|
|||||
|
إن
المفارقة التاريخية التي
رافقت ظهورا لعالم الاسلامي
لحديث تقوم في ولادته كبيرا.
مما حدد بالضرورة عسر
تربيته وصعوبة انقياده بما
في ذلك لنفسه. وذلك لأن
انهيار الامبراطورية
العثمانية - الاسلامية كان
يعني أيضا انهيار روح
العظمة الزائفة واستظهار
عجزها الذاتي. لقد أثبت ذلك
وكشف في الوقت نفسه عن انها
لم تكن امبراطورية بالمعنى
الدقيق للكلمة، ولم تكن
قادرة على أن تكون اسلامية،
لأن هويتها النهائية كانت
تذوب منذ عهد بعيد في تركيبة
عديمة المعالم. أي أنها كشفت
عما وراء لباسها
الامبراطوري المزركش
وهيئتها الانكشارية عن جسد
عجوز. أما الحداد الجنائزي
الذي أعدته الامبراطوريات
الأوروبية المنتصرة فقد كان
يكشف عن قوة وشكيمة واصرار
في التهام كل ما يمكن
التهامه على انه غنيمة
العصر، والثأر التاريخي
الذي لازم مخيلة شعوب
القارة لقرون عديدة. وقد
فرض هذا الوا قم معادلة
جديدة كانت مقوماتها تامة
الكمال في طرفي الصراع
الشرقي - الاسلامي
والغربي - الأوروبي. أي
أنها أحدثت ما كان ينبغي له
أن يحدث مطبقة حذافير
الفكرة القائلة، بأن ما
أصابك لم يكن ليخطئك – وكشفت
في الوقت نفسه عن أن ما جرى هو
نتاج لما استقر فينا. وبهذا
المعنى كان الضغط الأوروبي
واجباره الحضاري الجديد
نعمة تاريخية أيضا بمضمونها
الثقافي والسياسي، لأنه كشف
عن أن العالم والتاريخ نأر
تحترق بمقدار وتنطفيء
بمقدار. غير
أن للاجبار الحضاري معناه
العميق بما في ذلك في وجوده
كأسلوب مؤثر في صيرورة
الحضارة ذاتها. ففي الاجبار
يندثر الماضي وتتمظهر في ظل
قواه المتصارعة الامكانات
الجديدة في مختلف اشكالها
على أنها بدائل لـ"الانبماث
" الجديد. الا أن هذا
الاندثار هوالصيغة
التاريخية التي يحددها
توازن القوى وكيفية ظهورها.
ذلك يعني بأن الاجبار
الحضاري هو في الوقت نفسه
أسلوب وجود الحضارات
وتعايشها وتصارعها لأنه
يتضمن في ذاته امكانيات
البدائل. أي أنه يضع معيار
الاستمرارية الموضوعية في
صراع الحضارات. وما عدا ذلك
فإن لكل اجبار معناه
الثقافي. فعندما
نقف على أرضية التاريخ
الفعلية، فإن الخطوات
المخطرة لا يمكنها أن تتعدى
قوة ذواتها الفاعلة. ذلك
يعني بأن الاجبار الحضاري
هو في الوقت نفسه الاسلوب
المناسب للتعبير عن الطاقة
الذاتية للصعود والهبوط.
فهو يستمد مقوماته من
مباديء نشوئه الأول. اذ ليس
الصعود الحضاري سوى نمط
تجلي الانفتاح المتزايد في
بواطن المباديء الكبرى.
وينطبق هذا بالقدر ذاته على
امكانيات هبوطه. بصيغة
أخرى، ان العمق الذاتي
للثقافات الكبرى هو عمق
مبادئها الأساسية
ومنطلقاتها الأولى: وعلى
كيفية انكسارها في ظل
الصراعات الواقعية تتوقف
أنماط "تهذيبها". الا أن ذلك
لا يعني بأن التطور !لتاريخي
للثقافات وأساليب وعيها
تختبيء بصورة غائية في
فعلها الأول. ان فرضية كهذه
لا تفعل في الواقع الا على
تأمل ما جرى بأعتباره قضاء
وقدرا. أي أنها تحول التاريخ
الى فعل ثابت،معطى مرة
واحدة وال الأبد. أما في
الواقع فإن "جمود؟" يقوم في
أسلوب رؤيته. فالتاريخ لا
يعرف صعودا إلا في مقابل
هبوطه، ولا هبوطا الا في
مقابل صعود؟. أي أنه غالبا ما
يعي ذاته وتجليا ته
الثقافية في مقولات الصراع
والتحدي وفي هذ0 الوعي يمكن
افتراض فرضيات لا تحصى،
ولكنه ملزم مع ذلك بالوقوف
أمام حقيقة كمون الحاضر في
المامي والماضي في مبادئه
الأول أو بؤرته الثقافية. وبهذا
المعنى كان الاجبار الحضاري
للغرب الأوروبي في مواقفه
تجاه الشرق وتأثيره عليه هو
اجبار في مفاهيم وقيم
الخضوع والسيطرة. أي أنه أثر
من أثار القوة وموازينها،
لا نتاجا للروح الانساني في
كينونته الفاعلة. فالأخيرة
ليست كيانا ما قائما بحد
ذاته، أو قوة مغتربة تمتليء
في الفعل التاريخي كما لو
أنها تجل لقانونية الحكمة
أو حكمة القانون (الطبيعي أو
التاريخي،، بل الروح المنسق
للوحدة. حقيقة أن الوحدة لا
تعني التجانس المطلق أو
الهدوء الوديع، لأنها لا
تفترض في صيرورتها حد
النهاية، بل قوة الفعل
الحية للصراع أيضا. أي أن
الكينونة الفاعلة للروح
الانساني لا تفترض هنا
بالضرورة مطابقة التاريخ
الفعلي مع الواجب المثالي،
بل تشير الى ما في غياب
التطابق هذا من «أنقص في
الكمال " باعتباره الهوة
الواقعية التي تقف أمامها
على الدوام مساعي الثقافات
الانسانية. ولهذا
كان من الممكن النظر الى
انهيار العالم الامبراطوري
العثماني على أنه نعمة أيضا
وذلك لأنه أبرز الى الوجود
تعددا اسلاميا وقوميا
جديدا، مما افترض في ذاته
تكون وتعمق عناصر رجوع
الأمور الى نصابها الحق. أي
أنه استثار مشاعر الرجوع
للمصادر الأولى، وبالتالي
تثوير الروح الاصلاحية
والراديكاليات الاجتما -
سياسية والثقافية. فقد واجه
كلاهما هذا الواقع الجديد
بحماس خاص تضمن في ذاته كل
التناقضات المميزة للوحدة
الحية. فقد سلك العالم
الاسلامي هنا سلوك ذلك
البدوي الذي أجاب عن سؤال
حول ما اذا كان يعاني من
البرد، وهو عار في الفلاة،
بعبارة: أدان نسبي يدفئني"!
واذا كان هذا الرد يبدو
ساذجا باعتبارات الجسد،
فانه عميق باعتبارات الروح.
فهو يكشف عن أن للجسد دفئه
الباطن فيما وراء جلده
العادي. أي كل ما يربطه
بمشاعر الانتماء اللامرئية. فقد
كان هذا الباطن التاريخي
لقوميات "الأمة الاسلامية "
يكمن في شعورها العميق
بإرثها الثقافي. مما كان
يهديء في ذهنيات وسلوك
الاصلاحيات الاسلامية
والراديكاليات السياسية
ورع الضمير المضطرب ويمده
في الوقت نفسه بشعور الثقة
المستند الى الفكرة القائلة
بأن الحياة في حروبها دول.
وقيما لو أزلنا شاعرية هذه
الصورة وتجريدها عن كل ما
يبدو في لغة الأدب تعبيرا عن
مأساوية المصير وبطولة
المواقف والنظر اليها في
تاريخيتها الواقعية، فإن
المعادلة الجديدة فيما بين
الغرب والشرق كانت تتمحور
في لحنونة التحدي الجديد
بين شروق الغرب الأوروبي
وغروب الشرق الاسلامي. أي كل
ما رافق عملية الاجبار،
التي أخذ يفرضها الغرب على
الشرق. فقد
كان لهذا الاجبار الحضاري
مقدماته الداعية في التاريخ
الأوروبي. فهو يظهر كما لو
أنه انكار ونفي وخيانة لتلك
الأجنة الكبرى في روافده
المدنية. أي في تكون ونمو
عناصر النزعة الانسية في
عصر النهضة ومحاربة
المركزية الكنسية
والدوغمائية الدينية في عصر
الاصلاح، والتثوير المعرفي
- الثقافي لعصر التنوير
وتطوير العلوم التجريبية
ودورها في ترسيخ العقلانية
والعلمانية عن الوجود
الطبيعي والاجتماعي. اضافة
الى قيم الليبرالية
والديمقراطية للبرجوازية
المنتصرة. أما في الواقع
فانه لم تكن هناك خيانة ولا
انكار ولا نفي. لقد سار كل شي ء
على أنه جزء من كلية
الصيرورة الرأسمالية
وتراكمها النهم. وقد كانت
هذه العملية عميقة المحتوى
وبعيدة الأثر، نقلت الكيان
الأوروبي، رغم تجزئته
المتفاقمة، الى وحدة جديدة
من خلال فرض أولويات مركز
يته في وعيه الذاتي. وهو ما
يفسر لحد ما غياب رؤية الغير
وآثارهم فيه. ولهذا أصبح من
الممكن أن يفترض الأوروبي
في تاريخه العلمي والفلسفي
والسياسي والأدبي، تلقائية
تطوره الذاتي. وهي نظرة
واقعية للأنا الأوروبية.
الا أن هذا الافتراض الصارم
في تجاهله للغير يتضمن
البقايا المقلوبة للهم
الشرقي في الوعي التاريخي
الأوروبي ووجدانه. ومن
الصعب توجيه اللوم الى
ظاهرة كهذه، مازال التطور
الأصيل يستلزم بالضرورة
النفي الدائم لمقدماته. فمن
الصعب على الشجرة مثلا، أن
تلتفت في نموها الى بذرتها
الأولى، مازالت هي ذاتها
تعطي في ثمارها البديل
الكمي والنوعي لبذرتها
لاولى. فقد
جرى التطور الداخلي لأوروبا
من خلال الرجوع الى المصادر
اليونانية في الفكر،
والرومية في السياسة
والنصرانية الأولى في
ايمانها الوجداني، مرورا
بالوساطة العربية. أما
التطور الخارجي فقد ارتبط،
فيما لو استعملنا عبارة
القدماء بقوى النفس الغضبية
لخيالاتها المشرقية. في "الاكتشافات
" الجغرافية لم تكن في أحد
جوانبها، سوى نتيجة تتبع
حاستي الشم والنظر
الأوروبيتين لبريق الجواهر
الشرقية وأريج عطوره وروائح
توابله المغرية. غير
أن ذلك لا يعني الانتقاص أو
التقليل من شأن هذه
الاكتشافات. فقد كانت هي دون
شك."اكتشافات " للوعي
الأوروبي وتوسيعا لمداركه.
بمعنى أنها وضعت جغرافية
العالم لا في جغرافيته
الواقعية، بل في تصوراتها
البدائية. وهو ما نعثر عليه
في ثبات الوهم القائم في
تسميات عديدة كهنود أمريكا
وما شابه ذلك. ولكن اذا كانت
هذه الاكتشافات تمتلك
قيمتها في مدارج الوعي
الأوروبي، بما في ذلك في
مركزية تصوراتة "العالمية "
فلأنها استجابت لمساعي
ابداعه الخاص. أي جرى تحسسها
وتلمسها وادراكها في معترك
البحث الدؤوب. وهي الصفة
الملازمة لكل ابداع حي
تماتما بالقدر الذي عادة ما
تؤدي به في بداياته الى
اطفاء ورع التواضع المعرفي. وبما
أن الأخير كان على الدوام من
هواجس المفكرين الكبار، فإن
الاندفاع التحمس لـ"الاكتشافات
" الجغرافية، لم يكن حبا
للمعرفة ولا توسعا للمدارك
أي أنه لم يكن «تقليدا» لروح
الاغريق القدماء، بقدر ما
أنه كان استجابة لسطوة
الأوروبية الرومية، أو
المادية الشرهة. مما عمق في
آن واحد نفسية النفس وشهوة
نوازعها المادية. وهي
الحصيلة التي يمكن رؤيتها
ليس في أدب السياسة
الأوروبية منذ مكيافيلي،
وبل وفي أدبها الشعري
والروائي أيضا. لقد
أدت هذه العملية في مجراها
وفي حصيلتها الأولى الى خلق
الأسطورة المثيرة عن الشرق.
مما ولد الى جانب تهويل
هالتها الظاهرة اغراء كواهن
السطوة والاغتصاب واستثارة
لعاب السرقة ومشاعر
الارتياب تجاه من يقف بالضد
منها. أي أنه أثقل النفس
الأوروبية بخطاياها. واثار
فيها روح الغزو والاستيلاء.
وذلك لأن "اكتشافأت " الوعي
الأوروبي الجديد للشرق
استثارت فيه روح المغامرة،
وتثليم معارفه الشخصية
القديمة. الا أنها خلقت في
الوقت نفسه الأساس الموضوعي
للاحتكاك السياسي - الحضاري
الجديد، الذي دفعه تطور
البرجوازيات الأوروبية الى
نهايته المنطقية: التوسع
العسكري والنهب الاقتصادي!
وهي ظاهرة متميزة وفريدة في
التاريخ العالمي سواء من
حيث فعلها وغاياتها
وآلياتها ونتائجها. فقد
كان التاريخ العالمي في
مساره بمعنى ما، احتكاما
أمام محرابه الذهبي.
وبالتالي فلا معنى هنا
لاتهام "الآخر" وتبرير
الذات في أفعالهما
التاريخية. فالأخيرة هي
ليست معمدانا للروح
الاخلاقية، ولا شمعدانا
للصوص. أو على الأقل، انهما
اختلطا على الدوام
بابداعهما نماذج الوحدات
المتناقضة باعتبارها
صيرورة للحضارات ذاتها
ومدنياتها وبهذا كان التوسع
العسكري والنهب الاقتصادي
الأوروبي، اللذين رافقا
صيرورة البرجوازية نتاجا
طبيعيا لغياب التكافؤ
الاجتما - ثقافي والعلمي في
أحدى مراحل التطور التاريخي
العالمي. مما أدى بالضرورة
الى الا تتحدد أفعاله
بغاياته، ولا آلياتها
بنتائجها. واذا كان هذا
اللاتطابق هو بمعنى ما أحدى
القوى المحركة للتطور
التاريخي، فانه شكل أيضا
معيارا نموذجيا أو مؤشرا
متميزا في ادراك خصوصية
الثقافات الكبرى. فالغايات
الكامنة في النزوع
البرجوازي للأمم الأوروبية
لم تكن واضحة المعالم. فهي لم
ترتبط بغايات متسامية. أي أن
تجليها المباشر، والذي يوحي
بالعقلا نية المفرطة، ما هو
في الواقع سوى أثر معكوس
للما دية المبتذلة وأوهامها.
ولهذا كان بامكانها أن
تستعمل كل الذخيرة
اللامتناهية للمخيال
الكاثوليكي والبروتستانتي
من أجل البرهنة على أن ما
تقوم به، بما في ذلك خارج
نطاق وجودها "الطبيعي"، على
أنه استمرارية لمعجزة
المسيح. فهي أيضا تبعث ما في
قبور الموتى من كنوز وتشفي
الذات من أمراضها. أي أن
تفترض في آلية فعلها أهدافا
لا تتطابق مع غاياتها
الفعلية. وعندما سيعطي فيفل
في وقت لاحق لهذا المسار من
خلال تأمله اياه صفة
العالمية، فإنه يكون قد
اقترب من حقيقة الذات. ولكنه
حالما يجعله مسارا للعقل
فإنه يكون قد أبعده في
متاهات الأدلجة البربرية.
ففي الحالة الأولى كان سبره
لفور الماضي اقتحاما
للمستقبل، إما في الحالة
الثانية فإنه يكون قد افترض
عقلا لما لا عقل له. ولهذا
كان مضطرا الى مداعبة جنونه
الذاتي بخيالة. أي الرؤية
المقلوبة والاستعلاء
الرزين المظهر والخاوي
المعنى، والتأمل المفرط
فيما لا قيمة له. إن
هذا الانقلاب المعنوي
للرؤية العقلانية عن
التاريخ ومحاولة حشره فيما
ترتضيه مشاعر الجرمانية
المتحذلقة، كان الصيغة
المناسبة للمعاناة
الألمانية الباحثة عن
معقولية للامعقول في واقعها
آنذاك. أي للعقلانية
المغلقة في قوميتها الناقصة
عن الكمال. أما عقلانية
المسار الواقعي لفعل
التاريخ الأوروبي فقد كانت
متضاربة المفزع والمحتوى.
مما أعطى لمظهرها همجيتها
المناسبة. وذلك لأنها أطفأت
في ذاتها ورع القيم
المتسامية. انها أعطت للفعل
قيمة الإرادة. وربطت
الأخيرة بالقوة (المادية،.
ولهذا كانت نتائجها مطابقة
لآلياتها. أي ابداع
البربرية الجديدة كإحدى
الصيغ الأكثر حضارة
للكينونة الأوروبية
الحديثة. فهي بربرية تختلف
عن تنقلات العالم القديم
وهجرات الجراد، كتلك التي
مثلتها القبائل الجرمانية
في أوروبا والمغول في آسيا.
غير أنه في كلتا الحالتين،
جرى تعمق الخمول التدريجي
لقواهم "البهيمية " من خلال
اندماجهم الشامل في امتحان
الثقافة والتمدن. أي
العملية التي حورت غريزة
الاجتياح الجماعي (
القطيعي، صوب سهول العمران
ودروبه. مما ألزم الروح
بواعثها في البحث عن مصادر
الجمال فيما وراء القوة
الجسدية. وهي
النتيجة التي نعثر عليها في
تنصر القبائل الجرمانية
واندماجها في هياكل "دولها
المقدسة "، وأسلحة المغول
واندماجهم في صروح
الامبراطوريات الهندية
الآسيوية. أي انهما اندثرا
وذابا في سيلان الثقافة
القديمة. وقد كانت تلك نتيجة
طبيعية، بفعل افتقادهما الى
مباديء موجهة كبرى. ولهذا
كانوا ملزمين في استعدادها
من نعاذ- الثقافة "المقهورة
". اما الاكتساح الأوروبي
الحديث فانه كان في جوهره
انقطاعا ونفيا كبيرا لما
سبق، لأنه لم يستند الى
غريزة "الخروج " البربرية،
بل الى كبحها الذاتي. وذلك
لأنها ارتكنت أساسا الى
تثوير وعيها الذاتي. أو انها
العملية التي ألهمتها مهمة
الرجوع الدائم للذات من
خلال نفيه المستمر كأسلوب
يقيني في معرفة الذات. وبما
أن هذه المعرفة قد جرت من
خلال تهشم وحدة النكنيسة
ودعامتها العقائدية، فانه
أدى بالضرورة الى إحلال
بدائل الأوروبية القومية
اللادينية مما أعطى لتطورها
نزوعه القومي- العلماني
البرجوازي. وقد حدد ذلك
بدوره أيضا نزوعها الخارجي
نحو السطوة والاستغلال. الغرب
وكينونة التحدي الشرقي -الاسلامي لم
تعد السيطرة "المدينة
الجديدة للغرب الأوروبي
استعارا بالطريقة
الاغريقية ولا الرومية. لقد
كان غزوها الشرق أقرب الى
البربرية المحصنه بوعيها
الذاتي الضيق. وذلك لأن
حوافزها وأفعالها كانت
محددة بآلية الأخذ
والاغتصاب والسرقة والنهب.
فهي لم تعرف العطاء ولا
البذل الروحي. ولهذا ثم تث ك
في يك ابداعها "الغرباء"،
لأنها لم تنو ذلك ولم تلهب
هواجسها وحدنية الفكر ولا
توحيدية القناعة ولا شعور
الواحدية الانسانية. ولهذا
ثم يكن "استعمارها» سوى
تخريب المكان وتوسيع زمان
الصحراء الثقافية للآخرين..
وبهذا المنى لم تختلف
الصيرورة الأوروبية
الجديدة في الكثير من
مظاهرها عما هو ممدن
للتاريخ البشري المنصرم في
حضاراته ككل. أي استعمال
القوة الداخلية وامتدادها:لخارجي
في شكل غزو واحتلال. الا أن ما
يميز هذه العملية الجديدة
هو محوريتها المركزية في
السيطرة أي محاولة خلق
العالم وصهره من جديد على
مثالها. وقد
كان لهذه العملية منطقها
الخاص في الثقافة الأ
وروبية وواقع تطورها
البرجوازي. أي أنها استندت
الى ما استقر فيها في نماذج
عليا وذلك من خلال نفيها في
مجرى التطور الاجتما -
اقتصادي والفكري - الروحي
والعلمي - التجريبي. بحيث
استطاعت أن تستعيد في مجرى
تطورها وحدة صراعاتها
الأول، أو نماذج وحدتها
وتجزئتها. وبهذا المعني
كانت تمتثل مساعي الرأسمال
في عالميتها، وحب السيطرة
في قو ميتها. أو انها ذاتها
الصيغة الجديدة لوحدة وصراع
عالمية الكاثوليكية وقومية
البروتستانتية. غير أن ذلك
لا يستلزم القول بتطابق هذه
الصيغ من حيث فاطيقها
التاريخية. انها فقط تشير
الى ما في نماذجها "المتسامية
" ما هو قائم فعلا في صيرورة
الوعي الأوروبي المعاصر
ووحدة انتمائه وصراعاته
فيها. فقد كانت
البروتستانتية، أو بصورة
أدق نماذج الاصلاح الديني
في واقعيتها شكلا من أشكال
تجلي الوعي القومي ونزوعه
نحو التحرر من عالمية
الكاثوليكية أو سيطرتها
الكهنوتية الشاملة. وقد أدى
ذلك بالضرورة الى بزوغ
الورع القومي على أنه نموذج
حي لاستعادة الانبماث
المسيحي. حيث جرى فيه البحث
عن الخلاص الحق من الشرعية
المزيفة التي حاكت الكنيسة
الموحدة في غضون قرون
عديدة،، ثوبه الميلادي
وكفنه الجنائزي. وهو ما يفسر
لحد ما سر المواجهة التي
خاضت أوروبا بها صراعاتها
ضد الشرق باسم المسيح. أي
أنها استمدت من حوافز
الكاثوليكية العالمية
نزوعها الوحدوي - الملكي (الامبراطوري).
الا أن تجسيدها السلطوي كان
لابد وأن يجري من خلال تنافس
قومياتها الأخذ في النفور
والفرقة. فقد ظلت النزعة
العالمية تشكل الخلفية
الموضوعية لوجودها (الأمم)
وصراعها. أما القومية
الصاعدة فقد كانت الأسلوب
المناسب لفعلها وعملها. أي
كل ما شكل الخلفية
المتصارعة والمتناقضة في
الوقت نفسه لـ "روحية " الأمم
الأوروبية و"ذهنياتها".
وبالتالي خلفية وأسلوب
مواقفها واحكامها وتقييمها
للحضارات الأخرى وثقافاتها
القديمة والمعاصرة وبما أن
لكل تعميم مثالبه الخاصة،
لهذا فمن غير الدقة القول
بالتشابه والتجانس
الكاملين في آراء
الأوروبيين ومواقفهم
واحكامهم للثقافات الأخرى.
فقد كشف تاريخ الوعي
الأوروبي ومدارسه وما يزال،
عن تعارض وتضاد يصل أحيانا
حد القطيعة فيما بين
اتجاهاته بصدد تقييم ثقافته
نفسها وثقافات الآخرين. غير
أن هذه العملية مازالت في
تناقض لم يحسم نهائيا بعد
لصالح التعددية الثقافية.
فقد أثار القرن التاسع عشر
مسألة ما اذا كان الغرب
مدينا في ثقافته الفلسفية
الاغريقية للشرق أم لا، حيث
حسم لصالحه. وهي اجابة عميقة
المحتوى ودقيقة من حيث
مكوناتها وفاعليتها
الواقعية. ولكنها عوضا عن أن
تثبت دعائم التعددية
الثقافية، انهمكت في نسج
خيالها الشقين عن عالميتها.
ولم تكن هذه الضحية
المأساوية للعقل والضمير
بمعزل عن مكونات وعيه
السياسي وروح الميكيافيلية
العميقة. أي كل ما رفع ويرفع
عناصر القوة والتفوق
والسيطرة الى مصاف المطلق
السياسي والفضيلة العملية. وقد
كانت النتيجة النهائية لهذا
الواقع تقوم على تطويع
الوعي الثقافي الذاتي في
بوتقة الانتصارات العسكرية
والتكنولوجية. فالأخيرة
كانت التجسيد المتعاظم
والآلي للروح الثقافية. مما
أغرى آلية التفكير بفعل
استقامة الميكانيك والآلة،
بحيث جعل من واقع القوة
المادية أسلوب وبرهان القوة
الروحية والحق. واذا كانت
هذه العملية المتناقضة قد
اسهمت في تعميق عناصر
العقلانية والموضوعية في
الفكر وحريته، فإنها أسهمت
أيضا في تثليم وحدة الحقيقة
والأخلاق. أي أنها أخذت
تنهمك في تأمل ذاتها ووعي
وجودها عل أنه النموذج
الوحيد الموجود. فهي تبدو
كما لو أنها اختزلت:لعقلانية
الديكارتية الى ديكارتية
ثقافية متأوربة. وبما أن
المادة الموضوعية لتفكيرها
هو وجودها الذاتي، فإن
الأخير هو الوجود الحق، وهو
المحك والمعيار النهائي
للمكتشفات القديمة
والمعاصرة. وقد
كمن في هذه العملية
المتجذرة للثقافة
الأوروبية وعي خصوصيتها
الفريدة. وهو انجاز عميق
المحتوى، بما في ذلك في
انسانيته. ولكنه يبدأ
بالفساد حالما يحاول أن
يتخطى ذاتة. بمعنى حاثا
يحاول أن يفرض مقاييسه
الثقافية على أنها نماذج
عالمية مطلقة. وهو ما يمكن
ملاحظته في فرضياته
التاريخية العديدة. أي أنه
يجعل من فرضياته منطقا
شاملا، عادة ما يتبعض فيه
تاريخ الأمم وثقافاتها الى
عينات جزئية في سلسلة
البراهين "العقلانية " على
ما في الثقافة الأوروبية من
شمولية في احكامها. أما في
الواقع فإن هذه الفرضيات لم
تكن في أغلب أحكامها أكثر من
أوهام رصينة. إلا أنها
استطاعت في هذه الأوهام أن
تخلق الوعي الراديكالي
وعناصر رؤيته للكل الانساني
من خلال التركيز على ما في
عينات الثقافة القديمة
وذراتها من "الأنا القديمة "،
أو "الطفولية " للوجود
الانساني. إننا
نعثر في هذا الترفع
والاستعلاء عن قوة ضاغطة
نحو ادراك حفريات الوجود
الانساني. وهي مهمة يشترك في
تأطيرها الفكري كل تيار
انساني التوجه والمحتوى.
ولكنه اشتر ان ثقافي الصورة
والمضمون. بمعنى امتلاكه
خصوصية تعامله مع وجوده
الذاتي في التاريخ. أما
بالنسبة للثقافة الأوروبية
فقد كان من الصعب عليها في
باديء الأمر أن تقرن رؤيتها
للغير بمعايير الشمولية
الانسانية. ولهذا كانت
مضطرة، موضوعيا أيضا، ال أن
تزاول رؤيتها "العالمية " في
معاييرها. والى أن تعطي
للأخيرة صفة العالمية. أي أن
تزاول وهم التدجين الثقافي.
وهو جهد لا يفعل في الواقع
إلا على اجترار بديهيات
الثقافة لا ابداعها الحر. أي
أن يجري بناء المواقف
والأحكام خارج كينونتها
التلقائية. بمعنى نقلها الى
واقه آخر لم يتحسس معاناة
الفعل التاريخي (للقيم
والمواقف). وهو أسلوب يمتلك
معناه وجذوره الموضوعية في
الشرطية الثقافية للمقارنة
وتجلياتها المعرفية. فقد
كانت بديهيات الثقافة
الأوروبية في ابداعها الحر.
مما حدد بدوره طبيعة
العلاقة فيما بينهما
باعتبارها علاقة الأنا
بذاتها. أما الصعوبة التي
يمكن أن تولدها ضرورة تحديد
العلاقة فيما بين البديهية
في الثقافة والابداع الحر
فيها، فإنها تزول حالما
يجري النظر اليها في إطار
الاستمرارية والانقطاع
التاريخيين، أو عملية النفي
الدائم للذات. ففي هذه
الأخيرة تتمركز الثوابت
المتغيرة للانتمائية
الثقافية، والتي شكلت كل من
الروح الاغريقية - الرومية
والنصرانية، والعلمية -
التجريبية قواها التاريخية
الكبرى. أي كل ما اسهم في خلق
وعي الانتمائية الأوروبية
لذاتها. وبالتالي ادراك
الأنا الأوروبية كقوة قائمة
بحد ذاتها. ان
هذه الانتمائية جلية في
التاريخ الأوروبي منذ مراحل
تاريخية مبكرة. وهي
انتمائية تستند الى روابط
فعلية ومؤثرة في صيرورة
الوعي الثقافي الأوروبي.
حقيقة أن الاشكالية الوحيدة
هنا هي بديهية الانتمائية
الاغريقية لأوروبا. فقد
كانت هذه الانتمائية نتاجا
للاستئثار الذاتي الأوروبي.
فهي لا تمتلك من حيث وجودها
التاريخي والثقافي صلة
جوهرية بالنزعة الأوروبية
المعاصرة. فالأخيرة تبلورت
تاريخيا ونفسيا وثقافيا
كوحدة متفاعلة للعناصر
الرومية - النصرانية. فالا
غريق لم ينهمكوا في انشاء
وحدة أوروبية على مثالهم
ونموذجهم. بل انهمكوا في
تهذيبهم الذاتي المتوافق مع
قوانين الفكر والجمال
الاغريقيين (الشرق أوسطي)،
بينما أفلح الروم في
التوحيد الأوروبي والبحر
المتوسط. أي أنهم حاولوا خلق
وحدة ثقافية عالمية. وهو أثر
انكسر في تفلفل النصرانية
الشرقية واختراقها للغرب
مما أدى الى صيرورة النزعة
الأوروبية المتسامية
باعتبارها وحدة ثقافية
مستقلة، تجلى أول ملامحها
الكبرى في خوض الحروب
الصليبية ضد العالم
الاسلامي، وآخرها في خروجها
الحديث عن عزلتها الذاتية.
ولهذا فإن خروج أوروبا من "غربتها"
وضعها بالضرورة أمام الشرق.
أي لم يكن بإمكانها أن ترى
آنذاك شيئا سواه، مما عمق
وأثار أنانيتها "الغربية". وقد كانت لهذه العملية آثارها المزدوجة في تعميق حدة الخلاف والمقارنة. أي افساد الرؤية وشحذ قوتها النقدية. وليس المقصود بإفساد الرؤية التاريخية هنا سوى انبهارها المفاجيء بظواهر العالم الشرقي. فالنفس المنغلقة والمتطورة ثقافية في ذاتها لا يمكنها آن ترى بغير مقاييسها المعتادة ومن هنا كان لابد للانطباعات الأولى أن تكون شرطية في شكلها ومحتواها وذلك لأن اصطدام الغرب الأوروبي بالشرق لم يكن بالامكان ادراكا بصيغ غير صيغ الانبهار والتعجب والاستخفاف والاستنكار، الرفض الكلي أو التقبل العاطفي. أي أنه لم يكن بامكانه أن يبني على أسس غير أسس رد الفعل النفسي والعاطفي. ولهذا فانه في الوقت الذي أفسد على الرؤية التاريخية مصادر ورموز استيعابها الواقعي للشرق، فإنه استثار في حدة انطباعاته الشرطية الروح النقدية، ولحد ما امكانيات تجوله في دنيا العجائب. وقد | |||||