السيرة الروائية
اشكالية النوع والتهجين السردي

الصـور المرافقة
الصور المرافقة


عبدالله ابراهيم (استاذ جامعي من العراق)


1-اشكالية النوع والتهجين السردي

السيرة الروائية ممارسة ابداعية مهجنة من فنين سردين معروفين: السيرة والرواية. لا يقصد بالتهجين معنى سلبيا، إنما التركيب الذي يستمد عناصره، من مرجعيات معروفة، واعادة صوغها وفق قواعد مغايرة، في السيرة الروائية يدمج الخطاب بين الروائي والراوي، فهما مكونان متلازمان لعلامة جديدة هي "السيرة الروائية". لا يفارق الراوي مرويه، لا يجافيه، لا يتنكر له إنما يتماهى معه يصوغه ويعيد انتاجه طبقا لشروط مختلفة عن شروط الرواية والسيرة.

والسيرة الروائية هي "نوع" من السرد الكثيف الذي يتقابل فيه الراوي والروائي، ويندرجان معا في تداخل مستمر ولا نهائي، يكون الروائي مصدرا لتخيلات الراوي، الكيان الجسدي والنفسي والذهني للروائي يشرح، ويعاد تركيبه، التجربة الذاتية تشحن بالتخيل، توفر هذه الممارسة الابداعية حرية غير محدودة في تقليب التجربة الشخصية للروائي، واعادة صوغ الوقائع واحتمالاتها، وكل وجوهها، دون خوف من الوصف المحايد والبارد للتجربة، ولا الانقطاع التخييلي عنها، وبشكل من الاشكال فإن السيرة الروائية هي سرد ذاتي مباشر، حتى لو استعان الراوي بالصيغ الموضوعية، هنالك باستمرار خرق لتجربة الروائي الذاتية، اذ يمارس الاغواء فعله دون مواربة، في نوع من الكشف الداخلي الجريء النادر. ان صيغ الوعظ والاستعلاء والنبذ والاستبعاد والخفض لا تجد لها مستندات تمنحها الشرعية. ولا توفر امكانية لأي شيء سوى الذات، وما يمر عبر منظورها. اذ كل شيء يستمد أهميته وشرعيته الفنية بمقدار اتصاله بالذات الخاصة بالروائي، فرؤيته تشع دائما فتضفي على الآخرين أهمية، ليس لأحد من استقلال وقيمة إلا بمقدار ما يقرره السرد الذي يتمركز حول شخصية واحد: الروائي الذي يصبح محورا مركزيا في النص.

يقتضي الحديث عن السيرة الروائية الاشارة الى أهمية التجربة الذاتية المستعادة والمصاغة صوغا فنيا مخصوصا يناسب متطلبات السرد والتخيل ومقتضياتهما، ذلك أن المادة التي يفترض أن تكون حقيقية وأصلية، الا يمكن أن تحتفظ بذلك، فما إن تصبح موضوعا للسرد الا ويعاد انتاجها طبقا لشروط تختلف عن شروط تكونها قبل أن تندرج في سياق التشكيل الفني، وعليه لا يمكن الحديث أبدا عن مطابقة حرفية ومباشرة بين الوقائع التاريخية المتصلة بسيرة المؤلف الذاتية والوقائع الفنية المتصلة بسيرة الشخصية الرئيسية في النص، هنالك تداخلات كثيرة، فالوسيط وهو السرد هنا، يعيد ترتيب العلاقة بما يوافق العالم الفني الجديد، اننا يمكن أن نحيل على وقائع خارج نصية استنادا الى الاشارات المعترف بها كالتواريخ والوثائق والأحداث، لكن تلك الوقائع، صيغت وانتجت، لتكون عناصر في نظام مغاير، مع أنها مازالت توحي اذا قرئت في ضوء مرجعيات محددة بتلك الأحداث والوقائع، ومهما يكن من أمر، فإنه يلزم التأكيد أن الأهمية في موضوع السيرة الروائية لا تتجه الى البحث المباشر عن المطابقة بين الشخصية الواقعية وسيرتها والشخصية وقد أصبحت عنصرا في تكوين فني آخر، إنما يظهر الاهتمام بكيفيات الاستثمار ودرجات الاستلهام، ومع الأخذ بالاعتبار الاكراهات والأنزياحات التي تلازم كل تحول من حالة الى حالة أخرى، وهي تغييرات يفرضها تداخل أساليب السرد، ونظام الأزمنة، والضمائر، والاسماء، والرؤى والمنظورات، فاستعادة تاريخ حياة، تخضع في الغالب لشروط زمن الاستعادة، ووعي المستعيد ووجهة نظره، ومستلزمات التعبير عن ذلك، أكثر مما تخضع لشروط المسار التاريخي الحقيقي لتلك الحياة، ذلت أنه في الأدب لا نكون أبدا بإزاء أحداث أو وقائع خام وإنما بإزاء أحداث تقدم لنا على نحو معين، فرؤيتان مختلفتان لواقعة واحدة تجعلان منها واقعتين متمايزتين، ويتحدد كل مظهر من مظاهر موضوع واحد بحسب الرؤية التي تقدمه لنا (1).

وذلك يفضي الى التأكيد أن أمر المطابقة الكاملة بين الوقائع التاريخية والوقائع النصية في السيرة الروائية مستبعد، ولا يفضي الى نتيجة مفيدة لكل من التاريخ والسيرة والرواية.

2- التداخلات النصية: ميثاق السيرة الذاتية وميثاق الرواية

على خلفية التاريخ الأدبي لكل من الرواية والسيرة يحدد "جورج ماي" علاقات التداخل والتخارج بين هذين النوعين الأدبيين. فيذهب الى أن السيرة قد استثمرت أساليب السرد التي أشاعتها الرواية، ولكن الرواية قد استثمرت بدرجة واضحة السرد المباشر الذي يعتمد على ضمير المتكلم، وهو أسلوب ظهرت بذوره في المذكرات، وسرعان ما دفعت به الرواية الى مركز الاهتمام، وأصبح جاهزا لأن يعاد استخدامه وبتنوع شديد الثراء في السيرة وهنا يلاحظ عمق الاقتباس والملاقحة، لكن الأمر لا يقتصر على ذلك، فالرواية والسيرة ربطهما جامع مشترك آخر، وهو أن فصيلة كاملة من الروايات قد حذت حذو السيرة في أن احداثها تتمركز حول شخصية، والاختلاف فيما اذا كانت الشخصية حقيقية أو خيالية، أو شخصية الكاتب أو غيره يبدو أقل أهمية، فيما لو تم الأخذ

بالاعتبار الخصائص النوعية لكل منهما (2). إن فصيلة روايات الشخصية الواحدة، تجد نفسها، مهما اعترضتها من صعاب، شديدة القرب الى السيرة، فكلاهما يعنيان بشخصية مركزية. على ألا يفهم من ذلك أن الرواية انما هي هذه الفصيلة، إذ أن هذه المماثلات لاتحجب ان الرواية على العموم تتنازعها عدة انتماءات، حدث يؤطر أفعال الشخصيات، أو شخصيات متضافرة في علاقتها ترفد الحدث بأفعالها، فيما السيرة تقترن بحياة فرد، وعبر منظوره الشخصي تتشكل الحيوات الأخرى. وعلى الرغم مما يمكن عده تمايزا بينهما، فإن ذلك التمايز لا يخفض من درجة التفاعل المستمر بين الاثنين، وصيغة السرد المباشر انما هي احدى الخصائص التي تصلهما ببعضهما. صحيح ان مسار التلقي يدفع سلسلة من الاختلافات، من ذلك أن أفق انتظار القاريء يحدد نوع التلقي، ففي نهاية الأمر، لا يمكن لأحد أن يخرق قناعات المتلقي، في ان الرواية عمل متخيل، والسيرة وثيقة لها بعد واقعي، ذلك الأفق بما يرتبه من هواجس، يوجه سير القراءة الى هدف محدد في أثناء قراءة كل من الرواية والسيرة، وعلى أية حال، لا يمكن تخطي الاستعدادات القرائية للمتلقي، انه فيما يخص الرواية يندفع للتماهي مع تجربة خيالية، ولكنه في السيرة مدفوع بفضول معرفة حقيقة ما حصل للآخرين، والخلاف حول درجلا استثمار الجانب الشخصي في حياة الروائيين لتكون مغذيات في نصوصهم. مازال يستأثر بالاهتمام، ويلاقي نوعا من القبول أحيانا من لدن القراء والنقاد على حد سواء، وهنا لا يمكن اغفال درجات التمويه والتضليل الضرورية في كل فن، تلك الممارسات التنكرية التي تكتسب شرعيتها لأنها تندرج في سياق فعل ابداعي. يصوغ "ماي " (3) نسق العلاقات الجامع بين الرواية والسيرة الذاتية استنادا الى درجة حضور أو غياب التجارب الحقيقية في النصوص ويفترض وجود سلم من الألوان المعبرة رمزيا عن تلك العلاقات، سلم تندرج فيه الألوان من البنفسجي الى الأحمر. ففي الرقعة الأولى البنفسجية توضع الروايات التي يكون حضور شخصية الأديب فيها حضورا ضعيفا جدا وهي ما يصطلح عليها بالروايات التاريخية مثال ذلك "الفرسان الثلاثة" و "الحرب والسلم" وتأتي مباشرة بعد هذه الرقعة رقعة ثانية نيلية اللون نجد فيها الروايات الشخصية أو السيرية التي مدارها تطور شخصية رئيسة، لكن هذه الشخصية الرئيسة بعيدة عن شخصية الكاتب، بعدا يمنعنا من أن نعتبرها صورة منه، ومثال ذلك "أوجيني غرانده" وفي الرقعة الثالثة ذات اللون الأزرق توضع روايات السيرة الذاتية المكتوبة بضمير الغائب، ومدارها على شخصية رئيسة، لكنها بخلاف روايات الرقعة السابقة، تكون الشخصية المركزية هنا صورة للكاتب تكاد تكون مطابقة له، وهنا يمكن ادراج رواية "مدام بوفاري"، بدلالة تأكيد فلوبير بأنه هي. ويمكن أن توضع في الرقعة الرابعة ذات اللون الأخضر رواية السيرة الذاتية المكتوبة بضمير المتكلم، وتصلح رواية "اعترافات فتى العصر" نموذجا يبرهن على هذا الشكل من أشكال الرواية، وفي الرقعة الخامسة الصفراء توضع السيرة الذاتية الروائية وهي لا تنتسب الى الرواية، انما تنتسب الى السيرة الذاتية، وان شابها لا محالة قسط من الخيال الكبير، كما يلاحظ في كتابات "رستيف" و"بانيول" و"لامارتين". أما الرقعة السادسة ذات اللون البرتقالي فهي خاصة بالسيرة الذاتية التي يستخدم كاتبها اسما مستعارا. كما عمل "اناتول فرائس" في رباعيته "نوزيار" وأخيرا في الرقعة السابعة ذات اللون الأحمر نجد السيرة الذاتية التي تصرح بأسماء أصحابها وتتطرق الى وقائع مطابقة لما حصل حقيقة في الواقع الذي عاشه كتابها. وأمثلتها كثيرة، إذ تندرج فيها كثير من "قصص الحياة".

يمكن اعادة صوغ رقع الألوان المتدرجة التي ترمز بها "ماي" الى مسار التعبير السردي من الروايات التاريخية اذ تتوافر درجة الموضوعية بعيدا عن ذات المؤلف وصولا الى السيرة الذاتية الصريحة بالأفعال والأسماء، بواسطة الشكل الآتي:  

اللون

البنفسجي

النيلي

الأزرق

الأخضر

الأصفر

البرتقالي

الأحمر

نوع الكتابة

الروايات التاريخية

روايات الشخصية المركزية

روايات السير بضمير الغائب

روايات السيرة بضمير المتكلم

السيرة الذاتية الروائية

السيرة الذاتية باسم مستعار

السيرة الذاتية باسم صريح

يلاحظ أن مسار التدرج المتجه من اليمين الى اليسار يأخذ في الاعتبار مجموعة من العناصر، فاتباع المسار من بدايته الى نهايته يكشف تضاؤلا لا يخفي للخواص الموضوعية وحضورا متدرجا للخصائص الذاتية التي تبلغ أوجها في السيرة الذاتية التي تصرح باسم صاحبها وكل ما يتصل به من أفعال ويتساوق مع كل ذلك استبعاد متدرج لأساليب السرد غير المباشرة، وحضور متدرج لأساليب السرد المباشرة، سواء أعان ذلك بالكشف التدريجي عن الذات الكاتبة بوصفها المركز الذي تتبلور حوله الأحداث أم بالظهور المتدرج للصيغ التعبيرية المباشرة. الى ذلك يلاحظ أن مفاصل التداخل الحقيقية بين الرواية والسيرة تنحصر في الرقع الزرقاء والخضراء والصفراء، لكن الحد الفاصل بينهما يقع بالضبط بين الرقعتين الخضراء والصفراء، ففي الأولى مازالت الرواية هي النوع المهيمن وفي الثانية يغيب النوع الروائي لتظهر "السيرة الذاتية الروائية". أي السيرة التي تستعير كثيرا من مستلزمات الرواية.

تستمد "السيرة الروائية" عناصرها اذن من "الرواية" ومن "السيرة الذاتية". انها تنحت وجودها مجازيا بينهما، ولكن لنقف قبل كل شيء على ما يميز كلا منهما.

يرى فيليب لوجون بان السيرة الذاتية سرد نثري يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاص. وذلك حينما يركز على حياته الفردية وعلى تاريخه الشخصي(4). ويضيف انه لكي تكون هناك سيرة ذاتية يجب أن يكون هناك تطابق بين المؤلف والراوي والشخصية، وذلك يتحقق إما بصورة ضمنية وذلك بالتصريح الواضح ان النص سيرة ذاتية، وهذا شكل أول والشكل الثاني أن يتقدم الراوي بجملة التزامات للقاريء بأنه سيتصرف على أنه المؤلف، بحيث لا يترك تأكيده أي شك في أنه يحيل على المؤلف المثبت اسمه على غلاف الكتاب، أو بصورة جلية وذلك من خلال التطابق الواضح في كل شيء بين الراوي والشخصية، بما فيه - وهذا أهم ركن - أن يكون الراوي هو الشخصية، وهاتان هما الطريقتان للتطابق، وفي الغالب يتم دمج الطريقتين معا. وهذه البراهين تكون كافية لابرام عقد بين القاريء والنص يثبت بأن ما يقرأه القاريء هو سيرة ذاتية، وهو ما يصطلح عليه لوجون "ميثاق السيرة الذاتية". وبازاء هذا الميثاق يصبح من اللازم الاعلان عن "الميثاق الروائي". أي العقد الذي يضبط مسار تلقي القاريء ويوجهه ناحية اعتبار النص رواية،وهنا يقدم لرجون مظهرين لذلك الميثاق، أولهما اعلان عدم التطابق بين المؤلف والشخصية في الاسم، وثانيهما التصريح بالتخيل، وغالبا ما يكون ذلك من خلال مصطلح "رواية" الذي يعبر عن وظيفة أساسية في اعتبار النص تخيلا.(5).

لا يفترض عدم تطابق الميثاقين تقاطعهما، وعليه لا يمكن أن توضع السيرة الذاتية والرواية في تقاطع، من ناحية عامة يصح الحديث عن نوع من التوازي الذي لا يتنكر للتداخل ولا يرفضه، ولا يعده إثما، هنالك في كل أثر أدبي سردي درجة من حضور العنصر الذاتي، سواء تم الأمر على مستوى الرؤية والمنظور أو تم على مستوى الصيغة والاسلوب أو تم على مستوى مكونات المتن السردي، ولكن من المفيد التقيد الآن بعدم التطابق بين السيرة الذاتية والرواية،دون القول بالتعارض ء فلتكن السيرة الذاتية "خبرا" بالمعنى البلاغي، بما يفهم امكانية التدقيق فيما وراء النص، ولتكن الرواية نوعا من "الانشاء" بالمعنى نفسه. إن الامكانية المنطقية لدمجهما تفضي الى دمج "الخبر" بـ "الانشاء" وانتاج نص خبر - انشائي، هو "السيرة الروائية".

3- الرواية العربية واستثمار التجربة الذاتية

نشأت الرواية العربية الحديثة في محضن التجارب الذاتية، سواء أعانت تلك التجارب وقائع واحداثا، أم سيرا وتاريخا شخصيا، ام تأملات ومواقف فكرية، ومن الطبيعي ان تدمج هذه المعطيات لحظة التشكيل السردي بالتخيل الروائي الذي هو شرط لازم لأي انشاء يندرج ضمن النوع الروائي، وهذا التأكيد لا يأخذ معناه الدقيق، ولا يكتسب عث سروعيته النقدية الا اذا أخذنا في الاعتبار أن "التجارب الذاتية" بكل تنوعاتها ومكوناتها وعناصرها وأمشاجها الوقائعية أو الفكرية كانت تستثمر بوصفها مكونات جزئية في بناء عالم متخيل شامل، وتوظف حينما يعاد انتاجها طبقا لمقتضيات ذلك العالم وحاجاته الفنية، فالمادة الذاتية تندمج في المادة التخيلية مشكلة المتن الذي يؤلف نسيج العمل الروائي، ومع ذلك فإن هذا العالم المجازي لا يتقبل أحيانا كل اجزاء تلك المادة فتظهر أفكار الروائي على لسان الروائي بما يشكل نوعا من السرد الكثيف الذي يفصل نسبيا بين الراوي وما يروى ويظهر الراوي بوصفه قناعا للروائي، ولكنه قناع يفضح اكثر مما يخفي، ذلك أن بعض الروائيين يكونون أكثر ميلا، وهم تحت ضغط تجاربهم الذاتية والفكرية، لخرق السياج الذي يحتمي خلفه الراوي فتنهار الحواجز بين الروائي والراوي، فتطفو على السطح نبذ من تجارب الروائيين، وشذرات من أفكارهم، وفي حالة كون التجربة شديدة الحضور، يواكب السرد مسارها، ويقدمها بكل تشعباتها، ومن الطبيعي أن تتباين درجات الافادة من تلك التجارب بين روائي وأخر، ففي رواية "زينب" لهيكل، التي كانت منذ مطلع القرن العشرين مثار جدل واسع ومتنوع في كل بحث يعنى بقضية الريادة في تاريخ الرواية العربية، ولا يخفى التطابق بين شخصية بطل الرواية "حامد" وهيكل المؤلف الشاب آنذاك، وبخاصة التأملات الفكرية التي تقتحم مسار السرد، وتعوم فوق الأحداث، وتوافق منظور هيكل الفكري، على أنه لم يمض وقت طويل إلا وقد شاع ما هو أكثر من ذلك، فالمماثلة بين ابراهيم المازني وبطل روايته "ابراهيم الكاتب" كانت مثار تشخيص من النقد، وبعدها بسنوات قليلة أعاد طه حسين جانبا من تجربته في "أديب"، في عمل مختلف عن المسار الذاتي المباشر الذي استخدمه في "الأيام" وسرعان ما اقحم توفيق الحكيم، بعد ذلك بقليل، المكون السيري كمادة في أعماله الروائية، كما هو الأمر في "عصفور من الشرق" و "يوميات نائب في الأرياف". ومع أن نجيب محفوظ كان يوارب في منح الجانب الذاتي سلطة الاعلان عن نفسه، فإن منظوره الفكري يتغلغل، ويبرز أحيانا، في "الثلاثية" و " أولاد حارتنا" و "اللص والكلاب" و " ثرثرة فوق النيل" و "حب تحت المطر"، ويفصح عن نفسه كمحصلة للتجربة الابداعية والذاتية في "أصداء السيرة الذاتية". وفي مرحلة لاحقة، وجد كثير من الروائيين العرب في استخدام تجاربهم محاور لرواياتهم قضية تتصل بتكونهم وانتماءاتهم ومعاناتهم ومنافيهم، واختلفت بين روائي وآخر الكيفيات التي أعيد بها بناء تلك التجارب، وعلى العموم فإنها شكلت خلفيات لا يمكن اختزالها بأي معنى من المعاني لدى جبرا ابراهيم جبرا في "صيادون في شارع ضيق" و "البحث عن وليد مسعود"، وسهيل ادريس في "الحي اللاتيني" وصنع الله ابراهيم في "تلك الرائحة و "نجمة أغسطس" وغالب هلسا في "الروائيين" و "سلطانة" وعبدالرحمن الربيعي في "الوشم". وادوار الخراط في "يا بنات اسكندرية"، ولا يمكن اخفاء تلك الانساخ في روايات الطيب صالح وابراهيم الكوني وفؤاد التكرلي وأحمد ابراهيم الفقيه والطاهر وطار وسليم بركات واسماعيل فهد اسماعيل وبهاء طاهر وعبدالرحمن منيف وغيرهم. وتكشف هذه اللائحة التي تعرض جانبا من جهود الروائيين العرب، بهدف التمثيل وليس الاحصاء والتدقيق، ان المكون الذاتي مارس حضورا "فاعلا" في المادة الروائية، وان ذلك المكون ظل يزداد حضورا وبروزا مع التطور التاريخي والفني للرواية العربية، الأمر الذي أدى الى ظهور مساحة كبيرة بين ما يمكن اعتباره رواية محضة، وما يمكن اعتباره سيرة ذاتية، آخذين بالاعتبار الخصائص المسر دية لهذين النوعين الادبيين، هذه المساحة استنبت فيها ضرب جديد من الممارسة الكتابية، ممارسة كتابية مهجنة من مصدرين أساسيين هما الرواية والسيرة الذاتية. وهذا التهجين الذي ركبت عناصره بنجاح، استأثر باهتمام بعض الروائيين العرب، فمازجوا ونوعوا بين المكونات الذاتية والمكونات التخيلية، فأثمرت الملاقحة كتابة جديدة، هي "السيرة الروائية"، التي نحاول فيما يأتي الوقوف على بعض نماذجها، في محاولة لالتماس خصائصها السردية والنوعية.

4- سيرة الجسد: الاكتشاف والانتهاك

يعيد محمد شكري من القسمين اللذين نشرا من سيرته "الخبز الحافي " (6) و"الشطار"(7). استكشاف مرحلة من تكونه الجسدي والفكري، ويبدو الانهمام في الاول طاغيا، فيما لا يستأثر الآخر إلا بأهمية ثانوية، تكاد تطمسها هيمنة الجسد الذي بشكل مكونا مركزيا في النص، ويقوم محمد شكري بعملية مزدوجة: انه من جهة يتابع تكونه الجسدي، ومن جهة ثانية يستكشف وظائفه ورموزه و تضاريسه، وتمارس اللغة لعبة استرجاع ذكية، فهي تستحضر وقائع مضت لكنها تعيد انتاجها وكأنها تقع الآن، وهذه اللعبة لا تخفي أمر الاسترجاع، فوعي محمد شكري المؤلف فيها لا يتطابق مع وعيه حينما عاشها طفلا وشابا ورجلا، وهذا لا يستبعد المهارة التي بها تمت عملية الاسترجاع الى درجة يظهر التماهي كبيرا بين ما هو عليه الآن وما كان، وهذه الحركة المكوكية حول الذات جعلت المؤلف يوظف الاسلوب الروائي وتقنيات السرد الحديثة، وبخاصة المشاهد السردية- الحوارية في اضفاء بعد روائي على سيرته. فيظهر من جهة وثائقية أكثر طموحا من سيرة مباشرة وأقل تطلعا من رواية، ذلك انه يستثمر تقنيات السيرة الذاتية والرواية، ولعل ما يلاحظ أن درجة التخيل تؤدي وظيفة فنية لصالح الجانب الوثائقي السيري، مع انها مستعارة لتؤدي وظيفة مضادة. فالمشاهد المصاغة صوغا روائيا تعمق الاحساس لدى القاريء بواقعية الحدث لأنها تركز على التفاصيل الجزئيه والدقيقة في المشهد السردي، يمارس التخيل وظيفة تقرير الأشياء بدل الايحاء بها، ومع أن المؤلف يبدي حرصا لا يخفى في تضاعيف النص بتاريخية تجربته، ولكنه لا يقع ضحية اغواء التوثيق، ان التجربة ذاتها تسترجع بوصفها مكونا فنيا مزج بأصل واقعي تدخل فيه المؤلف، فأخضعه لسلسلة من الانكسارات بما يوافق الوسط التخيلي الذي يظهر فيه، ومع ان الارتباك في تسمية النص ظهر واضحا في القسمين، إذ الأول وصف بأنه " سيرة ذاتية روائية" والثاني "رواية". فإن تكرار الاشارة الى السمة الروائية يدعم ما أشرنا إليه من توافر للجانب التخيلي، على أن ذلك لا يلغي العنصر السيري في النص الذي هو المدار الأساسي فيه، وأثره في اعطاء صورة مقربة عن الأحداث.

لا ينكر شكري أنه يستعيد ما كان قد عرفه في طفولته، وتلك الاستعادة تخضع لانطباع تلك المرحلة التي تشكلت فيها الصورة، وهو يستعين بالتخيل لتقريب الصورة التي كان قد رآها. وهو يشير الى ذلك في "الشطار"، فما إن يزوره المستشرق الياباني " نوتا هارا " الذي يعمل على ترجمة "الخبز الحافي" عام 1995 إلا ويطلب اليه أن يرافقه في زيارة الأماكن التي وصفها في "الخبز الحافي"، ويقوده شكري من تطوان باتجاه طنجة، وأول ما يشاهدان

"الصهريج" الذي وصفه في "الخبز الحافي ". وهنا يفاجأ الياباني قائلا "في كتابك تصف هذا الصهريج، وما حوله بكثير من الجمال، مع أنه ليس كذلك، ولا يدل على أنه كان جميلا" وكان رد شكري "هذه هي مهمة الفن: أن نجمل الحياة في أقبح صورها. ان هذا الصهريج انطبع في ذهن طفولتي جميلا ولابد لي من أن استعيده بنفس الإنطباع حتى ولو كان بركة من الوحل، ثم إنني كنت بعيدا عنه زمنيا، ومكانيا، عندما وصفته " (8). رؤية الصهريج من قبل شكري كانت في الاربعينات من القرن العشرين، وهو يعيد تركيب تلك الرؤية في مطلع السبعينات حينما كتب "الخبز الحافي"، ويرافق الياباني لرؤية الصهريج في عام 1995 وهو يكتب "الشطار". الياباني يبحث عن المطابقة فيما شكري لا يحرص كثيرا على ذلك. فهو يعيد انتاج حياته وتجاربه ومشاهداته كما يعتقد أنها كانت عليه في لحظة تشكلها. إن سيرة شكري الروائية تحتفي بالتشرد، وتدمج أحزانه بأفراحه، وتظهر الذات كأنها نهر ينساب في تضاريس وعرة وشاقة، تلتف وتدور ولكنها تتقدم، تخترق الزمان أحيانا، إذ تسبقه، ولكنها سرعان ما تعود وتندرج في مساره الخطى، والنص يخرقما بصراحته القاسية كل ضروب المواربة والتقنع، ويطعن التصورات السائدة عن التكون الذاتي للفرد، تلك التصورات التي تختزله في الغالب الى مكون شفاف وأثيري، وفي تضاعيف الأحداث التي يكون مدارها الراوي- الروائي، ومع مرور الزمن يلاحظ تطور المنظور الذاتي للعالم الذي تتحرك فيه الشخصية الرئيسية شخصية المؤلف. وهو ينقب، متسلحا بالرغبة الساخرة ولذة الاكتشاف، في الطبقات المنسية والمهملة والمسكوت عنها في تاريخ حياته وجسده وعلاقاته الاجتماعية، على أن الفكاهة المرة، والنقد الجذري التهكمي، لم يكونا حكرا على مسيرة محمد شكري الروائية وحدها.

إنما في "بيضة النعامة" (9) ينجز رؤوف مسعد سيرة روائية انتهاكية، ثمة افعال انتهاكية تنتظم النص من أوله، إذ يفتتح بممارسة جنسية شاذة تدل على انتهاك عرف أخلاقي، ويختتم بمشهد العودة الى الطبيعة في بكار