الليـل
مقاربة من الداخل

الصـور المرافقة
الصور المرافقة

محمد أمين الحسن (كاتب من سوريا)


- إن الشيء الجميل متعة للعين في مختلف الظروف

يقول الكساندرا ستروك صاحب تعبير "الفيلم – القلم" سوف يحرر الفيلم نفسه بالتدرج من طغيان الحكاية المباشرة الواضحة ليصبح أداة كتابة في طواعية الكلمة المكتوبة ووقتها.

لماذا السينما ؟

- فطرنا جميعا على الاستجابة للعمل الفني لكن يعوزنا أحيانا أن نتدرب على الكيفية (1). عادة تحيط بالفيلم حياة ثقافية بجوانبها المتعددة لتعميق الاستقبال إذكاء للوعي بالسينما كونها تقليدا للحياة ولاعطائها تأثيراتها القصوى:

- كلما ازددنا وعيا ازددنا اكتمالا.

فليست وظيفة السينما أن تزودنا بمعرفة عن العالم الذي نعيش فيه فحسب، وإنما خلق القيم التي نحيا بها أيضا. حيث يتحول المشتهى الى فسحة زمنية نعيشها أثناء التلقي تعويضا عما نفتقده من أجل إغناء الداخل. إذ ثمة لقاء حميم ما بين المتفرج والفيلم حتى لو كانت القاعة مظلمة.

إننا في متابعة الأفلام كذا المعارض الفنية نقوم اضافة للمتعة واتساع الأفق بتدريب الذاكرة البصرية على مستوى رفيع من التذوق وصولا الى ثقافة سمعية - بصرية أنضج سيما والقراءة السينمائية في بلدنا بدائية. هذا إذا أحسنت التعبير ولم اقل كلمة أبشع" (2)

فالفن دلالات ذات صلة بالمعاش. إنه من الناحية الوجدانية - أكثر تعبيرا عن الحقيقة من الواقع. لكن يبقى أن نسعى الى فك رموز هذه اللوحة الفسيفسائية / البنية الفيلمية غير الاعتيادية لـ "ليل"  محمد ملص مما يتطلب دراسة وبحثا دائبين وصولا الى إضاءة بعض الجوانب.الدلالية للفيلم إذ لا مناص من التأويل:

- إن الفن لا يمنحك ذاته إلا بالجهد والمثابرة. ولا يمكنك القبض عليه - بعض الأحيان - أبدا. من هنا مشروعية حضور العرض لأكثر من مرة.

ولأن عمل المستمتع مرتبط بعمل الفنان وليس العكس، فلا يحق لنا مطالبة المخرج بالسهولة أو التبسيط مما يعني تقييد حريته الابداعية خاصة والفن في عصرنا يسير نحو تقنيات أعقد وأمداء قصوى من التجريب، فإلى متى نظل نعتقد أن على الفيلم إعطاء نفسه من المرة الأولى ؟

يرى اندريه بازان في كتابه ما هي السينما "أننا لو عرفنا كيف يقول الفيلم ما يريده لاستطعنا أن نفهم رسالته".

الليل في "الليل":

ليلا يجري الاحتفال بتولي الديكتاتور مقاليد السلطة تحت وابل الشهب النارية، الاستعراض العسكري ومظاهر البهرجة فالمفرقعات في جنح الظلام نشاهد أطلال مدينة القنيطرة: "في البدء كان السكون. وكان الليل قد سجي. وكان القمر". (3) ثم ليلا يأتي أبطال الـ 36 للالتحاق بثورة القسام. وفي الليل بينما ابن العشي الأكبر "أبو حامد" نيام في مستودع أبيه تجري حوادث دخول قوات فرنسا الحرة الى سورية عام واحد وأربعين وفي الوقت ذاته - لاحظوا التزامن في دلالته وعبارة أبي حامد:

- يا سلام هلق تفسر المنام -

تتم سرقة الليرات الذهبية ويهرب السارق ليتهم الأبرياء. كأن المطلوب هو الاتهام فحسب حتى يظل الجميع موضع الشبهة أبدا. ربما كي يسهل قيادهم ساعة يشاء القدر الى مخفر "الجندرما" كما قاد العشي عائلته بصغيرها وكبيرها ثم صهره "على الله" بعد ذلك:

- "أنا بفرجيك. أي ما بكون العشي إذا ما خليتك تتختخ بالحبوس". (4)

ليل يتجاوز معناه الى دلالة أعمق تحيط بحياتنا الى حد جعل أحد النقاد يصف الفيلم بالكابوس - الحلم أو الواقع الكابوس (5).

فرغم ظهور القمر مكتملا في السماء مع إشارة البداية لكن الليل شوهد أعم حيث فرض سلطته حتى على القمر الذي بدا نقطة تائهة في بحر من الظلمة.

من هزيمة الى هزيمة نسبة المناظر الليلية تطغى على النهارية مما ينعطف في اندغام مع العنوان ليعطي انطباعا واقعيا عن سورية تلك الفترة فحتى المناظر النهارية توحي بليل الوطن الجاثم على صدره. انتبهوا الى منظر اللاجئة وهي ترضع ابنها على الرصيف. بالرغم من الهرج والمرج حولها دون أن تكترث بالانقلاب أو بيانه الأول. فماذا يعنيها من ذلك إذا كان ما يحصل لا علاقة له بفلسطين.

ولعل محمد ملص يجعل لليل عيونا كي نرى من خلالها التاريخ ومنعكساته على واقعنا الراهن وبالتالي مستقبلنا. إنه يشير لنا بطرف خفي الى مسببات النكبة والهزائم التي لحقت بنا. فهذه القدرية - الاتكاء على السماء حد الاستسلام الكامل - موغلة في العمق بدءا من الاسم "على الله" المسمى به الابن أيضا. ثم التواكل المطلق على الظروف "إن ينصركم..." قدما الى الخروج للقتال عام ستة وثلاثين بحماس ثوري ساذج وهنا يتهكم المخرج بسخريته المبطنة فها هو أحد الثوار كأنه ذاهب في نزهة يحمل ابنه على كتفيه ليكرر الصغير سؤاله كل حين: "يابي مطولين لنصل لفلسطين ؟".

مثلما "الفزعة" حسب التعبير الدارج: كل واحد يشيل بارودته ويمشي. ثم زواج البطل من ابنة العشي صدفة أو لنقل قسمة ونصيبا كما يسمونه. بعد ذلك الانضمام الى جيش الانقاذ 1948 دون تخطيط مسبق والسؤال الجارح هنا وقد اعتمدنا في حياتنا المعاشة على الشعارات النارية والحماسة العفوية دون عمل منضبط:

- مازلنا فوضويين بعد.. فمتى ينتهي ليلنا يا ترى؟

يتمتع "الليل" بمسحة تسجيلية في عنايته بالتفاصيل - المطبخ مثلا - ويمكننا من هذه الناحية البحث في حميمية العلاقة مع المكان المطروح لجعله ذاكرة حقيقية للمكان.

بجلال تقف الصورة الشاعرية والكلمة الايحاء - الرمز والمعنى المتداخل ما بين المشاهد فقد نفهم مشهدا بحد ذاته مع صعوبة بعض المشاهد التي يمتزج فيها الواقع بالحلم أو الواقع بالواقع المشتهى. لكن كي نفهم ليل محمد ملص نحتاج كما تؤكد هيلين قيصر في "أمريكا روبرت ألتمان"  أن نكون مشاهدين مشاركين لا نكتفي بفعل المشاهدة إنما نرتقي معه وبه الى وعي أعمق بما نشاهد ونسمع الى تذوق أرفع لجمالية مبهرة قد تلعب أحيانا دور المشوش على الفكرة السينمائية إذ أن جمالية المناظر بسبب من ظلامية الواقع - وهي سلاح ذو حدين - أساءت الى الانطباع لدى المشاهد فصفعة الجندي صاحب القبعة الحمراء للطفل الصغير "على الله" لم توح بالقسوة بل راح الطفل يضحك من حركات الجندي الاستعراضية. حتى لطمة العشي لابنته وصال يوم زفافها ما أدخل في روعنا الاحساس بالتألم على الوضع وربما ارتسم شبح ابتسامة على وجوهنا من "كاركتر" العشي. فهل يريد المخرج بنا هذا المضحك المبكي أو المبكي المضحك: لعله قصد الى ذلك من خلال فيلمه بالاجمال أن نضحك ونحن منهزمون لتكشف لنا شمس الحقيقة خيباتنا فنبكي بحرقة ؟

هاهو الابن يسأل أباه: إن أحضر البرتقال لأمه من يافا؟ فيضحك "على الله" - وشر البلية ما يضحك - إدراكا بحسه العفوي ونقائه أبعاد المهزلة وحجمها.

إضاءة:

في ذاكرة الوطن عبر تفاصيل المكان والزمان كأنما يريد بعث الروح بأكوام الحجارة بعدما خلف العدو الصهيوني المدينة مدمرة تماما يعيد ملص بناء القنيطرة في إعلان صوت - مرئي عن مدينة كانت تعيش قبل الحرب(6).

لقد هجر "على الله" بلدته ذات يوم من عام 36 ميمما صوب الوطن السليب لينضم مع مجموعة المجاهدين الى ثورة القسام. فاستوقفته النوافير الكثيرة كما في حماة مدينته التي جاء منها. لكنه رجع منكسرا، إذ نراه حافيا في وضع مزر يستنشق عبق المدينة لتستقر به الحال متزوجا ابنة العشي. جرب العودة ثانية الى فلسطين مع جيش الانقاذ كي يحضر لزوجته وصال البرتقال من يافا. بيد أنه يهزم فيرجع محملا بروح ذلك المجاهد العتيد ومعبأ بالمثل كأنما قادته التجربة النضالية - وهو أمي بسيط - الى النضج والحدس الصائب. رغم اعتقاد البعض بأن المخرج أسقط وعيه على بطله الذي يكقى - بعد ذلك - الاهانة تلو الاهانة وهو المثقل بالكرامة فيقضي كمدا في جامع الشركسي ليعيش الابن "على الله" موت ابيه المشتهى وارثا عنه الأحلام والذل.

"كانت، كلما رويت لها قصتي هذه عن موت أبي، تنظر الي بغرابة وحيرة. فتكتم الكلام وتخفض ناظريها. ثم تلوك قناعات الذاكرة والخيال.

كنت أحس شوكة السؤال في حلقي. تقول لي لقد مضى أربعون عاما يا ابني. وأقول لها بابتسامة ماكرة: عشرون عاما يا أمي"

ها هو الاب، عابرا نهر اليرمرك وعلى البعد فلسطين، يحمل ابنه الصغير ليلقنه قسم الجهاد:

"ربي أعني على أن أقاوم وهني وأغالب عظيم همي. وساعدني على أن أرى دربي".

يرى جريرسون في كتابه السينما التسجيلية "أن أول مهمة للناقد أن يكون بمثابة جهاز للارشاد الى عالم الخلق الفني، يسجل مظاهر الالهام أو التضور التي تبرز في هذه الأعمال وينبه الناس اليها لأن ذلك ينمي قدرتهم على الاختيار".

ولأن السينما عند ملص لغة أحلام، لها رموزها يتخذ فيها كل عنصر وظيفته، كل حركة دلالاتها، وكل ايقاع معناه. سينما لا علاقة لها بسائد يقوم على السرد المباشر بتسلسل بعيدة عن الانماط الدرامية المعتادة كي يذكرنا بمدارس الفن الحديث. كونها شكلا من أشكال الاحتفاء بالحياة إذكاء لها. وهي بحث عن الصورة أيا كانت فردوسا أو جحيما مطلقا لنتلامس أثناء العرض مع الروح إفصاحا عنها أو تعويضا عن المشتهى:

"هبطنا الى الأرض. وهبط ضوء النهار القاسي. كانت الرؤيا تتوهج في روحنا. وكنت أتوق لرؤية أبي كي أقول له:

- رأيت فلسطين."

المستقبل للقنيطرة:

"إنها معبر نحو فلسطين". "كما هي خاصرة سورية" لم تنسحب اسرائيل من مدينة القنيطرة الا بعدما خلفتها أنقاضا وركام حجارة مكدسة. فالسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا هذا الحقد وهذه الوحشية الهمجية ؟

ينطلق الفيلم من مقولة المستقبل للقنيطرة عاصمة الجولان كما نعلم. ولعل التنوع السكاني. الوحدة ضمن الاختلاف. فثمة شهيد شركسي سقط في سبيل فلسطين وهناك بائع الاسطوانات اللبناني. هذه امرأة فرنسية استقرت مع زوجها طبيب الاسنان. هذا أرمني وذاك صاحب حانوت تركي.

وفي إحالة الى التاريخ بعيدا عن فن السينما نقرأ:

"يضم الجولان سكانا سوريين ولكن من أصول عرقية مختلفة: عرب، تركمان شراكسة، أكراد وأرمن هذا عدا التعدد في العقائد الدينية" (7)

إذن فالمقولة مؤكدة مرتين: الأولى في تاريخ المدينة الذي حمل سمات التنوع والتسامح ما بين الطوائف والجنسيات المتعددة والمرة الثانية في هذه النبوءة المستشرقة من الغد:

- إنه التعدد مصدر إغناء واثراء فالمستقبل فعلا لهذا الوعي المتحضر الذي يؤمن بالمواطنية لجميع أبناء هذا البلد على اختلاف جنسياتهم أو طوائفهم وانتماءاتهم الفكرية.

"فهذه البقعة من أرض سورية بوتقة ذابت فيها المجموعات العرقية حيث لا نلمس أثرا لأي تنافس عرقي. وإن اندماج السكان في المحيط الذي يعيشون فيه جعل من الصعوبة على الغريب أن يميز بسهولة الفروق بين مجموعات السكان" (8).

وهو ما شكل شوكة في حلق اسرائيل جعلها تقدم على عملها البربري قبيل انسحابها من المدينة الشهيدة.

أما من وجهة نظر العشي فالمستقبل لها أيضا إذ سيأتي جنود وراء جنود وتبقى أعماله مزدهرة على الدوام. لكن السؤال هنا: أن لماذا لم يغادر "على الله" المدينة رغم الظلم الواقع عليه أم لعله اقتنع هو الآخر بأن المستقبل للقنيطرة فعلا؟ وهذه قناعة ثورية حيث سيظل تاريخ النضال متواصلا والكفاح مستمرا الى الأبد ما عاش الانسان فما أقرب القنيطرة من فلسطين.

الموت من الصمت:

"عوض طول حياتنا يا هربانين من ظلم. على الله (مكملا): يا اما رايحين نواجه ظلم ويتابع مجاهد آخر: المهم ما يبقى ظلم".

يبدأ الفيلم بالاهداء التالي: "الى الذين ضحوا بصمت وقضوا بصمت ". - إنه مكرس للذين قاتلوا من أجل فلسطين. وماتوا من الصمت.

ليفرض الصمت حضوره الجليل منذ اللحظات الأول للمشاهدة فالموسيقي التصويرية توجد معالجة موسيقية فحسب - هي ارتعاش الطبيعة أو صدى النفوس المتعبة من ضخامة الأحمال وعبء الأحلام المجهضة، فالأم الكبيرة تموت قهرا أمام المخفر بعد رحلة الاذلال وهي توصي ابنتها وصال:

- "خبري جوزك حاجتوا شنشطة وثورات خارج هالبلاد."

والحلاق عوض يحاول احراق نفسه بعدما انسحبت الجيوش العربية من فلسطين وعاد خائبا الى بيته تثقله مرارة الهزيمة:

- "طاب الموت بعدك يا فلسطين".

بينما يموت البطل على الله كمدا نتيجة الهزائم المتوالية وخسارة الكرامة - كنزه الأعلى ليهبط الحمام من أعلى جامع الشركسي في إيماءة للانطلاق بعد الأسر. كأن الغياب حضور. فالموت حياة مرتجاة تاركا لابنه ساعة الجيب كي تذكره دائما بالشيء الأغلى في الحياة - الأرخص عندنا- ألا وهو "الوقت":

"كنت أحس بالثقة والقوة. فدفعت باب المسجد وطار الحمام."

ومن هنا بدا الايقاع بطيئا لأنها سيرورة الزمن عندنا بعيدا عن تحويل الهزيمة الى انتصار كما اعتدنا ما أجمله على الله اليافع وهو يطل -في لقطة أخاذة- متأملا من نافذة الحاضر الى عمق تاريخه الماضي وتاريخ الوطن بالمقابل في تساؤل حزين:

- ترى من كان هذا تاريخه كيف يكون مصيره غدا؟

بحثا في الذاكرة الشخصية ذاكرة الوطن ثمة حنين لحياة آمنة تسودها سيادة القانون اذ ليس بالامكان تحرير فلسطين عن طريق ضغط حرية الفرد وتقييد وعيه مما يعني تحلل الكرامة وتبدد الأحلام النبيلة.

ثمة تفاصيل ضرورية. تأملوا النوافذ المحطمة في كل مكان من البيت الى الثكنة العسكرية فالمسجد في إحالة لنافذة الوطن. وتفاصيل أخرى في الفيلم ذلك لأن ذاكرة المواطن مزدحمة حد التخمة. فكيف إذا عملت أكثر من ذاكرة في آن معا. ذاكرة الأم المعاشة، ذاكرة الابن المشتهاة، وذاكرة المدينة المحكية. وكيف اذا كان التاريخ أوسع من السياق التاريخي المعتاد؟

"وحين امتد الصمت ولم يرجع أبي علا صوت صراصير الليل وعواء الكلاب".

المرأة في الليل:

كأنها ضميرنا المتحفز أبدا فهذه أم وصال تسأل زوجها وقد دعاها كي تستعد للفرح:

"خير إنشا الله يا رجال. خلصت الحرب ؟ طلعوا الافرنسيين ؟"

ويجيبها العشي مستهزئا: "ولي عليكي شو غشيمة. لقيت للكبيرة عريس وبدنا نكتب الكتاب".

وها هي ترفض دخول المخفر بما يعنيه من اذلال لكرامتها بل عندما يطفح بها الكيل تقرر الاستقالة من الحياة نهائيا على أن تدخل المهانة بقدميها:

"كانت أمي متيبسة في أرضها. وصتني بأخواتي. وحلفت يمين بالعظيم ما بتدوس أرض المخفر لو بدها تموت. سبحان الله. كانت هي أول وآخر مرة بتقول فيها لا".

هي ذي وصال في نبوءتها المعجزة حول مصير زوجها أن يحبس في الجامع لمحاولته كشف الحقيقة تعبر عن هذا المعنى أيضا. فهذه الأم بدورها القائد حتى في لاوعينا تتحدث الى "على الله"  الاب عن حلمها ذاك رغم انصرافه عنها في سبيل الوصول الى دار تمنحه الامان أولا. لكن "على الله" طفلهما الغض سمع الحكاية ورعاها جيدا ليسوغها فيما بعد - وقد شب عن الطوق رؤيا مشتهاة لموت أبيه، علما بأنه شاهد والده يسقط في جامع الشركسي بلا حراك. لقد عاد ليلتها وقد أصبح وهو ابن سبع - رجل البيت كما يقال فجأة. عاد الى أمه محملا بعبء المسؤولية طالبا منها أن توقظه باكرا لأن لديه عملا ينجزه. بيد أنها حين تسأله - وقلبها متوجس - بحنان:

- "وشوهالشغل ؟"

يجيب بثقة:"هاداسر".

ترخي وصال - في شهادة معلنة - المنديل الأسود على وجهها مرتين أمام مهزلة الاحتفال بتولي العسكر لمقاليد الحكم مع "المارش" العسكري واطلاق الشهب النارية والمفرقعات الأولى مع بدء الفيلم والثانية حين انتهاشه ولعلها تفض الطرف عن البشاعة المرتكبة بحق الوطن في جريمة الانقلاب ضد الحياة المدنية. وفي المرة الثانية يسدل "على الله" على وجهها أمام سينما الدنيا في إعلان موجز من جديد كأن رائحة الجريمة فواحة بعد.

وها هي زوجة عوض التي نراها طوال الوقت متلفعة بالأسود لا نشاهد إلا كفيها. أما الآن فقد انتصبت الدشمة الاسرائيلية عاليا فوق التل المطل على مدينة القنيطرة باستحكام تكشف عن مؤخرتها لتفضح بعريها. عرينا جميعا. اذ يصرخ عوض: لقد افتضحنا.

أجل يا أصدقاء وآن لنا أن نشاهد عرينا الأكبر بوضوح. فالأرض هي العرض كما يقول المثل عندنا.

الخروج من "الفوتوغراف":

في لقاء الذات مع ذاتها صراعا ضد النسيان أو حنينا الى ما مضى عبر توليف التداعيات فالرؤى والأحلام ماضية أو مستقبلية ثم استهلالها كالسيف من الغمد لتتحسس الذات السالفة ذاتها من خلال الوجود الراهن كتقي وصال الزوجة مع وصال الصبية - في لقطة مدهشة - وجها لوجه في تصالح صامت وتأمل معزز باللحظة التي تعدل الحياة كلها لأنها تختزن الحياة:

"استلقت على الأرض وغفت لحظتها ملتصقة ببلاط نظيف ومهشم انداحت الابتسامة العذبة عنها. ثم نهضت ليتناهى حفيف ملابسها الخافت وملمس قدميها الجميلتين على البلاط الأبيض البارد!"

هاهما الشخصيتان الماضيتان متقدمتان من الطفولة والحاضرة الآن تتجالسان لتتلامسا بعد برهة في فسحة ما فوق الحلم:

- ترى هل التقى أحد منا عمره ذات يوم أو استحضره ليستدرك طفولته قبل الفوات الحتمي؟

كذلك هو الحال مع شخصية الرئيس شكري القوتلي ينزل من سيارته أمام الثكنة العسكرية مقلقا سبات البطون المنتفخة على حدود الجبهة في القنيطرة ليتفقد الأحوال لكنه يبقى جالسا في سيارته ناظرا الى نفسه في ابتسامة ساخرة لتتلامس الشخصيتان معا حيث الحقيقة في الوجدان والأخرى في الواقع تأكيدا لشهادة الشخصية على ذاتها فنحن شهود أيا كانت الظروف أو بغض الطرف عنها - على تصرفاتنا أمام محكمة الضمير.

يقول المخرج:

- لقد استخرجته من نفسه ليلعب دوره ثم يعود بعد ذلك الى ذاته (9) وفي تجربة لها علاقة بالممثل وليس مزاحا نلاحظ الأدوار المركبة لعدد من الممثلين في الفيلم: رياض شحرور في دور العشي ومرافق زعيم الكتلة الوطنية أيضا. هذان الدوران متزامنان معا في ذات الوقت فهل نقبل هذا ككشف لشخصية هذا الانتهازي الذي يسير مع مصلحته أينما تكون فهو مع الفرنسيين يقدم لهم وجباته كذلك للمساجين وهو مع الكتلة الوطنية ملازم لعاصم بك ثم مع المخفر ودرك الجندرمة.

كذلك رفيق سبيعي في دور صاحب حانوت تركي ثم ثائر مع المجاهدين 1936 وبعد ذلك في دور الرئيس شكري القوتلي: قد ندرك المغزى في المثال الأول فالملاك صاحب القدرة المالية ظل للسلطة السياسية دوما لكن المخرج يلعب مع مشاهديه لعبة البيضة والحجر بهذه الأدوار المركبة للممثل الواحد إنه يبرز مهاراته العالية هنا وقدرته على اسقاط مقولاته الفكرية بطريقة سينمائية لاسيما وقد بدأ طالب فلسفة في جامعة دمشق. بيد أن ذلك لم يمنع بلبلة ذهن المشاهد وصولا الى صعوبة التأويل لدلالات أبعد وإن يكن فثمة صعوبة للاحاطة بها دون توضيح مباشر.

التوثيق عبر الصورة:

"تستخدم تقنية التصوير الفوتوغرافي لاعطاء بعد أقرب الى التوثيق لكنه ليس توثيقا تسجيليا فالصورة الشمسية أقرب الى القصيدة".

ها هو عوض القادم ثائرا من حماة يطلب من الشاب على الله أن يصورهم للتاريخ: "أي يرحم بيك صورنا" إلا أن عوضا يقدم كاميرته لنا نحن المشاهدين كأننا المعنيون بحفظ صور هؤلاء المجاهدين في ذاكرتنا الجماعية الى الأبد. وقد استخدم ملص هذه التقنية مع صوت الكاميرا اليدوية لحظة أخذ اللقطة عدة مرات بفيلمه وفي منعطفات هامة للغاية:

- قدوم المجاهدين الى مدينة القنيطرة الذين هم أبطال فيلمه الأول أحلام المدينة وقد أتوا ليلا ومع قدومهم ينهمر المطر غزيرا من السماء.

- ثوار الـ 48 مع جيش الانقاذ الذين يحضرون نهارا حيف لا وهم أبطال نجوم النهار؟ ولكن ليصورهم الآن مصور محترف بآلة تصوير كبيرة بينما يحمل أحده