روائيون في القلب


حلمي سالم (شاعر من مصر)


هذه بعض النظرات المتنوعة في عالم الرواية المصرية العربية المعاصرة، كتبها شاعر لا هو روائي ولا هو ناقد رواية. ولهذا فإن هذه النظرات تتسم بطابع الآراء الأدبية أكثر من اتسامها بطابع النقد التطبيقي المحترف. كما أنها تمزج بين التقييم الأدبي والانطباع الذاتي، وبين التعرض للأديب والتعرض لأدبه، وبين التداخل الشخصي الابداعي لكاتبها مع موضوعاتها أو صانعيها المبدعين.

ولأنها رؤى شاعر، فسوف تتضح من خلالها صلة الرحم العميقة بين الشعر والرواية، وسيتجلى فيها نبذ تفضيل نوع أدبي عن نوع أدبي، تحت مزاعم من نوع أننا نعيش زمن الرواية،  أو غير ذلك من انحياز وتحزب.

السطور القادمة، إذن، هي رسالة محبة، من الشعر الى الرواية.

-1-

شاعر القصة القصيرة

عندما كانت الستينات المصرية تقرب من انتصافها، كان رعيل أدبي طويل، في سائر فروع الأدب من قصة وشعر ومسرح ورواية، قد طفق يتشكل - على أرض الواقع الأدبي والاجتماعي - بملامح حادة ووضوح مبين.

كانت اللحظة السياسية - آنذاك - تشهد الابرام النهائي لتلك "المصالحة التاريخية"، التي كانت حروفها الأولى قد وقعت فعليا خلف أسرار الواحات وأبي زعبل، بين معظم - ولا نقول: كل -قادة الفكر الجذري الاجتماعي وبين النظام الوطني، تلك المصالحة التي فتحت بوابة عريضة لاندياح الماهية الجذرية لفصائل ذلك الفكر الاجتماعي وذوبانها في الدولة.

ومن ثم، فإن صعود ذلك الرعيل الأدبي الستيني، كان يؤسس وجوده التاريخي على دعامتين جوهريتين، تكمل احداهما الأخرى، في جدل السياسي والأدبي

أولاهما: رفض ذلك الاندياح والتخالط، المذوب للحدود الفكرية بين ماهية القائم الراهن وماهية المقبل النقيض.

وقد يكون بإمكان المرء أن يرى - في إطار تداخل الخطوط بين المستويات المختلفة الأدبية والسياسية والاجتماعية - أن رفض ذلك الرعيل الأدبي لتلك المصالحة التاريخية التي خلفت الاندماج والتخالط الأنفين، كان هو "الصورة الأدبية" لرفض القطاعات العريضة من قواعد فصائل الفكر الجذري، لنفس تلك المصالحة التي أنجزها قادة ذلك النقيض، من وراء ظهر ومبدأ تلك القواعد العريضة.

وثانيتها: ادراك ضرورة الانتقال مسر بالقصة القصيرة _ خطوة جديدة على واقعها الفكري والفني الذي وصلت اليه مع الرعيل السابق، الذي يقف في الصدارة منه يوسف ادريس خاصة.

وقد وجدت هذه المتغيرات الجديدة لدى ذلك الرعيل الستيني تجسدها شبه التنظيمي في جماعة ومجلة "جاليري68"، التي كانت أولى التجارب الأدبية المستقلة عن الأجهزة والمؤسسات الثقافية الرسمية، والتي استلهمتها فيما بعد معظم التجارب الشابة المستقبلة التي ملأت سماء مصر لأكثر من عقدين كاملين بالثقافة الوطنية والديمقراطية الجادة، ومن بينها مجلة "خطوة" التي شارك يحيى الطاهر عبدالله أيضا في تأسيسها عام 1980.

كانت الهزيمة قد وقعت في 1967، لتؤكد لذلك الرعيل - ضمن ما تؤكد - صحة رفضه لتلك المصالحة الآنفة، بكشفها ضرر الفلسفة "الشمولية" التي قامت عليها، ولتؤكد دقة إدراكه لضرورة تجاوز المعطيات الفنية والفكرية للقمة الواهنة وللأدب عامة ساعتئذ، بكشفها لفساد سياسة الأدب "الهاتف" المتخم بالتبرير والتزويق.

في كلمة واحدة نقول:

لقد وقعت هزيمة 67 على رأس هذا الرعيل الأدبي مباشرة فصرخ. وكانت صرخته مجروحة، وجارحة.

مجروحة لأنها طفحت بالألم، والانكسار الحاد والمرارة التي كشفت غطاءها هزيمة مباغتة - وليست مباغتة - ليتضح لهم أن أساس ذلك البناء الضخم الشاهق كان منخورا بالسوس الاجتماعي والنزع الشمولي. وهو ما لخصه صلاح عبدالصبور قبل ذلك بقليل بجملته المرة "الدودة في أصل الشجرة".

وجارحة لأنها طفحت بالادانة والتعرية القاسية والتشريح الجراحي الحاد، إذ كشفت الهزيمة لهم ضلال نهج الاصلاح التبريري والترميم ودهن المتصدع المنهار.

على أن الأكثر نزيفا في المجروحين الجارحين، كان ذلك الصعيدي النحيل.

حينما كان يحيى الطاهر عبدالله (1978- 1981)، يستقل قطار الصعيد من قريته "الكرنك القديم"  في أواخر عام 1964، موليا وجهه شطر القاهرة - وربما رحل اليها مشيا على القدمين - كانت اللحظة السياسية والأدبية مؤهلة لنشوء واستقبال "قول" جديد في الحقل الأدبي:

المصالحة المذكورة كانت تتم، وكان أبطالها وضحاياها يخرجون زمرا زمرا الى ساحات العمل السياسي والثقافي.

يوسف ادريس كان - على الصعيد الفكري السياسي - قد وضع نفسه بين قوسين إزاء مجمل الحركة التقدمية المصرية، حينما بدأ ينشر روا يته "البيضاء" مسلسلة على صفحات جريدة، "الجمهورية"، وهي الرواية التي حفلت بالتشهير بالتقدميين وتشويههم أخلاقيا، بينما هم في باطن السجون. وكان - على الصعيد الفني الجمالي - قد بدأ يستنفد ريادته القصصية ويستهلك اضافته التي قدمها على سابقيه الكلاسيكيين من كتاب القصة القصيرة كمحمود طاهر لاشين ومحمود تيمور ويحيى حقي وعبدالمنعم الصاوي وغيرهم، على تباين درجات التفاوت الفني والفكري فيما بينهم جميعا.

وفي جملة نقول. كان الواقع الثقافي المصري محتاجا الى رعيل مجدد، في القلب منه كان يحيى الطاهر عبدالله، ينفرد ويتفرد.

وقد شهدت حياتنا الأدبية صعود ذلك الرعيل عبر موجتين متلاحقتين متداخلتين: شكل الأولى منها كل من: إدرار الخراط وغالب هلسا وصنع الله ابراهيم وبهاء طاهر وكمال القلش وجميل عطية ابراهيم وجمال الغيطاني ويوسف القعيد وغيرهم. وشكل الثانية كل من ابراهيم أصلان وعبدالحكيم قاسم ومحمد البساطي وابراهيم مبروك وسعيد الكفراوي ويحيى الطاهر عبدالله وغيرهم من أولئك الذين كان عليهم مهمة تجسيد الرافد التقدمي الشبابي الجديد، الذي كان قد بدأ يشكل ملامح الحلقة الثالثة من حلقات تاريخ الفكر التقدمي المصري، ذلك الرافد الذي كانت مظاهرات 1968 الطلابية العمالية شهادة عنيفة لميلاده العنيف.

كانت القصة القصيرة قبل ذلك الرعيل تدور على الصعيد الفكري الاجتماعي حول بعض المفاهيم الجديدة التي يزرعها مجتمع يوليو 52 في مواجهة قيم العهد السابق الاقطاعي الاحتلالي، وحول تصوير الواقع الريفي وصراع القيم الاجتماعية فيه.

بتعبير آخر: كانت القصة تخوض أدبيا معركة الحلقة الأخيرة من حلقات صعود الطبقة الوسطى الوطنية ضد الاقطاع والاستعمار العسكري والاقتصادي.

وكانت تدور على الصعيد الفني والجمالي، حول محور "الحكي السردي" الأحادي عبر صوت القاص الفردي، وحول التقابلات الثنائية المنفصلة (الخير والشر، المحتل والوطن، الاقطاع والفلاح، الأبيض والأسود) وحول المباشرة الزاعقة التي تنصر الخير على الشر، وتنصر قيم الفضيلة على قيم الرذيلة.

بتعبير أدق: كانت القصة تصدر عن نزع "رومانسي" ذي صبغة اجتماعية ووطنية. ولم تكن الروح الواقعية التي وسمت بعض القصص حينها بفجاجة وخطابية صاخبتين سوى وجه من وجوه ذلك النزع الرومانسي زي الصبغة الاجتماعية والوطنية.

واذا كانت تلك القصة بالخصائص التي سبقت قد نهضت في حدود شرطها بدور تاريخي عظيم، على المستوى الفكري وعلى المستوى الفني، فإن الواقع - حين بدأ الرعيل القصصي الجديد يصعد - الى عمق المشهد - كان قد بدأ يتغير، وشرطا جديدا كان قد بدأ يقوم: فلم تعد الطبقة الوسطى في لحظة صعودها لفتى، بل صارت تتهادى صوب انهيارها المنتظر ولم تعد تلك الرومانسية المترهلة، بقضاياها الجزئية وأشكالها الفنية المباشرة مناسبة.

كان على جيل يحيى الطاهر عبدالله، إذن، أن ينتقل - على المستوى الفكري - من الموقف "النقدي" السابق الى الموقف "النقضي" الناهض على الادانة الكاملة للراهن المريض، والتبشير بواقع قادم ينتفي فيه القهر الاجتماعي والانساني. وأن ينتقل - على المستوى الفني - الى خلق قصة تعتمد (البناء) الدرامي المتشابك، الذي تتعدد فيه الأزمنة وتتداخل فيه المستويات الشعورية متنوعة متفاعلة، ويستفاد فيه من المنجزات التكنيكية للأشكال الفنية الأخرى: السينمائية والمسرحية والشعرية.

صار المحور الموضوعي الأساسي لقصة جيل يحيى الطاهر عبدالله هو التعبير عن (أزمة) الواقع المصري في السنوات الأخيرة على شتى الميادين: أزمة الديمقراطية وحرية الفكر والوطن والانسان. أزمة التناقض بين الشعار الرسمي والواقع المعاش اليومي. أزمة تحلل الواقع الاجتماعي وتفسخه تحت ضربات الطفيليين والمرابين وملوك الانفتاح الاقتصادي والسماسرة.

إن شعورا عميقا بالخيبة والاستلاب والاغتراب يهيمن على مناخات قصص ذلك الرعيل، يرفده شعور عميق أخر بأن انتفاء ذلك الواقع المجهض هو الصورة الوحيدة لتحقق انسانية الانسان.

على أن يحيى الطاهر عبدالله قد تميز عن أبناء جيله الأدبي وهم ينجزون معا مهمتهم بمستوييها الفكري والفني، بسمتين كبيرتين تفرد بهما بين صحبة القصاصين:

السمة الأولى: هي خصوصية "اللغة" في أدائه القصصي، تلك التي أولاها عناية فائقة، فهو يستعين بلغة الأداء الشعري لاقامة بنيان قصصي، مما حدا بنقاد عديدين أن يصفوه بأنه شاعر في القصة القصيرة.

وقصته "انا وهي وزهور العالم" نموذج ناجح لتجسيد هذه السمة: الجهد اللغوي الرفيع عند الكاتب. فاللغة الشاعرة هنا لا تقتصر على اقتصار العبارة وانحباك اللفظ باللفظ، بل تتعداه الى حيازة مجموعة من خصائص اللغة الشعرية بعامة:

حيث استخدام المفردة "النكرة" محل المفردة "المعرفة" مثل (ترف في الجو بأجنحة)، وحيث استخدام التكرار الشعري الايقاعي الذي يخلف إيحاء بسيطرة معنى اللفظة المكررة على المناخ الكلي مثل "كان للشجر رائحة، وللأرض رائحة، وللحشائش رائحة، ولغمي رائحة"، ومثل "زهور سوداء بالعالم. زهور سوداء. زهور بيضاء بالعالم. زهور بيضاء"، ومثل "طيور الربيع عند عين الماء تطلب الماء وتغتسل، وتنفض عن ريشها الماء". وحيث استخدام التقابلات الشعرية اللفظية والمعنوية، مثل "الربيع - الحياة - سوداء / الخريف - الموت بيضاء"، ومثل "كنا بالحديقة" في بداية مقطعها الأول، و "بالحديقة كنا" في بداية مقطعها الثاني.

واختلاف موضع كل من كلمتي "كنا" و "بالحديقة" في الموضعين ليس يؤدي غاية لغوية شعرية فحسب، بل هو يتسق مع مضمون كل حركة من الحركتين:

في الحركة الأولى، حيث الربيع والحياة، عين الماء المليئة بالماء، كانت الفاعلية والحضور الأساسي للانسان، للذات لوجود العاشقين المتواصلين، ولذا جاءت "كنا" في الصدارة. بينما في الحركة الثانية حيث الخريف والموت، عين الماء القاحلة من الماء صارت الفاعلية الأولى للأشياء، للمكان لا لشاغل المكان، للانفصال والذبول بين العاشقين المستلبين، ولذا جاءت "بالحديقة" في الصدارة.

على أن النسق الشعري، هنا، لم يأت نتيجة الصياغات اللغوية الشعرية، بخصائصها المختلفة المشار اليها فحسب، بل جاء ويجيء في معظم قصص الطاهر عبدالله من الموقف برمته، من "البناء" الشعري الذي يقيم به عمله القصصي.

فقصة "أنا وهي وزهور العالم" تنهض على حركتين متقابلتين كأنهما القرار والجواب الموسيقيان، تقابلا فنيا وتقابلا معنويا: في الأولى حياة وتواصل وازدهار، تحقق يشربه خوف الاستلاب أو اتصال يشربه خوف الانقطاع، ربيع تحترقه زهرة سوداء. وفي الثانية موت وذبول وانتهار، استلاب يحبل بسعي للتحقق والانسجام، أو انقطاع يحبل بوجود الاتصال، خريف تخترقه زهرة بيضاء.

جدلية ثلاثية: حياة - موت - حياة. والحركتان تكادان أن تكونا متطابقتين في بنائهما التصويري، لا تختلفان الا في مواضع بعض الألفاظ والصفات، على الطريقة الشعرية في تقديم متناقضات شعورية وموضوعية عبر سياق من متناقضات المفردات اللغوية.

واذا كنا استندنا الى "أنا وهي وزهور العالم" في الاشارة الى الجهد اللغوي في تكنيك الطاهر عبدالله القصصي، فلابد أن نوضح أن ذلك الجهد اللغوي قد تجلى بصور أكثر رقيا وأخصب إيقاعا وحنكة في قصص غير هذه كثيرة، وخاصة في مجموعته الأخيرة "حكايات للأمير" لم يمنعنا من الاستشهاد بها سوى صعوبة استخلاص فقرة من قلب سياقها الفني الشائك للتدليل.

كانت تلك أولى السمتين اللتين تميز بهما يحيى الطاهر عبدالله بين أبناء رعيله الأدبي. أما ثانية السمتين فهي النسيج الاسطوري الذي يلف معظم عمله القصص.

وإذا كان بعض فلاسفة الجمال المحدثين يشيرون الى أن ثمة طريقتين ناضجتين للتعامل مع (المعطى الأسطوري) في الابداع الأدبي، أولاهما هي صهر ذلك المعطى في مصهر العمل الأدبي ليخرج في سياقه ذد دلالة جديدة معاصرة تصب في مجرى الفرض العام للعسل الأدبي، وثانيتهما هي خلق أسطورة كاملة جديدة بالعمل الأدبي، فيصبح كل على أدبي عظيم أسطورة عظيمة، فإن يحيى الطاهر عبدالله قد اعتلى صهوة الطريقتين معا.

وقاريء قصص الطاهر عبدان القصيرة سيجد معظمها يصدر عن تلك الطريقة الأولى: جدل الموروث والمعاصرة من منظور يرفد النزع التقدمي للأدب عنده برافد تراثي أصيل. وسيجد أن الطريقة الثانية "خلق أسطورة جديدة بالأدب، هي الرحم الذي خرجت منه روايتاه "الطوق والأمورة" (1975) و "الدف والصندوق" (1977)، وقصته الطويلة "الحقائق القديمة ما تزال صالحة لاثارة الدهشة" (من مجموعة "حكايات للأمير" 1980)، ففي هذه الأعمال لم يقتصر الطاهر على الاستلهام العصري والجدلي للمعملى التراثي -الأدبي والشعبي والديني - بل صار الى صنع أسطورة أدبية كاملة.

كان ذلك البعد الأسطوري واحدا من المنجزات الفنية في أدب الأديب، التي شدت التفات واحد من النقاد الذين درسوا أدب يحيى الطاهر عبدالله، هو الناقد فاروق عبدالقادر. ومن أسف أن أدب يحيى الطاهر عبدالله لم يحظ - في حياته - إلا بثلاث دراسات يتيمة، احداها للروائي والناقد إدوار الخراط في تقديم إحدى روايات الطاهر، والثانية للناقد رضا الطويل في العدد الأول من مجلة "الفكر المعاصر" المصرية الوطنية المستقلة، والثالثة للناقد سامي خشبة في أحد كتبه النقدية.

يلفت فاروق عبدالقادر انتباه القاريء في معرض حديثه عن مجموعة "حكايات للأمير" الى أن الطاهر قد بلغ في هذه المجموعة مستوى لم يحقق قبلا من حيث تنويع وسائله في القص، والاستفادة من المأثور الشعبي للراوي القوال (الحكواتي)، إذ يكرر ألفاظا بعينها تقوم مقام الرقي والتعاويذ بالحديث الى جمهور المتلقين أميرا كان أو جماعة واستخدام الحكاية داخل الحكاية والأسماء ذات الدلالة، وتعمد البساطة الظاهرية في سوق الأحداث الهامة والخطيرة، والاحالة الدائمة لعناصر الطبيعة وتوظيفها في الوصف أو الكشف عن مشاعر الشخوص والاستفادة من معرفة تفاصيل الحياة في قرى الصعيد ومدنه الصغيرة، واللجوء الى ضرب الأمثولة والحكاية ذات المغزى، والاتكاء على الخبرة الشعبية الموروثة وانتقاء عناصر كثيرة من "ألف ليلة وليلة"  ينطلق بها ويمزجها بعناصر من عالمه هو في كل واحد متساوق. بل إن مجموعة كاملة مثل "حكايات للأمير" تستلهم في شكلها الروائي وأدائها طريقة الحكي والأداء في "الف ليلة وليلة".

العالم في قصص يحيى الطاهر عبدالله انتقل نقلتين كبيرتين في المرحلة الأولى من رحلته الابداعية كانت القرية المصرية الصعيدية بخاصة، هي مدار التجربة الأدبية. وفي المرحلة الثانية من رحلته الابداعية كانت المدينة هي مدار التجربة الأدبية.

على أن (طبيعة العلاقات) في العالمين واحدة القهر الطبيعي والاجتماعي والانساني.

قدم يحيى الطاهر. في مرحلته الأولى - رؤية متميزة للحياة على أرض الصعيد المصري. واذا كان نصيب الصعيد حيث عراقة مصر وأنقى صور الانسان نصيبا قليلا في الأدب المصري الحديث بالمقارنة مع نصيب ريف الدلتا أو أحياء المدن الصغيرة والكبيرة - كما يلاحظ فاروق عبدالقادر - فإن يحيى الطاهر بتصوير الخصب للصعيد المصري في مرحلته الأولى يكون قد سد شفرة مفتوحة في أدبنا، بتفرد رفيع.

لم يختلف جوهر القهر الطبيعي والاجتماعي والانساني في القرية المصرية الصعيدية عنه في المدينة (القاهرة) وان اختلفت مظاهره: فإذا كان عالم القرية الصعيدية (في "الطوق والأسورة" مثلا) يصطحب بشهوات محاصرة متوثبة للتحقق لكن الواقع يعوق تحققها ويضع لها العقاب الصارم، وتلعب فيه الأسطورة (الموروثة) دورا هاما كجزء من تراث المجتمع المغلق من جانب وكمعادل إنساني لهذا الواقع من جانب ثان، فإن بطل الطاهر في المدينة هو كائن صغير مسحوق ضائع بين الجدران والأبنية واللوائح والقوانين وهو مطارد مغترب في عالم يستلب الانسان ويحوله الى شي ء من أشيائه الجامدة (فانتا زيا العنف القبيح، من مجموعة أنا وهي وزهور العالم).

حينما نقول إن جوهر القهر في أدب الطاهر عبدالله واحد، في القرية والمدينة وان اختلفت مظاهره، فنحن لا نقصد أن ثمة تطابقا تاما بين القهرين يمتنع على التباين والاختلاف. فإذا كان القهر في شتى صوره ذا جوهر اجتماعي، فإن مفتاحه في قرية الطاهر عبدالله غير مفتاحه في مدينته.

هو في القرية ذو مفتاح قدري طبيعي في قشرته الخارجية حيث الناس فيها أسرى يضطربون في واقع قاس، تحكمه علاقات حديدية صارمة محددة سلفا، تنتظم طقوس الحياة اليومية حتى أدق تفاصيلها، وهي محفورة في وجدان الناس وعقولهم، تجعل كلا منهم قيما على الالتزام بها لنفسه وللآخرين. مجتمع محاصر منغلق، السيادة فيه للرجل، ولكبار السن منزلة خاصة، والعلاقات الأسرية فيه هي البنية التي تنتج العلاقات وتحدد الأدوار. يطفح بالحرمان النفسي والجسدي عبر تقاليد ذات قداسة وديمومة (فاروق عبدالقادر - نزهة قصيرة في صحبة قصاص). في كلمة واحدة: القهر هنا ميتافيزيقي إقطاعي.

وهو في المدينة ذو مفتاح مدني فيزيقي، في قشرته الخارجية، حيث مجتمع لا يملك المرء فيه أن يدفع عن نفسه الشعور الواقعي الذي يداهمه بأنه مستذل مهان (تلاوة ماسونية - من مجموعة أنا وهي وزهور العالم)، وحيث تحاك مؤامرة خفية دائمة قاهرة للبطل المسحوق والمستلب، فيردد مونولوجه الذاتي:

"الى متى يسرقني الجرسون، ويدس لي صاحب المطعم الحصى في الطعام ؟ لم لا يرن جرس التليفون لما أطلبها؟ وان رن لا أسمع ردها؟ ولو رد أسمع من أريدها تقول إنها ليست هي؟".

مجتمع ضاغط ينضح بالانقطاع لا الاتصال، ويفتقر الى الانسجام والتناغم، حافل بالسارقين وتجار السوق السوداء والبيضاء، يجسد بدقة أخلاقيات طبقة تنهار بقيمها وقوانينها الدنيئة. في كلمة واحدة القهر هنا مادي رأسمالي.

أليس ذلك العالم الذي تصوره قصص يحيى الطاهر عبدالله هو - بدون مغالاة - الترجمة الابداعية الأدبية للتحليل الذي قدمه المحللون العلميون حينما شخصوا المجتمع المصري باعتباره مجتمعا شبه إقطاعي شبه رأسمالي ؟ فيكون يحيى الطاهر بذلك قد كشف ببصيرة الفنان الناقدة ووعي المثقف السليم طبيعة الواقع الاجتماعي المصري (والعربي عامة) فاضحا علاقات القهر السائدة فيه، مردفا ذلك بفضحه تنامي الشرائح الطفيلية الجديدة به.

يلخص إدوار الخراط دراما يحيى الطاهر عبداللة في كلمات قليلة بقوله: "إذا كانت حياته كلها حكاية، وقصيدة، فإنه مع ذلك عرف كيف يسوغ لنا الحكاية والقصيدة، أو - على الارجح - القصة / القصيدة. وكان ذلك هو ما استلهمناه في هذا النسق الذي نضع فيه كتاباته الكاملة".

في ابريل ولد يحيى، وفي ابريل مات. تراه كان يريد - بحياته وموته - أن يمنح معنى عربيا راهنا لبيت إليوت الشهور "أبريل أقسى الشهور؟

-2-

الليل وروميش والرحم

صارع سرطان الدم بضعة شهور قليلة حتى صرع. هذا هو الكاتب الأديب محمد روميش (1933-1992) الذي غادرنا، منذ خمس سنوات، بعد أن ظلت أوراقه في مكتب رئيس الوزراء المصري شهورا تنتظر التوقيع عليها بتأشيرة السماح للأديب بالعلاج في الخارج على نفقة الدولة.

ولأنه أديب - مجرد أديب - وتقدمي، ولا سلطة له، ولأنه ليس راقصة ولا انتهازيا ولا لاعب كرة، ولا قريب محافظ أو نسيب وزير، فقد ظلت أوراقه مركونة في مكتب رئيس الوزراء (برغم وساطات مكرم محمد أحمد ولطفي الخولي ومصطفى الفقي وغالي شكري) الى أن جاء الموت أكثر سرعة من توقيع ورقة وأرشق حركة من إنقاذ كاتب.

ومحصد روميش واحد من أبرز كتاب جيل الستينات في الأدب العربي بمصر، فهو رفيق يحيى الطاهر عبدالله وعبدالحكيم قاسم وابراهيم أصلان وجميل عطية ابراهيم وعبدالرحم الأبنودي وصبري حافظ وعبدالرحمن أبو عوف وصنع الله ابراهيم وغيرهم من أبناء هذا الصف المتميز الذي صعد كالشهاب في حياة الأدب المصري فيه من الشهاب لمعته البارقة وفيه منه اختراقه المباغت.

صدرت لمحمد روميش مجموعة قصصية واحدة بعنوان "الليل الرحم" في عام 1969، ضمن سلسلة "كتاب الغد" فهو من الكتاب قليلي الانتاج كبيري القيمة. وترجع قلة إنتاج روميش الى أنه قد أ