|
|||||
|
-1-
تحاول هذه الورقة
مقاربة الموضوع الغنائي
بوصفه واحدا من أبرزا
لسمات التكوينية في مشروع
محمود درويش الشعري، سواء
من حيث الديمومة الطويلة
التي تكاد تبدأ منذ القصائد
الأولى وتتواصل حتى القصائد
الأخيرة، أو من حيث الحضورا
لمركذي شبه الدائم في
معظم النقلات الأسلوبية
الكبرى التي عرفها هذا
المشروع. ولسوف نتوقف عند
اشكاليات مصطلح
الغنائية ذاته ( وهو، كما هو
معروف، بين أكثر مصطلحات
نقد الشعر تعقيدا وتشابكا
وتضاربا)، ثم بعض خصائص
الموضوع الغنائي عند محمود
درويش، كما يمكن تلمسها في
مجموعته هي غنية، هي
غنية (1986)، وتحديدا في قصيدة
واحدة من هذه المجموعة هي
"فانتازيا الناي". واذا
كان في وسع المرء أن يبدأ من
القرائن الأولى البسيطة،
فإن استعراض عناوين قصائد
درويش طيلة ثلاثة عقود، بين
عام 1966 وحتى عام 1990، يشير الى
حضور مفردات الموضوع
الغنائي في كل مجموعة
تقريبا: "نشيد ما"، "أغنية »
في مجموعة أوراق الذيتون ( 1964)،
"قال المغني"،"شهيد
الأغنية "? "ناي" «نشيد"، في
مجموعة عاشق من فلسطين (1996)، "أغنية
حب على الصليب "، "موال ". "أغنية
ساذجة عن الصليب الأحمر"، "مغني
الدم "، "أغنيات الى الوطن "،
"الأغنية والسلطان" في
مجموعة آخر الليل (1967)، "عازف
الجيتار المتجول » "تقاسيم
على الماء"، "أغنية الى
الريح الشمالية "، "أغنية حب
الى افريقيا" في مجموعة أحبك
أو لا أحبك (1972)، "موسيقى عربية،
"لحن غجري" في مجموعة حصار
لمدائح البحر (1984)، "عزف منفرد"،
"فانتازيا الناي" في مجموعة
هي أغنية، هي أغنية (1986)،
"رباعيات "، "جملة موسيقية "
في مجموعة أرى ما أريد ( 1990). من
جانب آخر، ربما كان الموضوع
الغنائي كما تجلى في
القصائد ذاتها هو التفصيل
الذي حظي على الدوام بقدر
ملموس من افصاح درويش عن "النوايا
الأسلوبية "، إذا صح هذا
التعبير. ومن المعروف أن
درويش نادرا ما يعلق باسهاب
على نصوصه الشعرية، ويحدث
غالبا أن دارسيه يقتنصون
إشارة هنا أو إشارة هناك من
حواراته وأحاديثه. ولحسن حظ
دارسه، لا يبخل درويش في هذا
المضمار، وتكاد بعض أقواله
تذهب مذهب الحيثيات القاطعة
الدالة على هذا أو ذاك من
شؤون شعره، فتقتبس على نطاق
واسع وتحتل موقعها لأسباب
عديدة تتجاوز أحيانا حكمة
إطلاق تلك الأقوال في
الأساس. ومما
يلفت الانتباه أن درويش
توقف مرارا عند تفصيل هام
منتزع من سيرته زمن
الطفولة، ذي صلة جوهرية
برؤية الشخصية لمفهوم الشعر
اجمالا، وبالموضوع الغنائي
على وجه لتخصيص. وأنقل هنا
هذا التفصيل كما رواه
الشاعر في حوار مع التلفزة
الفرنسية قبل أسابيع
معدودات:"بدأت علاقتي
بالشعر عن طريق علاقتي مع
المغنين الفلاحين،
المنفيين من قبل الشرطة.
كانوا يقولون أشياء غريبة
على درجة من الجمال بحيث
أنني لم أكن أفهمها، ولكني
كنت أشعر بها، وهكذا وجدت
نفسي قريبا من أصوات
الشعراء الجوالين المغنين،
وقيما بعد أخذت استمع الى
الشعر العربي الكلاسيكي
الذي يروي مغامرات عنترة
وسراه من الفرسان، فاجتذبني
هذا العالم وصرت أقلد تلك
الأصوات، واخترع لنفسي
خيولا وفتيات » (1) قبلئذ، في
عام 1987، قال: «مازلت أطلب
الغناء وأرفض الرومانسية،
مازلت أحث الواقع، بكل ما
فيه من مفارقات وتناقضات
وعبث، وأصر على الغناء الذي
لا يشبه الغنائية المعروفة.
لقد أراحني يانيس ?يتسوس حين
وصف شعري بأنه ملحمي غنائي،
أو غنائية ملحمية » (2) وفي عام 1970
كان قد قال: "أنا منحاز
للغناء في الشعر. إن المناخ
الانساني الحذين يقتض
الشفافية في التعبير، ا
وأحيانا لا أجد هذه
الشفافيه إلا في الغناء» (3). لقد
أراحه يانيس ريتسوس، ولكن
أنى لريتسوس أن يريح دارسي
الموضوع الغنائي عند محمود
درويش. الاجماع قائم وشامل
حتى أننا لا نعثر على
استثناء واحد لا يضع
الغنائية في رأس التوصيفات
العديدة الخاصة بشعر درويش،
فكيف باستثناء ينفي
الغنائية عن مشروعه. ولكنه
عموما ليس الاجماع الناجم
عن اشتغال نقدي معمق يبدأ من
النصوص ذاتها لكي يستصدر
الأحكام بوحي منها واستنادا
الى ما تعرب عنه من خصائص، بل
هو لسوء الحظ اجماع غائم في
معظم الحالات، وهو بالتالي
اجراء لا يسلط المذيد من
الضوء على ظاهرة أسلوبية
معقدة أصلا، بل يكتفي
باعادة انتاج الضوء القديم
المقيم ذاته، اذا لم يسلط
بعض العتمة ! ولسنا
نقصد توجيه اللوم هنا،
ولسوف نوضح بعد قليل مقدار
ما يثيره مصطلح الغنائية من
اشكاليات عويصة تسقط قسطا
كبيرا من الملامة عن دارس
شعر درويش، وان كانت لا
تعفيه البتة من واجب
المحاولة الثانية في أضعف
الايمان. وما يذيد الأمر
سوءا أن المصطلح يقاس عادة
بقرينة أحادية هي الأداء
الغنائي الصائت، أو"النغم »
في مغناه التطريبي المبتذل،
أو حتى بالقصيدة التي لا
تكتب إلا لكي تعطى الى
المطرب، الذي يحملها بدوره
الى الملحن. أكثر من ذلك. يحدث
أن ينقلب الخيار الغنائي
الى "شتيمة" أو "وصمة
عار"عند بعض الشعراء العرب،
لأن الغنائية هنا هي تذكره
على نحو ما بالأوزان
التقليدية بطبولها وصنوجها
وتطويباتها التي أكل الدهر
عليها وشرب، ولا يعقل أن
يلجأ اليها شاعر يشتغل على
تقنيات مختلفة مثل "تفجير
اللغة » و" الايقاع الداخلي
". وبالطبع
يتجاهل هؤلاء، إذ لا يعقل
أنهم يجهلون حقيقة حضور
الغنائية الى درجة الانفجار
الصرع في نص مثل "نشيد
الانشاد"، أو في المقطع
الشعري التالي من محمد
الماغوط على سبيل المثال: كن
غاضبا أو سعيدا ياحببيي كن
شهيا أو فاترا، فإنني أهواك. يا
صنوبرة حذينة في دمي من
خلال عينيك السعيدتين أرى
قريتي، وخطواتي الكئيبة
بين الحقول أرى
سريري الفارغ وشعري
الأشقر متهدلا على المنضدة كن
شفوقا بي أيها الملاك
الوردي الصغير سأرحل
بعد قليل، ومحيدا ضائعا وخطواتي
الكئيبة تلتفت
نحو السماء وتبكي.(4) وفي
كل حال، من الانصاف القول أن
اجتهادات دارسي الموضوع
الغنائي عند محمود درويش
تمتلك جميعها ما يمتلكه أي
اجتهاد من فضيلة مزدوجة. لها
أجر على المحاولة في الأساس
وحتى حين تخطي،، ولها
بالطبع أجر ثان حين تصيب،
إذا جاز لنا اقتباس الحديث
النبوي الشريف في هذا
المقام. ومن الطبيعي
استطرادا، أن نعثر على
معالجات "دراماتيكية » لهذا
الموضوع، وعلى أخرى رصينة
أو تلم بمقدار كبير من
النطاق الواسع المعقد،
النظري والتطبيقي، الذي
تشغله الموضوعات الغنائية
في أي مشروع شعري كبير. وهكذا
على سبيل المثال، نقرأ ما
يلي من شاكر النابلسي: (درويش)
يحاول أن يقدم دائما السؤال
الوطني والسؤال الفكري عن
طريق قلبه، وليس عن طريق
عقله أو ذهنه وهذا الذي يأخذ
شعره الى الغنائية دائما.
لذا فقد كانت الأغنية رمزا
لهذه التجربة في شعره. رمزا
لأن تمر كل التيارات عبر
قلبه، لا عبر عقله. ولذا فهو
يغني دائما. يغني، ويغني
ويغني، ما استطاع الى ذلك
سبيلا، حتى لا يقتل الرمز،
ويقتل المرموز، ويقتل
الترميز في شعره. ذلك أن
النغم يخدر الوعي، ويدع
الروح تتحرر، ويترك الشاعر
يرسل بحرية، عبر النغم،
والأغنية، وهو في حالة تآلف
بينه وبين الكون » (5). أو
نقرأ بالمقابل، ما يقوله
غالي شكري: "كان درويش عميق
الانصات للحوار السري بين
الانسان والطبيعة وسريع
الالتقاط لهمسات المعاني
الملتبسة في تراكيب اللغة.
أي أنه رغم افتراضه "البساطة
" في القصيدة الغنائية جاءت
قصيدته باصطياده غير (المألوف
من أعماق العادي والمألوف
كيانا مفتوحا على الدلالة
المجردة في قلب الصورة
المجسدة. وهي الصورة التي
أسست لغته من ترابط الايقاع
والدلالة، ويتابع غالي: "ومن
هذا المفهوم الأول للشعر
الغنائي أقبل معجمه الخاص
في اللغة، بمفرداتها
وتراكبيها ودلالاتها. معجما
من صناعة الخيال الخلاق،
الخيال المثقف بهذا القدر
أو ذاك من المعرفة والخبرة
البشرية والقدرة على إقامة
حوار غير مسبوق بين اللغة
والناس والأشياء، وبين
أسرار الأزمنة والتضاريس
المجهولة في جغرافيا الروح.
هذه اللغة التي استجابت
للصورة المركبة بديلا
للصورة المسطحة في الخارج
أو المكورة داخل الذات،
الصورة المركبة من الوعي
واللاوعي، من الذاكرة
الشعبية (التاريخ) والخيال
القادر على التركيب. هذه
اللغة أيضا هي التي استجابت
للصوت المركب من حوار
الطبيعة والانسان حوار
الأنا والآخرين، وحوار
الزمان والمكان، فلم يأت
صوت الشاعر أحاديا أو
متعددا بين المفني العربي
القديم والكورس اليوناني
القديم، وانما صوت مركب لا
ينوب عن، ولا يوجز، ولا
يختزل ولا يفني لنفسه. إنه
صوت الشعر، لا أي صوت آخر"(6). واذا
كان النابلسي قد لجأ الى
القلب بدل العقل و" النغم
الذي يخدر الوعي، ويدع
الروح تتحرر، ويترك الشاعر
يرسل بحرية " لتفسير غنائية
محمود درويش، فإن غالي شكري
لامس سلسلة من النواظم
الأساسية في الموضوع
الغنائي (أي الصوت الأحادي
أو المتعدد وحوار الأنا
والآخر وموقع الروح من
تضاريسها المجهولة) ولكنه
ذهب بهذه جميعها الى منطقة
أخرى ليست من الغنائية في شي
ء اذا لم تكن نقيضها المواذي
وأقصد الصوت الدرامي. وكان
ت. س. إليوت قد أصيب ذات يوم،
ببعض ما أصيب به دارسو
الغنائية العرب من حيرة،
ففي مقالته الشهيرة "أصوات
الشعر الثلاثة، توصل دون
كبير مشقة الى تشخيص صوت ثان
من الشعر هو الصوت الملحمي
أو الوعظي Didactic حيث يهيمن
الفرض التاريخي أو
الاجتماعي ويلح حضور
الجماعة على وجدان الشاعر،
وتوصل الى صوت ثالث هو الصوت
الدرامي Dramatic حيث ينقل الشاعر بعض
وجدانه الى شخوص وأقنعة
وأفكار خارجية، مثلما يتلقى
من هذه بعض وجدانها، ضمن
صيغة حوارية في الحالتين،
ولكن ماذا عن الصوت الأول،
الغنائي، حيث الشاعر هو
ضمير المتكلم، من نفسه
ولنفسه وحول نفسه؟ لقد نقب
إليوت طويلا في قاموس
اكسفورد بحثا عن تعريف
لكلمة "غنائي" فلم يجد ما
يشفي غليله. ثم استعرض قرونا
وعقودا من كتابة القصيدة
الغنائية في أوروبا القديمة
والحديثة والمعا هوة فلم
يجد بينها القاسم المشترك
الأعظم الذي يسمح بتدبر
تعريف ما. ولقد وجد اليوت أن
ما يميز القصائد التي ليست
وعظية ملحمية وليست دراسية
عن تلك القصائد المكتوبة
بضمير المتكلم هو أمر واحد.
أن شاعر ضمير المتكلم يعبر
عن أفكاره وعواطفه لنفسه،
أو لا يعبر عنها لأحد أخر
محدد» (7) وهكذا قرر أن يطلق على
قصائد هذا الصوت اسم "الشعر
التأملي »، فلاسفة ونقاد
وشعراء آخرون سواه لم
يعبأوا كثيرا بحكاية
التسمية بحد ذاتها فاستبقوا
عليها رغم أنهم اختلفوا
بهذا القدر أو ذاك حول
التعريف جزئيا، ثم انخرطوا
في سجال (لم يتوقف حتى الآن)
موضوعه مسائل أخرى أكثر
تشعبا وتعقيدا. ما هو
السر في أن هذا النوع
الكتابي الذي نسميه القصيدة
الغنائية صمد على مر الدهور
في جميع الثقافات الشفافية
والمكتوبة، في حين انقرض أو
يكاد النوع الوعظي والنوع
الدرامي؟ لماذا تبدو
القصيدة الغنائية وكأنها
اختصار الشعر بأسره، أو
تسميته الثانية؟ هل يكمن
بعض السر في العلاقة بين
القصيدة الغنائية
والموسيقى؟ ما هي خصوصية
موقع القاريء الواحد ذاته،
بين قصيدة غنائية وأخرى غير
غنائية؟ لماذا يبدو الوجدان
العاطفي للشاعر الفرد
وكأنه، في القصيدة الغنائية
أكثر قدرة على "تكييف
استجابات القاريء، وربما
تحويله الى صوت ثان للشاعر
أو صدى لذلك الصوت كما أشار
هيجل؟ لماذا كان الصوت دالة
الموضوع الغنائي ومشكلته في
الآن ذاته؟ واذا شئنا نقل
هذه الأسئلة الى منطقتنا.
فكيف يتوجب أن نفسر شيوع
أولى القصائد الغنائية في
الأشعار المصرية
الفرعونية، والسومرية
والبابلية - الأشورية،
والكنعانية والعبرانية،
والساسانية والغسانية
واللحمية والفارسية، وذلك
قبل وقت طويل من الولادات
الأوروبية الأولى لهذه
القصائد؟ وبالطبع
ليس من مهاو هذه الورقة
الخوض في محتوى السجالات
التي نجمت عن الأسئلة
السابقة، ويكفي التذكير هنا
بأبرز خصائص القصيدة
الغنائية كما تمخضت عنها
وتجمع عليها جملة هذه
السجالات، إنها قصيدة قصيرة
نسبيا وعموما (بين 30- 50 سطرا
شعريا) عالية التركيز في
طرائقها التعبيرية ذاتية في
التقاطها للعالم الخارجي،
شخصية في موضوعها، وقريبة
من الغناء في نوعية بنائها،
وهي تتحرك في موشور عريض من
الأغراض، يبدأ من قصيدة
الحب، ويمر بالمرثية، ولا
ينتهي عند الانشاد الديني
والتصوفي. وكان الشاعر
الأمريكي الكبير إدجار ألن
بوقد نفى عنها صفة التفجع
العاطفي الرومانسي، واعتبر
أنها ليست سوى الشعر في أصفى
أشكاله. والموسيقى في
القصيدة الغنائية عنصر عضوي
تكويني، بالمعنيين الفكري
والجمالي. والعمارة
الايقاعية تصبح بؤرة تركيز
لمدركات الشاعر اذ تتخذ
شكلها اللفظي اللغوي، واذ
تشرع في نقل القيم
الوجدانية والشعورية
والعقلية. ويجدر التذكير
هنا بأن العرب كانت تقول "مقود
الشعر الغناء" ولحسان بن
ثابت بيت شهير يقول فيه: تغن
في كل شعر انت قائله ان الغناء لهذا الشعر مضمار(8) -2- الخصائص
السابقة تقود إلى خصيصة
أخرى سوف نتوقف عندها ببعض
التفصيل لأنها ذات صلة
بالجزء الأخير من هذه
الورقة. القصيدة الغنائية
كانت أم قصائد الشعر في معظم
ثقافات العالم لأنها كانت
الشكل الأبكر والعفوي من
اللغة، وليس شكلها المطور
والانعكاسي والنثري
والخطابي. بمعنى آخر، كانت
القصيدة هي اللغة في
مستواها الخام الذي ينظم
المدركات على نحو لا هو
بالموضوعي المحض ولا
بالذاتي المحض، بل هو مذيج
معقد يشهد عمليات الرشق
المتبادلة بين الداخل (النفس)
والخارج (الكون)، وينقلب الى
وسيط شبه وحيد لتنظيم
الركام الهائل من الأحاسيس
والأفكار والمدركات التي لا
قرار لها ولا حدود. بمعنى
ثالث، كانت القصيدة الغنا
نية بمثابة المذيج الوحيد
الناجح بين الكلمة ذات
الصوت، والموسيقى ذات
الايقاع الهرموني، والمعنى
ذي المدركات الناجمة عن
الحواس. وقبل
العودة مجددا الى محمود
درويش سوف أقتبس نصا من
الفيلسوف الوضعي المنطقي
لودفيغ فتغنشتاين (1889 - 1951) وآخر من
الشاعر البريطانى ?يلان
توماس ( 1914 - 1953)، من أجل مذيد حول
هذه الخصيصة في القصيدة
الغنائية وربما في أي شعر
عظيم، يقول فتغنشتاين: أن
نقرأ النص الشعري العظيم
يعني أن نصفي الى الموسيقى
وهي تتكلم. لنتخيل أن أمرءا
ما لم يسبق له أن أصفى الى أي
نوع من أنواع الموسيقى،. ثم
جعلناه يستمع الى واحدة من
مقطوعات شوبان الغنائية. هل
سيلام هذا الرجل إذا جزم
بأنه إنما استمع الى لغة
مستقلة متكاملة، ينطق بها
شعب ما، وأبقاها قيد
الكتمان عن الشعوب الأخرى؟
وهو يورد هذه الفرضية في
سياق دفاعه عن "أذن ذهنية "لا
مناص من حيازتها وتنشيطها
مقابل - وأكثر - من "العين
الذهنية " كلما تعين على
القاريء أن يتذوق موسيقى الشعر
(9). ديلان
توماس يقارب الموضوع ذاته
من جانب آخر له علاقة بما
يسميه "هيئة الصوت" لقد
رغبت في كتابة الشعر لأنني
باديء ذي بدء وقعت في غرام
الكلمات، وأولى القصائد
التي عرفتها كانت أغنيات
الأطفال ساعة النوم، وقبل
أن تتاح لي قراءة هذه الأغنيات انسقت الى عشق
كلماتها أساسا، والكلمات
فقط. أما ما تعنيه الكلمة وما
تدل عليا فقد احتل أهمية
ثانوية للغاية، لقد شدني
صوت الكلمات، ولم أكن أعبأ
بما تقوله الكلمات بقدر
حرفي على هيئات الصوت الذي
يسمي، والكلمات التي تصف
الأفعال... في أذني والألوان
التي ترشق الكلمات على
عيني، لقد وقعت في غرامها،
وهذا هو التعبير الوحيد
الذي يخطر للفور على بالي.
وانني ما أزال تحت رحمة
الكلمات.. تلك التي تنفجر
تبالتي غير مثقلة بالاقتران
التافه أو المنذر المنتفخ.
لقد كانت الكلمات أشبه
بينابيع لا تنتمي إلا الى
نفسها، طازجة مغمورة بندى
جنات عدن اذ تتدفق من الفضاء
(10). وفي
تقديرنا أن بحث محمود درويش
عن هذا المستوى من العلاقة
بين الكلمة ذات الصوت
والموسيقى ذات الايقاع
الهرموني، والمعنى ذي
المدركات الحواسية لم يبلغ
ذروة دراماتيكية رفيعة
وبارعة على امتداد مساره
الشعري مثلما بلغه في قصيدة
" فانتازيا الناي» وقبل هذه
القصيدة ولكن في المجموعة
الشعرية هي أغنية هي أغنية
(11) كان قد كتب قصيدته "عزف
منفرد" التي يقول فيها: لوعدت
يوما الى ما كان هل اجد الشيء
الذي كان والشيء الذى سيكون العزف
منقرد والعزف
منفرد من
ألف أغنية حاولت أن أولد بين
الرماد وبين البحر، لم أجد الأم
التي كانت الأم التي
تلد البحر
يبتعد والعزف
منفرد لوعدت
يوما الى ما كان لن أجدا غير
الذي لم أجد ه عندما كنت يا ?يتني
شجر كي استعيد مدى الراوي..
وأسند افقي حيثما ملت وليتني
شجر لا يستطيل سدى.. صدقت
حلمي ? لا.... صدقت ما يرد والعزفه
منفرد(12) محاولة
للولادة من مطلق تبدأ حدوده
من ألف أغنية، في مطلق على
ميمنته رماد وعلى ميسرته
بحر. ومحاولة للولادة عن
طريق البحث عن أم غائبة هي
التي تلد، ومحاولة لاستعادة
مدى القول، "مدى الراوي" عن
طريق ´البحث عن شكل هو ?لشجر. وفي
القرار الأعمق من أذن الذهن
ألتي تقرأ هذه القصيدة،ثمة ?هر
لغوي موسيقي ? شعوري خام يطلق
عند القاريء عمليات لا
متناهية - عددها - بعدد القراء
والقراءات - من البحث عن
الشكل وتشكيل الشكل، من
الحلول في الغناء وتلبس
الصوت الذي يغني ومن
استقبال الشعر في واحدة من
أصفى برهاته الاعجازية.
دوائر البحث هذه تطلقها
أيضا حقيقة أن اللغة ذاتها
تبحث لنفسها عن شكل، كامن
على نحو ما في مخزون ثر من
الشعرية الفطرية
والتحويلات الشعرية، يملكه
أي قاريء وتسمح بولادته أية
قراءة. براعة
الشاعر الأولى أنه حول مزيج
روحه الى هيئة صوت قادرة على
ترجيع صدى في فضاء الخارج،
ثم استثار المخزون الخام
حين استدرج قراءة ديناميكية
تستقبل، وتعثر على نفسها أو
بعض نفسها فيما تستقبل
فترسل بدورها، الى نفسها،
وأما أنماط براعته التالية
فهي أسرار الاستعارة
والصورة والمعجم، والايقاع
والتركيب والعمارة،
والموضوع والنبرة
واللازمة، وتقنيات التوازي
والتقاطع والقطع.. وأما في
نهاية المطاف، حين يحدث أن
توضع القصيدة برسم الدراسة
الأدبية، فهذه أيضا هي
الأسرار التي يستعان عليها
بالنظرية وبمناهج التحليل
السيكولوجية
والسوسيولوجية واللسانية
والأسلوبية والفيزيائية
والاحصائية و...ولأنه
المعلم الماهر، فقد اختار
محمود درويش أن يكون ترتيب
هذه القصيدة الغنائية التي
تعتمد ضمير المتكلم بصيغة
المفرد تاليا لثلاث قصائد
ملحمية تعتمد ضمير المتكلم
بصيغة الجمع. وحين نشرع في
قراءة السطر الأول من "عزف
منفرد": لو
عدت يوما الى ما كان هل أجد الشيء
الذي كان والشيء الذي
سيكون؟ فإننا
لا نستدخل هذين السطرين الا
ونحن نحتفظ في المخزون -
المستثار والمتأهب - بسطور
سابقة من قصيدة "غبار
القوافل " تقول: نحن
للنسيان. قد جئنا لتقديم
الذبائح لاله
فر من خيمتنا واختفى
حين خرجنا نوقد النار له. نحن
للنسيان، إن جئنا الى النهر
حملناه يدا للأغنية واذا
جئنا الى الحقل فتحناه مدى
للأغنية كل
صوت يحفر الصخرة - نحن كل
ناي لم يجد انثاه - نحن كل
حلم لم يجد حالمه
الأول - نحن نحن
جمهورية النسيان، لم ندخل
ولم نخرج، وللنسيان نحن. أيمكن
أن نطلق صفة الارتطام
الفوري على ما يتم من تقابل
بين الـ "نحن " والـ "أنا»،
بين غبار القوافل والعزف
المنفرد، بين الحلم الجمعي
الذي لم يجد حالمه والعودة
الفردية التي لا تجد الشي ء
الذي كان أو سوف يكون، وبين
الموضوع الغنائي والموضوع
الملحمي، الحداء الكورالي
والانشاد الخافت، وبين
تفعيلات مجزوء البسيط؟ أم
هي هندسة تشكيلية تدرك حكمة
التضاد وتترجمه من الساحة
البصرية الى ساحة
المعنى؟ أم أن هذا كله بعض
السبب في أن يانيس ريتسوس،
وهو بدوره معلم ماهر وسليل
ثقافة هيللينية لا تستطيع
تجاهل ما اختزنت ذاكرة
المتوسط من غناء وملحمة،
عثر على التشخيص البسيط
المركب وقال إن شعر محمود
درويش غنائي ملحمي؟ لكنه
ليس هذا فقط، وما كان لر
يتسوس أن يكتفي بهذين
الأقصيين لو أتيح له أن يقرأ
بالعربية ما تشيده عمارتا
الصوت والموسيقى في قصيدة
محمود درويش من عمارة معنى
ليست سوى توسيعات فذة
لمعادلة الغنائية الملحمية
ذاتها. والتوسيع
المدهش الأول يبدأ من مطلع
القصيدة: الناي
خيط الروح، خيط من شعاع اني
راجح من حيث جئت من
حيث جئت بلا رفيق أو بلد بلد
يلم حطام أغنيتي، ما نفع
اغنيتي؟
وعلى
العكس من معظم السور
الشعرية اللاحقة، يعتمد
السطر الاول تنويعا مفتوحا
للحروف، وكأن محمود درويش
يريدنا بالفعل أن نتماهى
مع ما توحي به نفخة الناي
الأولى من انسياب لحني ثم ما
توحي به أشكال الناي والخيط
والشعاع والابد من استطالات
فيزيائية متجانسة. واذ
تتكرر كلمة "خيط " هنا، فإنها
تقوم برظيفة تأهيب أولى لما
سيتوالى من تخطيطات ايقاعية
شبكية، ولانها أشبه
بالقرينة التي تربه جزء
السطر الاول بجزئه الثاني
وتسبغ التنسيق على التباعد
التصويري بين الاستعارة
الأولى والثانية والثالثة. مفاجأة
ثانية أن الناي يفتتح مناخ
القصيدة ليس عل نحو غنائي بل
أسطو ري كثيف تصنعه ايحاءات
العلاقة بين الناي (الموسيقى)
من جهة أولى، "الروح » و"الأبد"
و«الصدى» من جهة ثانية.
والعلاقة بين الموسيقى
والمطلق، ثم الأثر السحري
الذي تمارسه الموسيقى على
الروح، كانت قد شغلت
الوجدان الانساني منذ أقدم
العصور. وكان الا غريق قد
فسروا هذه العلاقة على نحو
مثير بالفعل، حين اعتبروا
أن العماء السديمي غير
المحدود كان يخيم على الكون
بأسره حتى ولدت هرمونية
الموسيقى فانتصر النظام على
العشوائية، والخير على
الشر، والمحدود على
اللامحدود. ولأن الموسيقى
تجلت أولا في أصوات الطبيعة
من خرير وحفيف وتغريد، ثم
لأن البشر صنعوا موسيقى
خاصة بهم حين نجحوا في
محاكاة موسيقى الطبيعة، فقد
نشأت رابطة وثيقة بين
الأقانيم الثلاثة الكون
والروح والمحاكاة. مثير
أيضا ما وقع من تباين في
تفسير الثقافات لمدى ما
يكمن في الموسيقى من خير أو
شر، طبقا لفيزيائية تكون
وانطلاق الصوت الموسيقي.
ففي الشرق كانت النفخة
متنفس الروح ومبتدأ الخلق،
واحتلت آلات النفخ مكانتها
كأسلحة في أيدي الشخوص الأسطورية
الخيرة، أما في اليونان
فإن آلات النفخ كانت أداة
إغواء الروح واقتيادها الى
عوالم الشر السفلية (13). وفي
جميع الأحوال ارتبطت
الموسيقى بقيادة الروح، أو
بالأحرى كانت "خيط الروح "
كما يقول محمود درويش. لا
نزعم، بطبيعة الحال، أن
جميع قراء درويش سوف
يستعيدون هذه الأفكار
بالذات وهم يقرأ ون "فانتازيا
الناي». ولكن إشارة الدراسة
الأدبية اليها سوف تخلق
استراتيجيات قراءة أكثر
إحاطة وتحريضا، وسوف تضيف
جوانب جديدة الى مختلف
القراء ومختلف القراءات.
ولكن الأهم من ذلك أن جميع
القراء ليسوا على جهل
بالعلاقة بين الموسيقى
والروح وان كانوا أقل حاجة
ربما الى استكناه هذه
العلاقة التي يعيشونها كل
يوم تقريبا. التوسيع الثان | |||||