تدريب الممثل والاعداد للدور
جلين ويلسون

الصـور المرافقة
الصور المرافقة

ترجمة: شاكر عبدالحميد ( ناقد واستاذ جامعي من مصر)


قال الممثل الكوميدي الأمريكي المحنك جورج بيرنزGeorge Burns  ذات مرة "إن الشيء الأكثر أهمية بالنسبة للممثل هو الصدق. فاذا استطاع الممثل أن يتظاهر بذلك، أصبح راسخا في مجاله". ويشتمل هذا التوجيه المحكم على المنحيين الكبيرين ( فن التمثيل، وهما المنحيان اللذان يمكن أن نطلق عليهما اسمي: النسق أوالنظام الخيالي imaginative system والنسق التقنيTechinal system  وأحيانا ما يطلق على النسق الأخير اسم النسق الفرنسي The French System  وذلك لأن فرنسوا ديلسارتيه Francois Delsarte  كان قد قام بوضع الأسس الخاصة بهذا النسق بشكل منظم في نهاية القرن الماضي (أي التاسع عشر) (1) (Schrech, 1970).

يتعلق الفارق المتميز الأساسي بين هاتين المدرستين بما إذا كان على الممثل ان يتحرك أداؤه من الداخل الى الخارج، أم يتحرك من الخارج الى الداخل، أي ما إذا كان عليه أن يركز على "الشعور بالدور" أو ان عليه أن يسقط نفسه أو يلقي بها الى الوضع الخاص بالجمهور، بحيث يرى هذه الذات من خلال وجهة نظر المشاهدين أنفسهم. لهذا السبب قد يسمى هذان الاتجاهان بالاتجاه internal attitude  والاتجاه الخارجي external attitude على التوالي (انظو الجدول في المصفحة التالية)

المنحى الخيالي في مقابل المنحى التقني

Imaginative Versus Technical Approaches:

يرتبط المنحى الخيالي كما هو معروف الى حد كبير باسم «قنسطنطين ستانيسلافسكي» Constantin Stanislavski وبمسرح موسكو للفنونMoscow Arts Theatre  فقد شعر "ستانيسلافسكي" أن المسرح الأوروبي حوالي منعطف القرن الماضي (التاسع عشر) كان شديد الاهتمام بالمظاهر الخارجية للشخصية ومن هذه المظاهر مثلا: الوضع الجسمي والايماءات والابراز الصوتي أو التجسيد ولذلك حاول "ستانيسلافسكي" أن يعيد توجيه الانتباه الى العمليات الداخلية لدى الممثلين. وفي كتابه الشهير "ممثل يستعد An Actor Prepares عام 1936 لخص "ستانيسلافسكي" بشكل عام الوسائل التي يستطيع الممثلون من خلالها أن يستحضروا إلى مجال خبراتهم المواقف والانفعالات التي يمر بها الكاتب المسرحي ويحاول أن يجعل الشخصيات المسرحية تشعر بها.

وبشكل أكثر تحديدا، فإن «ستانيسلافسكي» قد وصى بضرورة أن «يشعر» الممثلون بأنفسهم داخل الدور الذي يلعبونه، ويتخيلون ما يمكن ان يكون عليه هذا الدور خلال الموقف الدرامي على المسرح. إنهم ينبغي أن يفكروا، بينهم وبين أنفسهم قائلين "ما الذي ينبغي علي أن أفعله"، «لو» كنت في هذا الموقف؟ و "لو" هذه التي يسميها «ستانيسلافسكي» "لو" السحرية The magic if  هي ما يقال عنها أنها المفتاح الخاص الذي يفتح باب التجسيد الخيالي للمشاعر والانفعالات التي على نحو يتسم بالكفاءة.

وهناك ملكة أخرى شعر "ستانيسلافسكي" بضرورة أن يجربها الممثلون ويطوروها وهي الملكة الخاصة بالمذاكرة الانفعالية. فينبغي على الممثلين أن يحاولوا تذكر المناسبات التي حدثت فيها، خلال حياتهم، ظروف مماثلة لهذه الظروف التي يمثلونها على المسرح، وأن يعيدوا تكوين او إيقاظ ذلك الانفعال الذي كانوا يشعرون به خلال ذلك الزمن الماضي. ثم يمكنهم بعد ذلك دمج ذلك الانفعال، وكذلك الايماءات التي أوحي بها، أو استثارها، في المشهد الدرامي الحالي بشكل مناسب.

لذلك فبان وظيفة الممثل هي أن يكتشف مادة داخل نفسه يكون في إمكانه تكييفها بشكل يتناسب مع الدور.

ظهر نصير مؤيد للمنحى الخيالي بعد ذلك بعدة سنوات، هو المخرج "لي ستراسبيرج" Lee Strasberg، المولود في النمسا، والذي أسس عام 1948 في نيويورك مدرسة للتمثيل، أطلق عليها اسم استديو الممثل Actors Studio وخلال العقود القليلة التالية لهذا التأسيس حازت هذه

المدرسة شهرة هائلة وأطلق على منحى ستراسبيرج (بشكل تحيط به الكثير من العظمة والأبهة) لقب  «المنهج (Strasberg, 1988) « The method.

كان تأكيد "ستراسبيرج" الكبير مركزا على التحليل السيكولوجي للشخصية، ولذلك فهو يعتبر اتجاها باطنيا (داخليا) الى حد ما، وهو اتجاه أدى الى ظهور تفسيرات ذات وجهة طبيعية naturalistic خاصة، رغم أن هذه التفسيرات أحيانا ما كانت متسمة بالتأملية والتجريدية الذهنية

الواضحة.

وقد أصبح هذا المنحى مفضلا في المسرح الطليعي الأمريكي، وكذلك الحال في مجال السينما، ذلك المجال متزايد الأهمية، لكنه - هذا المنحى - لم يحظ بقبول مماثل في الأعمال الكلاسيكية التي تقدم على خشبة المسرح، ومن بين أشهر طلاب ستراسبيرج - وهم (وبشكل له دلالته) من وضعوا بصماتهم المميزة على مجال السينما، أكثر مما وضعوها على خشبة المسرح. نجد جيمس دين، ومارلون براندو، ورود شتايجر، ومارلين مونرو، وبول نيرمان، وآل باتشينو، وجاك فيكلسون.

يقول نقاد ستراسبيرج إنه ربما قد أساء فهم الرسالة التي وجهها «ستانيسلافسكي» والتي حاول من خلالها أن يركب (أو يضع) منحاه السيكولوجي على خلفية آمنة تنتمي للأسلوب التقليدي، وليس الاستغناء عن هذا الأسلوب التقليدي تماما.

وقد تشبث البعض بالمفكرة القائلة بأن غياب النظام الأساسي للتمثيل المسرحي هو المفسر لحقيقة أن مريدي ستراسبيرج كانوا أكثر نجاحا في تصوير الشخصيات غير المحددة أو بارزة المعالم، والخاصة بالناس العاديين في وسائل I*elel   il ذات الصلة الوثيقة بحياة الناس اليومية (كالتليفزيون والراديو مثلا) وحيث تكون جوانب القصور المرتبطة بالصوت البشري، وغير ذلك من التقنيات أقل بروزا.

بالتأكيد قد كان التدريب الذي يقدمه «ستراسبيرج» أقل قابلية لتجهيز الممثلين، بشكل فعال لتمثيل الشخصيات العظيمة والنبيلة، والتي هي نماذج شائعة في الأفلام الملحمية أو في الأعمال المسرحية الكلاسيكية، ويميل بعض المؤيدين لـ «المنهج الاعتقاد بأنه إذا شعر المؤدي بالانفعال المناسب على نحو حقيقي، فإن الأفعال والأيماءات الصحيحة ستحدث عقب هذا الشعور بشكل طبيعي، وسيبدو الأداء أيضا، واقعيا على نحو كلي.

وليس من الواضح البتة أن هذا ما كان عليه موقف ستانيسلافسكي، أو رأيه، في هذه القضية، وهو موقف، أيا كان، ليس من الحتمي أن يكون موقفا حقيقيا.

يشير المخرجون والممثلون الذين يفضلون منحى أكثر تقنية، كما هو الحال بالنسبة لتايرون جنري (1971) ولورنس أوليفييه (1982) الى أن العديد من جوانب «التكنيك» ليست لها صلة بالمشاعر أو الواقعية في الأداء. فمثلا ينبغي على الممثل أن يكون واعيا بأن هناك أوقاتا معينة يجب عليه فيها أن يواجه الجمهور، بحيث سيسمع هذا الجمهور الكلمات الخاصة بدوره بشكل واضح. ويمكن الوصول الى هذا (التمكن) من خلال موضع خاص في مؤخرة المسرح، أو قد يكون من الضروري للممثل أن يسرق الأضواء من زملائه to cheat out وعلى الشاكلة نفسها، يتعلم الممثلون الكلاسيكيون - كجزه أساسي من مقتضيات حرفة الوقوف على خشبة المسرح - أنه فيما عدا ما يحدث في تلك الظروف غير المألموفة (او غير العادية) تماما، فإن الشخصية المتحركة على خشبة المسرح ينبغي عليها أن تمر على - أو بجوار - الشخصيات الثابتة من ناحية مقدمة المسرح (أي من ناحية الجمهور).

قد تكون هذه أمثلة واضحة، لكنها أمثلة كافية لتذكيرنا أنه إذا "فقد ممثل ما نفسه" في الدور الذي يقوم به، وبشكل كبير، فإن ذلك التمركز حول الذات الخاص به قد يحدث تأثيرا كارثيا أو مأساويا على مجهود الفريق كله.

هناك خطر ما يكون كامنا ومتمثلا في أن ذلك الاحساس المتطرف الذي يبديه الممثل، وهو يقوم بدوره، خاصة عنده يكشف عن مشاعره بشكل كامل، دون تحفظ، فهذا الاحساس قد يوقف قدرة المشاهدين على التعاطف مع الانفعالات التي يسقطها هذا الممثل على الشخصية التي يقوم بأدائها.

فالصراخ الحقيقي على خشبة المسرح، مثلا غالبا ما يبدو مربك او مثيرا لسخرية الجمهور، وقد يكون - على عكس ما قصد منه - أقل تأثيرا من تلك الحالة التي يظهر فيها الممثل تحكما كبيرا في موقف يثير بطبيعته الانفعالات بطريقة واضحة تماما.

افترض أن هناك مشهدا في مسرحية ما، يشتمل على جندي يحضر ويقدم لامرأة شابة رسالة تحتوي على أخبار مأساوية خاصة بمقتل ابنها في المعركة، فإذا انهارت هذه الأم وقد سيطر الصراخ أو النشيج عليها، كاستجابة لهذه الأخبار السيئة، فإن الجمهور سيتحرر بطريقة ما من الانفعال، فهي بهذا السلوك إنما تقوم برد الفعل الطبيعي الصحي الخاص بهذه المصيبة التي ألمت بها. لكنها من ناحية أخرى، إذا قامت بدلا من ذلك بالتحديق ذاهلة في الفراغ، ثم قامت بدعوة الجندي حامل الرسالة للدخول الى البيت لتناول قدح من الشاي، فإن قدرا أكبر من التوتر والاهتمام سيتولد لدى الجمهور، وسيتم الإعجاب بهذه المرأة لقدرتها على الاحتفاظ برباطة جأشها، وستحظى هذه المرأة، نتيجة لذلك، بتعاطف أكبر لموقفها، علاوة على ذلك فإن شعورا ما بعدم الراحة سيتولد لدى الجمهور، ويرتبط هذا الشعور بإدراك ما بأنه في أية لحظة سيبلغ تعبير هذه المرأة عن حزنها مداه وتنفجر معبرة عنه، وسيظهر في انفجارها الانفعالي، هذا كل تلك الاضطرابات التي نجمت عن إرجاء التعبير عن هذا الحزن الكبير المرتبط بفقدانها لابنها.

من الضروري هنا أن نميز بين شعور الممثل بالانفعالات الشخصية التي يقوم بالدور الخاص بها على المسرح، وبين تلك المشاعر، من الدرجة الثانية، التي تبلغ حدها الأقصى لدى الجمهور عندما تتعاطف مع هذه الشخصية، إن ما يهم فقط في التحليل الأخير، هو أن يشعر الجمهور بالانفعال القوي لا أن يشعر به الممثلون على خشبة المسرح، وقد يساعد التدريب الخاص «بالمنهج» أحد الممثلين على الشعور بالانفعالات المناسبة للشخصية والموقف، ولكن هذا لا يكفي لضمان انتقال هذه الانفعالات الى الجمهور.

إن التأكيد على أهمية الممثل التقني Technical actor (أو المنهجي) هو كذلك تأكيد على أهمية المهارات الدقيقة الخاصة بالصوت، والحركة والأزياء والماكياج، في خلق أو صنع الايهام. ومن بين أفضل المؤيدين لهذا المنحى من المشاهير نجد جيرمي أورنز Jeremy Arons وبين كنجزلي Ben Kingsley وفاينسا ريدجريف Vanessa Redgrave وبيتر أوتول Peter O’'Toole  وآلان بيتس A. Bates (مما له دلالته هنا أن كلهم بريطانيون).

لقد وصف أوليفييه (1982) ذلك الفارق بين الوجود Being  والتمثيل Acting ذلك الوصف مرتبطا لديه بهذا الاعجاب الخاص بطريقة المنهج في التمثيل، والذي كان أوليفييه ذاته متبنيا في العشرينات (وقبل ستراسبيرج بوقت طويل):

"لقد جلبت العشرينات معها جيلا من االممثلين أنتمي أنا ذاتي اليه، وقد وقع هذا الجيل تحت تأثير الممثلين الطبيعيين، وقاد تشارلز هوتري Charges Howtrey هذا الجيل ثم جاء بعده جيرالد دي مورييه Gerald du Mourier. لقد خدعنا هؤلاء الرواد وجعلونا نعتقد أن التمثيل الواقعي هو في حقيقة الأمر سلوك واقعي. لقد خدعنا هؤلاء الفنانون الرائعون بمظهرهم الكاذب. لقد كان تأثيرهم علينا جميل على نحو كارثي (2) لقد افترضنا جميعا أن التمثيل لم يكن تمثيلا على الاطلاق، وأنه فقط الوجود being ولم تكن لدينا خبرة كافية كي ندرك بنحو كامل كيف كان الفنانون الأذكياء (البارعون) قادرين على اخفاء أساليبهم الخاصة وبعد فترة من الأداءات عسيرة السماع أو الإدراك والجماهير الغامضة، اضطررنا الى رفض هذه المدرسة عالية التخصص، وتركناها للخبراء" ص 47.

لقد زار أوليفييه "استوديو الممثل" عدة مرات وانتقد طريقة ستراسبيرج الخاصة، لقد اعترف أوليفييه على كل حال، بأن "المنهج" أحيانا ما يقدم بعض النتائج، وقد كان يقوم بتوجيه "مارلين مونرو" في فيلم "الأمير وفتاة الاستعراض"The prince and the show girl  كان يقوم

باخراجه، ووجد نفسه عاجزا عن اكتشاف أية طريقة يتمكن من خلالها من إثارة الحماس أو التوهج في أدائها، وذلك عند نقطة حاسمة معينة ترتبط بلقائها الأول بالأمير وكانت "باولا ستراسبيرج" زوجة ستراسبيرج التي كانت كما ذكر أوليفييه لا تعرف شيئا عن التمثيل، حاضرة خلال بروفات هذا العمل الفني، فى كانت «باولا» حاضرة كنوع من المساندة الروحية لمارلين، وقد قامت باولا في النهاية بإحداث حالة تشبه الاقتحام المفاجيء في أداء مارلين من خلال قولها لها: "مارلين فكري فقط في الكوكاكولا وفي فرانك سيناترا". وفجأة، وبعد هذا القول من باولا، كانت هناك حيوية في أداء مارلين كما قال أولميفييه، ومن ثم وجد نفسه مضطرا للترا جع عن قوله بأن مثل هذه المقاربة - أو المنحى - لم تكن لتحدث بالمنسبة له أبدا.

هناك حكاية أخرى تؤيد طريقة «المنهج» في التمثيل وقد وردت هذا الحكاية في السيرة الذاتية للممثل الشهير اليك جينس Alec Guinness (1985). فبينما كان جينس يلعب دور ياكوف كبير الخدم في ("النورس The seagull) ذات مساء أضحك الجمهور وحاز على قدر كبير من الاستحسان عند مغادرته لخشبة المسرح. وعندما مر على إيديث إيفانز Edith Evans  كانت موجودة في أحد أركان خشبة المسرح، بحيث لا يراها الجمهور، نظر اليها وهو في حالة من الزهو الشديد بنفسه، وفي الليلة التالية لم يكن هناك أي ضحك ولا أي اعجاب. وبعد خروجه سأل ايديث عن السبب في هذا فقالت له "إنك تبذل مجهودا شاقا، وأنت لم تعرف كيف حصلت على هذا الضحك والاعجاب في المرة الأولى، فهذا شيء طبيعي بالنسبة لك، يوما ما ستحظى به مرة أخرى. خذه هذه الأمور برفق، وعندما تصل الى هذه الحالة مرة أخرى قم بتدوين ما كنت تشعر به بداخلك" ونحن لا نعرف هل كانت هذه النصيحة مفيدة أم لا، لكن جينس كان بالتأكيد متأثرا بحكمة هذه السيدة العظيمة.

لا شك أن التكنيك والخيال ضروريان بالنسبة للأداء الفعال، ويبدو أن كل مدرسة من مدارس التمثيل تتمسك بأن ما تؤكده المدرسة الأخرى هو أمر يحدث، على نحو طيب، بشكل طبيعي تماما. ومن ثم فهم يحاججون قائلين بان التدريب ينبغي أن يركز على الجانب الآخر الذي لا يحدث بشكل طبيعي، وفي ضوء ما سبق، يبدو أن الصواب هنا موجود أكثر من جانب أصحاب وجهة النظر المؤكدة لأهمية التقنية، حيث إنه يمكن المحاججة هنا بالقول بأن معظم الناس قد تعلموا أن يتقمصوا وجدانيا تلك المشكلات والانفعالات الخاصة بالبشر بشكل جيد، قبل أن يصلوا الى مدرسة الدراما. ويبدو هذا الأمر كما لو كان امرا غريزيا، وكما لو كان يصعب تطويره من خلال التدريب. وعلى العكس من ذلك، فإن الممثلين التقنيين (الأسلوبيين) الكبار يستمرون في محاولاتهم للوصول الى الكمال في أسلوبهم عبر حياتهم المهنية كلها. ووفقا لما قالته جوان بلورايت Joan Plowright  زوجة أوليفييه،فإنه قد استمر في القيام بتدريبات صوتية، وفي التدريب على أسلوبه الخاص حتي وهو في الخمسينات من عمره "حتى وهو في الحمام، وبينما هو يحلق ذقنه، كان يقوم فجأة بأداء دور شيلوك (3) في المرآة، إن هذا الأمر لم يتوقف أبدا لديه" (الصنداي تايمز) أكتوبر، 1982).

لم يحظ أوليفييه بإعجاب جماعي بطبيعة الحال. فله نقاده الذين تركزت شكواهم الخاصة به في معظم المحالات في أن أسلوبه شديد البروز تماما (أو شديد الوضوح الى حد كبير)، فعندما يقوم اوليفييه بأداء دور عطيل أو هنري الخامس يكون المرء واعيا، كما يقول هؤلاء النقاد، بأن هناك ممثلا عظيما يقوم بحركات معينة ويستعرض مهاراته كأحد الاخصائيين في الألعاب الرياضية.

ويقول أصحاب وجهة النظر هذه، أيضا إن الوعي بالأداء - مهما بلغ من الوهن - ينتقص من الاندماج مع الشخصية. ومن المحتمل على أية حال، أن يكون مثل هذا الادراك هو المحصلة المتعلقة بالتدريب الخاص بالناقد. فأسلوب أوليفييه، بالنسبة للجمهور العادي، قد يكون أقل

وضوحا.

إن النظرية القائلة بأن الممثل ينبغي أن يشعر فعلا بالانفعالات التي قد تشعر بها الشخصية التي يؤديها في المواقف الدرامية المختلفة هي نظرية قد تكون أكثر مناسبة في الأداء الخاص بالبروفة الاولى (المبكرة) أكثر ن مناسبته بالنسبة للأداء النهائي. فأوليفييه لم يكن ليستطيع أن يشعر بافعال "عطيل" الكامل الشديد كل ليلة من ليالي السنوات الثلاث الخاصة التي استمر يؤدي فيها هذه الشخصية في فترة ما من حياته. إن ذلك كان كفيلا بقتله، ويقينا كان ما يفرزه من الادرينالين عند نهاية السنة الثالثة، اقل مما كان يفرزه قبل ذلك. لكن الشعور بالشك الحقيقي والغيرة الحقيقية والغضب الحقيقي والحزن الشديد الحقيقي وما شابه ذلك مرة أو مرتين في المراحل المبكرة من قراءة الدور، والتدريب عليه مع أعضاء فريق العمل الآخرين، قد يساعد المرء في وضع الخطة - أو الحبكة - الخاصة بحركاته، وايماءاته، ونغمات صوته وما مشابه ذلك وعندما يصل الممثل الى لحظة اقيام بالدور فعلا ربما يكون قد وصل الى موضع يستطيع من خلاله أن ينتج سلسلة الاشارات (الايماءات، النغمات الصوتية... الخ) التي سبق له تنظيمها، وغالبا ما يتم هذا بشكل يوحي بانه يبدأ من نقطة البداية الأولى.

قد يوافق ستانيسلافسكي على هذا. فما له دلالته أن عنوان كتابه الأول والأكثر شهرة، هو «ممثل يستعد» وليس «ممثل يؤدي».

ويبدو أن المناصرين لـ «المنهج » قد أساءوا فهم هذا. لقد مالوا الى تركيز اهتمامهم على كتاب ستانيسلافسكي الأول وأهملوا نوعا ما أعماله المتأخرة الاخري مثل كتابه "بناه الشخصية"Buliding a character   أو «تكوين الشخصية» وهو كتاب الذي اقترب فيه كثيرا من وجهة النظر المؤيدة للتقنية في التمثيل.

وكما ذكرنا، فإن المنهج - بتأكيده أهمية الأمور الواقعية والعادية - هو طريقة أكثر مناسبة في الأعمال التليفزيونية والسينمائية المرتبطة بالحياة اليومية وفي المسرح التجريبي الذي يحيط النظار فيه بالمسرح من جميع جهاته. ولا يمكن الاستغنا، عن التكنيك في التمثيل الخاص بالمسرح الكلاسيكي أو في الأوبرا أو في الفيلم الملحمي. وغالبا ما يكون العمل مؤسلبا Stylized  بطريقة ما، بحيث تكون درجة معينة من النظام شبه العسكري تقريبا، ضرورية لأحداث الأثر الخاص به كما في تنظيم المسافات المكانية بين المؤدين وتزامن الحركة - أو غياب الحركة - كما يحدث مثلا في اللوحة الحية المتجمدة (أو التمثيل الساكن لمشهد).

في مثل هذا السياق قد يكون الممثلون الأفراد الذين "يشعرون بأدوارهم" شاعرين بأنهم لا يعدون

أن يكونوا سوى مجرد خيط واهن في يد المخرج وقبضة الممثلين الآخرين.

تمتلك كن المناحي الخيالية والتقنية الخاصة حول التمثيل شيئا ما يمكنها المساهمة به، ويجب أن نفكر في هذه المناحي باعتبارها متكاملة، أكثر من كونها متعارضة، أو متنافسة مع بعضها البعض ويقترب أفضل الممثلين من كل نسق من هذه الأنساق بما يتفق مع متطلبات الدور الخاص الذي يقوم به، فهناك أوقات ينبغي أن تنفذ فيها الحركة على خشبة المسرح بدقة بالغة مخططة سلفا، وهناك أوقات أخرى يكون من الأفضل فيها، بالنسبة للممثل أن "يندمج في دوره، بشكل يشبه عملية التنويم الذاتي Self hypnosis ".

تجسيد الشخصية باعتباره نوعا من التلبس

Characterization as possession:

يوحي الاكتشاف بأن العديد من الممثلين الكبار والممثلات الكبيرات يشعرون بأن الشخصية التي يمثلونها تتلبسهم أو تستحوذ عليهم، يوحي ذلك بأن شيئا ما قد يمكن الوصول اليه من خلال هذا الصدق "الواضح" الذي يحدث نتيجة ذلك الاندماج الكلي أثناء الأداء الفعلي. وحقيقة الأمر، أن التلبس قد يعد شكلا متطرفا من أشكال التمثيل الخيالي، ومن ثم فمن المناسب أن نضع هذه الظاهرة في اعتبارنا الآن بقدر أكبر من التفصيل.

وفقا لما ذكره بيتس (1991) فإن نوعا من التلبس يحدث عندما يضع الممثل نفسه كلية داخل الشخصية التي يقوم بها أو يسمح فعلا للشخصية بأن "تدخل الى أعماق ذاته" والى المدى الذي يشعر عنده بانفعالات هذه الشخصية. إن الممثلين يقدمون قناة ما channel يمكن التعبير من خلالها عن الانفعالات الخاصة بالشخصية التي يقومون بها، يحدث هذا، رغم أن هذه الانفعالات بطبيعة الحال، تكون مستمدة من المخزون الشخصي للانفعالات الخاصة بالممثل. وبشكل ضمني، يكون هناك نوع من الانصهار بين الانفعالات الخاصة بالشخصية، والانفعالات الخاصة بالممثل. لكن أحيانا ما يذكر الممثلون أنهم يصابون بالدهشة من الطريقة التي تستجيب بواسطتها الشخصية التي يجسدونها لموقف معين، من خلال البكاء مثلا، بينما لم يكن متوقعا منها أن تفعل ذلك ويخاف بعض الممثلين من الشخصية المتلبسة لهم، وقد يصبح هذا الخوف شديدا جدا بدرجة تتحكم فيهم وبحيث يلحق الضرر بأدائهم، وربما حتى يهدد سلامتهم أو صحتهم العقلية.

وقد أكد "بيتس" أن التلبس هو ظاهرة تحدث في حياتنا اليومية العادية، وليست ظاهرة خاصة بالممثلين فقط. فنحن نقضي جانبا كبيرا من يومنا مستغرقين في أحلام اليقظة والتهويمات، وخلال ذلك نتحدث مع أنفسنا بالطريقة نفسها تقريبا التي نتحدث بها مع شخص أخر (رغم أن الصوت لا يكون مرتفعا تماما)، إننا نقول لأنفسنا "من الأفضل أن استعجل" أو "أنك ستتأخر مرة أخرى" وأحيانا ما نقيم محادثة مع أنفسنا، نطرح فيها أسئلة ونجيب عليها.

ويماثل هذا الحديث الداخلي حالة الغشية أو شبه الغيبوبة الحالة الخاصة