|
1-
مدخل إن
تحليل خطاب نيتشه حول
المرأة يساهم في تحقيق هذا
الهدف, لأن نيتشه _رغم عدائه
للمرأة _ يعرض طرقا لمقاربة
مسألة تجديد الخطاب . وعلى
سبيل المثال, فإن الحاجة الى
التحرر من قيود النحو تمثل
موضوعا نيتشيا دائم التوتر (راجع
أخول الأصنام," العقل في
الفلسفة "، 5)،كما أن شدة
هذه الحاجة يمكن أن تنقل
بسهولة من الميتافيزيقا _
حيث استشعرها نيتشه _ الى
النظام الأبوي. وبالمثل فإن
المنهج الجينيالوجي يمكن أن
يستعمل بسهولة قصد تعرية
الموضوعية المزعومة في
الأحكام والادعاءات التي
يتبناها الذكور. وعلى
الرغم من مثل هذه التشابهات
الضمنية بين الأفكار
والمناهج النيتشية من جهة
وبعض اهتمامات الفكر النسوي
المعاصر. من جهة أخرى، فإن
اهتمام نيتشه الخاص بتجديد
للخطاب يدع النماذج الأبوية
في فلسفته هو سليمة غير
ممسوسة . لحما أن توترات
مشابهة بين المعاني الضمنية
والتعابير الصريحة في فكر
نيتشه تتردد باستمرار،
فسيرته الفلسفية تظهره
دائما في الطريق نحو مواقف
تظهر أصولها أولا في
استبصارات مباغتة أو تجارب
جسورة . ثم تصاغ بعدئذ
تدريجيا بدقة متزايدة اذ
يستقر على الأشكال
الاصطلاحية والمفهومية
الملائمة لادراكها
والتعبير عنها. إنه
طبعا يختار أحيانا أشكالا
ومصطلحات غير ملائمة .
ونتيجة لذلك, فإنه يبدو
قاصرا عن ادراك المعاني
الضمنية للأفكار المركزية
في فلسفته, ذلك أن الصيغ
التحيرية المتوافرة له
عاجزة عن التعبير عن فكره,
كما أن شخصيته - نظرا لتجذرها
في لحظة ذاتية وحضارية
معينة - تحول أحيانا بينه
وبين ادراك مسار فكره، أما
أسلوبه السجالي, المكيف
دائما لملاءمة لحظات غير
متميزة فإنه بالطبع يحجب
أحيانا نتائج تترتب بداهة
عن, أفكاره المركزيا (3). إن
أحد الادعاءات "النسوية " في
فلسفة نيتشه يتوافق مع نقده
للتدين المتكلف الذي يفترض
وجود عالم روحي من القيم
المضادة وذلك حتى ينهال
بالقذف على الجسد المادي
وعلى عالم المظاهر. وليس
صدفة أن يكون التدين ذكوريا
أيضا بشكل ساحق : فالرجال
يخترعون فكرة عالم قبلي
وعلوي من الماهيات ويقيمون
علاقة بينهم وبين ذلك
العالم, ثم يجعلون المرأة
مرتبطة بعالم الطبيعة الذي
هو عالم مشتق من العالم
الأول, كما أنه أقل قيمة منه (4)
ولتدعيم العلاقات التي
أقيمت على هذا النحو، فان
الرجال يعتنقون العقيدة
التي تؤمن بأن "الكلمة " لها
معنى صحيح واحد (عقيدة تذود
عنها سلطة الكهنوت الذكورية)،
ثم ينكرون القراءات
المختلفة, بل ينكرون حتى
فكرة اختلاف القراءة, وهكذا
فإن النقد الجينيالوجي الذي
يوجهه نيتشه الى "القيم
المضادة " نقد ضمني
للميتافيزيقا والدين
الأبويين, كما أن إضفاءه
للطابع البلاغي على اللفة
نقد للسلطة الكهنوتية على
الكلمة باعتبارها حاملة
لمعنى حقيقي وأحادي الوجود،
وهو أيضا نقد للسيطرة
الذكورية على المعنى نفسه .
إنه نقد نيتشه, بتسفيهه
لادعاء "فرضية الروح "، يفسح
مجالا لخطابات نسوية بديلة,
ولكن عداءه للمرأة يحول
بينه وبين دخول هذا المجال .
ولا ريب في أن أشد الأمثلة
دراسية على قصور نيتشه عن
إدراك مساره الفكري، هو
عجزه عن إزاحة الرجل من
مكانته المتميزة بد نجاحه
في إزاحة أغلب الدعامات
الفلسفية واللاهوتية
واللغوية التي ظل الرجل
محافظا بواسطتها على ذلك
الامتياز. سيضطر
كل من يرغب في أن يتنكر في
الامتياز الذكوري داخل
المدار الذي حدده نيتشه, أن
يطرح هذا السؤال : أما كان
ينبغي لمحاولاته في هدم
النزوع نحو مركزية اللوغوس
Logocentrism، ولنقده للقيم
المضادة المرتبط بتلك
المحاولات, أن تؤدي الى هدم
النزوع نحو مركزية القضيبPallocentrism
إن امتدادا كهذا لن ينقذ
نيتشه من عدائه للمرأة ومع
ذلك لا ينبغي أن يحجب عنا
عداءه للمرأة, تلك النتائج
والمناهج التي يهدم فيها
نيتشه نزعة مركزية القضيب
رغما عنه, إن غموض نيتشه هنا
يبلور موضوعتين أساسيتين في
هذا المقال : الكيفية التي
تصارع بها نزعة نسوية - ضمنية
في كثير من أفكاره المركزية -
ضد عدائه الصريح للمرأة, ثم
الكيفية التي جعل بها عداءه
للمرأة - هذا العداء الذي لم
يتغلب عليه أبدا - محاولاته
إعادة تقييم القيم, محاولات
مبتورة . وتعكس كلتا
الموضوعتين المكانة
المتسمة بالمفارقة التي
يحتلها موقف نيتشه من
النساء في فلسفته بأكملها.
ويتضح أن نيتشه ليس غولا
هويحا كما يصوره النقاد
النسويون, مثلما يتضح, في نفس
الوقت, أن اعادته للتقييم
ليست - نتيجة عدائه للمرأة -
كاملة ولا درامية بالقدر
الذي يعتبرها كثير من
أتباعه . 2-
"المرأة " في خطاب نيتشه في
كل أعماله المنشور منها
وغير المنشور، يرد نيتشه
ويضخم ميثولوجيا مألوفة عن "طبيعة
المرأة " وقد حدد عدد من
الكتاب الملامح العامة لتلك
الميثولوجيا كالآتي (5)المرأة
بطبيعتها خنوع ومستاءة
وخداعة وعاجزة عن السعي
الذي لا يكل نحو الحقيقة, ذلك
السعي الذي ينسبه نيتشه الى
الرجال "النبلاء" بل في
الواقع معادية للحقيقة . وهكذا
فإن نيتشه يستعمل - كما نبهنا
الى ذلك دريدا Spurs_ فيDerrida (المهاميز)استعارة
"المرأة " باعتبارها أداة
بلاغية . إن دلالة هذا
الاستعمال البلاغي تكمن,
بالنسبة لدريدا Derrida، في
عدم استقرار المعاني والقيم
التي تنسب الى المرأة والى
الرجال والتي يعتبرها دريدا
رموزا لعدم استقرار معمم
ناشي ء عن "أساليب " خطاب
نيتشه . إذ ينشأ عدم
الاستقرار (أو الازدواجية "
في خطاب نيتشه حول النساء عن
المميزات التي يوردها في
هجومه على طبيعة المرأة : (السطحية,
المكر، العداء للحقيقة,
الخداع وغيرها.....) أي نفس
الصفات التي تميز أيضا
الحياة نفسها كما يفهمها
نيتشه (6) وهكذا فإن "السطحية "
مثلا تشكل تارة أساسا لنقد
لاذع للمرأة وتارة أساسا
لاعجاب مجازي
بالمرأة (7) وهكذا فإن "المراة
" متاحه كما اراد نيتشه ان
يلفت الانتباه الى خداع
الحياة, أو حقيقة الضحالة, أو
الطابع الاسثتيقي للحقيقة .
ونتيجة لذلك, فإن "المرأة "
تؤدي وظيفة عجرة node تعزز
فيها صياغات نيتشه للقضايا
المعقدة والمتشابكة بعضها
بعضا، بل يلغي أحيانا بعضها
البعض . وفي الحالات الحاسمة
التي يتصارع فيها نيتشه
مثلا مع العلاقة بين ارادة
الحقيقة وارادة الخداع
والجهل (كما هو الأمر في كتاب
ما بعد الخير والشر، 230)، أو مع
العلاقة بين الفن والطبيعة
وبين الفن والحقيقة, أو مع
العلاقة بين الحياة
والحقيقة والحياة والفن,
فإن مجاز المرأة يشكل, فيما
يبدو، نقطة التقاء لهذه
القضايا، وازدواجية نيتشه
شهيرة بالطبع إزاء كل هذه
القضايا والعلاقات . غير أن
الوظيفة البلاغية لمجاز
المرأة تسلط الضوء على تلك
الازدواجية, كما أن بعض حلول
تلك الازدواجية توضح مواقف
نيتشه من النساء. وعلى الرغم
من أن هناك استعمالات عديدة
للمرأة وعلى الرغم من
اختلاف تلك الاستعمالات
بشكل دقيق, فإن أغلبها يمكن
أن يندرج ضمن الاقسام
العامة الثلاثة . فالمرأة
تستعمل بشكل متباين مجازا
للحياة ومجازا للحقيقة
ومجازا للفن . المرأة
مجاز للحياة : ترد الصيغة
الكلاسيكية لتصوير نيتشه
للحياة من خلال استعارة
المرأة دني كتابه "العلم
المرح " (TheGay Sçience, 339: Vita femina")
"حيث ينصرف الى عدد من
موضوعاته المفضلة في وصفه
للحياة, جمال العالم, دور
الحجاب أو القناع في زيادة
الاحساس بالجمال, واعجاب
الا غريق بكل من الجمال
والحجب . وبعا أن نيتشه قد صرح
أن "المهارة العظمي للمرأة
هي الكذبة " وأن همها
الأساسي هو المظهر والجمال,
فإنها تفي بغرضه بشكل يثير
الاعجاب, باعتبارها مجازا
للحياة . وهكذا فإنه يقابل في
أحد مأثوراته بين ثراء
وتنوع جمال العالم من جهة
وندرة الفرص للمح ذلك
الجمال من جهة أخرى: أدلا
تفكي أية معرفة ولا أية نية
حسنة لرؤية مواطن الجمال
القصوى في عمل ما، إذ يتطلب
ذلك أشد الصدف السعيدة ندرة
".لابد أن يجتمع حسن الحظ في
تحديد الزمان والمكان مع
فضيلة الساعي. د،لكن تصادف
كل هذه الأمور من الندرة,
بحيث يجعلني أميل الن
الاعتقاد بأن أعلى قمم كل شي
ء خير... ظلت لحد الآن مختفية
ومحجوبة حتى .. عن أرقي
الكائنات البشرية . غير أن ما
يكشف لنا الحجاب عن نفسه,
انما يفعل ذلك مرة واحدة .
ويقول إن الا غريق . لأنهم
يعلمون هذا، صلوا "لكل شي ء
جميل مرتين بل مرات ثلاثا!"
على أن ندرة رؤية الجمال, وما
يتعلق على الدوام بإمكانية
رؤية الجمال من وعد وتوتر
وتوقع واغراء لا تمثل هنا
حجة ضد الحياة . فالعالم "بالغ
البؤس عندما يتعلق الأمر
بلحظات جميلة ويرفع الحجب
عن هذه الأشياء. لكن قد يكون
هذا هو أقوى سحر تمتلكه
الحياة, إنها مغطاة بحجاب
منسوج من الذهب, حجاب من
امكانات جميلة تتألق وعدا
ومقاومة وحياء وسخرية وشفقة
وغواية ". وبالذات نظرا لأن
الحياة ملفوفة في حجاب براق
من "الامكانات الجميلة "
ولأنها بالذات تغري في هذه
الحيلة المعتمدة على
الايحاء والاستدراج
والانسحاب والانعزال فإن
نيتشه يقرر أن يقول "الحياة
امرأة " . وفي انقلاب لا يصبح
ممكنا إلا عند نقل المرأة من
مجال الواقع الى مجال
المجاز، تكون نفس الصفات
التي احتقرها نيتشه صراحة
لدى تطرقه الى "طبيعة المرأة
" هي التي يمتدحها الآن في
سياق وصف للحياة قائم على
الاستعارة . يؤكد
هذا المدح بتنضيد المأثورة .
Aphorism فبعد التصريح بأن "الحياة
امرأة " يبدو أن نيتشه يؤكد
التقييم الايجابي للحياة,
التي قدمت مجازيا باعتبارها
امرأة, وذلك بالعودة
الفورية في كتابه (العلم
المرح 340)، الى أحدى استعارته
المفضلة للأفول وللنزعة
الاخصائيةCastratism . "سقراط
المحتضر" - هناك يعيد نيتشه
قصة سقراط وهو يحتضر ويقول
كلماته الأخيرة : "يا ,Crito
أنا مدين لـ Acclepiusبديك
". ويعلق نيتشه على هذا قائلا:
"هذه الكلمة الأخيرة "
الفظيعة والسخيفة تعني لمن
لهم آذان آه يا Crito, الحياة
مرض ".. سقراط, سقراط كابد
الحياة !". إن
سقراط و" مشكلة سقراط "
يمثلان على الدوام أخول
الحياة . ها هو إغريقي لم يفلح
في ارضاء نفسه بحجاب
الامكانات الجميلة, فسعى،
بدلا من ذلك, الى الوصول الى
حقيقة الأشياء الكامنة خلف
المظاهر .إنه, إذ يعبر عن آخر
أمانيه وهو يحتضر، يعترف
بمرضه (وهو بذلك يعترف - كما
سنرى من خلال استعارة أخرى
يستعملها نيتشه - بخرقه إزاء
المرأة). إن
عبارة "الحياة الانثوية " - Vita
femina" "- الواردة في
الفقرة 339 تبدو أيضا مرتبطة
بالتوطئة التي يقدم بها
نيتشه الفصل الحادس من
الكتاب الجديد. "العلم المرح
". ذلك أن نيتشه يعبر في تلك
التوطئة أيضا عن اعجابه
بالا غريق ويربط حبهم
للحياة بحساسيتهم إزاء
المظاهر، كما يربطه بعدم
اكتراثهم بأي حقيقة يعتقد
أنه يمكن اكتشافها خلف
المظاهر. ويسود تلك التوطئة
موضوع النقاهة, حيث يقول
معلقا على عنوان كتابه "العلم
المرح " : "يعني ذلك عربدة روح
قاومت بصبر ضغطا رهيبا
ولمدة طويلة - بصبر وحزم
وبرودة, دون إذعان وأيضا،
بدون أمل - وها هو الأمل يداهم
الآن هذه الروح فجأة, إنه أمل
العافية ونشوة النقاهة (GS.pref.1)عندما
يحاول نيتشه أن يقدم تفسيرا
لعلته وأن يصف عودته الى
العافية ترد استعارة المرأة
من جديد: غابت
الثقة في الحياة : الحياة
نفسها أصبحت مشكلة, على أن
المرء لا ينبغي أن يستخلص أن
هذا يبعث بالضرورة على
الاكتئاب فحتى حب الحياة ما
زال ممكنا، كل ما في الأمر هو
أن المرء يحب بشكل مختلف . إنه
الحب الذي نكنه لامرأة تثير
فينا الشكوك . .(GS Pref.3). هذه
هي نقطة انطلاق "العلم المرح
" فالعالم المرح يقرر أن
الحياة غير مستقرة . و"هو" (بالطبع)
يعترف بأن موضوع الرهان في
المساءلة المرحة للحياة ليس,
ولا يمكن أن يكون, "حقيقة "،
الحياة - أي شي ء يوجد خلف
الحياة أو أبعد منها يمكن أن
يفسر ويبرر المظاهر. ومع ذلك
فإن هذا الأمر، الذي أثقل
كاهله فيما مضى، يبهجه الان .
إن سبب مرحه يصور مجازيا
باعتباره امرأة ~امرأة
تجعله يشك من خلال تلميحات
وخدع المغازلة . ففي
المغازلة يولد شك العالم
المرح تجاه الحياة (مثلما
يفعل شكه تجاه المرأة) أكبر
قدر ممكن من الافتتان : "نحس
بسعادة جديدة " (GS Pref.3) المرأة
مجاز للحقيقة : ما
هي الخاصية التي تمتلكها
المرأة والتي تجعلنا. "نحن "،
نرتاب ؟ ولماذا يوصف هذا
الارتياب بأنه مرح ؟ نظرا
الى أن الناقد قد تعلم أن
يعيش دون أن يؤمن بأن الحياة
تخفي أي حقيقة تحت مظهرها,
فإنه في حاجة الى أدفن مصطنع
بشكل إلهي، فن مستكين بشكل
إلهي، فن ساخر، مستهتر،
رشيق ,، (GS pref.4) وهو يلتمس
حقيقة الحياة في ذلك الفن
بالذات . لم يعد الفاقد يؤمن "أن
الحقيقة تظل حقيقة عندما
ترفع الحجب "،وبدلا من هذا،
فإن حقيقة الحياة, مثل امرأة
تنسحب بخفة أمام نظرة العلم
المتطفلة, تنسحب وتختفي
وتثير الشك - وتفتن على العلم
المتطفلة, تنسحب وتختفي
وتثير الشك - وتفتن على
الدوام . غير أن نيتشه,
بتقديره المستجد لاحتشام
الحياة,يحجم عن انتهاك ذلك
الاحتشام بملاحقة متهورة
للحقيقة : أما
بخصوص مستقبلنا, فنادرا ما
سيجدنا المرء سائرين على
مسالك أولئك الشبان
المصريين الذين يجعلون
المعابد ليلا أماكن خطرة, إذ
يعانقون التماثيل ويرغبون -
بكل وسيلة - أن يرفعوا الحجب
ويكشفوا ويسلطوا النور
الوهاج على كل ما جعل - لأسباب
وجيهة - مستورا. كلا، إن هذا
الذوق الرديء، هذا التوق
الى الحقيقة, "الحقيقة بأي
ثمن "، هذا الجنون الفتي في
محبة الحقيقة, قد فقد سحره
بالنسبة الينا: فقد أصبحنا
من الخبرة والجدية والمرح
والاحتراق والعمق بحيث لا
يؤثر فينا ذلك السحر.لم نعد
نؤمن بأن الحقيقة تظل حقيقة
عندما ترفع الحجب, لقد عشنا
طويلا بحيث لم نعد نؤمن
بهذا، إننا، اليوم . نعتبر أن
من اللياقة الا نرغب في رؤية
كل الأشياء عارية, أن نرغب في
حضور كل شيء، أو فهم و" معرفة
" كل شيء GS Pref,4)). ويمثل
الاغريق مرة أخرى، نماذج
للقدوة بخصوص "اللياقة "
المستجدة التي يبشر بها
نيتشه . ذلك أنهم يدركون -
بإحساسهم الدينوزوسي "Dionysian" المأساوي
- إن العيش يستلزم "التوقف
بشجاعة عند السطح, عند الطي،
عند الجلد، وعبادة المظهر،
والايمان بالأشكال,
بالنبرات, بالكلمات بأولمب
Olympus. المظاهر قاطبة ". كان
أولئك الأغريق, يقول نيتشه,"سطحيين
عن تعمق ". من
أجل الأسلوب المرح - وحتى لا
يقصي الشك - يعطي نيتشه هذا
الاحتشام والتكتم - أي
احتشام وتكتم الحقيقة التي
تنسحب خلف المظاهر على نحو
يجعلها عميقة ومستحيلة
المنال - اسما ذا مجاز مضاعف, "لعل
الحقيقة امرأة ... لعل اسمها - لو
استعملنا الاغريقية - . Baubo إن
هوية ودلالة Baubo غامضتان
الى حد ما، وهما لذلك عرضة
لتأويلات شتى، لكن Sarah Kofman تحكي أحدى
روايات قصة Bauboالتي
تجعل أهمية توسل نيتشه
معقدة على نحو محكم : تظهرBaubo
في طقوس Eleusis كاهنة
مكرسة لـ Demeter فتحت
وطأة ألم الفقد بعد اختفاء
Perscphone بدأتDemeter الهة
الخصب, تتصرف مثل امرأة عقيم,
فلم تأكل ولم تشرب ولم تغتسل
ولم تتزين لتسعة أيام وتسع
ليال . ولكن Baubo أضحكتها. وقد
تمكنت من ذلك برفه تنورتها
كاشفة عن بطنها الذي رسمت
عليه هيئة (يعتقد أنها هيئة
laacos، طفل Demeter - وهو إله
مغمور يعتقد أحيانا بأنDionysus). يبدو
أن Baubo تفي بغرض نيتشه
لأسباب شتى، فهي شخصية
مداوية وشافية تدعو Demeter الى
العودة الى خصوبتها، مثلما
يستعيد نيتشه - الناقد
عانيته أثناء التجارب
المتعلقة بتأليف العلم
المرح . إنها حليفة Dionysus باعتباره
ايجابيا وسائلا. وهكذا
فإنها وهذا هو الأهم, ليست
كما تبدو، بل إنها تقدم
سلسلة (ربما غير متنامية) من
الأوهام والتجليات الذاتية
والصور : لباسا يفضي الى هيئة
تفضي بدورها ... الى سرية الرحم
؟ الحقيقة امرأة - هذه المرأةBaubo
- انسحاب مظاهر مستديم . وتقريبا,
في نفس الوقت الذي جعل فيه
نيتشه الحقيقة متماهية مع Baubo,
فإنه قدم أيضا - في مقدمة
كتاب ما بعد الخير والشر -
الحدس الذي ظل مركز
الاهتمام في العديد من
المناقشات المتعلقة
بالكيفية التي يتصور بها
نيتشه الحقيقة (9) وهذا الحدس
طبعا مثل آخر على استعمال
المرأة مجازا للا شارة الى
الحقيقة : لنفترض
أن الحقيقة امرأة - وبعد؟
أليست هناك أسس للظن بأن كل
الفلاسفة - بقدر ما هم
وثوقيونDogmatists - ظلوا
جد منعدمي الخبرة في
تعاملهم مع المرأة ؟ أليست
هناك أسس للاعتقاد بأن
الجدية الشنيعة والتطفل
الأخرق اللذين ظل الفلاسفة
عادة يتقربون بهما الى
الحقيقة, كانا منهجين سمجين
وغير ملائمين لكسب ود امرأة
؟ إن ما هو مؤكد هو أنها لم تدع
نفسها ممكنة المنال -
وهكذا فإن كل صنف من أصناف
الوثوقية يترك قائما مثبط
الهمة في خائبا، هذا إن ترك
قائما .(BGE Pref) إن
العبارة المجازية "الحقيقة
امرأة " تمكن نيتشه من أن
يستعمل سجاله المسوغ سلفا
بشكل متين ليرد على
الميتافيزيقا الوثوقية
مسفها الغرور الأعظم للرجل .
فالوثوقي ليس خبيرا في
التعامل مع المرأة . إنه
متغزل رديء. يتقرب من المرأة
بالو سيلة الخاطئة تماما
لكونه مخطئا في فهمه معنى أن
"يكسب ود امرأة "، كما أنه
مخطيء بخصوص الطريقة
الملائمة لكسب ذلك الود. لا
يعني هذا أن مجهودات
الميتافيزيقيين كانت كلها
عبثا، فالعكس تماما هو
الصحيح, فحتى عندما نبدأ من
أشد الأصول اعتباطا - "أي
خرافة شعبية . قديمة ... أي تلاعب
بالألفاظ ربما، غواية
بالنحو، أو تعميم جريء
لمعطيات جد بشرية, مفرطة في
كونها كذلك, جد شخصية وجد
ضيقة "- فإننا نجد أن فلسفات
الوثوقيين قد استطاعت أن "تنقش
نفسها في قلوب البشر". ويورد
نيتشه عبار ة افلاطون
دداختراع الروح الخالصة
والخير بما هو كذلك " أمثلة
على ذلك النوع من الأخطاء
المستديمة التي فرضتها
الفلسفة الوثوقية على
العالم . غير أن الدوام ليس
علامة على النجاح . فلا شي ء
يفوق سوء ذوق المتغزل, الذي
يتباطأ بعد فشله . وهكذا تفشل
مغازلة افلاطون المثالية
Peradigmatic للحقيقة كلية لكونها
تخطي، تماما في تصور طبيعة
العلاقة التي ينبغي السعي
الى اقامتها بين عاشق
الحقيقة والمرأة التي يقال
بأنها تمثل الحقيقة . "عندما
كان المرء يتحدث عن الروح
وعن الخير، كما فعل افلاطون
"، يقول نيتشه, "فإن ذلك كان
بالتأكيد يعني قلب الحقيقة
رأسا على عقب وانكار
المنظور Perspective,أي انكار الشرط
الأساسي لقيام كل أشكال
الحياة ." لقد كان افلاطون
يسعى الى الوصول الى حقيقة "المرأة
بما هي كذلك ". ولكن المرأة
الموجودة فعلا أمامه كانت
هي Baubo أو الحياة الانثوية
Vita femina _ وكانت تتجلى باستمرار
بطريقة ما، تتجلى باعتبارها
شيئا محددا، ولم تكن تتجلى
أبدا باعتبارها مجرد "امرأة
بما هي كذلك (أمر غير مرغوب
فيه ولا يمكن تصوره). أن تعشق
امرأة يقتضي على الدوام أن
تتبنى منظورا بخصوص شكل من
أشكال التجلي (10) وعندما يخطي،
الوثوقيون في هذا، فإنهم لا
يفعلون إلا أن يربكوا
أنفسهم . المرأة
مجاز للفن
إن
الفشل الذريع للسعي
الميتافيزيقي نحو الحقيقة -
ذلك الفشل الذي يسخر منه
نيتشه في مقدمة العلم المرح
ومقدمة ما بعد الخير والشر -
يطرح بإلحاح جديد هذا
السؤال : بأي وسيلة يمكن
للفيلسوف أن يضع "نفسه "في
علاقة مع الحياة ومع
الحقيقة, علما بأن طبيعتهما
تمكن من استعمال "المرأة "
مجازا للتعبير عنهما. إن
سطحية ومظهرية الحياة
اللتين سبق وصفهما يمكن
تصورهما الآن باعتبارهما
صفة جمالية للحياة . وبما أن
الحقيقة والحياة تتجليان
باعتبارهما مظهرا محددا،
ولكنه متملص وسائل, فإنهما
تشبهان عملا فنيا، وهذا
العمل الفني هو على الدوام
تمثيل, إيحاء، ووعد. وهكذا
فإن نيتشه يعيد تأكيد
الرابطة الأساسية بين
المرأة والحياة والحقيقة
عندما يصرح في (العلم المرح, 361)،
بأن النساء "فنيات الى حد
كبير". إنه يدعم وصفه للمرأة
بأنها "فنية" بواسطة
التلاعب بالعبارة
الالمانية Sich geben (11) ( تمنح
نفسها) _ ذلك التلاعب الذي
أصبح الآن مشهورا. وهكذا فإن
النساء فنانات الى الحد
الذي يجعل المرأة تستطيع أن
تلعب دورا - أن "تقدم نفسها
باعتبارها"( Sich geben ) شيئا - حتى
في تلك اللحظة التي أسطرها
mythologizeالرجال معتبرين
اياها أعظم استبصار وأعظم
تخل عن الذات - اللحظة التي
تعرف فيها المرأة ذاتها،
كما هي في ذاتها، معرفة تامة _اللحظة
التي "تمنح فيها نفسها" (. (Sich geben
وهذه لعمري لسعة
استخفاف أخرى موجهة الى
غرور الخطاب
الميتافيزيقيين الطنانين,
فحتى لو أفلحوا (ربما بمحض
الالحاف الأبله) في استمالة
امرأة . فإنها مع ذلك تستطيع
أن تتظاهر برعشة الجماع Orgasm(12) ان
أي حقيقة مأمولة في ذاتها
مستحيلة المنال إنها
كالمرأة تماما تستطيع أن
تتظاهر بأنها "تمنح نفسها"
حتى عندما تستهزيء بالسعي
الجاد المعتد بنفسه
للفيلسوف . وهكذا
فإن كان يبدو أن الفلسفة
الوثوقية وسيلة خرقاء (وغير
فنية) لعشق المرأة, فإن نيتشه -
على العكس من ذلك - يتصور عشق
الفنان للمرأة مغامرة في حد
ذاته . ففي المأثورة
الرابسودية - -
Rhapspsodie59 من العلم المرح, "نحن
الفنانين " يقر نيتشه أنه
عندما نعشق "نحن "، المرأة (الحياة
حقيقة) فإننا لا نعشقها "كما
هي" بل مثالية كما يريد
عشقنا لها أن تكون نحن
الفنانين - مثل قدماء الا
غريق . نجعل عشقنا مقتصرا على
عالم المظهر، بل نخلق واجهة
جميلة إجلالة لعشقنا - إننا
نصنع الحجب الخلابة التي
وصفت في العلم المرح, 339، بأنها
"سحر الحياة الجبار". 3-
وطأة جنسانية المرأة
على خطاب نيتشه ومن
جهة أخرى، فإن فكر نيتشه
يصبح مرتبكا إذ تتكشف
استعارة الفنان باعتباره
عاشقا. إن الدافع الدائم
لتوظيف نيتشه للمرأة - ذلك
التوظيف الذي يمثل الآن
نقصا ملحوظا لهجومه على
طبيعة المرأة - هو اعادة
الاعتبار لما هو طبيعي،
باعتباره طبيعيا وذلك بعد
محاولة الميتافيزيقيين أن
ينتزعوا شيئا من خلف الطابع
المحجب والمنظوري للطبيعة .
واعادة التطبيع هذه تتم تحت
رعاية المرأة وتعني، في
عالم السعي نحو الحقيقة,
استمتاعا مفعما بالحيوية,
بلعب الأشكال التي من
خلالها تقدم " نفسها" الينا.
أما في عالم القيم
الأخلاقية, فإن هذا التطبيع
يعني إعادة الاعتبار للجسد
ولشهواته ورغباته الجنسية
بعد أن شوهته "النزعة
الاخصائية " المسيحية (13) لكن
لنتأمل الكيفية التي قدم
بها نيتشه موضوع الفنان
العاشق أثناء خلقه للصورة
المثالية لمعشوقته : نحن
- الفنانين - عندما نعشق امرأة,
فإننا نستشعر كراهية
للطبيعة وذلك بسبب كل
الوظائف الطبيعية المثيرة
للاشمئزاز التي تكون المرأة
عرضة لها... فنرفض بعدئذ أن
نعير أي اهتمام
للفيزيولوجيا ثم نقرر بشكل
سري: "لا أريد أن أسمع أي شيء
عن كون الكائن البشري شيئا
أكثر من روح وهيئة " هذا
دأبنا نحن - الفنانين - نتجاهل
كل ما هو طبيعي. إننا ذاهلون
ومبتلون من طرف الرب .
ساكنون مثل الموت, نظل بدون
كلل شاردين على قمم لا نواها
قمما بل سهولا، على قمم
نعتبرها سلامتنا (GS.59). ما
هي هذه الكراهية للطبيعة
وما علاقتها بنقد نيتشه
للميتافيزيقا؟ يتطرق نيتشه أيضا الى العلاقة بين ما هو "طبيعي وما هو "روح وهيئة " وذلك في الفقرة 230 من ما بعد الخير والشر، حيث يعالج بشكل منهجي الموضوع الذي يتردد في تأملاته : أي العلاقة لدى كل "مفكر شجاع " بين "نزوع نحو الجهل والخداع " و" نزوع يمثل نوعا من قسوة الوعي الذهني". وهكذا يقرر نيتشه أنه على الرغم من استمتاع الروح "بتعددية ومكر اقنعتها". فإن الميل المتسامي لدى طالب المعرفة يقتني "التعرف من جديد على النص الأساسي للانسان الطبيعي Homo natura "هذا الميل المتسامي (لعله في هذه اللحظة هو ميل نيتشه نفسه)يسعى الى " اعادة ترجمة الانسان الى الطبيعة "، وهذا يعني أساسا جعله "أصم عن أغاني الحوريات التي يرددها صيادو الطيور الميتافيزيقيون الذين ما فتئوا يحاولون إقناعه على نغمات المزامير: "أنت أكثر .. أنت أسمى.. أنت من أصل مختلف " إن نص الانسان الطبيعي Homo natura يظل في منأى عن الاختزال الى ماهية ميتافيزيقية تكون "أكثر" أو "أسمى من مجرد تدفق المظاهر التي تعرضها الطبيعة . وه |