|
كثيرا
ما شغلني هذا
السؤال
الخاص
بالتأثير
المتبادل
بين الشعر
والفلسفة،
ولذا فسؤالي/أسئلتي
هي: ما
التأثير
الذي يمكن أن
يحدثه كل
منهما في
الآخر؟ ما
الذي يمكن أن
يفيده كل
منهما من
الآخر؟ والى
أي مدى يذهب
كل منهما في
اتجاه فقيض
للآخر؟ -
ريكور: الأمر
الأول الذي
أود التأكيد
عليه هنا هو
أن الشعر
يناط به
حيازة أبعاد
اللغة
والحفاظ على
عمقها
واتساعها
ورحابتها
ذلك أن الخطر
الأول
المحدق
بثقافتنا
الحالية
يكمن في قصر
اللغة على
التواصل في
أدنى
مستوياته أو
مجرد تعيين
الأشياء
والأشخاص.
وهنا تصبح
اللغة
أداتية فقط،
هذه النظرة
الأداتية
للغة هي أخطر
ما يمكن أن
يواجه
ثقافتنا،
ذلك أن
النموذج
الوحيد للغة
الذي نملكه
الآن هو لغة
العلم
والتكنولوجيا. واليوم
تنشغل
الفلسفة في
أحد
اتجاهاتها
بهذا النوع
من
الاستخدام
اللغوي،
وأحسب أن
احدى المهام
التي يجب على
الفلسفة أن
تشغل نفسها
بها هي
الحفاظ على
الاستخدامات
المتباينة
للغة،
والمسافة
القائمة بين
هذه
الأستخدامات
التي تتراوح
في تنوعها
بين لغة
العلم مرورا
باللغة
السياسية
واللغة
العلمية،
واللغة
العادية
انتهاء بلغة
الشعر، هذا
على اعتبار
أن اللغة
العادية ordinary
language تتوسط
لغة الشعر من
جهة واللغة
العلمية من
جهة أخرى. *
إن اللغة
العادية هنا
تتسم بقدر من
الابداع على
النقيض من
اللغة
العلمية
التي تعد
أحادية
الصوت، ولعل
الشعر أيضا
أكثر ثراء
فيما يتعلق
بخاصية
الابداع
اللغوي تلك. -
ريكور: نعم،
نعم. إن كل
أشكال اللغة
تعتمد بشكل
أساسي على
هذا الخاصية
المميزة
للغات
الطبيعية،
واتحدث هنا
عن اللغات
الطبيعية في
مقابل
اللغات
الاصطناعية
التي يتم
بناؤها
للاستخدام
الخاص في
مجالات
الحاسوب
والسيبرنطيقا،
أي تلك
اللغات التي
قد توطنت في
الثقافة
ويتم
استخدامها
والتحدث بها
وسط
التجمعات
البشرية.
ملمح أساسي
من ملامح تلك
اللغة هو
تعدد
الدلالة polysemy
أي أن
الكلمة
الواحدة
يقابلها
أكثر من
معنى، أي أنه
العلاقة بين
الكلمة
والمعنى
ليست علاقة
أحادية، وهو
ما يعد مصدرا
لسوء الفهم،
ولكنه في
الوقت ذاته
يشكل مصدرا
لاثراء
اللغة، ذلك
أنه يتسنى
للمرء في هذه
الحالة أن
يتلاعب بمدى
كامل من
المعاني
المرتبط
بكلمة واحدة. ويمكن
القول أن
اللغة
العلمية
تسعي الى
اختزال هذا
التعددية في
الدلالة
بقدر
الامكان، أي
تحويل هذه
التعددية
الصوتية الى
أحادية
صوتية،
بمعنى أن
يقابل
الكلمة
الواحدة
دلالة واحدة.
وعلى النقيض
من ذلك فإن
مهمة الشعر
هي شحذ
الكلمات
لانتاج أكبر
قدر من
الدلالات،
ومن ثم
فالشعر لا
يسعى الى
تجاهل هذه
التعددية
الصوتية أو
استبعادها،
إنما يسعى
بالأحرى الى
الاحتفاء
بها وإبراز
دلالتها
وشحذ طاقتها
وذلك بغية أن
يستعيد للغة
كل قدرتها
وطاقتها على
الادلال. *
هل يسبغ ذلك
على الشعر
صفة التعود
والمقاومة ؟ -
ريكور:
بالتأكيد،
وذلك على
اعتبار أن
قصر اللغة
على هذا
الاستعمال
النفعي
والوظيفي
يستدعي
مقاومة
شديدة، وهي
التي يضطلع
بها الشعر
بهذا المعنى..
وأحسب أن
نيتشة هو
الذي أشار
الى خطورة
هذا
الاختزال
الذي يسود
الاستخدام
اللغوي، بل
ويسود
الكلام
العادي حيث
تختزل اللغة
في كلمات
معدودة،
وتجرد من
شذاها
الشعري الذي
تفوح به
الكلمات. وواقع
الأمر أن
اختزال
اللغة في
أداء وظيفة
واحدة،
وأداء معنى
واحد يبدأ من
مستوى اللغة
العادية،
ولكنه
يتزايد ليصل
الى أعلى
درجة له عند
مستوى اللغة
العلمية،
وهذا يقودنا
بالضرورة
الى الاجابة
عن تساؤلك
ذلك أن الشعر
متعود على
هذا
الاستخدام
النفعي
للغة، والذي
يسيء
التعامل مع
إمكاناتها
وطاقاتها. *
هل تعتقد أن
الناس يخشون
الشعر أو
يقاومونه
لما يختص به
من تمرد؟ -
ريكور: نعم
إنهم
يقاومون
لأسباب
مختلفة:
بعضها جيد
وبعضها
الآخر سيىء،
أما السيىء
منها فيتركز
في أنهم لا
يعرف ماهية
الاستخدام
الشعري
للغة، والذي
يبدو لهم
مجرد
استخدام
للغة في حد
ذاته.. ولكن
يلاحظ أن
الشعر
الحديث أصبح
صعبا للغاية
ومرجع ذلك
أنه أصبح
لزاما عليه
مناهضة كافة
أشكال تسطيح
اللغة، ومن
ثم الحفر في
اللغة حتى
أعماق سحيقة
بغرض
تجديدها. لذا
فإن الشعر
الحديث كان
لابد أن يكون
صعبا على نحو
جزئي، وذلك
أن التزامه
في الغالب هو
إعادة تخليق
التراكيب
اللغوية، بل
وإعادة
تخليق
الكلمات
أحيانا،
وذلك لاعادة
الكلمات الى
أصولها
الدلالية
الأولى أو
لخلق سلسلة
من الدلالات
التخيلية. وهذا
الذي يفعله
الشعر يساعد
الفيلسوف،
ذلك أن
الفلسفة
فضلا عن.اهتمامها
بصياغة خطاب
حول اللغة
العلمية إلا
أنها تهتم
أيضا بالكشف
عن أغوار
اللغة،
والتوسل بها
للتعبير عن
العلاقة بين
الانسان
والعالم،
والانسان
وذاته،
والانسان
والآخر.. لذا
فالفيلسوف
أيضا في حاجة
الى كلمات
اللغة. وهنا
أستعير ما
قاله هايدجر
إذ ذكر أن
العلاقات
السابقة
تفتقر الى
الكلمات
التي يمكن أن
تعبر عنها،
إن الشاعر هو
المنوط به
إنقاذ كلمات
اللغة بل
وتوسيع تخوم
دلالاتها
وبهذا
المعنى فإن
الفيلسوف
يتكيء على
قدرة الشعر
على زيادة
وتكثير طاقة
المعنى التي
تنطوي عليها
لغتنا. *
ولكنك ألمحت
الى أن الناس
قد يكونون
محقين في
مقاومتهم
للشعر. -
ريكور:
يمكنني أن
أتفهم
الأسباب
التي يتكئون
عليها، ذلك
أن القراءة -
في تصوري - هي
عقد ليس
بمقدور
القاريء
تغييره الى
عقد جديد،
فإذا كانت
الكلمات،
والتراكيب،
ونسق الفكر
بعيدا عن
متناول
القاريء
فإنه في هذه
الحالة يصاب
بالاحباط
ويقصر عن
العبور الى
المعنى الذي
يريده
المؤلف، ولا
يتمخض
الموقف
التواصلي في
هذا الحالة
إلا عن سوء
فهم يسأل عنه
طرفا
التواصل. *
الموقف هنا -
كما صورته –
هو موقف بائس
لكلا
الطرفين،
ذلك أن
الشاعر في
مناهضته
لتلك اللغة
أحادية
الصوت عليه
أن يحفر في
توبتها ويصل
الى أغوارها
بشكل أكبر،
وفي الوقت
ذاته - وأمام
هذه
المحاولات
من جانب
الشاعر-
يزداد
القاريء
إحساسا
بالاحباط. -
ريكور: إن
إحباط
القاريء هنا
مرجعه عدم
قدرته على
زيادة طاقات
لغته، فإن
جاز لنا أن
نقول إن لغة
القاريء قد
تقلصت فإنه
في هذه
الحالة لا
يستطيع أن
يمتد بلغته
ليصل الى تلك
النقطة التي
وصلت اليها
لغة الشاعر،
والفكرة هنا
تشبه صورة
شخصين يحاول
كل منهما أن
يمد يده
ليصافح يد
الآخر ولكنه
لا يستطيع. *
هل تذهب
في كلامك الى
ان الكاتب
والقاريء
سيفترقان في
نهاية
المطاف
وينتهجان
دربين
مختلفين
خصوصا فيما
يتعلق
بالشعراء
وما الذي
يمكن أن
يستعيدا
لعلاقة
بينهما على
نحو مختلف،
وذلك إذا ما
أخذنا في
اعتبارنا ما
ذكرته عن
ضرورة وجود
الشعر لما
يضطلع به من
إثراء
لتعددية
الدلالة
واللغة ككل ؟ -
ريكور: لعل
الشعر في حد
ذاته ينطوي
في داخله على
شكل من أشكال
الصراع
المرتبط
بمحاولة
توصيل
التعبير
المناسب وهو
ما يكون
بالضرورة
على حساب
التجربة
الانسانية
المطمورة
تحت ركام
الحياة
العادية.
وعلى جانب
آخر نجد
محاولات
أخرى من جانب
الشاعر
للكشف عن
التجربة /
التجارب
الانسانية
التي تطمسها
تلك اللغة
العملية
النفعية. وهكذا
أوعز الشعر
اليوم
مشدودا بين
حاجتين
أساسيتين،
فهو من ناحية
يسعى الى
إعادة تخليق
صيغ تعبيرية
تجسد تجارب
انسانية
تمثل جوهر
الحياة
الانسانية
وذلك من قبيل
الحياة
والموت،
الإحساس
بالذنب،
والحب وما
الى ذلك. ولكن
من جهة أخرى
فإنه حالما
يبدأ الشعر
بإحداث
قطيعة بين
اللغة
والأشياء
تصبح اللغة
وحدها هي
موضوعه،،
وهكذا يجد
الشعر نفسه -
كما أسلفت -
مشدودا بين
هاتين
الحاجتين
الأساسيتين:
استعادة
تجربة
انسانية
مفقودة
ومطمورة تحت
ركام الحياة
العادية، أو
السعي نحو
الكشف عن
إمكانيات
أخرق للغة لا
علاقة لها
بالتجربة
الانسانية،
وهنا تصبح
مهمة
القاريء
شديدة الوطء
لأنه يجد
نفسه مضطرا
ليس فقط
لمقاومة
محدودية
لغته
وتقلصها
وإنما يضطر
أيضا الى
مقاومة
قناعته
الخاصة بأن
وظيفة اللغة
هي استدعاء
واستحضار كل
ما هو مشترك
بين الشاعر
والقاريء. *
أحسب أن كل
ما كتبته وما
عبرت عنه
لتوك ينطوي
على أهمية
كبيرة
بالنسبة
للقضية التي
نحن بصددها،
ولا أعتقد أن
أيا من
الاتجاهين
اللذين ينزع
اليهما
الشعر- حسب
وصفك - يمكن
الجزم بصحته
أو خطئه،
ولكني أرى أن
أيا من هذين
الاتجاهين
يمكن
التأكيد
عليه بشكل
أكبر من
الاتجاه
الآخر، وذلك
في وقت معين. -
ريكور: بعيدا
عن القول
بصحة أي من
هذين
الاتجاهين
وخطأ الأخر،
أود القول
بأن هذا
الاستقطاب
بينهما هو
الذي يشكل
الشعر.، فمن
ناحية على
الشعر أن
يستنطق
مستويات
التجربة
الانسانية
التي تعرضت
للنقد، ومن
ناحية أخرق
عليه تحرير
اللغة من
علاقتها
بالأشياء
والواقع،
وهو ما يؤدي
بدوره الى
زيادة
الفجوة بين
العلم
والأشياء،
وهكذا يجد
الشعر نفسه
مشدودا بين
اتجاهين. *
لعل ذلك يشكل
جدلا ضروريا. -
ريكور: نعم،
إذا قلنا على
سبيل المثال
أن الشعر
الرومانسي
في القرن
التاسع عشر
أعطى
الأولوية
لمسألة
التعبير عن
المشاعر
الانسانية،
ولا أقصد هنا
مجرد
المشاعر
العادية،
ولكن تلك
المشاعر
المرهفة
والخاصة
التي تتجسد
فقط من خلال
إعادة تخليق
اللغة
باعتبارها
شعرا. ولكنك
بعد ذلك أي
في نهاية
القرن
التاسع عشر،
وبعد
مالارميه
تجد نوعا من
التجريب في
اللغة مع
الاهمال
التام
للتجربة
الانسانية،
أي أن اللغة
هنا تصب هدفا
في حد ذاتها،
والمسؤولية
هنا تقع حتما
على عاتق
الشاعر الذي
يسعى الى
اعتاق اللغة
وتحريرها من
أغلال
الأشياء
والواقع،
إلا أن ما
يمنع للشعر
كينونته -
حسب ظني - هو
الحفاظ على
هذا الجدل
القائم بين
الوظيفة
التعبيرية
للغة،
والوظيفة
التجريبية
لها. *
هل يمكن
للفلسفة ؤ
هذا الاطار
أن تجور على
الشعر- ربما
على نحو مؤذ
للشعر ذاته؟ وهنا
أشير الى
البنيوية
التي وان
كانت تفتقر
الى كاهل
سطوتها في
هذه اللحظة
فإن حضورها
قائم ذلك
انني أظن أن
البنيوية قد
أثرت على
تصور الكتاب
عن أنفسهم.
إذ تدفعهم
الى التركيز
على أحد طرفي
العلاقة
الجدلية
التي تتحدث
عنها، أي
التركيز على
السمات غير
الاحالية non-referential
أو
السمات التي
تقوم على
الاحالة
الذاتية self-referential
على حساب
السمات
الاحالية. -
ريكور: نعم،
نعم. هذا
المشكلة
علينا النظر
فيها، عندما
يقول بعض
النقاد إن
اللغة في
الشعر ليست
إحالية في ان
نظرتهم لما
هو إحالي وما
هو غير إحالي
قد تكون ضيقة
للغاية،
فالاحالي -
كما قد
يتصورون -
يرتبط
بالأشياء
الحياتية،
أو بكل ما هو
متعلق
بالتفكير
العلمي. ويترتب
على هذا
الزعم تعزيز
مفهوم خاطيء
مفاده أن
الواقع هو
فقط ما يمكن
ملامسته،
ولكن إذا
حدسنا بأن
هناك مستوى
آخر للواقع
لا يمكن إلا
للشعر فقط أن
يصله ويعبر
عنه، عندما
تصبح مسألة
تعطيل
الاحالة suspension
of referentiality خطوة
أولى واجبة
نتمكن من
خلالها من
قطع الصلة
بيننا وبين
الأشياء
العادية حتى
نتمكن -
والفضل هنا
يرجع الى
فكرة تحرير
اللغة - من
إعادة توجيه
الاحالة referentiality
والدفع بها
في اتجاه
أشكال أخرى
للتجربة
أكثر عمقا
وتجذرا. *
ينطبق ذلك
على الراوي،
فالراوي
عندما يقص
قصته يحقق
هذه
المعادلة
الصغيرة
التي تصبح
قصته بموجها
حقيقية وغير
حقيقية في
الوقت ذاته.
إن الكيفية
الخاصة التي
يعمل من
خلالها
الشعر
والأدب على
تعطيل مسألة
الاحالة لا
تعني انتقاء
الاحالة. -
يكور: نعم
أنت محق في
طرح مسألة
الحكي، ولا
أدري إن كنت
ستتفق معي أم
لا فيما
سأقوله،
إنني لا أنظر
الى الشعر
فقط
باعتباره
صيغا لغوية
موزونة
ومقفاة، و
لكني انظر
اليه من خلال
إطار أشمل
باعتباره
قصا غنائيا،
ومن ناحية
أخرى أيضا
فإن التخييل
السرادي هو
شعر في حد
ذاته بمعنى
أن الحبكة
الخاصة بأية
حكاية ليست
إلا ابداعا
لخيال خلاق
يطرح عالما
خاصا به،
فالقصص -
بهذا المعنى
- لا تقل
شاعرية عن
الكتابة
المنظومة. *
حسنا - لقد
بدأ عدد من
الشعراء
المعاصرين
يستشعرون أن
عنصر السرد
قد ضاع على
مدار العشر
أو العشرين
سنة
الأخيرة،
وأنا أعلم أن
الكثيرين من
هؤلاء بدأوا
يسعون نحو
استعادة هذا
العنصر
للشعر
المعاصر،
فقد أصبحت
هناك حالة من
حالات الضجر
إزاء النبرة
الغنائية
الصرفة. ولكني
مهتم بمصطلح
استخدمته
أنت الآن في
حديثك عن
القصة، الا
وهو مصطلح
العالم world،
والذي يعد
على درجة
كبيرة من
الأهمية في
كتاباتك،
فأنت عندما
تقول إن
العمل الفني
يطرح عالما projects
a world فإنك
تتفادى
التصور
الرومانسي
المتعلق
بالتواصل intersubjectiveوعندما
تقول أن
العمل الفني
أو القصيدة
تطرح عالما،
فأنت لا تعني
"العالم"
بالمعنى
الكوزمولوجي
وإنما
الانطولوجي. -
ريكور: نعم،
فانا استخدم
كلمة العالم
بالمعنيين
القادر
والفلسفي.
فعلى سبيل
المثال
عندما نقول
في الفرنسية
إن طفلا ولد
نقول il
vient au monde أي "أتى
الى العالم". كذلك
فإننا نتحدث
عن عالم
اليونان،
وعالم
الرومان،
وهنا فإننا
نتحدث عن افق
الاحتمالات
والامكانات
التي تشكل
بيت ما يعيش
فيها اناس
معينون..
ويمكن
السكني
فيها،
ويعجبني جدا
ذلك المفهوم
الذي طرحه
هايدجر
والذي يربط
فيه بين هذا
المصطلحات
الثلاثة:
البناء constructingوالسكني
dwelling،
والتفكير thinking
فالعالم –
بهذا المعنى
- هو حيث نسكن.
أيضا فان
مفهوم
العالم
ينطوي على
مفهوم الأفق horizon
أي ذلك
الشيء الذي
كلما
اقتربنا منه
ظل بعيدا عن
حوزتنا، ومن
ثم تبقى
طاقته دائما
عصية على
الاستنفاذ،
فكل تجربة
يطرحها لنا
هذا العالم
تنطوي على
شيء ما هناك،
ولكن هذا
الشيء يبقى
مجرد إمكان potential
وكل
الامكانات
التي تنطوي
عليها
تجاربنا
تشكل ما يسمى
بالعالم. *
إذن فالعمل
الفني يعد
مخايلا
بمعنى أنه
يطرح عالما
لا تدخل
آفاته حيز
التحديد. هل
هذا هو ما
تعنيه؟ -
ريكور: نعم..
واحسب أن
الفيلسوف
الألماني قد
عبر عن ذلك
أفضل تعبير
عندما قال
إننا لا
نحاول فقط
فهم ما تحويه
القصيدة،
وإنما نحاول
أيضا
الامساك
بهذا العالم
الذي تنتمي
إليه، أو
الذي تطرحه،
كما أنه
يتحدث أيضا
عن النقطة
التي تتداخل
عندها
الآفاق. *
أنت تتحدث عن
جادامر؟
-
ريكور: نعم
الاشارة هنا
الى جادامر
الذي أشار
الى أن أفقين
قد يتداخلان
عن حدود
تجربتنا. *
أنت تشير
الآن الى أفق
المؤلف
والقاريء. -
ريكور: إننا
نحمل
بداخلنا
عالما، كما
أننا نسكن
عالما
وبالامكان
أن يحدث هناك
نوع من
التراكب superimposition
بين حدود
هذين
العالمين. *
أليس هناك
إشكال ما
فيما يتعلق
بمسألة
تداخل
الآفاق؟
فلنأخذ
مثالا
لقاريء
هاديء يحب
شعر ريلكة،
إن هذا
القاريء يلج
الى عالم
ريلكه
ويسكنه،
ويختبره
كنوع من
اللعب play،
ولكن هذا
اللعب ينتهي
على أعتاب
العمل
الفني،
أعتقد أنه
توجد مشكلة
هنا، فالأمر
يتطلب حسن
النية،
ولكنك لا
تشير الى ذلك
بشكل محدد. -
ريكور: حسن
النية من
جانب من؟ *
من جانب
القاريء
بكلمات أخرى
أين ينتهي
هذا اللعب؟
قد ينتهي هذا
اللعب عندما
تخرج من عالم
العمل
الفني، ومن
ثم فهو لا
يؤثر فيك.
وهذا بدوره
يستدعي
مسألة
الكيفية
التي يؤثر
بها عالم
العمل الفني
في عالمك. -
ريكور: إن
هذا العالم
يؤثر في طاقة
استيعابنا
بحيث نرى
أشياء
تفوتنا
رؤيتها في
حياتنا
العادية
يقول بروست
في الزمن
المستعاد إن
القاري يقرأ
نفسه لكتاب
ما، لذا
فإنني – في
واقع الحال –
أقرأ نفسي في
ضوء العمل
الفني. يرتبط
ذلك بقناعتي
الشخصية بأن
"الأنا" ego
الخاصة بي
ليست "أنا"
مكتملة، ومن
ثم فإن ما
أدعوه ذاتي self،
ليس في
الحقيقة سوى
تلميذ في
مدرسة
الأعمال
الفنية
والأدبية
التي قرأتها
وأحببتها
وتمثلتها
ولذا فإن
الذات تمثل
نوعا من
الرصيد أو
الكنز الذي
يحوي كل هذه
التجارب. لا
توجد "أنا"
سالفة
التجهيز قبل
عملية
القراءة إن
فعل القراءة
يخلق "أنا"
جديدة. وأحسب
أنني قلت في
إحدى
كتاباتي
إنني عندما
أقرأ فإنني
أخلع الأنا
التي أحوزها
لأتلقي عوضا
عنها ذاتا
جديدة من
خلال فعل
القراءة. *
يبدو لي أن
تصوراتك عن
القراءة
والشعر
ترتبط
ارتباطا
وثيقا
بتصوراتك
الدينية،
ولذلك عندما
نتحدث عن
القوة
الرؤيوية
التي يحوزها
نص ما وذلك
في اللحظة
التي يتكشف
فيها عن
الممكن. الا
يرتبط ذلك
بشكل وثيق
بمفهومك عن
الأخرويات eschatology
الذي
يحمله
المستقبل ؟ -
ريكور: أود
هنا أن أعلق
على ملاحظتك
الأولى فيما
يتعلق بكون
لغتي تتوسل
باللغة
الدينية،
فأنا أنظر
الى اللغة
الدينية
باعتبارها
نوعا من
اللغة
الشعرية،
ولذلك فأنا
لا استلهم
اللغة
الدينية،
وإنما
استلهم ما هو
شعري فيها أي
تلك الطاقة
القادرة على
خلق حياة
جديدة،
واستكناه
جوانب
وامكانات في
الواقع. ويمكنك
أن تسمي ذلك
بالأخرويات،
إن كنت تقصد "أفق
عالم آخر"،
أو الوعد
بحياة
جديدة، ولعل
ذلك يكمن على
نحو ما في
العلاقة بين
اللغة
الشعرية
واللغة
العادية،
فالشعر يعيد
الكشف عن
إمكانات
اللغة حيث إن
هذه اللغة قد
تقلصت
وظيفتها
التي أصبحت
نفعية في
الأساس في
علاقتها
بالواقع
الآني. *
هل تعتقد أنه
من الضروري
أو المجدي أن
نفرق بين
الشعر
والخبرة
الدينية ؟
وأنا أعلم
أنك معجب بـ "ريلكة"
- هل هناك
ضرورة
للممايزة
بين شاعر
عظيم مثل
ريلكة
والخبرة
الدينية
بهذا
المعنى؟ ذلك
لأنك كثيرا
ما تستخدم
لغة هايدجر
وتتحدث عن
الكلمة
باعتبارها
منحة أو هبة،
وهو ما يوحي
ببعد ديني
قوي. -
ريكور: نعم،
ولكنني
أتحدث عن
الدين هنا
بالمعنى غير
المذهبي.
ولابد من
القول هنا إن
ما يميز بين
الشعر
والخبرة
الدينية أن
الشعر يفتح
آفاقا أرى من
خلالها
العالم،
وذلك
انطلاقا من
فكرة اللعب play.
بمعنى أنني
غير ملتزم،
فليس علي سوى
أن أطلق
العنان
لخيالي. أما
الخبرة
الدينية -
بكافة
أشكالها
المذهبية -
فهي تنطوي
على عناصر
ثلاثة على
الأقل
تتنافى مع
روح الشعر،
وأول هذه
العناصر
الالتزام commitment،
وثانيهما
الانتماء
الى جماعة
معينة، أما
ثالثها فهو
محاولة ربط
هذا
الالتزام
وذلك
الانتماء
بموقف
اجتماعي
وأخلاقي
وسياسي معين. أما
الشعر فهو
ليس إلا play
ذلك أنني
كقاريء
للشعر لا
أتحمل عبء
اتخاذ قرار
ما يسمى في
التقليد
المسيحي
بالتحول أو
الهداية conversion.
فالشعر ليس
مطالبا بفعل
ذلك، وإن كان
هناك تحول
يحدث من مدى
فقير ومجدب
للغة الى مدى
آخر ثري وخصب
مع عدم اتخاذ
أي قرار أو
موقف. ومن ثم
فإن عنصر
الالتزام
الذي نجده في
الخبرة
الدينية
يختلف عن
اللعب
الخالص pure
Play في
الخيال الذي
نجده في
الشعر. وهنا
أجد نفسي
ملزما
بالابقاء
على العلاقة
القوية بين
الشعر
والخبرة
الدينية من
ناحية، كما
أجد نفسي
ملزما
بإبراز
الاختلاف
البين
بينهما من
ناحية أخرى،
وذلك أنني لا
أود أن أجعل
كل شيء شعريا
في الدين،
كما لا أود
أن أجعل كل
شيء دينيا في
الشعر- فأنا
أرغب في
الابقاء على
الجدل
بينهما. وهذا
مثال أخر على
الرحابة
التي تتسم
بها اللغة في
استخداماتها
المختلفة،
فاللغة
الدينية تعد
لغة شعرية من
جانب ولا تعد
كذلك من جانب
أخر، وذلك
بالمعنى
الذي يعد به
الحكي story-telling
شعرا
غنائيا ولا
يعد كذلك في
الوقت ذاته،
وهو ذات
المعنى الذي
يجعل اللغة
العادية لغة
شعرية ولا
يجعلها كذلك
في الوقت
ذاته. وهنا
نجد أن
استخدامات
اللغة
تتداخل
وتتغالق وفي
الوقت ذاته
تتباين بشكل
حاد. وهنا
تبرز إحدى
وظائف ما
أسميه
بفلسفة
التأويل
التي لابد
وأن تكون
واعية
بالاستقطاب
الحاد بين
الاستخدامات
اللغوية،
وفي الوقت
ذاته
التداخلات
الحادثة بين
هذه
الاستخدامات. *
أود أن أسألك
أيما عن
كتابك الذي
يحمل عنوان "شعرية
الإرادة" The
poetic of the will هل
لهذا الكتاب
علاقة ما
بالشعر، أما
أنك تستخدم
الكلمة هنا
على نحو
مجازي؟ -
ريكور: لا
هذا ولا ذاك،
إن ما أفكر
فيه هو
استخدام
أرسطو لكلمة poetics
في كتابه
الشهير،
وذلك
الاستخدام
يعود بنا الى
المعنى
اليوناني “poesis”
وهو إعادة
الخلق re-creation
وهذا يعود
بنا الى ما
ذكرته عن أن
مفهوم إعادة
الخلق poesis
أكثر رحابة
من مفهوم
الشعر poetry
بمعنى
النظم، ولعل
هذا ما جعلني
أدرج القص
ضمن أشكال
الشعرية poetics،
فالقص يشحذ
طاقة خيالنا
المنتج، ذلك
الخيال الذي
يعمل طبقا
لقواعد
معينة،
ولكنه في
الوقت ذاته
خيال خلاق،
إنه يخلق
القواعد
ويقوضها في
ذات الوقت. ومن
ثم يمكن
القول إنه
يوجد شيء
مشترك بين
كافة أشكال
الشعرية
بدءا من فنون
السرد حتى
الشعر
الغنائي. *
في كتابك
الذي يحمل
عنوان
الهرمنيوطيقا
والعلوم
الانسانية Hermeneutics
and the human sciences تتحدث
عن التاريخ
أيضا
باعتباره
نصا ابداعيا
- فهل تحدثنا
عن ذلك ؟ -
ريكور: نعم،
هناك بعض
الفلاسفة
الذين
يميلون الى
النظر الى
التاريخ
باعتباره
شكلا من
أشكال
الشعرية،
ومنهم على
سبيل المثال
هايدن وايت Hayden
White أكن
إعجابا
كبيرا
لأعماله. إن
الكيفية
التي يسوغ
بها المؤرخ
حبكة أحداث
الماضي لا
تقل ابداعا
عن صياغة
الكاتب
المسرحي
لحبكة
مسرحيته. إن
كلا منهما
يحاول أن
يخلق دلالة
من خلال
الأحداث
المتعددة
التي يحاول
الجمع بينها
وفي كل
واحدة،
ومحاولة فهم
الأحداث
والجمع
بينها هو
عماد فعل
التشكيل configuration
لذا
فإن فعل
التشكيل ذلك
له خاصية
الخيال
الخلاق سواء
تم ذلك في
القص أو
كتابة
التاريخ. *
إذن فأنت
تسبغ على
العلوم
الانسانية
جميعها
خاصية
الخيال
الخلاق. - ريكور: في مطلع هذا القرن كانت هناك بديهية ما سلمت بوجود فجوة كبيرة بين ما يسمى بالعلوم الطبيعية أو تلك العلوم التي تخضع للحقائق وتستخلص القوانين من هذا الحقائق وبين العلوم الانسانية أو Geisteswissenschaften حسب تسمية الألمان، والفجوة هنا قائمة بين الحقائق والقوانين كما نجدها في العلوم الطبيعية والعلامات والتأويلات كما نجدها في العلوم الانسانية. ويرى الآن فلاسفة نظرية المعرفة epistemologists أن هذه القسمة هي محض وهم اختلقه الأدباء الذين لا يع |