مع أومبرتو ايكو

الصـور المرافقة
الصور المرافقة

تقديم وترجمة: عبدالرحمن بوعلي
(شاعر واستاذ جامعي من المغرب)


 (1)

عندما نذكر أومبرتو إيكو Umberto Eco  الباحث والكاتب والناقد الايطالي المشهور لابد أن نذكر أعماله الأدبية والأكاديمية الهامة التي تنوعت من البحث  الأكاديمي العلمي الى الابداع الأدبي الى الكتابات والمقالات الصحفية.. ولا غرر في ذلك فأومبرتو إيكو كاتب متعدد الاهتمامات والاختصاصات، فقد بدأ باحثا في ميدان الفلسفة وعلم الجمال الذي يعتبر تخصصه الأصلي، ثم ما فتيء أن مال الى الأبحاث السيميوطيقية التي أسهم فيها إسهاما كبيرا سجل بها اسمه بين اعلام وأقطاب هذا العلم الجديد، كما أبدع في مجال الرواية فأصدر مجموعة من الروايات طرحت العديد من الأسئلة، إضافة الى كل هذا يمكن أن نعتبر إيكو واحدا من كتاب المقالات والأعمدة الصحفية. فوق ذلك يعتبر أومبرتو إيكو أحد الأساتذة الجامعيين الذين أسهموا في إلقاء محاضرات وفي نشر بحوث علمية لم يستفد منها المتلقي الايطالي فحسب، بل امتدت فائدتها الى المتلقي الأوروبي والأمريكي والافريقي والآسيوي والعربي، وذلك عن طريق ترجمة أعماله الى كافة اللغات.

(2)

وقد ولد أومبرتو إيكو بالأسكندرية عام 1932، وفي بداية حياته درس الفلسفة فحصل على إجازة في الفلسفة من جامعة تورينو Torino عام 1954 عن بحث بعنوان "المشكلة الجمالية عند سان طوماس"، ثم وجه اهتمامه - بعد أن أصبح عام 1961 أستاذا للجمالية في جامعة تورينو - الى الشعر الطليعي والثقافة الجماهيرية، وبعد ذلك تخصص في علم السيميوطيقا Sémiotigue والأبحاث المتعلقة بنظريات الأدب ومنذ عام 1975 أصبح يشغل كرسي السيميوطيقا بجامعة بولون Bologne  التي ساهم فيها بخلق معهد يهتم بشؤون التواصل. وأثناء هذه المسيرة ألف أومبرتو إيكو مجموعة من الأعمال الروائية التي لفتت الانتباه وطرحت الأسئلة ومن أهم مؤلفاته النقدية: "النص المفتوح" (L’oeuvre Duverte)  (1992). "البنية الغائبة " La stucture absente  (1972) و "العلامة Le signe  و "السيميوطيقا" وفلسفة اللغة Sémio tique et phileso, du langage  (1984) و "حدود التأويل". Les limites de l'interprét.  (1990) أما في مجال الرواية فقد نشر روايته الأولى "اسم الوردة " Le nom de lardse  عام 1980 التي قضى في كتابتها خمس عشرة سنة، فحظيت بنجاح عالمي كبير حيث لقيت رواجا مهما ووصلت مبيعاتها الى أكثر من عشرة ملايين نسخة في انحاء العالم، ونقلها الى الشاشة المخرج الكبير "جان جاك آنو". وأصدر في فترة لاحقة روايته الثانية "بندول فوكو" “La pendule de Foucault”، واستغرق فيها ثماني سنوات، كما أصدر رواية ثالثة هي "جزيرة اليوم الذي قبل“L'ile du jour d'avnt”  التي كلفته ست سنوات من الكتابة المتواصلة وليس هذا فحسب، بل خصص أمبرتو إيكو ألبومات للأطفال من بينها "قنبلة الجنرال" و "رجال الفضاء الثلاثة"..

(3)

ولا شك إذن أن باحثا في مثل هذا الحجم سوف يؤثر على ما هو منجز على الساحة الثقافية، بل سيكون من خلال أعماله المختلفة ومحاضراته الأكاديمية اتجاها خاصا سواء في البحث العلمي أو في الكتابة الابداعية. واذا كان من الصعب أن نتعرف - في هذا التقديم الموجز - على خصوصيات كتاباته النظرية والابداعية كلها نظرا لتشعبها واتساعها فمن الممكن - على الأقل - أن نقول إن أومبرتو ايكو باحث وروائي مثير للأسئلة، وكما سيقدم هو نفسه (في الحوار اللاحق) فإنه يتميز بما يلي:

1- إن إيكو يطرح أسئلة جديدة، فهو عكس الأكاديميين التقليديين، صاحب مغامرات علمية أفضت به الى طرح نظريات أدبية جديدة وطريفة وذات قيمة علمية كبيرة، وكل هذا تعكسه كتاباته كلها، خاصة في محاولاته في تقديم السيميوطيقا كعلم للأدب، وفي كتابيه القيمين "النص المفتوح" L'oeuvre DLiverte  و"النص الغائب" .Le texte absent

2- أن إيكو عاشق للكتابة ومغرم بها، وله آراء قيمة تتعلق بالكتابة مفهوما وممارسة. وفي هذا الصدد يقول: "أكتب لأنني أحب أن أكتب. والكتاب هو عشيقة تعيش معكم دون أن يعلم أحد شيئا. إنه سركم الصغير. إننا نتألم في البداية لأننا لا نعرف من أين نبدأ، ونتألم في الوسط لأننا لا نعرف كيف نجعل الحكاية تتقدم، ولكن ذلك يصبح متعة حقيقية. وحين ينتهي الكتاب لن يبقى إلا الحوارات وهي بالنسبة لي عبارة عن مأتم".

3- إن إيكو يعطي الكتابة كل جهده، ولذلك فقد تستغرق عنده وقتا طويلا ويكفي أن نتذكر أنه قضى في كتابة رواياته مددا زمنية طويلة تتراوح بين ست وثماني وخمس عشرة سنة، وهو عندما يجيب عن سؤال حول طول مدة كتابة أي عمل نظري أو روائي يقول: "إنه لا يريد أن يكرر نفس الكتاب. وهو من رواية الى أخرى يغير البنية والأسلوب. ففي "اسم الوردة" رغب في تبني أسلوب كاتب الحوليات من القرون الوسطى وهو أسلوب شبه صحفي، بينما في رواية "جزيرة اليوم الذي قبل" لم يكن يعرف إن كان عليه أن يكلم شخصيته الرئيسية بلغة الباروك (...) وفي نفس الوقت لم يكن يستطيع أن يتبنى أسلوبا معاصرا، من ثمة جاءت فكرة الراوي الذي يتحدث بأسلوب الباروك...

(4)

كل هذه المميزات تجعل من أومبرتو إيكو واحدا من الأعلام المشهورين الذين أثروا في الحياة الثقافية وأثروها،. ليس في إيطاليا حيث يعيش هذا الكاتب ويعمل فحسب،

بل وفي مختلف البلدان التي وصلت إليها أعماله وابحاثه.*.

اسم الوردة

آليات الكتابة

منذ أن كتبت "اسم الوردة" توصلت برسائل كثيرة من طرف قراء، معظمهم يسألونني عن البيت الشعري اللاتيني الذي انتهت به الرواية. وأجيبهم دائما بأنه بيت مأخوذ من كتاب «احتقار العالم» لبرنار دو مورليكس، وهو راهب عاش في القرن الثاني عشر، وأدخل عدة تغييرات على موضوع زوال الأشياء (الذي كتب عنه فرنسوا فيون فيما بعد بيته المشهور: "لكن أين ثلوج الماضي؟" وأضاف للموضوع الشائع (عظماء الماضي، المدن المشهورة، الأميرات الجميلات، العدم حيث ينتهي كل شيء بالزوال) الفكرة المتمثلة في أننا نحتفظ من الأشياء، بالرغم من أنها تزول تزول كلها، بأسماء فقط. ويجب التذكير أيضا أن "أبيلار" كان يستعمل عبارة "ليست هناك وردة" كمثال كي يبرز الى أي حد تستطيع اللغة أن تتحدث عن الأشياء الزائلة تماما مثلما تتحدث عن الأشياء غير الموجودة.

بعد هذا، أترك القاريء يستخلص النتائج التي يريدها، لأني أعتقد أن الروائي ليس مرغما على تقديم تأويلات لعمله، وإلا فلا فائدة من كتابة الروايات، ذلك لأن هذه الروايات هي بالأساس آلات لتوليد التأويل غير أن هذا الكلام الجميل الذي يكشف عن براعة يصطدم بحاجز لا يمكن تحاشيه، وهو أنه ينبغي أن يكون للرواية عنوان.

والعنوان هو، للأسف ومنذ اللحظة التي نضعه فيها، مفتاح تأويلي، وليس باستطاعتنا أن نفلت من الايحاءات التي يولدها عنوان "الاحمر والأسود" أو "الحرب والسلام"، فالعناوين التي يحترمها القاريء أكثر من غيرها، هي تلك التي تقتصر على اسم البطل الذي يمنح اسمه للكتاب، مثل "دافيد كوبرفيلد" أو "روبنسون كريزويه" ثم إن الاستناد للبطل الذي يمنح اسمه للكتاب يمكن أن يشكل تدخلا مفرطا من قبل المؤلف. إن عنوان "الأب جوريو" يوجه الانتباه الى شخصية الأب المسن، بينما تسرد هذه الرواية ملحمة راستينياك أو فوتران إلياس كولان أيضا. ربما كان يجب على الكاتب أن يكون نزيها في عدم نزاهته مثل الكسندر دوما مؤلف "الفرسان الثلاثة" التي تروي قصة أربعة فرسان، لكن هذا شيء استثنائي لا يتجرأ عليه المؤلف إلا خطأ.

وفي الواقع، كان لروايتي "اسم الوردة" عنوان آخر وهو "دير الجريمة"، وقد تخليت عنه لأنه يلح على الحبكة البوليسية فقط، وهكذا يستطيع دون مبرر أن يدفع بمشترين غير محظوظين، مولعين بالتاريخ والأحداث الى الانقضاض على كتاب قد يخيب ظنهم، لقد كانت أمنيتي أن أعنون الكتاب: أدسو دو ملك، وهو عنوان حيادي جدا، إذ أن أدسو هو في النهاية صوت القصة. لكن الناشرين في إيطاليا لا يحبون الأسماء الأعلام، فحتى فرمو اي لوسيا قد حور، وبالنسبة للباقي، فإن !لأمثلة قليلة جدا: "لومونيو بوريو"، "روب" أو "ميتلو"، وهي لا تمثل شيئا بالنسبة لأفواج الأسماء الأخرى "كوزين بيت" و "باري لندن" و "أرمانس" و "توم جوني" التي تعج بها الآداب الأخرى.

لقد خطر على بالي عنوان "ا سم الوردة" بالصدفة تقريبا. وقد أعجبني لأن الوردة رمز مثقل بالدلالات، بحيث إنه فقد أو كاد يفقد في النهاية كل دلالة الوردة الصوفية ووردة عاشت ما تعيشه الورود، حرب الوردتين، الوردة هي وردة هي وردة، الورود -الصلبان، شكرا على هذه الوردة الرائعة، الحياة في جانبها الوردي. لقد تم تضليل القاريء لذلك لا يستطيع أن يختار تأويلا، وحتي إذا قام بهذه القراءات الاسمية الممكنة للبيت النهائي فإنه حين يصل اليه يكون قد قام باختيارات غريبة، وينبغي للعنوان أن يشوش الأفكار وليس أن يوحدنا.

لا شيء يطمئن مؤلف الرواية أكثر من أن يكتشف القراءات التي لم يفكر فيها والتي يوحي له بها القراء، وعندما كتبت كتبا نظرية كان موقفي تجاه القراء من نوع "قضائي" هل فهموا ما كنت أود قوله أم لا؟  أما في الرواية، فالأمر كان مختلفا تماما، لا أقول إن المؤلف غير قادر على اكتشاف قراءة تبدو خاطئة، لكنني أقول إنه مرغم في كل الحالات على أن، يلتزم الصمت، فيجب على الآخرين أن يناقشوا تلك القراءة بالاعتماد على النص، وبالنسبة  للباقي فإن أغلبية القراء تدفع الى اكتشاف تأثيرات في المعنى لم نفكر فيها، لكن ماذا يعني عدم التفكير فيها؟

أثناء قراءتي للمقالات النقدية التي كتبت عن الرواية، ارتجفت سعادة عندما وجددت واحدا منها (المقالات النقدية الأولى كانت لجينفرا بومبياني وللارس جوستافسن) يورد إجابة يقدمها غيوم في نهاية محاكمة التفتيش.: "ما الشيء الذي يرعبك أكثر من غيره في الطهارة ؟" يسأل إدسو. "الاستعجال" يجيبه غيوم. لقد كنت ولا زلت احب هذين السطرين.

ثم نبهني أحد القراء الى أن برنار جوي قال في الصفحة الموالية مهددا مقتصد الدير بالتعذيب: "العدالة لا تتصرف في بتسرع مثلما يعتقد أشباه الحواريين، وعدالة الله أمامها قرون عديدة تحت تصرفها" في الترجمة الفرنسية استعملت كلمتان مختلفتان للتعبير عن التسرع، ولكن في اللغة الايطالية نعيد كلمة "فريتا" (الاستعجال). لقد كان القاريء محقا عندما سألني عن العلاقة التي أردت أن أقيمها بين الاستعجال الذي يخشاه غيوم وغياب الاستعجال الذي يمجده برنار. عندئذ أدركت ان شيئا مزعجا قد حدث. فالحوار بين أدسو وغيوم لم يكن موجودا في المخطوط، فقد أضفت هذا الحوار الموجز الى المسودة الطباعية أثناء تصحيحها، لقد اضطررت لأسباب تتعلق بجودة الأسلوب الى أن أدرج ضمن النص مشهدا هاما قبل أن أمكن برنار مرة ثانية من الكلام وطبعا، حين دفعت غيوم الى كره الاستعجال (بكثير من اليقين، على أية حال، وهذا ما يجعلني أحب هذه الاجابة)، نسيت تماما أن برنار يتحدث بعد سطور قليلة عن التسرع، وإذا قرأنا من جديد إجابة برنار دون أن نفكر في إجابة غيوم، فإننا نكتشف أنها ليست سوى طريقة في الكلام، فهي تأكيد نتوقعه على لسان أحد القضاة، وجملة جاهزة مثل: "العدالة تساوي بين الجميع" الا أن هذا الاستعجال الذي يتحدث عنه برنار يولد عندما نقارن بينه وبين الاستعجال الذي تحدث عنه غيوم، تأثيرا في المعنى، ومن حق القاريء أن يتساءل ما إذا كانا يتحدثان عن الشيء ذ!ته، أو ما اذا كان كره الاستعجال الذي عبر عنه غيوم لا يختلف عن كره الاستعجال الذي عبر عنه برنار، النص موجود، وهو يحدث تأثيراته الخاصة، وسواء شئنا أو أبينا فأننا نوجد الآن أمام سؤال، أمام إثارة غامضة، أما أنا، فإن تأويل هذا التقابل يربكني كثيرا، مع أنني أفهم أن معنى ما، (وربما أكثر من ذلك) قد أصبح يختبيء هنا.

ينبغي على المؤلف أن يموت بعد أن يكتب كيلا يربك المسار الذي يتخذه النص.

يجب على المؤلف الا يشرح، لكنه يستطيع أن يروي لماذا وكيف كتب. فالدراسات الشعرية، لا تصلح دائما لفهم العمل الأدبي الذي أوحى بتلك الدراسات، لكنها تصلح لفهم الطريقة التي نحل بها هذه المشكلة التقنية التي تتمثل في انتاج العمل الأدبي.

وفي نصه "تكون قصيدة" يروي إدجار آلن بو كيف كتب قصيدة "الغراب". إنه لا يقول كيف ينبغي أن نقرأها، لكنه يذكر المشكلات التي واجهها من أجل تحقيق تأثير شعري. وأعرف التأثير الشعري بأنه ما يبرزه النص من طاقة على توليد قراءات مختلفة باستمرار، دون أن نستنفد أبدا إمكانات هذه القراءات.

إن الكاتب (أو الرسام أو النحات أو المؤلف الموسيقي) يعرف دائما ما ينجزه، وما يكلفه ذلك، ويعرف أنه مرغم على أن يحل مشكلة، وربما تكون المعطيات في البداية غامضة، ومحركة ومعذبة، وهي ليست غالبا أكثر من رغبة أو ذكرى، لكن المشكلة تنحل فيما بعد على الورق، وذلك بمساءلة المادة التي يشتغل عليها الكاتب، وهي مادة تبرز قوانينها الطبيعية الخاصة، لكنها تحمل معها في الوقت ذاته ذكرى الثقافة التي تتضمنها.

وعندما يقول لنا المؤلف أنه كتب تحت تأثير الالهام، فإنه يكذب، فالعبقرية هي عشرون بالمئة من الوحي وثمانون بالمئة من "العرق"، لقد كتب لامارتين عن إحدى قصائده المشهورة التي نسيت عنوانها أنها ولدت دفعة واحدة، ذات ليلة عاصفة في احدى الغابات، وبعد موته عثر على المخطوطات والتصحيحات والنسخ المختلفة. هذه القصيدة قد تكون القصيدة التي "اشتغل" عليها أكثر من كل ما اشتغل على الأدب الفرنسي!

حين يقول الكاتب (أو الفنان عموما) انه اشتغل دون تفكير في قواعد التطور الفني، فإنه يريد فقط أن يقول إنه اشتغل دون أن يكون على علم بأنه يعرف القاعدة. إن الطفل يتكلم جيدا لغته الأم، بيد أنه يجهل قواعدها النحوية والصرفية لكن الاختصاصي في النحو والصرف ليس الوحيد الذي يعرف قواعد اللغة، لأن الطفل هو أيضا يعرفها جيدا دون أن يدري ان الاختصاصي في النحو والصرف هو الذي يدري لماذا وكيف يعرف الطفل اللغة.

أن نروي كيف كتبنا عملا أدبيا، لا يعني أن نثبت أننا كتبناه "جيدا" لقد كان ادجار ألن بو يقول "إن تأثير العمل الأدبي شيء ومعرفة تطوره شيء أخر". وعندما يروي لنا كاندنسكي أو كلي كيف يرسمان، فإنهما لا يقولان لنا ما إذا كان أحدهما أفضل من الأخر. وحينما يقول لنا ميخائيل أنجلو: "إن النحت هو تحرير صورة منقوشة في الحجر من اضطهادها" فإنه لا يقول لنا ما إذا كان "بياتا" الفاتيكان أجمل من "بياتا روندانيني"، يحدث أن تكون أجمل الصفحات عن عملية تطور الأعمال الأدبية هي تلك التي يكتبها فنانون هامشيون يحققون تأثيرات محدودة، لكنهم يجيدون التفكير في عملية تطورهم الخاص: فازاري.. هوراسيو غريناو، آرون كوبلانا.

سيادة بارت

فيما سبق قامت مجلة أسبوعية بتحية هيئة هذه الندوة، ملاحظة أنه هكذا تم تذكر كاتب منسي بلا حق. إن وسائل الاعلام مهووسة بعدم الاهتمام بشيء ما، إلا إذا كان يشكل خبرا يمكن أن يشكل شهرة أو صخبا أو إصدارا، لكن، ولعدم توافر الأفضل، يمكن أن يكون إعلانا عن شيء أيضا أو تذكيرا بشخص تم نسيانه، وفي هذه الحالة فالإعلان المثيرscop  يرتكز على تذكر ما تركه الآخرون.

لكن هل يمكننا حقا أن نعتبر رولان بارت من بين الكتاب المنسيين جورا؟ إذا نحن ذهبنا اليوم لزيارة مكتبات نيويورك، فإننا سنجد رفوفا بكاملها مخصصة لكتاباته فقط، فهي حاضرة في الترجمة وتظهر بإيقاع مستمر، فهناك دراسات وافية جديدة حول بارت في فرنسا وقيما بعد في إيطاليا كذلك حيث لم ينقطع أبدا نشر نصوص لبارت لم يسبق لها أن نشرت، فبارت مذكور، ويحتفي بذكراه مأسوفا عليه.

إذن، هل نستطيع القول إنه وقع له ما كان يجب أن يقع له وهو حي فهو شخصية مجادل فيها (نتذكر سجاله مع الاستاذ بيكار، والابعاد الذي تعرض له من السوربون)، وحين مات أصبح شخصية مسلما بها وهذا ما لا ينبغي لأحد أن يشتكي منه، ذلك أن يصبح شخصية مسلما بها، هي أمنية كل شخص نزيه وشغوف أخذ في الكتابة ولو صفحة واحدة، فضلا عن ذلك عرف بارت من معاصريه نقدا هجائيا لاذعا. لقد تألم كثيرا، وكنت مندهشا، لأنه إذا خصص أحد هجاء بكامله للسخرية من لغة كاتب وحتى من لغة أتباعه، فهذا يعني أن المسخور منه قوي. لكن لنتذكر كلنا الليونة والرهافة المعذبة لبارت. لقد كان مجروحا من جراء أن يتلهى أحد بأشياء كان يقوم بها بيقين حذر، هكذا كان الرجل ويمكننا أن نقول عنه أي شيء سوى أنه كان منسيا.

لذا، أريد أن أفهم بأي معنى أحس الصحفي، أن بارت جسد "المتروك في الطفل"، وسأشرح ذلك بتقسيم المفكرين الى نمطين اثنين، ولنتفاهم أولا، فالأمر يتعلق هنا بتمييز بهدف التسهيل، وليس لنا أبدا نية وضع تراتبية أو تعارض بين أبيض وأسود، أريد فقط أن أحدد طريقتين، كل واحدة منهما مفيدة ومقبولة لتكون لها السيادة. فهناك المعلم الذي يكرس حياته وعمله كنموذج وهناك المعلم الذي يكرس حياته لبناء نماذج نظرية أو تجريبية قابلة للتطبيق.

إن بارت ينتمي الى النمط الأول بالتأكيد، فهو لم يقترح أبدا خطاطات تسمح بكتابة مماثلة لـ "مقاطع خطاب عاشق"، بل للأعمال الأكثر نموذجية أكاديميا (نفكر هنا في س /ز s/z) وهو لم يقدم نماذج تحليلية (...)

إن كتابا مثل تشومسكي أو كريماس ينتمون الى النمط الثاني، ويقترحون نماذج للتحليل، يسلمونها لاتباعهم، ويسوغونها بالطريقة التي تصبح معها قابلة للتطبيق بمعزل عن النبوغ الفردي لمن يطبقها (بالطبع يمكن أن يكون هناك تش مسكيون رديئون أو غريماسيون تافهون مثلما هناك تلاميذ رديئون لا يعرفون سوى جدول الضرب).

إن معلمي النمط الثاني يفرضون، سيرا على منوالهم، تطبيق أطروحاتهم ربما لتصحيحها وتحسينها وحتى لتحريفها، أما معلمو النمط الأول فيرمون أتباعهم في الحيرة متحدينهم باستمرارية واستحالة "التقليد" الذي لا يمكن الخروج منه إلا إذا أنتجوا شيئا مخالفا لعمل المعلم.

إن العمل مع معلمي النمط الثاني يعني محاولة تطبيق نماذجهم محليا، ويعني تصحيحها بدقة لا نهائية (...) لكن مع النمط الأول نحن دائما بدعة، وسيكون من المستحيل الا نكون بدعة.

لقد قلت إنني لا أريد أن أشيد تراتبيات، وأكرر ذلك، فهناك معلمون رديئون من النمط الثاني يفرضون بشكل دوغمائي نماذجهم، ويمنعون تلامذتهم من مناقشتها وهناك معلمون رديئون من النمط الأول يطلقون العنان لشطحاتهم الرؤيوية، ويربون أتباعهم على إجلال ما لا يمكن وصفه.

إن الممارسة التواصلية تتطابق والممارسة الفنية، تلك هي خاصية معلمي النمط الأول، وكثيرا ما علمنا بارت أن المعرفة تولد من ممارسة الكتابة، وليس من رسم بياني تجريدي تجري عليه التطبيقات، مع "نظام الموضة" جرب بارت، مرة واحدة على الأقل التفكير بالرسم البياني التجريدي، لكننا نعلم جيدا أنه كان مرغما على القيام بذلك، تقريبا كرهان، بل وكضرورة أكاديمية.

هذه الخاصية الفنية تسري على كتابات بارت أيضا. وقد مرت سنة قمت أنا وإيزابيلا بيزيني بكتابة مقالة لمجلة "تواصل" حيث اشتغلنا فيها على توضيح أن بارت السيميولوجي كان موجودا قبل كتابة "عناصر السيميولوجيا"، وبالضبط في "ميثولوجيات".

لكن إذا كان صحيحا أن بارت كان يمارس السيميولوجيا منذ البداية، حتى حين كان يكتب أحاديثه، فإنه صحيح أيضا أن بارت كان يمارس الكتابة الابداعية حين كان يحرر كتيباته المخصصة للطلبة، وهذا شيء عرفناه فيما بعد بالصدفة، واسمحوا لي أن أستعيد بعض الذكريات الشخصية. فبعد ظهور "عناصر السيميولوجيا، في مجلة "تواصل" لم يكن في نية بارت أبدا نشرها في شكل كتاب. كان يعتبرها مسودة ملف خاصة بالملاحظات المتعلقة بحلقاته الدراسية، في ذلك الوقت كانت توجد في إيطاليا مجلة marcatre  التي كانت لها الحظوة في أن تكون ضخمة بحيث تسع مقالات طويلة جدا. طلبت آنذاك من بارت موافقته على ترجمة "عناصر السيميولوجيا" فوافق، لأن الأمر يتعلق بالضبط بنشرها باعتبارها أداة للعمل. (...)

حقق الكتاب النجاح الذي توقعناه، فبعد هذه الواقعة الايطالية فقط، قرر بارت اعادة نشر النص الفرنسي، مع بعض الاختلافات الطفيفة، ثم فعل نفس الشيء مع "البلاغة القديمة".

لماذا كان بارت يخشى أن يعرض نفسه كمنظر ومؤلف كتيبات ؟ سأقول بطريقة مغلوطة إنه لم يكن يشعر في البداية أن نصوصه كانت تمرينا لكتابة حقيقية، ذلك أن أثرها كان بالعكس أثر كتابة وبراعة استراتيجية مقنعة، كتيبات مغلوطة، ذلك ما كانته، وقد جعلنا بارت نعتقد أنه يعرض علينا سوسير ببرودة، في حين كان يقلب العلاقة السوسيرية بين السيميولوجية واللسانيات. كان يقول لنا بأنه استعار مفهوم الايحاء (الذي يملك قيمة كبيرة في تجربته النقدية) من هلمسليف وذلك ليس صحيحا، فإذا قرأتم هلمسليف ستجدون أن مفهوم الايحاء هو أكبر محدودية ومتواضع. فهلمسليف لم يمنح لبارت مفهوما "قويا" عن السيميوطيقا الايمائية كسيميوطيقا مضمرة من حيث العبارة، بل منحه مفهوما "ضعيفا" جدا.. والأمثلة التي يقدمها هلمسليف تخص من بين أمثلة أخرى، مسألة النطق التي يمكن أن توحي بالأصل الاقليمي. ولا يوجد أي شيء من المفهوم "القوي" الذي أعد فيما بعد من لدن بارت والذي عبر قراءة الايحاءات نلمح إمكانية قراءة أثر الايديولوجيا، وذلك مثلما يوزع مجتمع ما، بشكل مقنع، العلامات الأكثر مسالمة ظاهريا، ولقد تظاهر بارت بالتكرار، وفي واقع فقد كان يمفصل براعات الكتابة الاستراتيجية...

هذا ما يبين لماذا بدا لنا بارت فيما بعد ناكرا لتمارينه النظرية، ومرتميا بجرأة في أعمال ذات كتابة جلية، ومانحا بذلك الانطباع بأنه تخلى عن اهتماماته كسيميولوجي في الواقع. فقد بقي وفيا دائما لموهبته التي لم تكن ترتكز على بناء نظام سيميولوجي صالح للاستعمال، لكي يقول لنا باستمرار وفي كل خطوة أن هناك من حولنا ما هو سيميولوجي، بمعنى أننا نعيش في السيميوزيس.

إن هذا لواضح حتى في القراءات الأكثر ديداكتيكية ظاهريا للميثولوجيات، ففي بعض تحليلاته للصورة الفوتوغرافية، يشرح لنا بارت ما تريد قوله هذه الصورة، والحال أن درسه لم يكن يتعلق بتاتا بما تريد أن تقوله الصورة، بل بما تقوله وفي نادر الأحوال ينتهي بارت (وهو الذي تحدث كثيرا عن الشفرات) الى تجميد قراءته داخل تقنينا&