جماليات الصوت والتعبير الموسيقى

سعيد توفيق ( استاذ جامعي من مصر)


الظاهرة الموسيقية بطبيعتها ظاهرة بالغة التعقيد، من حيث تاريخها أو نشأتها، ومن حيث آثارها الاجتماعية والتربوية ودلائلها الحضارية والقومية، ومن حيث تنوعها وارتباطها بغيرها من الفنون. فالموسيقى لم تنشأ كفن مستقل بذاته كالشعر مثلا، ومع ذلك أصبحت أكثر الفنون استقلالا: فقد كانت الموسيقى فنا تابعا نشأ مصاحبا للغناء أو الرقص الذي كان القدماء يمارسونه في احتفالاتهم الدنيوية وطقوسهم الدينية. وحتى في العصر الوسيط كانت الموسيقى عنصرا مصاحبا للأناشيد الدينية التي تمارس داخل الكنيسة، حيث جرى ما جرى عليها من تطور الى أن خرجت الى مجال الحياة الدنيوية لتلقى أطوارا أخرى. ومع تطور الموسيقى - وخاصة مع موسيقى الآلات instrumental music أصبحت الموسيقى فنا خالصا قائما بذاته له وسائله التعبيرية الخاصة التي يستغني بها عن سائر الفنون ولا يستغني أكثرها عنه، فحتى الفنون التي لا تستفيد من الموسيقى أو تستعين بها على نحو صريح مباشر، لم تتحرر من التأثر بأسلوب التعبير الموسيقي الذي أضحى مثالا وغاية لسائر الفنون باعتباره تعبيرا مكتفيا بذاته لا يعتمد على شيء من الواقع أو الطبيعة.

ورغم أن الموسيقى لم تنشأ كفن مستقل بل كفن تابع، فأن مكانتها عند القدماء -مثلما هي عند المحدثين والمعاصرين - ظلت مكانة رفيعة، إذ فطنوا الى عمق تأثيرها النفسي والاخلاقي والاجتماعي، فها هو ذا فيثاغورث - يرى أن "الكون في مجمله عدد ونغم" وأن النظام والانسجام الذي نشاهده في الكون وفي دورات السماء يشبه النظام الذي نشاهده في الموسيقى، فضلا عن ضرورتها لانسجام النفس وتطهيرها. وها هو ذا أفلاطون في محاورة "الجمهورية" يبين لنا أهمية التعليم الموسيقي ودوره في تربية النشء، حتى إنه كان يحث على مقامات موسيقية معينة واستبعاد أخرى مما يكون لها تأثير أخلاقي ونفسي ضار (1) وقد كان هذا واجعا أيضا الى تصور افلاطون للنفس على أساس من مفهوم الانسجام الرياضي. وهكذا يمكن القول بأن التصور النفسي والأخلاقي للموسيقى لدى فيثاغورث وأفلاطون هو تصور مبني على أساس من تصور فيزيقي - رياضي للكون باعتباره نظاما منسجما. وهذا هو ما دعا اليونان الى تأسيس النغمات الموسيقية السبع باعتبارها تماثل الكواكب السبعة (2). أما في عصرنا هذا فقد قطعت الدراسات السيكولوجية والتربوية شوطا بعيدا في مجال الموسيقى وأصبحت لها طرائقها العلمية الخاصة ومناهجها المعقدة.

وتعقد الظاهرة الموسيقية يبدو أيضا في تنوع وتعدد أشكالها: فهناك الموسيقى المصاحبة للكلمات كما في الأغنية والموال، والموسيقى الدرامية Music drama كما في الأوبرا. وموسيقى الفيلم film music، وهي جميعا الأشكال التي يمكن أن تندرج تحت ما يسمى بالموسيقى الوصفية descriptive music. وفي مقابل ذلك، هناك ما يعرف باسم الموسيقى الخالصة أو المطلقة pure or absolute music التي تندرج تحتها أشكال أخرى تعرف بموسيقى الآلات من قبيل: السوناتا والسيمفونية.

وتنوع الموسيقى لا يرجع فحسب الى تعدد أشكالها البنائية. وانما أيضا الى تنوع أغراضها: فليست كل موسيقى مدفوعة بأغراض التشكيل الجمال الخالص، بل إن أكثرها تدفعه أغراض عملية اجتماعية ونفسية: كالموسيقي الدينية التي تعبر عن الشعور الديني لدى شعب ما (3)، والموسيقى الشعبية والقومية التي تعبر عن شعور وطابع قومي، والموسيقى الجنائزية والعسكرية. وقد تؤلف الموسيقى لأغراض عملية ونفسية يتباين حضها من الرقي والوضاعة: فمنها ما يجلب الهدوء والترويح عن النفس. مما دفع كثيرا من المعنيين بشؤون الطب والصحة النفسية الى دراسة تأثيرها على النفس والجهاز العصبي وامكان استخدامها في العلاج النفسي وعلاج الأمراض الجسمية ذات الصلة بالجانب النفسي (4)، ومنها ما يؤلف لأغراض وضيعة كما في الموسيقى الراقصة والايحاءات الجنسية التي تهدف الى إثارة الشهوات والغرائز. وكما في الموسيقى التي تؤلف لأجل الاستمتاع بملذات الحياة والمناسبات الاجتماعية، ومن أهم الأمثلة في هذا الصدد فيما يذكر برتليمي (5): "الرقصات Les Danceries لكلود جيرفاز، وباليه البلاط في عقد لويس الثالث عشر، وسيمفونيات لالاند التي كان يجري عزفها أثناء عشاء لويس الرابع عشر.

وفضلا عن ذلك، فإن الظاهرة الموسيقية من حيث هي ترددات صوتية ومن حيث هي نسب رياضية، يمكن النظر اليها أيضا باعتبارها ظاهرة فيزيائية ورياضية، ولقد قدم لنا الفيثاغوريون أول نظرية في الموسيقى من حيث ارتباطها بالأعداد والنسب الرياضية.

فكيف يمكن لنا إذن أن نفهم ماهية الموسيقى في ظل هذا التنوع والتعدد في طبيعة الظاهرة الموسيقية نفسها؟ وهذا السؤال يمكن أن نسوغه على نحو أكثر بساطة، وهو كيف نفهم الموسيقى جماليا؟ ذلك أن البحث الجمال في الظاهرة الموسيقية هو في الحقيقة بحث في ماهية الموسيقى من حيث هي فن جميل وتعبير جمالي. ولا شك أن البحث في الموسيقى كفن من الفنون الجميلة هو بحث يمكن أن يستفيد من سائر المبحوث الأخرى في الظاهرة الموسيقية من حيث هي ظاهرة تاريخية أو اجتماعية أو تربوية أو فيزيائية أو رياضية، ولكنه في نفس الوقت لا يستند الى أي من هذه المبحوث في صياغته لمفاهيمه، لأنه بحث ماهوي، أي بحث في ماهية الظاهرة نفسها، وهو من هذه الناحية بعد بحثا لا يستمد من غيره أو يتأسس عليه، في حين أن كثيرا من مناحي البحث الأخرى يجب أن تستند اليه أو تفترض مفاهيمه على الأقل.

وهكذا فإن موضوع بحثنا يتحدد في دراسة المفاهيم والخصائص المميزة للموسيقى كفن جميل، أعني كموضوع مبدع لأجل متعتنا وتأملنا الجمالي. فهذا هو الأساس الذي يمكن أن تقوم عليه لا فحسب دراسات أخرى خارج سياق البحث الجمالي الخالص، وانما أيضا اي دراسة أخرى تتعلق بفهم تفاصيل إدراكنا الجمالي للموسيقى وكيف ينبغي أن يكون. وغني من البيان أننا في در استنا للخصائص الجمالية للموسيقى ينبغي الا ندخل في حسباننا أية تصنيفات للموسيقى وفقا لمعايير أخلاقية أو أغراض عملية: فالموسيقي الدينية على سبيل المثال هي - كالقصيدة الدينية - قد تكون ذات قيمة جمالية أو لا تكون، ولكنها لا تكون أبدا ذات قيمة جمالية لمجرد كونها دينية. كذلك فإن الجميل بوجه عام يكون مستقلا عن أية أغراض عملية. ومن ثم فإننا عند دراستنا للجميل في الموسيقى ينبغي أيضا الا ندخل في حسباننا أية معايير أو تصنيفات للقيمة الجمالية للموسيقى وفقا للأغراض العملية التي تؤلف لأجلها في دنيا الحياة الانسانية. وليس معنى ذلك أننا نريد أن نعزل الموسيقى كفن جميل عن مناحي الحياة الانسانية كالديني والأخلاقي والاجتماعي وغير ذلك، فإن ما نريد أن نتخذه موضوعا لبحثنا هو أن نبين الخصائص الجمالية للموسيقى، وكيف تعبر الموسيقى من خلال هذه الخصائص عما تريد أن تعبر عنه أو عما تؤلف لأجله من أغراض مختلفة. وقيما يلي سوف نحاول أن ننظر في خصائص الجيل في الموسيقى من خلال محورين رئيسيين هما الصوت الموسيقي كتشكيل جمالي (أي الموسيقى كتشكيل صوتي يخاطب إدراكنا الجمالي)، والموسيقى كتعبير جمالي.

أولا: الصوت الموسيقي كتشكيل جمالي

أبسط تعريف للموسيقى هو أنها "فن تجميع النغم". ولكن مثل هذا التعريف لن يفيدنا كثيرا إذا حاولنا أن نفهم طبيعة الصوت أو النغم الموسيقي من حيث هو فن جميل، إذ أننا سنجد أنفسنا نتساءل من جديد: كيف يكون هذا التجمع فنا؟ فلنحاول أن نتعرف أولا على طبيعة الصوت الموسيقي في جزئياته، كي نفهم بعد ذلك كيف يتم تشكيله فنيا وجماليا:

مادة matter الموسيقى هي الصوت الذي تنتجه آلات موسيقية هي بمثابة الوسائط المادية materials الموسيقي، تماما عظما أن مادة الحوار أو النص المسرحي هي الكلمات والصوت البشري - مع بدن الممثل - هو الوسيط المادي لنقل الكلمات الى السامع، وعظما أن الحركة هي مادة الرقص والوسيط المادي هو بدن الراقص نفسه وبهذا المعنى فان الصوت الموسيقي ليس هو - كما يقال عادة - الوسيط المادي للموسيقى، وانما هو أشبه بالمادة الخام للموسيقى التي تكتسب طابعا جماليا من خلال التشكيل الجمالي لهذا الصوت باعتباره لغة تنتجها آلات موسيقية. وعندما نقول إن مادة الموسيقى هي الصوت الموسيقي، فليس معنى ذلك أننا نستبعد إمكانية إدراج الصوت البشري (كما في الكورال مثلا) ضمن لغة الموسيقى، فإن ما نريد أن نؤكد عليه هو أن الصوت الموسيقي هو المادة الأساسية واللغة الفريدة المميزة للموسيقى، مادامت الموسيقى يمكن أن تستغني عن الصوت البشري ومه ذلك تظل موسيقى مكتملة البنيان.

ومن ناحية أخرى قد يقال - وهو قول فيه بعض الصواب - إن الصوت الموسيقي نفسه ليس متصورا على الموسيقى وحدها، إذ يشاركها فيه الشعر، من حيث إن الشعر لا يمكن تصوره دون موسيقى ممثلة في الايقاعات والأوزان، بل وحتى في الكلمات نفسها، ومع ذلك فإن هذا القول غافل عن أن مادة الشعر الاساسية تظل هي الكلمة نفسها والموسيقى هنا تفهم باعتبارها مباطنة في السياق اللغوي نفسه. حقا إن للكلمات بمفردها قيمة موسيقية خاصة بها ومستقلة عن معناها، ولكن الكلمات بمفردها لا تخلق شعرا، إذ لابد أن ترتبط معانيها في سياق لفري ما، فبدون هذا الارتباط لمعاني الكلمات تصبح موسيقى الكلمات نفسها أشبه بضوضاء. أما في الموسيقى، فإن ترابط الأصوات الموسيقية أو تشكيلها الجمالي يكون كافيا وحده لخلق مقطوعة موسيقية. ويكفي شاهدا على هذا أن نتأمل حالة الأغنية: فمن المؤكد أننا كثيرا ما نعجب ونستمتع جماليا بأغنية أجنبية ما قد لا نفهم بدقة بعض معاني كلماتها وقد لا نفهمها على الاطلاق، فما الذي يثير متعتنا الجمالية في هذه الحالة ؟ لا شيء آخر سوى تداعي الأصوات الموسيقية داخل إطار أو بناء موسيقي، حتى إننا يمكن أن نستمتع بموسيقى الأغنية حينما يعاد إنتاجها خالصة ومجردة ماز خلال الآلات الموسيقية وحدها. وكل هذا يعني من جديد أن الصوت في الموسيقى يكون كافيا وحده لابداع التعبير الموسيقي دون حاجة لآية مصاحبات أخرى، وتلك قضية سوف نعاودها ؤ سياق آخر من بحثنا هذا حينما نتناول قضية التعبير الجمالي في الموسيقى.

وفضلا عن ذلك، فإن الصوت الموسيقي - من حيث هو مادة للموسيقى - يتميز هو نفسه بطابع فريد،، إذ لا يكون مستمدا هن أي شيء في الطبيعة أو وقائع العالم الخارجي. وبهذا تنفرد الموسيقى عن سائر الفنون الأخرى بطابع استقلالي عن الطبيعة: فمادة التصوير على سبيل المثال - وهي الألوان - مستمدة من الطبيعة، والمصور لا يستقي ألوانه من الطبيعة فحسب، بل إنه هو نفسه يتعلم منها أيضا في مارسته لفنه، حينما يدرس ويتأمل ملمس الأشياء، وماعز صلابتها وعمقها وظلالها وضوئها. وفن المعمار- وكذلك فن النحت - يستمد أحجاره ومواده ذات الكتلة والحجم من الطبيعة. والشاعر أو الأديب على وجه العموم يستخدم كلمات مستمدة من لغة وقاموس شعب ما، وحتى فن الرقص الذي يعد من أكثر الفنون تجريدية ويصنف عادة ضمن ما يسمى بالفنون اللاتمثيلية nonrepresentative arts الفنون التي لا تصور موضوعات في العالم الخارجي) باعتباره تنظيما فنيا بنصب على الحركة، كما هو الحال في تصنيف اتين سوريو للفنون الجميلة، حتى هذا الفن عادة ما يستمد عادته - وهي الحركة - من الطبيعية او الواقع الخارجي وكما هو معروف أن كثيرا من الرقصات الفنية تستوحي حركاتها أو "تيمة" الحركة السائدة فيها من الايقاعات الحركية التلقائية التي يؤديها الناس البسطاء في ممارستهم لحرفهم اليومية (كرقصة البمبوطية في مصر)، بل ومن الحركات الراقصة لبعض الحيوانات والطيور (كرقصة الحمامة في السودان). أما الصوت الموسيقي فلا يستمد إلا من الآلات الموسيقية المصنوعة لأغراض انتاج الصوت الموسيقي نفسه. حقا اننا يمكن أن نحد مقارنات - مثلما فعل القدماء من فلاسفة وعلماء الحضارة الاسلامية وغيرهم - بين الأصوات الصادرة عن بعض الآلات الموسيقية والأصوات البشرية، بحيث يحق لنا أن ننسب جمالا موسيقيا الى الصوت البشري أحيانا، وهي ظاهرة وقف داروين أمامها حائرا لأنها لا تخضع لمنطق الضرورة وقوانين التطور الطبيعي التي نادى بها، إذ كان يكفي أن يكون للانسان صوت غليظ فظ أو أجش ليعبر عن حاجات بدنه ومطالبا الأساسية، ومع ذلك فإن كل هذه الحقائق لا تعني أن المؤلف الموسيقي يستمد أصواته الموسيقية من الصوت البشري لا من الأصوات الموسيقية: فمن المعلوم أن الآلات الموسيقية قد أصبحت الآن على درجة عالية من التعقيد بحيث تصدر عنها أصوات شديدة التباين والتركيب على نحو يتجاوز تماما إمكانيات SI صوت بشري، وعلى نحو يحق لنا معه القول بأن الأصوات البشرية هي التي تحاول أن تحاكي الأصوات الصادرة عن الآلات الموسيقية. ويكفي شاهدا على ذلك أن الأصوات البشرية الغنائية الجميلة يتم صقلها وتدريبها وقياس مدى اتساع طبقاتها وامكانياتها التعبيرية على أصوات الآلات الموسيقية نفسها. ولو كانت الأصوات البشرية تشكل معينا يمكن أن يستمد منه المؤلف موسيقاه، لما كانت هناك حاجة الى اختراع الآلات الموسيقية ومحاولة تطويرها دائما.

ومن ناحية أخرى، قد يقال إن الطبيعة تحفل بأصوات أخرى جميلة تبعث البهجة والمتعة في نفوسنا: كهمسات النسيم التي تداعب أوراق الأشجار أو خرير الماء في جداول الأنهار. وقد تتخذ هذه الأصوات طابعا موسيقيا أو نغميا كما في غناء بعض الطيور. غير أن هذا القول غافل عن أن هذه الاصوات لا تشكل موسيقى و لا هي حتى تمثل مادة قابلة للتشكيل الموسيقي كعمل فني. لأنها لا تنتظم أو تترابط في تشكيل معين بحيث تقدم لنا صورة كلية معبرة وفضلا عن ذلك فانها تتألف من نغمات محدودة للغاية تتكرر على نحو رتيب بحيث لا تصلح كمادة موسيقية، ولا شك أن هذه الأصوات وان لم تكن نتاجا لوعي إبداعي بمفهومنا الانساني للابداع الفني، فإنها نتاج لابداع إلهي قصدي أراد من خلال هذه النغمات البسيطة المتكررة حث وتنبيه حسنا الجمالي الى تقدير قيمة الصوت الموسيقي والاستمتاع به جماليا. وذلك فإن غاية ما يمكننا قوله هنا هو أن هذه الأصوات الجميلة في الطبيعة قد ولدت في الانسان حسا موسيقيا أوليا، تماما مثلما استقى من الطبيعة حسا جماليا أوليا، ولكن في حين أن المصور أو النحات أو المعماري قد وجد في الطبيعة مواد يمكن أن يستخدمها في تعبيرا الجمالي، لم يجد الموسيقار شيئا يستعين به سوى حسه الموسيقي الأولي، وكان عليه أن يبتدع بنفسه أدواته التعبيرية الخاصة.

وعلى هذا الأساس يمكن أن نفهم علاقة الايقاع الموسيقي بالطبيعة العضوية واللاعضوية. إذ يقال - وتلك مقولة شائعة - أن هناك صلة وثيقة بين الايقاع الموسيقي والنظام الذي تسير عليه حركة الجسم وحركة الطبيعة: فللجسم حركات إيقاعية سريعة كالتنفس بما فيه من شهيق وزفير، وحركات بطينة نسبيا، كتعاقب الجوع والشبع، والنوم واليقظة. وفي الطبيعة إيتاع ثنائي يتعاقب فيه الليل والنهار، وايقاع رباعي تتعاقب فيه فصول السنة. ومن هنا قال كثير من الباحثين بأن للموسيقى أصلا عضويا أو طبيعيا، ما دامت الحركة الطبيعية فيها ترديدا لحركات مناظرة لها داخل الجسم الانساني أو في الطبيعة الخارجية م مما أدى الى تكويان ما يسمى بالحاسة الايقاعية لدى الانسان (6)، إن كل ما يعنيه هذا بالنسبة لنا هو أن الحس الايقاعي الأولي لدى الانسان له أصول طبيعية، ولكن لا ينبغي أن فستنتج من هذا أن الإيقاع الموسيقي يستمد من ايقاع الطبيعة أو يكون ترديدا له، وإنما هو لفة فنية ابتكرها الانسان للتعبير عن احساسه بالايقاعات الباطنة لانفعالاته وعواطفه ومشاعره بوجه عام، وبهذا المعنى فإن الموسيقى لا تردد إيقاع الطبيعة، بل الاصح أن نقول إنها هي نفسها تعلمنا كيف نعبر عن حسنا الايقاعي ونتأمله. والنظر في ظاهرة الايقاع الحركي كتعبير فني موسيقي لدى الانسان يقدم لنا شاهدا على ذلك، فلقد تعلم الانسان هذا الايقاع الحركي الراقص استجابة الايقاعات الموسيقى لا العكس، فالرقص والايقاع الحركي الفني غير متصور أصلا بدون الموسيقى، وكأن الانسان يتعلم من خلال الايقاع الموسيقى نفسه كيف يعبر حركيا عن ايقاعات انفعالاته ومشاعره الباطنية، إن الانسان البدائي قد تعلم الاستجابة الايقاعية لا من الطبيعة، بل من دقات الطبول التي جاءت لتنظم حسه الايقاعي الأولي الذي أخذ يزداد تعقيدا على مر الأيام مع تعقد الايقاع الموسيقي نفسه.

ولا ينبغي أن يظن ظان أن تنظيرنا هنا يتناقض مع مسألة تأثر فن الموسيقى وتطوره بالظروف البيئية والحضارية، فتلك مسألة أخرى تعكس حقيقة لا شك في صدقها. فلا شك أن فن الموسيقى - شأنه شأن أي فن آخر - يتأثر من حيث بنائه ومدى تعقده وتطوره بالظروف البيئية والحضارية التي ينشأ فيها. ويعكس مدى ما هنالك من تفرع بيئي وتركيب أو تعقيد بنائي حضاري، وهو ما عالجناه بشيء من التفصيل في دراسة سابقة (7). ولهذا يمكن القول بأن الموسيقى الايقاعية - أعني تلك التي يسودها الايقاع كعنصر منفرد - هي موسيقي مازالت في طور البدائية ولا تعكس بالتالي تطورا حضاريا ما، وهذا ما يفسر لنا الطابع الايقاعي الساذج في موسيقى بعض القبائل الافريقية، في حين أن هذا الطابع يزداد تعقيدا ويتزاوج مع اللحن في أشكال ما من الموسيقى الشرقية ولكن دون أن تبلغ هذه الموسيقى تطورا كاملا، لافتقادها الى عناصر أخرى أكثر تعقيدا في البناء الموسيقي كالهارموني على سبيل المثال، غير أن هذه المسألة - كما أسلفنا - لا تتناقض مع مسألة استقلال الموسيقى عن الطبيعة. ومفاد القول في هاتين المسألتين اللتين قد تختلطان على بعض العقول: إن الطبيعة تمد الانسان بالحس الايقاعي الأولي وبما أسميناه بوجه عام بالحس الجمالي الأولي الذي يعكس مشاعره وانفعالاته إزاء الطبيعة والعالم بأشيائه، غير أن نضج هذا الحس وتطوره يرجع الى مدى ما يبتكره ويطوره من أدوات يتعامل من خلالها مع عالمه ومن بين هذا الأدوات الآلات الموسيقية بصوتياتها التي يبتكرها الانسان ويطورها، وهو أمر يعكس بلا شك تطوره الحضاري بالمعنى الواسع.

ومع هذا كله، فإن دراستنا للصوت الموسيقي كمادة للموسيقى أساسية وفريدة، مازالت بعد ناقصة، فالصوت الموسيقي - كما نوهنا من قبل - لا يخلق بذاته موسيقى إلا حينما ننظر اليه باعتباره لغة تشكيلية أو تشكيلا لغويا، أعني باعتباره سياقا زمانيا تتآلف فيه عناصر الصوت الموسيقي في صورة كلية معبرة. فلنحاول أولا أن نفهم معنى الصوت الموسيقي كسياق زماني، كي نفهم بعد ذلك كيف تتألف عناصر هذا الصوت في صورة كلية معبرة.

إن المقصود بالصوت الموسيقي من حيث هو سياق زماني أنه صوت يتتابع في الزمان ليبلغ هدفا ما، فالصوت الموسيقي يتجه أو يتحرك في الزمان ليوحي بحدث أو فعل ما، كما هو الحال في ضربات الايقاع المتوالية على آلة ايقاعية أو في نغمات اللحن المتتابعة. ولهذا فإن من الأساتذة المتخصصين في الموسيقى من يعرف الموسيقى من حيث عادتها الصوتية على النحو التالي: "الموسيقى تصنع من صوت يتحرك في الزمان متجها نحو نقاط وصول معينة" (8). وهذا التعريف إذن يقدم لنا الأساس الموضوعي اللازم لتحقق الموسيقى من حيث هي بنية زمانية: فهناك أولا: الصوت الموسيقي نفسه , musical sound وهو صوت له كيفياته أو خصائصه من قبيل: مستوى الصوت من حيث الارتفاع أو التوسط أو الانخفاض في الطبقات الموسيقية pitches ومدى حدة الصوت loudness، أي من حيث قوته أو نعومته. ولون الصوت ونوعيته quality من حيث إشراقته أو قتامته، خصوبته وامتلائه أو قلة كثافته، وهي خصائص لكل منها تأثيرها الوجداني والمزاجي الخاص. والصوت الموسيقي يلزمه الحركة الموسيقية musical movement التي تتعلق بدرجة السرعة في النقلة الموسيقية بين النغمات: فالحركات الموسيقية قد تكون سريعة أو بطيئة، وقد تتراوح بين السرعة والبطء، ولكنها في كل الحالات تتميز بالانتظام والتواصل، ويلزم حركة الصوت الموسيقي أن تبلغ نقاط وصول معينة points of arrival وهذه تشبه علامات الترقيم في اللغة، كالفاصلة والفاصلة المنقوطة والنقطة، فعندما نستمع الى الموسيقى - تماما مثلما نستمع الى خطاب - فإننا نتوقع وقفة ما أو تأثيرا ما نتيجة الوصول لنقطة معينة عندما تكتمل جملة ما جزئيا أو كليا (9).

والتحليل السالف للبنية الزمانية للصوت الموسيقي، وان كان يقدم لنا أساسا موضوعيا للموسيقى بما هي موسيقى، أعني لإمكانية قيام أي عمل موسيقي، فإنه في نفس الوقت يمثل أساسا يرتكز عليه البعد الجمالي المحسوس للعسل الموسيقي، أعني البعد الجمال في جانب من جوانبه الحسية المتعلقة بتشكيل مادة العمل، وهي الصوت الموسيقي، والحقيقة ان خاصيتي الحركة ونهايتها - وهما خاصيتان مرتبطتان ارتباطا وثيقا - تشكلان ماهية الصوت الموسيقي من حيث هو سياق زماني له تعبيره الجمالي الخاص. حقا إن الصوت الموسيقي بذاته له تعبيره أو طابعه الجمالي الخاص به، وهو يوحي منذ هدايته بالحالة الوجدانية أو المزاجية التي تسوده، ولكن هذا التعبير والايحاء لا يفهم ويكتمل معناه إلا عندما يتأسس ويتداعى هذا الصوت في سياق حركي ليبلغ نهاية ما. والمتعة الموسيقية تكمن في بعض منها في هذا التوقع للنغمة في السياق الحركي الموسيقي، ولنهاية هذا الحركة. لنتخذ أمثلة على ذلك، قد تكون النغمة أو النغمات الموسيقية الأولى في عمل ما موحية بالخفة والرشاقة، ولكن هذا الانطباع لا يتأسس إلا من خلال حركة موسيقية ملائمة، أعني حركة راقصة فيها قدر معين من السرعة. وهذا الترابط والتجانس بين الصوت والموسيقى وتعبيرا الحركي يشبه ذلك الترابط والتجانس الذي نجدد بين موضوع المشهد السينمائي وايقاع لقطاته داخل السياق الزماني للفيلم. كذلك فإن خاصية نهايات حركة الجمل الموسيقية داخل السياق الزماني الصوتي للعمل الموسيقي، يمكن فهمها عندما نناظرها بنهايات المشاهد واللقطات السينمائية التي تحدث داخل السياق الزماني المرئي للفيلم، فاللقطات السينمائية قد تطول أو تقصر بحسب طبيعة موضوعها الجزئي وبحسب طبيعة موضوع المشهد الكلي الذر تنتمي اليه، فامتداد اللقطة لا يتوقف فحسب على ما يسبقها من لقطات في المشهد السينمائي، وانما أيضا على خصوصية موضوعها. فاللقطة القصيرة - على سبيل المثال - تصلح لابتسامة اللهو، واللقطة متوسطة الطول تلائم وجها غير مكترث، أما اللقطة التي تستغرق فترة طويلة نسبيا فتلائم تعبيرا محزنا، ولكن اللقطة طالت أم قصرت لابد أن تبلغ نهايتها عند لحظة مختارة بعناية. ولذلك يقول لينهارت R. Leenhardt أحد علماء جماليات السينما: "عندما