المستوى الصوتي و المستوى الدلالي
في مجموعة (قمر جرش كان حزينا) لعز الدين المناصرة


مولا حفيظ بابوي (استاذ جامعي من المغرب)


1- المستوي الصوتي

ظل الايقاع من زمن بعيد يشكل سمة من السمات التي نقوى بواس طتها على ادراج نص معين في خانة الشعر وفصله عن النثر.

فالعرب أول ما بدأوا بالانشاد لم يغيبوا الجانب الموسيقي اذ اهتموا به في انشاداتهم بغية تحقيق التخفيف من عبء العمل ومشاق الرحلة وسط الصحراء. ولعل هذه السمة التي تميز الشعر ظلت ملازمة له الى يومنا هذا.

ونسوق الآن شهادات تؤكد ذلك رغم انتمائها الى عصور مختلفة وتناولها للشعر من زوايا مختلفة أيضا أولاها تعريف حازم القرطاجني للشعر بكونه كلاما موزونا مخيلا مختصا في لسان العرب بزيادة التقفية(1) والحقيقة أن القافية لا تقتصر على الشعر العربي فحسب وانما نجدها أيضا في أشعارا لشعوب الأخرى، كون الشعر كلاما موزونا ومقفى فكرة بديهية في حضورها عند نقادنا القدماء.

واذا انتقلنا الى المحدثين فإننا نجد عز الدين اسماعيل يعترف بأهمية هذا الجانب قائلا "إن جزءا كبيرا من قيمة الشعر الجمالية يعزى مرجعه الى هذه الصورة الموسيقية"(2) وهذا ما نجده عند نازك الملائكة التي اعتبرت أن الشعر ليس عاطفة وحسب وانما عاطفة ووزنها وموسيقاها (3)، أما كوهن فيعتبر الشعر الكامل هو الشعر الذي يستغل كل أدواته في إشارة هنا الى الجانب الصوتي والدلالي، رغم كون هذا الدارس يرى أن الايقاع لم يعد يشكل سمة نستطيع بواسطتها فصل الشعر عن النثر ويعتبر أن الفارق بينهما، لا يكمن في المادة الصوتية ولا في المادة الايديولوجية بل يكمن في نمط من العلاقات التي يقيمها الشعر بين الدال والمدلول من جهة، وبين المدلولات من جهة أخرى(4) فالفارق إذن عنده يكمن في تأثير هذا الايقاع على المستوى التركيبي والدلالي ومن هنا نخلص الى أن الشعر من جهة لا يصبح شعرا إلا لأن الشاعر يدخل عنصرا غريبا على الكلام النثري وهو إدماج اللغة في وحدات ايقاعية يتنصل منها كلام التواصل بين الناس، ومعنى ذلك أنه يخرجه من دائرة النثر عندما يرتضي له وقعا ايقاعيا مضبوطا لا يمكن أن يشترك فيه مع الكلام العادي فينتقل بالنص من مدار الاستهلاك الى مدار ثان مشحون بتلوينات صوتية خاضع لنظام ايقاعي متميز مختلف عن ايقاع النثر الذي لا ينضبط وفق قواعد معينة. انطلاقا من هذا التصور الذي يرى في الايقاع دعامة أساسية ملائمة للشعر لا النثر سنقوم في دراستنا لهذا الجانب بتناول عدة عناصر لصيقة به وهي البيت الشعري كوحدة موسيقية مستقلة أو مرتبطة بغيرها من الأبيات من ناحية الموسيقى ثم عنصر القافية والوزن. هذا فيما يتعلق بالايقاع الخارجي، أما فيما يتعلق بالايقاع الداخلي فإننا سنتناول بعض العناصر التي تحقق ذلك كالتكرار مثلا وهذه جميعها يعتمدها المتن المدروس في تحقيق بنيته الموسيقية.

1- البيت الشعري

بتتبعنا لأبيات القصائد التي يضمها المتن (قمر جرش كان حزينا) تبين لنا أن الشاعر يوظف نوعين منه. النوع الأول هو الذي تسجل في نهايته وقفة عروضية سواء صاحبتها وقفة دلالية أم لا، وكون البيت بذلك مستقلا عما يليه من الأبيات من الناحية الموسيقية، أما النوع الثاني فهو ما يعرف بالبيت أو الشطر المدور حيث لا يتم احترام لا الوقفة العروضية ولا الدلالية أيضا، إذ ترتبط الأبيات فيما بينها لتشكل ما يعرف بالجملة الشعرية التي تعد مرحلة من مراحل تطور الشعر العربي الحديث. وقبل تناول هذين النوعين كل على حدة ينبغي أن نشير الى أنهما لا يأتيان منعزلين كل نوع في قصيدة بمفرده بل نجدهما مترابطين في قصيدة واحدة.

النوع الأول: يتضح لنا من خلال هذين النموذجين:

أ – سمعت رصاصتهم

فكان الحبر للريشة
وجارة جارتي تبكى

على طفل لها في الشارع الأصفر

وتلعن هذه "العيشة"

ب – أن يا منزلا عن باب الخليل

أن تطير اليمامة من أسرها فوق جسر الهوى

أن يعود الأحباء من سجنهم بعد طول النوى (5)

من خلال هذين النموذجين يتضح لنا أن الشاعر يحرص على استقلالية البيت الشعري بتسجيله لوقفة عروضية تفصله عما يليه من الأبيات عروضيا رغم كونه يرتبط بها من الناحية الدلالية. فلو نظرنا الى البيت الأول من النموذج " أ " فإننا نجده يتكون من أربع تفيعلات من المتقارب (فعولن) ومختلف صورها بحيث لا ترتبط التفعيلة

الأخيرة منه ببداية البيت الموالي وهكذا دواليك في بقية الابيات، إلا أن هذه الوقفة كما ذكرنا سابقا قد تصادف وقفة دلالية كما يتضح ذلك من خلال البيت الأول من النموذج " أ " إذ اكتمل البيت عروضيا ودلاليا، أما في النموذج الثاني فإن البيت الأول ظل مرتبطا من حيث المعنى ببقية الأبيات التي تليه رغم استقلاله من الناحية العروضية، وهذا النوع من الأبيات نجد حضوره في القصائد أقوى من النوع الآخر ويمكن القول أن الشاعر يخلص لنظام القصيدة العمودية التي يحرص فيها الشاعر على اتمام البيت موسيقيا سواء أتم المعنى أم لم يتم. ولعل ذلك يتضح لنا من خلال هذا النموذج وهي أبيات تنتمي الى القصيدة العمودية للشاعر الحارث بن مضاض.

وقائلة والدمع سكب مبادر

وقد شرقت بالماء منه المحاجر

وقد أبصرت حمان من بعد أنسها

بنا وهي منا موحشات دوائر

كأن لم يكن بين الحجون الى الصفا

أنيس ولم يسمر بمكة سامر (6)

من خلال هذا النموذج يتجل لنا وبوضوح أنه من النوع الذي ندرسه من حيث حرص الشاعر على استقلالية البيت من الناحية الموسيقية بفض النظر عن اكتمال المعنى، حيث ظل معنى البيتين الأول والثاني متوقفا على البيت الثالث. وهذا ما يعرف عند البلاغيين القدماء بالتضمين المدرج ضمن صور البديع عند التبريري أن يأتي البيت ولا يتم معناه إلا بالذي بعده (7).

النوع الثاني: هو نقيض الأول حيث تلفى الوقفة العروضية الشيء الذي ينتج عنه ارتباط الأشطر فيما بينها موسيقيا ودلاليا. وهذا ما يعرف بظاهرة التدوير وقد عابته نازك الملائكة ودعت شعراء القصيدة الحديثة الى التخلي عنه، تقول "يمتنع التدوير في الشعر الحر لأنه شعر حر أعني أن الشاعر فيه قادر على أن ينطلق من القيود ومن ثم فإن ذلك يجعله في غير حاجة الى التدوير" (8) غير أننا نجد من استحسنه في الشعر فهذا صالح أبو أصبع يرى فيه أنه مسألة مبررة نفسيا وفنيا علاوة على كونها ظاهرة موسيقية (9) كما نجد عز الدين اسماعيل في تناوله للجملة الشعرية يقول "فإذا كنا بسبب دفقة شعورية ممتدة فينبغى أن تكون الصورة ممتدة ومعبرة عن هذا التدفق".(10) والشاعر في متنه المدروس يلجأ الى هذا النوع بين الفينة والأخرى مع أنه لا يطغى عليه، ويمكن أن نتلمس مفتاح هذا النوع من خلال هذا النموذج.

"ويا ابتسامة على الصخور كان الموت صائدا وكنت...

يا صديقي... الحميم مركبا. وكان فيك الصدق كان المطعم الذي

في شاطيء الاسكندرية اللعوب" (11)

وهنا يتبين لنا النوع الثاني الذي نتحدث عنه حيث ترتبط الأبيات فيما بينهما لتشكل جملة شعرية واحدة - إذ لا يمكن أن نفصل بيتا عن بقية الأبيات لا من الناحية العروضية ولا التركيبية والدلالية أيضا - قد يبلغ عدد تفاعيلها خمس أو عشر تفاعيل كما يتضح لنا ذلك من خلال النموذج أعلاه، حيث نجد الأبيات تسير وفق النسق التالي:

- متفعلن / متفعلن / متفعلن / متفعلن / متفعلن / مستفعلن / متفعلن / م.

- ستعلن /متفعلن /مستفعلن /مستفعلن / مقفعلن /مستعل /مستفعلن / متفعلان.

ويلاحظ هنا ارتباط التفعيلة الأخيرة مع هذه الأبيات ببداية الأبيات الموالية فظلت الأبيات ناقصة من حيث العروض والمعنى وهو ما يناقض الجملة التي تحدد بالصوت والمعنى في آن معا.

2- القافية:

يحدد العروضيون القافية بكونها مكونة من الساكنين اللذين في أخر البيت مع ما بينهما من الحروف المتحركة ومع المتحرك الذي قبل الساكن الأول (12).

وهي من زاوية الوظيفة الايقاعية التي تقوم بها فيكاد الجميع يعتبرها عنصرا من عناصر الايقاع ولو أنها قد توكل لها وظائف أخرى كالإعلام على نهاية البيت أو مجرد صورة من الصور المحققة للانزياح إذ تحقق تجانسة صوتيا حيث لا يوجد تجانس معنوي وتقابل مدلولات يفترض أنها مختلفة لدوال تبدو متجانسة فهي كما يرى جون كوهن تقلب الموازاة الصوتية التي تقوم على سلامة الرسالة. فلها إذن عدة وظائف ولعل وظيفتها الايقاعية هي الوظيفة البارزة. فهذا ابراهيم أنيس يرى أن القافية ليست "إلا عدة أصوات تتكرر في أواخر الأشطر أو الأبيات وتكرارها هذا يكون جزءا من الموسيقي الشعرية فهي بمثابة الفواصل يتوقع السامع ترددها (13)" وقد قيل، أيضا بصددها أنها "ركن مهم في موسيقية الشعر الحر لأنها تحدث رنينا وتثير في النفس أصداء وأنغاما" (14).

أما عز الدين اسماعيل فيؤكد على دورها في موسيقية القصيدة الحديثة قائلا: "الحقيقة أن الشعر الحر لم يهمل القافية إذا كنـا نقصد الدور الذي تلعبه في موسيقية القصيدة" (15) ويرى (اوستن ورين ورنيه ويليك) أن لها "وظيفتها في التطريب كإعادة او ما يشبه الاعادة" (16) فالقافية إذن عنصر من عناصر الايقاع وبهذه الصفة وجبت دراستها، إلا أنه ينبغي أن نشير الى أن القافية لم تستقر على نظام القصيدة العمودية، إذ سجل تاريخ القصيدة تنويع الشاعر لقوافيه وعدم الالتزام بروي واحد، كما نلمس ذلك من خلال الارجوزة والموشحات الاندلسية والقصائد الرومانسية الى أن وصل الشعراء الى حد ارسال قوافيهم، ولعلنا بدراستنا للقصائد التي يضمها هذا المثل نجد أن الشاعر يتعامل مع القافية بنوع من التحرر حيث يلجأ الى أنواع ثلاثة يمكن أن تتداخل فيما بينها داخل قصيدة واحدة وهذه الأنواع هي كالتالي:

1- القافية الموحدة.

2- القافية المتتالية والمتناوبة.

3- القافية المرسلة.

في النوع الأول نجد الشاعر يستعمل قافية واحدة كما كان الشأن في القصيدة العمودية التي كان الشاعر فيها يلتزم بقافية واحدة في القصيدة كلها ويمكن أن نكتشف ذلك من خلال هذا النموذج:

"لكني في وطني أنفيه وينفيني

يذبحني

يغتال الموعد في عيني

أعبده لكن يدميني" (17)

هذا النموذج يوضح لنا هذا النوع من القافية التي يلجأ اليها الشاعر موحدا في الأبيات حيث جاء الروي فيها هو النون ولعل هذا النوع هو ما تستحسنه نازك الملائكة في

إلحاحها على ضرورة ايراد تشكيلة واحدة في آخر الأبيات ويعني ذلك قافية موحدة أو مزدوجة ذات ضرب واحد.

ويتحرر الشاعر في القافية المتناوبة من سلطة القافية الموحدة فينوع النغم بتنويع القافية. وغالبا ما تقتصر على المقطع ولا تتعداه كما يوضح لنا ذلك هذا المقطع.

رأيت يارا في الصباح قرب بيتنا

يارا تفر كالتمثال من أمامنا

يارا تنكس الرأس وتمطر الأنهار

لكنها في نظرتها انكسار

حدقت في خلقتها كأنني أعرفها

وحدقت في سحنتي كأنها تعرفني (18)

ويوضح هذا المقطع أن القافية في الشطرين الاولين جاءت متتالية (بيتنا أمامنا)، بينما جاءت الثانية والثالثة والرابعة متناوبة، ويمكن اعتبار القافية الأولى والثالثة قافية واحدة مع تنويع حرف الروي لأن الضرب جاء فيها على صورة (فعو).

واذا انتقلنا الى القافية المرسلة فإننا نجدها ترتبط بالبيت الشعري غير التام موسيقيا كما يتضح ذلك من خلال هذا النموذج.

"عابرا نحو نبعك إني رحلت وطوفت كل..

البلاد، عن الوهج الساحلي بحثت وعدت أشيل

الاياب.." (19)

ولعل هذا النموذج يوضح لنا ذلك حيث لا ترتبط قوافي هذه الأشطر بقوافي أشطر أخرى إلا أن الشاعر يعرف ايقاع القافية بقافية داخلية تتجل في تكراره لصيغ صرفية واحدة مقفاة (التاء المبسوطة) وذات توازن صوتي وهي (بحثت، عدت، رحلت، طوفت) مما يمكن الأبيات ايقاعا معوضا للقافية.

وينبغي الاشارة في الأخير الى أن هاته الأنواع مرتبطة فيما يتعلق داخل القصيدة.

  3- الوزن:

في دراستنا لهذا العنصر الهام الذي يشكل الأساس الذي تقوم عليه موسيقية القصيدة وجدنا الشاعر ينتقل من نظام الشطرين ويتخذ من التفعيلة الواحدة المتكررة أساسا يبني موسيقى قصائده على منواله، وشكلت التفعيلة بذلك أساس الوزن، لذلك نجده تحرر من عدد التفاعيل التي كانت قواعد القصيدة العمودية تلزمه بها، فيستخدم العدد الذي يريده ويمكن أن نستشف ذلك من خلال النموذج التالي:

"أنا وجه هذي المدينة قلب المدينة عين المدينة

وبيروت في شفتي ودمشق الحزينة

وبغداد صارت لرأسي وسادا

أنا لست دا دا" (20)

فالشاعر هنا لا يلتزم بطول معين أو عدد محدد من التفعيلات فهو ينظم هذه الأشطر على النسق الآتي:

فعولن فعولن فعول، فعولن فعول فعولن

فعولن فعول فعولن فعولن

فعولن فعولن

يستخدم هنا سبع تفعيلات من المتقارب (فعولن) ومختلف صورها في الشطر الأول أما الثاني فيورد فيه خمسا، أما الثالث فأربع تفعيلات وأخيرا الرابع تفعيلتان، هكذا يسير في باقي الأشطر حتى نهاية القصيدة بعدد معين من التفعيلات.

نخلص إذن الى أن الشاعر لم يستبق من نظام القصيدة العمودية الى تلك الوحدة الصوتية والايقاعية - التفعيلية - وهي أساس النظام الصوتي الذي يقوم الشاعر بتكراره.

وسنقوم في دراستنا هذه بتناول أوزان الاضرب أو التشكيلات كما تدعوها نازك الملائكة ثم البحور التي يوظفها الشاعر وأخيرا أوزان التفعيلة.

أ- التشكيلات:

خلال دراستنا للبيت الشعري رأينا أن الشاعر يستعمل نوعين من الابيات التامة من الناحية العروضية وغير التامة، وهذا يؤثر ولا شك على الاضرب التي تأتي هي الأخرى تامة أو ناقصة.

فالتشكيلة التامة قد تكون موحدة كما نلمس ذلك من خلال هذا النموذج:

"أحفروا لي هناك

قرب دير الملاك

حفرة وأملأوها نبيذا وتمرا وقات

وادفنوا جثتي في طريق البنت

تحت زيتونة حزنها في العروق" (21).

فالشاعر في هذه الأشطر حرص على وحدة الاضرب حيث جاءت صورتها الموسيقية على وزن (فاعلان) وهذا النوع هو ما تدعو اليه نازك الملائكة بقولها "وانما ينبغي أن تستقل كل القصيدة بتشكيلة ما وأن تمني على ذلك لا تحيد عنه الى آخر شطر فيها" (22) ويعني ذلك أن على الشاعر أن يوحد بين أضرب الأبيات جميعها. ونجد أن الشاعر عز الدين المناصرة يخلص في قصائده لهذا النوع الا أنه لا يلتزم به في كامل القصيدة وقد ترد الاضرب تامة أيضا لكنها غير موحدة حيث يلجأ الشاعر الى

تنويعها كما يوضح ذلك المثال التالي:

"قلبي من بلد... وحبيبي من بلد آخر

لكنا نتقابل في بحر الأيام

شنقوني يا حبي... ما سألوني شيئا

قبل الأعدام" (23).

في هذا النموذج نجد أن الأضرب جاءت غير موحدة إذ نجد البيتين الأول والثالث يشتركان في ضرب واحد على وزن (فعلن) أما الثاني والرابع فيشتملان على ضرب واحد على وزن (فعلان) ونشير هنا الى أن التشكيلة التامة مرتبطة بالبيت التام من الناحية العروضية. أما التشكيلة غير التامة فترتبط بالأبيات المدورة كما نلمس ذلك من خلال هذا النموذج:

" أيا مدموزيل

رأيتك في الحلم صافية الذهن

طائشة الشعر كنت أسير وطيفك

يا حلوتي قد تراقص في أدمعي مثل قلة" (24)

حيث نجد التفعلية الأخيرة في البيتين الأول والثاني على وزن (ف) فكانت بذلك ناقصة لأن البيت بقي وقفة عروضية.

2- أما فيما يخص البحور التي يوظفها فإنها لا تخرج عن البحور الشعرية المعروفة في شعرنا القديم إلا أن الشاعر يختار منها البحور الصافية ذات التفعيلة الواحدة المتكررة، ولعل بحر المتدارك يحتل الصدارة في نسبة توظيف البحور، يليه المتقارب ثم البحور الأخرى كالرجز مثلا، والبحور الصافية هي التي يعتمدها الشعر العربي الحديث أما الممزوجة فهي قليلة الاستعمال حيث لا يوجد من يغامر في توظيفها باستثناء شاكر السياب.

3- العنصر الأخير في دراستنا للوزن هو التفعيلة وقد تعامل الشاعر معها بنوع من التحرر حيث نجد في بعض الأحيان تفاعيل البيت جميعها غير تامة أو قد يأتي بعضها تاما والبعض الآخر غير تام. كما يتضح لنا ذلك من خلال هذا النموذج.

"أسد أنفي بدمي

وأطرد الذباب عن فمي

لكنه يعود للسرداب

من يمنع الذباب أن يمر في فمي

من يمنع الذباب؟" (25)

حيث نجد تفاعيل البيت الثاني جميعها مزاحفة جاءت على النسق التالي:

فعو فعو فعو فعو فعو.

فحذف سبب خفيف من (فعولن) في كافة تفاعيل هذا البيت وهو الأمر الذي لم يكن معروفا عند العروضيين القدماء، أما في البيت الأول فإن التفعيلة الأولى أتت ناقصة على وزن (فعو) أما الثانية فتامة على وزن (فعولن) وقد تأتي بعض الأحيان تامة التفاعيل. كما يوضح لنا ذلك هذا المقطع:

" أنا الشوق داد، أنا الحب دادا

أنا الحزن من يحتويني

أنا الصدق من يشتريني" (26)

حيث نجد الشطر الأول يتألف من أربع تفعيلات من المتقارب (فعولن) تامة ونفس الشيء بالنسبة للشطرين المواليين حيث يضمان ثلاث تفعيلات تامة.

4- الايقاع الداخلي:

تحدثنا عن عنصري الوزن والقافية ودورهما في تحقيق الايقاع في النص الشعري، إلا أن هذين العنصرين لا ينفردان بتحقيق ذلك إذ توجد عناصر أخرى تنبع من داخل القصيدة لا من خارجها فقط، توكل لها نفس الوظيفة بالاضافة الى العنصرين السابقين اللذين يشكلان ايقاعا جاهزا.

من هنا تأتي أهمية الايقاع الداخلي الذي يتحقق انطلاقا من عناصر أخرى مختلفة، يقول الياس خوري في هذا الصدد "إذا كان الايقاع صفة ملازمة لكل عمل شعري، إذ لا يستطيع الشعر أن يقدم نفسه دون ايقاعية لها ثوابتها، فإن الايقاع يتبع مبدئيا حركة القصيدة، يتشكل بوصفه أحد عناصرها الداخلية" ويضيف قائلا "لكل قصيدة ايقاعها أو لكل تجربة شعرية متكاملة ايقاعاتها" ويتضح لنا ذلك أن الايقاع لا ينبع من التفعيلة أو القافية فقط وإنما أيضا عبر أشكال أخرى. واذا عدنا الى المجموعة فإننا نجد الشاعر يستند الى مجموعة من هاته العنا هو أولها أسلوب التكرار وهذا الاسلوب بالاضافة الى كونه ظاهرة معنوية - إذ عن طريقه يتم التأكيد على بعض الالفاظ المكررة التي قد تكون مفتاحا لفهم القصيدة في بعض الأحيان - فإن له دلالة ايقاعية أيضا، يقول صالح أبو أصبع بأن التكرار (ظاهرة موسيقية عندما تتردد الكلمة أو البيت أو المقطع على شكل اللازمة الموسيقية، أو النغم الأساسي الذي يعاد ليخلق جوا نغميا ممتعا (27) وسنتناول التكرار من هذا الجانب ونبدأ ذلك بتكرار الحروف وهذا ما يتضح لنا من خلال هذا النموذج:

" أن يا منزلا عن باب الخليل

أن نقول الذي لا نقول

أن تدب البراءة فينا ونخخر ينبت...

من جذرنا عاصف فوق شط النخيل

أن يا منزلا عند باب النخيل" (28)

ويلاحظ هنا كيف