، يمكن أن نذكر: استبطان. لـ:سارة ألريدج ( 1947)، ترويه الحلم ومصح سترو جل لـ : سيدني بيترسون (1947_ 1948)، ودراسة رقصة لـ : يال وول (1948)، وبخاصة أولى تجارب شيرلي كلارك : رقصة في الشمس (1953)، ولحظة حب ( 1957)، والجسور، Bridges، وطواف،  Go- Round  كما أن من بين سينمائيي الجيل الجديد الذين وجهوا بحرثهم ناحية التعبير عن النبضات : نفسية _ جنسية _أحلام، وعن أفكار ومشاعر مستبدة عن حرمانات الخ.. والذين كانوا الأساس بدرجة تزيد أو تنقص في انطلاقة حركة «السينما السرية : أندر جراوند" التي سنتكلم لاحقا عنها، يحسن أن نذكر في المقام الأول : كينيث انجر، كورتيس هارنجتون، جيمس براوتون، ويلا رد ماس، وجريجوري ماركو بولوس.

أخرج كينيث أنجر خلال سنته العاشرة، بعد أن قام بأداء أدوار الأطفال في أفلام تجارية عديدة، تجربة أولى عنوانها: من الذي هز مركب أحلامي Who was  been rocking myDream Boat?   (1941) أعقبته أفلام : شجرة الريق المخادع، Tintel Tree  (1942) وهو دراما نفسية موضوعها العلاقة الجنسية مع المحارم. العش (1947)، ثم دراما نفسية أخرى : واقعة هروب ( 1944)، ونخل يصيب بالاسهال،  Drastic Demise   (1945) يقدم صورة عن إفراط جنسي خلال أحد الاحتفالات في هوليوود يفيض متجاوزا كل الحواجز.

الفيلم الذي حقق له مكانة مرموقة هو: ألعاب نارية، المصور في 1947، وهو أحد الأفلام الأول في قيام موضوعها على الجنسية المثلية وفي عرض ذلك من دون تدابير حذر أخلاقية. والقصة هي عن مراهق يحلم بأن جماعة من بحارة سكارى ضربوه حتى الموت واغتصبوه، ويتحول قضيب أحدهم في الفيلم الى سهم ناري يتطاير الشرر منه..

وبعد سلسلة من الأفلام غير المكتملة ونصف التالفة بسبب المصادفة من بينها لحظة البقة (1948)، والحب الذي يلتف ( 1949)، وقمر الأرانب، ومالدورور، والشاب والموت، ( 1950 - 1952)، علما بأن الأفلام الثلاثة الأخيرة قام بعملها في فرنسا، أخرج كينيث أنجر في ايطاليا : المياه، أسهم نارية، والفيلم متتالية حركات ماء وضوء، ركبت على موسيقى "الفصول الأربعة " لـ: فيفالدي، يتحول فيه وجه تمثال النافورة الى فرد حي بطريقة تستبد بالنفس وباروكية في آن معا (1953).

عقب عودته الى لوس.. انجيلوس، صور في  1954 فيلم : قص شريط الافتتاح لقبة اللذة، وهو عرض إيضاحي تنكري طويل للطقوس ألوثنية و!لاحتفالات الجنسية بالاستناد الى اليستر كرولي مرجعا في الأمر وجرى تركيب كل ذلك فيلميا على ايقاع يشيع الهلوسة متكرر بلا نهاية. كان أفضل لصالح الفيلم ولا شك لو أنه أقصر. وتم فعلا تقديم صيغة جديدة للفيلم على هذا الأساس ركبت في عام 1956 ويبدو الفيلم فيها على نحو،"أحلام يقظة استثارتها الهلوسات " وعرضت مشاهد طقوس العربدة ورؤى الهلوسة في هذا الصيغة على أثو مجرد عاقبة لآثار المخدرات وتعاطي الـ : LSD.

عام 5 195، صور أنجر في صقلية : دير تيليما للرهبان، انطلاقا من رسوم جماعية جنسية كبيرة لـ: اليستر كوولي. ثم في فرنسا: حكاية أو.d'o Histoireˇ  (1960) عن رواية سادية _ جنسية بنفس ائعنوان. أما عمله الذي يجسد سماته المميزة بأفضل من كل أعماله الأخرى فما يزال حتى اللحظة الحاضرة فيلم : صعود سكوربيو Scorpio Risinاالمصور في بروكلين وسان _ فرانسيسكو في ( 1964) ويستحضر الفيلم صورة فترة العنف من خلال حفلة جنسية _مثلية :قامته مجموعة من سائقي الدراجات النارية، وتقاطع الحدث صور _ : هتلر وجيمس دين ومارلون براندو، والمسيح، والفيلم ممارسة حقيقية للسخرية السوداء انطلاقا من موضوع الدمار والموت.

بعد فيلمي فدائيو عربة الجمارك Kustom Kar Kommandos    (1964) وخفايا حوض ماء أنجر  Angor Aquarium Arcanum  وكلاهما نوع من تكريس لأعمال أنجر السابقة، أخرج أنجر: صعود لوسيفير (1966_ 1968). ويمثل هذا الفيلم الأخير الصراع بين جيل الراشدين وبين الـ: "teeny-boppers" 'من خلال شعور ديني ساذج وجنسية فياضة. إن السحر والوثنية والجنسية المثلية تختلط في أفلامه بعضها مع بعض على خلفيه بريئة القلب من العنف ومن السادية تلطف من غلوائهما سخرية تهكمية متعمدة.

باشر كورتيس هارنغتون عمله أول ما بدأ بنسخة 8 مم لـ:سقوط عائلة آشر. وأخرج بعد ذلك في (1946) فيلم : جزء من بحث الذي له في الوقت ذاته عنوان آخر هو رمز الانحطاط. ثم تعاقبت الأفلام التالية : نزهة خلوية (1948)، على الحافة ( 1949)، منازل خطرة (1952)،تكليف (1953)، أفسنتين ( 55 19)، موجة الليل (1966)، وهذا الأخير تعاون فيه مع دونيس هوبر. وجميع هذه الأفلام ذات طابع رمزي - تخييلي. ويبقى أكثرها إثارة للاهتمام فيلم جزء من بحث الذي يقدم صورة عن النرجسية. وهي قصة عن فتى يعاني العذاب من ممارسته العادة السرية ويفزع حجة من حضور الفتيات. وحينما يعود الى بيته يشعر إزاء البيت وكأن هذا الأخير سجن. ويستسلم الفتى منقادا ليأسه. وبغتة ينقبا الى أن فتاة دخلت عليه غرفته. ويرد على دعوتها بحركة تحد ثم يذعن لأن يقبلها. ولكنه من فوره يصدها عنه، فهي ليست إلا هيكلا عظميا بضفيرتين شقراوين. ويهرب الى غرفة أخرى فيرى انعكاس صورته في المرآة، ويتبين له أنه عاشق لجسده. الشخص.

سيدني بيترسون وجيمس براوتون أخرجا بالروح ذاتها فيلمهما، ترتيلة محفوظة (1946)، الذي ينطوي على الدعوى بأنه يطرح نهجا جديدا لحل مسألة الميثولوجيا والاستعارة المرموزة في آن معا، على أساس حلول الحدس محل المراقبة واستبدال التحليل بالتركيب وانزال الرمز بدلا من الواقع. إلا أن الأمر لم يتجأوز كونه تشكيلة في إثارات بلا نسق تعتمد المفاجأة مما يتلهي السورياليون به، أفلام سيدني بيترسون التي تلت كانت أكثر أهمية : القفص ( 1947)، القلب المتحجر (1948)، السيد فرينهوفر والتنين ( 1949)، وأحذية القيادة (1949)، وهذا الفيلم الأخير، الذي يظهر أما تحاول انقاذ طفلها، الميت على الأرجح، يستخدم : الاعوجاج  والتوأء البصري وتشويه الصورة ليترجم مشاعر وضياع وهذيان المرأة العجوز المفجوعة في أمومتها.

أما جيمس براوثو ن عن نأحيته فقد أخرج سلسلة من الأفلام الهجائية، هي : عيد الأم ( 1950)، الذي يتصرف الكبار فيه تصرف الأطفال، مغامرة جيمي ( 1950)، وهو نوع من سيرة ذاتية ساخرة، أربعة بعد الظهر ( 1951)، ويعرض مساعي أربعة أشخاص للعثور على الحب، توم المجذوب ( 1951) وهو سكيتش قصير على طريقة ماك سينيث، بستان اللذة (1953)، وهو محاكاة ساخرة للأفلام التي تدور حول الجنس.

جريجوري ماركو بولوس استغل سيرة الآلهة اليونانية ليتخذ من الحب الذكوري موضوعا لجميع أفلامه. ذلك لم يمنع من أن فرادة البناء في تلك الأفلام تتمثل في إقامة تعارض وتجاور لا يتوقفان بين المامي والحاضر، بين الخيالي والواقع، وفقا لما يبدو أن للوجودان. أفلامه التي كان لها تأثير أكيد على وجه كامل في وجوه السينما المعاصرة بأقل من كونها نوعا من استكشاف للنبضات الجنسية أو العاطفية.

وقد شكلت تجاربه الأولى : بسيكيه، وليديس، وشارميد (1947- 1948) ثلاثية موضوعها : "الدم، ودد اللذة، و" الموت » الأول صورة عن الحب السحاقي عند بسيكيه. والآخران يوردأن أخبار بعض الصداقات الخاصة التي توحي  بها حوارات افلاطون. أعقبت الثلاثية أفلام : الموتى (1948)، عيد الميلاد في الولايات المتحدة (1949) - الذي تغير عنوانه على التوالي الى : غراب الزرع، ثم : عيد الأب، ثم زهور من الأسفلت ( 1950- 1951) -وجاء بعد ذلك فيلم : بروميثيوس (1950).

سوين المصور في (1951) عن قصة قصيرة لـ:هوثورن هي: «،فانشيف " يمثل العالم الذهني لفتى متصوف تقوده الرغبة التي تستبد به الى اليأس والى خلل في الادراك، بينما تتزايد سرعة الايقاع لينتهي الفيلم بلهاث تركيب فيلمي شديد القصر. مدينة الذهب (1958) يطور موضوع التنبه الجنسي عند مراهقة صغيرة، ورجولة مضاعفة (1962- 1963) يقدم خرافة ايبوليت. وتتداخل في الفيلم بلا انقطاع افكار البطل، وأمه ومعلمه المرشد خالطة بلا تمييز الذاكرة والحلم والواقع.

ويبدو أن فيلم ماركو بولوس الأكثر تميزا هو : الهوى الايلي الذي أدى الأدوار فيه آندي وارهول، وكلارا هوفر، وجاك سميث، و«،طليعيون » أمريكيون آخرون ( 1964 - 1966). والفيلم وفقا لما ذهب اليه النقد السينمائي في نيويورك "يلخص ويعرض حصيلة أهواء الانسان في مجموعها وفق ثلاثة خطوط سرد يتشابك بعضها مع بعض في ردود فعل كل منها إزاء الآخر.

وبما سلسلة من الصور الشخصية تمثل شخصيات معاصرة شهيرة مثل و. هـ أودن، ويا سبر جونز، وروبيرت سكول وغيرهم (طبع مجموعها بعنوان : مجرة 1966)، أخرج جر يجوري ماركو بولوس ما بين 1966و1972: هيراكليس، ومعدن، وقدم اقتباسا ممن سيرافيتا بعنوان : هو ذاته وهي ذاتها. ثم قدم عملا طموحا حول خرافة إله الحب المخصب إيروس بعنوان : ايروس الملك Eros  Basilus  وبعده : حافة حادة، Aréte  و: مينز Menz  وراغز ستور، Ragzstűre   وتجربة، «بنيوية »: غامليون،.Gammelion  ويلا رد ماس، بمساعدة زوجته ماري مينكن، أخرج في 1943 بالاستعانة بخدع بصرية وفوتوغرافية عملا بعنوان : جغرافيا الجسد يظهر فيه الأجزاء المختلفة من جسم الانسان في سلسلة من اللقطات المجسمة كل واحدة منها أكثر إثارة للاشمئزاز من الأخرى. صور في ألثلج  Images in the Snow  (1948)،هو دراما نفسية عن الاستلاب في الجنسية المكية، في حين أن : آليات العمل الجنسي،  Mechanics of Love   (1955)، نرجس Narcissus  اللذ ين جرى تصويرهما بالتعاون مع بن مور، قدما بواسطة رموز فرويدية صورا إيضاحية عن مختلف أبواب المضاجعة والجنسية  المثلية.

ويمكن أن نذكر أيضا لحملها الروح نفسها واشتراكها في البحوث ذاتها فيلم : منزل من ورق اللعب، House of Cards   (1947) و: الأخبار كلها All the News,   (1948) وكلاهما لـ: جوزيف فوغل، وفيلم : صيف الجائحة (أو: الطاعون)، Plague Summet :  ، لـ:تشيستر كيسلر، و:فندق القمة، Hotel Apex :   لـ : ويلدوم كيز، الطبل The   Drum والرعب الاول        The First Fear لـ :ريتشارد س. برومر ( 1951 - 1952). وكذلك أفلام روبير فيكرري: سدي الانحطاط، Texture of decay ( 1952)، أوديب،) Oedipus   1953) موعد مع الظلام. Appointment with darkness.   (1953) مهرجان مساخر  Carnival   (1954) معجزة للبيع بسعر بخس :Miracle for sale cheap ،ايلين في بلاد النافذة: Ellen in  Window Land    (1957)، باحة اللعب :. Play - Ground (1958).

على الرغم مما في أفلامهم من توجه يستوحي بهذا المقدر أو ذاك المكية الجنسية، بدعوى رؤى الأحلام والفرويدية والسوريالية، فقد لعب أولئك السينمائيون دورا هاما في تطوير الفيلم التجريبي في الولايات المتحدة. ومر تأثرهم بأكثر أو أقل بالطليعة الفرنسية التي برزت في العشرينات التي حاولوا مع ذلك الهروب منها، إلا أن غرضهم الأساسي (على غزارة الرموز الأدبية عندهم) كان المساهمة في إغناء اللغة البصرية وتطويعها لمزيد من المرونة في التعبير عن الصراعات الذاتية وعن حركات الوجدان، والأفكار الجنسية المستولية باستبداد على المرء.

ويمكن الى جانب هذه التجارب التي رأت الضوء ي الولايات المتحدة أن نحتفظ من بين الأفلام الأوروبية التي ظهرت في المرحلة ذاتها بالفيلم السويدي لـ: رون هاغبرغ : بعد الغروب يحل الليل ( 1945_ 1946). وشأن الأمر في الأفلام المنوه عنها فيما تقدم ليس الموضوع هو ما يهم في الفيلم وانما الطريقة التي عولج بها. ويرتكز الفيلم على حكاية فكرة مستبدة بالنفس. طالب شاب يتابع الدراسة في فرع التحليل النفسي مستغرق في كتبه كانت جاءته رسالة من جدته أكدت لديه ريبه حول نفسه.

فهو على اعتقاد بأنه مجنون وارتكب خلال هذيانه جريمة - التي لم تقع في الواقع الا في خياله المختل.

وتكمن أهمية الفيلم في مزجه الواقع بالخيال على نحو حميم لدرجة، بحيث جعلهما غير قابلين لتمييز أحدهما عن الآخر. وقام ذلك على مزج الواقع الذي يدور في الذهن مع الواقع المحسوس في العالم الخارجي، بكلام آخر: تجسيد لا واقع هلوسي على أنه واقع مادي، واستدراج المشاهد دون أن يحس لأن ينزلق الى العماء العقلي الذي عند الشخصية، وبالوسائل السينمائية، إيصال الايحاء الى المشاهد بالجنون الذي سقط بطل القصة إزاءه.

ويتأكد منذ الصور الأولى في الفيلم هذا القصد المتعمد في إحالة كل واقع محسوس ومدرك ذهنيا فيه الى واقع شبه سوريالي. ولكن توفيق رون هاغبرغ الأكبر كان في المجال السمعي، إذ توصل بمؤثرات بسيطة - مثل صفير الغاز الذي يتصاعد صوته باطراد في الأذن مع ابتعاد الشخصية عن الموقد. في تضمين للزمن الفيلمي في الزمن النفسي. هذا الفيلم كذلك لم يفتقر طبعا الى الرموز المصن