|
ما
بلغنا من
ديوان
الحداثة
العربية ؟
أللشعر
الحديث "
ديوان" فعلا
؟ وما نعرفه
من مجموعات
وقصائد
شعرية حديثة
أيمثل فعلا،
هذا الشعر في
مواده
المختلفة ؟
يمكننا أن
نعدد
الأمثلة،
ذلك أن هذا
الباب من
أبواب
مساءلة
الحداثة
يكاد أن يكون
منغلقا على
مسائله، بل
متكوما
عليها دون
تبين أو
مراجعة. هذا
يصح في "وقائع"
هذا الشعر،
أي قصائده،
في الأحوال
التي وصل بها
إلينا، حيث
إننا نفتقر
إلى دراسات
وتحقيقات
نقدية فحصت
ما وصلنا
منه،
والكيفيات
التي وصلنا
بها، مثلما
فعل النقاد
العرب فيما
مضى في نقدهم
للروايات
التي وصل بها
الشعر
القديم
إليهم، أو
النقاد
المحدثون في
أوروبا ممن
صاغوا أسس
دراسة "علم
المسودات
الأدبية" أو
"تكوين
النصوص". وما
يعنينا من
طرح القضية
يتعدى
عمليات
التحقق
النقدي،
ويشمل طرح
المسألة
الأدبية،
والنص
الشعري
خصوصا، من
زاوية النظر
اليه على أنه
نص قابل
للدرس في
لحظات
اشتغاله، ما
يبدل النظر
الى «نهائية»
النص الشعري
ويضعه في
منظور جديد،
منظور «النص
الأمثل»،
ويفتح سبيلا
جديدا، في
الدراسة
اللسانية
للأدب عموما.
وتشتمل
مقاربتنا
هذه على تحقق
نقدي من
أحوال نصية
واقعة في
تكوين عدد من
قصائد بدر
شاكر السياب
وأدونيس،
وخلصنا من
التحقق
المزدوج الى
وجود
استهدافين
مشتركين
يقعان وراء
الحذف
والتعديل:
تحسين النص
وتصحيح
السيرة
الشخصية. قد
يكون مالك «دار
العودة» هو
صاحب فكرة
طبع "الأعمال
الكاملة"
للشعراء
العرب
المعاصرين،
التقليديين
والحديثين
إلا أن
الشعراء
المشمولين
بهذا
التكريس ما
لبثوا أن
اتبعوا هذا
التقليد
الناشيء،
ونقلوه معهم
الى دور
أخرى، مثلما
سارع غيرهم
الى تقليد
خطوتهم،
وعلى نفقتهم
الخاصة
أحيانا،
وهذا
التقليد
ناشيء، لا
يمكن نسبته
الى التقليد
العربي
القديم، أي
جمع قصائد
الشاعر في «ديوان»
والطبع يخص
شعراء
أحياء، وفي «عز»
عطائهم
الشعري، مثل
أدونيس، عند
طبع أعماله
لأول مرة، أو
محمود درويش
بعده (1). ولا
يمكن نسبته
بالمقابل
الى
التقاليد
الدارجة في
البلدان
الغربية. ففي
فرنسا الأمر
مختلف، إذا
طلبنا
المقارنة.
فقد يقدم
شاعر على طبع
عدد من
أعماله
مجموعة في
كتاب واحد
يؤرخ لمرحلة
شعرية أو
لعدد من
دواوينه،
إلا إننا لن
نجد في غالب
الأحيان
شاعرا، أو
دار نشر،
تقدم على طبع
"الأعمال (او
«الأثار»)
الكاملة"
لشاعر قبل
وفاته بل
بعدما بعدة
عقود في غالب
الأحيان. ذلك
أن دور النشر
تنتظر، قبل
الإقدام على
ذلك حكم...
الزمن،
بالإضافة
الى حكم
النقد. فمن
يتأكد
تكريسه
الأدبي تضم
كتبه في عمل
جامع،
تتوافر له
أحسن شروط
الطبع،
وأفضل ظروف
الدرس
والتقديم
النقديين.
ودور النشر
تعوض الشاعر
الغائب على
طول انتظاره
(وتبرمه
ربما، أليس
كذلك ؟) فلا
تقرر نشر
أعماله
الكاملة
وحسب، بل
تكلف أيضا
ناقدا أو
أكثر من كبير
دارسيه
لتحقيق هذا
العمل. هكذا
ينتظر
الغائبون في
جنة الخلد
طويلا قبل أن
تتملى
عيونهم من
رؤية
أعمالهم
مطبوعة على
الورق
الشفاف في
سلسلة «لابلياد»،
أو "كتب
الخالدين"،
التي تصدرها
دار "غاليمار"
المرموقة.
كما ينتظر
النقاد
بدورهم
طويلا قبل
الاطلاع على
هذا العمل
المحقق،
الذي يجيب
عادة على
مشكلات
عديدة، ما
توصل النقد
الى تبينها،
أو الى الفصل
بها، في حياة
الشاعر.
فالأعمال
الكاملة
تعين في هذه
الحالة
تحقيقا
نقديا لها،
يقوم به
جامعها
عائدا الى
نتاج الشاعر
طبعا، في
طبعاته
المختلفة،
وفي عدد من
الأحوال الى
مسودات
اشعاره، إذا
ما توافرت. كيف
لا، وعدد من
الفرنسيين
يعمدون، منذ
قرنين
ويزيد، الى
حفظ «الرسائل»
التي تصلهم
مثل احتفاظ
ايزابيل،
أخت رامبو،
برسائل
أخيها من
الحبشة (وغيرها
ايضا)، ما
مكننا من
قراءة "مراسلات"
أخيها في
آثاره
الكاملة. كيف
لا،
والشعراء هم
بدورهم،
يعمدون الى
الاحتفاظ
بمسودات
أعمالهم،
فيعمل
النقاد
عليها
لاحقا،
ويتبينون
القصيدة على
انها «ممارسة
منتجة لمعنى»،
كما تقول
جوليا
كريستيفا،
اي قابلة
للتحولات
السياغية
المختلفة
دون أن تكون
لها وجهة
لازمة
ومبرمة، ومن
المعروف ان
عددا من
الكتاب في
فرنسا يوصون
مكتبة ما، او
جهة ما، او «مركز
حفظ الوثائق»
منذ سنوات
معدودة
بجمع، بل
بملكية
مسودات
أعمالهم،
مثلما فعل
الفيلسوف
لوي
ألتوسير،
قبل فجيعة
موته
المعروفة.
هذا التقليد
يستند واقعا
الى تبادلات
مجتمع "كتابي"
(بالمقارنة
مع المجتمع
الشفوي)،
تديره
الدولة
وتشترطه
كذلك، بما
تطلبه في
ادائها من
معاملات
وتوثيقات،
للمكتوب
فيها قوة
الاثبات
والتحقق.
فكيف إذا
صاحبت
التقليد
البيروقراطي
هذا سلوكات
أخرى تمحض
المقتنى،
أيا كان،
قيمة
تبادلية ما. وما
يعنينا في
هذه المسألة
يتصل بعملية
التحقيق
النقدي،
التي تستند
الى هذه
الممارسات
الاجتماعية،
وتستفيد
منها في آن.
وما تجب
الاشارة
اليه هو ان
الأدباء، في
اعداد واسعة
منهم،
يقبلون على
الاحتفاظ
بمسودات
اعمالهم
ومراسلاتهم
بل
يرتبونها،
على ما نعرف،
بانتظار
عيون
المحققين.
ومم في ذلك
يميزون بين
الاسم
العائلي،
إذا جاز
القول،
والاسم
الأدبي،
فيحتفظون
بالمواد
التي تخص
الكاتب، أو
القسم
الكتابي من
حياتهم، على
حدة كما لو
أنها لا
تخصهم، ولا
يحق لهم
التصرف بها،
بل هي ملك
الحكم
النقدي
المؤجل. وهم
في ذلك لا
يتأخرون عن
حفظ "رسائل"
فاضحة
لحياتهم
الخاصة، مثل
رسائل
فيكتور هوجو
الى عشيقته
جان، أو
مربكة
لهم في شؤون
مختلفة من
الحياة. وقد
يعمد بعضهم
الى منع نشر
هذه الرسائل
إلا بعد مضي
عدة عقود من
الزمن، لكي
تنعدم تماما
الملابسات
والحيثيات
المحيطة بها
وباشخاصها،
فلا يبقى إلا
الاهتمام
النقدي
الصرف بها،
فمن دون «الرسائل»
والحفاظ
عليها، ما
كان لنا أن
نقرأ «رسالة
الرائي»
التي كتبها
رامبو في 15
أيار (مايو)
من سنة 1871،
والتي لم
يعرف
بوجودها،
ولم تنشر إلا
في العام 1912،
وغيرها
الكثير في
العام 1929 ومن
دون رسالة
أخرى له، ما
كان لنا أن
نعرف الشيء
الكثير عن
علاقته
الصاخبة
بالشاعر
فرلين، ومن
دون اقدام
ماتيلد
فرلين على
حرق عشرين
رسالة من
رامبو الى
زوجها لكنا
عرفنا
الأكثر أيضا
(2). ما
يعنينا هو
الانتباه
الى حصول
النقاد على
مواد ثمينة
في عدد من
الأحوال
تضيء او تصحح
الكثير مما
علق في
اذهاننا، أو
مما درج
الكلام عنه،
أو
مما طبع
من أعمال
أدبية، ما
يستدعي
مراجعة
وتدقيقا
للطبعات
السابقة،
وتصويبا
للمعارف
المحصلة
منها
وللحسابات
النقدية
المبنية
عليها، حتى
اننا نعلم
اليوم بوجود
طرق
اكاديمية
خاصة بدراسة
هذه
الأعمال،
وبانصراف
عدد من
اللسانيين
الى دراسة "علم
المسودات
الأدبية"،
أو "علم ما
قبل النص" (3)،
كما يسميه
جان بيلمين -
نوويل (Jean
Bellemin -Noel). 1-
دراسة
المسودات
الأدبية
يقوم
بيلمين -
نوويل في
كتابه هذا
بدراسة
مسودات
مختلفة لعمل
أدبي واحد،
هو «العجلة»
للشاعر
أوسكار -
فلاديسلاس
دي لوبيش -
ميلوش (Milosz)
وتبلغ
خمسا وسبعين
صفحة مرقمة
في صورة
تتابعية.
وصولا الى
خمسة وستين
بيتا، هي
مجموع أبيات
القصيدة في
صيغتها
المثبتة في
اعمال
الشاعر
المطبوعة.
وعمل بيلمين
- نوويل
يندرج في
اعمال
تحقيقية
عديدة
سبقته،
وتوقفت امام
«مخلفات»
أبقاها
الكتاب عن
أعمالهم
المنتهية،وحفلت
بمعلومات
ثمينة «أضاءت»
أعمالهم
فعلا، مثل
الكشوفات
التي أصابت
أعمال
فلوبير،
وخصوصا
رواية «مدام
بوفاري»،أو
مطولة «البارك
الشابة»
لبول فاليري
أو فيكتور
هوجو وغيرهم.
وما بادر
بيلمين -
نوويل الى
القيام به،
او ما توفق
في العثور
عليه، يعد
مادة ثمينة
للمحقق
اللساني،
ذلك أنه عثر
على مسودات
هذه القصيدة
منذ "أجزاء"
أبياتها
الأولى حتى
صيغتها
الأخيرة في
أوراق مرقمة
ومتتابعة
ومرتبة من
الشاعر: كما
لو أنه جهز
سلفا للمحقق
«اوراق
الملف» كلها!
هكذا يتاح
لنا تتبع
القصيدة مثل
مشروع قيد
التحقق، لا
كإنجاز تام
ومكتمل أي
أننا نرى
الكتابة في
أحوالها
المختلفة،
في تعثراتها
وتردداتها
وتوصلاتها. هذا
ما سعت إليه
أيضا دراسات
مجموعة في
كتاب، «تكوين
النص:
النماذج
اللسانيه» (4)،
وعالجت
مسودات
أدبية عديدة
شعرية
ونثرية في
الكتابة
الفرنسية
والألمانية،
من مارسيل
بروست الى
لوتريا مون
مرورا
بالشاعر هـ.
هاينيه H.
Heine))،
وتوقفت فيها
أمام مظاهر
مختلفة من
التحققات
اللسانية.
وما يعنينا
من هذا الفهم
النقدي
الجديد، ومن
هذه
المعالجات
المبتكرة
للشعر (وغيره)
كـ «صنيع»،
إذا جاز
القول، هو
الانتباه
الى حقيقة
النقلة التي
تنجزها
الدراسات
اللسانية،
إذ تنتقل من
دراسة اللغة
(عموما، أو
في النصوص
الأدبية) كـ«أفعال
منتهية
قابلة
للمعاينة»
الى دراسة
اللغة كـ«عمليات
جارية»، إذا
جاز القول،
اي أن
الدراسات
تبين لنا
النص في
أحواله
الكتابية
المختلفة،
في تغيراته
كما في
تحققاته
المختلفة،
على انها
عمليات
تنصيصية
واقعة بين
مقاصد
واستهدافات
للقول (واعية
وغير واعية
مدبرة
وعفوية في آن)،
وبين
مراجعات
وتنقيحات
وتبديلات
لاحقة
وجارية على
عمليات
التحقق هذه. هكذا
تتحدث
الدارسة
جوزيت راي -
دوبوف (Josette
Rey -Debove) ، في
دراسة لها عن
عمليات
الحذف
والشطب
والتنقيح
التي تصيب
عددا من
مسودات
مارسيل
بروست (5)، وما
تجمله في
مصطلح «النص
الأمثل» (optimal).
فما هو؟ تشير
الباحثة الى
أن غالب
الدراسات
التي تناولت
«أدبية»
النصوص توقف
خصوصا عند
النصوص «المنتهية»
لاغيا تماما
أو
لم يعبأ
بدور منتج
النص الأدبي
وبسعيه
لانتاج "نص
أمثل". والنص
هذا لا يصدر
في حسابها عن
نشاطية
عفوية،
وانما عن
بحث، عن عمل "ترميزي"
كما نتحقق من
ذلك فيما
يطلبه إعداد
نص دعائي أو
قانوني من
جهد قد يتعدى
الأسابيع
والشهور،
وهو جهد
يتحقق في
عمليات
عديدة
تستدعي
وتتطلب محوا
وإعادة
كتابة
وتبديلا
وتعديلا
وتنقيحا
وزيادات
وغيرها.
وتهدف
العمليات
هذه الى
انجاز «نوعية»
ما مطلوبة أو
متوخاة من
النص، ما
يدعو
الباحثة الى
تسميته بـ«النص
الأمثل»(6)، اي
النص الذي
ينتهي
الكاتب الى «اعتماده»
الى «اقتراحه»
للطبع (وهو
ما توفره،
إذا جاز
القول،
العبارة
اللاتينية:
nevarietur) النص
غير القابل
للتغيير.
ونخلص من
المعالجة
هذه الى تبين
وجود حدين،
إذا جاز
القول: حد
يعين النص في
إمكان قبوله
الدنيا، أي
في أية جملة
منتجة لمعنى
ما، أي
الجملة «المقبولة»
للدرس من قبل
اللساني (وهو
ما توفره
المواد
المختلفة في
المسودات،
من جمل أو من
نصوص غير "نهائية")
وحد يعين
النص في
تحققه "الأمثل"
والمبتغى،
على أن بين
الحدين
عمليات
تنصيصية
عديدة، هي
محل اشتغال
دارس
المسودات
الأدبية. إذا
كانت هذه
البحوث «التكوينية»
جديدة
وناشئة
للغاية في
بلورتها
المفهومية
وعملها
الاجرائي،
فإن النقاد
ما انقطعوا،
قديما في "شرح"
القصائد
العربية،
وحديثا في
أوروبا، عن
التدقيق في
صنيع
الشعراء،
والتحقق غير
النقدي من
أعمالهم،
فالعثور على
عدد من نصوص
رامبو
الشعرية
الأولى غير
المطبوعة في
أعماله، هي
التي أبانت
لنا بداياته
المتعثرة،
بل انصرافه
أحيانا الى
ما يشبه "انتحال"
الشعر، مثل
تقليد ألفرد
دي موسيه أو
فيكتور
هوجو، نحيل
كثيرا الى
رامبو في هذه
الدراسة،
ذلك أن نتاج «الشاعر
الملعون»
يكاد يكون
مجموعا من
محلات
متفرقة، من
معارفه
وأصدقائه في
المقام
الأول، لا من
طابعه.
والعودة الى
غير طبعة
محققة من
اعماله
الكاملة (في «غاليمار»،
وغارنييه»)
تظهر لنا
التحقيق
النقدي الذي
يصاحب كل
مجموعة
شعرية أشبه
بتحقيق
بوليسي.
فالعثور على
المسودات
والرسائل
اكتنفته
دوما مصاعب
عديدة، نظرا
لحياة
الشاعر
المتقلبة
نفسيا
ومكانيا،
إلا أن
أعدادا من
معارفه
كانوا
حافظين
للتقليد
الكتابي
ولمقتضياته (أي
عدم التصرف،
ولا اتلاف
المواد)،
ومحترمين له. كما
أعتدنا، عند
قراءة الكتب
العربية "المحققة"،
على رؤية
هامش في اسفل
الصفحات،
محفوظ لجمل
والفاظ
يثبتها
المحقق على
أنها تحل محل
أخرى في هذه
النسخة او
تلك من النسخ
التي عول
عليها في
عمله، ما
يكشف عن عمل
تحقيقي
أكيد، هذا ما
نتبينه أيضا
في "الشرح"
الشعري
العربية،
التي تحفل
عادة
بمعلومات عن
رواة، تفيد
عن مناسبة
قول هذه
القصيدة،
وتشرح أو
تحيط بما غمض
من معانيها
وإحالاتها.
كما نتحقق في
بعض كتب
النقد
القديم من
اشتغال
الشعراء
وطلبهم
لنصوص "مثل"
عند امريء
القيس وأبي
نواس على
سبيل
المثال،
ويجعل ابن
رشيق من «تفقد»
الشعر شرطا
لجودته، «ولا
يكون الشاعر
حاذقا مجودا
حتى يتفقد
شعره، ويعيد
فيه نظره،
فيسقط
رديئه،
ويثبت جيده،
ويكون سمحا
بالركيك
منه، مطرحا
له، راغبا
عنه» (7). وهو ما
عرفناه عن
عدد من
الشعراء،
مثل مروان بن
سليمان بن
يحيى بن ابي
حفص (103- 182هـ)،
الذي كان
يسأل يونس بن
حبيب أن
ينتقد شعره
ويهذبه، أو
جرير الذي
كان يأتي
برواته
وينقح ويحذف
ويعدل
أشعاره
المعروفة،
كما نعرف أن
الأصمعي
أطلق على
زهير
والخطيئة
تسمية "عبيد
الشعر"،
لأنهم كانوا
ينقحونه. هذا
الحرص
التحقيقي
الذي ننعم به
في الكتب
التراثية -
وباتت له
طريقته
العلمية، أي
التعويل على
طرق مثبتة في
التعامل مع
النسخ
وتقديرها،
أو في التحقق
من الاسناد
في الرواية –
لا ننعم به
في كتبنا
الحديثة،
ومنها
الأدبية فلا
التقليد
موجود، ولا
النقاد
منصرفون الى
مثل هذه
الأعمال،
فيما لو
توافرت
موادها. وهذا
يصح في
الأدباء
المترفين،
قبل الأحياء.
فما بلغنا عن
أديب عربي
أنه عهد
بمسوداته
الى هذه
الجهة، أو
الى ذلك
الشخص. ولا
نشهد
بالمقابل
احتفاظ
أعداد من
متلقي
الرسائل
بالرسائل
التي تلقوها
من هذا
الأديب أو
ذاك بدليل ان
أحدا، فيما
خلا حالات
محدودة، لم
يقدم على نشر
رسائل هذا او
ذاك او عن
معرفة هذا
وذاك
بوجودها
الصحفي
العراقي
ماجد
السامرائي
أقدم على نشر
"رسائل
السياب"، في
العام 1975، من
دون أن
يبلغنا منذ
ذلك الوقت
خبر صدور
أعمال
مماثلة، إلا
الضجة التي
أثيرت عن
رسائل غسان
كنفاني التي
وجهها الى
الأديبة
غادة السمان
ونشرتها في
كتاب، وعن
مراسلات
خليل حاوي
وديزي
الأمير أو ما
قام به
الكاتب رياض
نجيب الريس،
في العام 1996،
حين عمد الى
نشر رسائل
موجهة اليه
من أدباه
معروفين. الا
يكتب الأديب
العربي
رسائل ؟ الا
يجمعها
متلقوها
أبدا؟ الا
يهتم بأمرها
الناشرون؟ ولو
فتحنا الكتب
الفرنسية
الأدبية
المحققة
لوجدنا في
أسفل كل صفحة
مقترحات
أخرى لألفاظ
أو عبارات من
القصيدة
التي نقرأها
في القسم
العلوي من
الصفحة،
وتعود هذه
المواد أو
ترسم أحوال
النص، أي
تردداته
واختياراته.
فهنا حذف أو
تعديل، أو
زيادة، أو
قلب لبيت أو
أكثر من مكان
الى آخر في
القصيدة
نفسها.
والهوامش
هذه أو
التوضيحات،
تمكننا من
دخول
القصيدة
مثلما ندخل
الى مشغل، أو
الى "ورشة
عمل" نرى
فيها المواد
والآلات
مبعثرة،
كيفما اتفق،
أو في صور
تتجه أكثر
فأكثر الى
التأكد
والوضوح. المواد
العربية
تكاد تكون
معدومة في
هذا المجال
أيعود ذلك
الى سلوكات
أدبية لا
تزال تربط
الكتابة، لا
بنظرية «الالهام»
وحسب، وانما
أيضا
بتقاليد «الصناع»
في بلادنا
وغيرها،
التي تمنع
تفشي أسرار
المهنة ؟
أيعود ذلك
الى فكرة عن
الأدب تقوم
على ايصال
صورة عنه،
تامة
وكاملة، ولا
يشوبها أي
كرث، ولا أي
خدش ؟ لم
نقرأ
محاولات
نقدية تظهر
لنا شغل
النقاد أو
عثورهم على
مواد مماثلة
تتيح لهم
اجراء مثل
هذه
القراءات
المركبة،
التي تتيح
الدخول الى «صنعة»
القصيدة، بل
الى تاريخها
التحولي
والتكويني،
على أنه
تاريخ يبدد
صفة الكمال
أو النهائية
التي تحيط
بالنص. ذلك
ان قراءة
المسودات أو
الطبعات،
الأدبية
المختلفة
تساعدنا لا
على تأريخ
مدقق للنص
يربطه بما
يحيط به في
زمانه من «ظروف
حوارية»
وحسب، وانما
أيضا على
التعرف على
أحوال النص
في إبلاغه،
وعلى تغيرات
المقاصد
فيه، بما
تتضمنه هذه
المواد أو
المدونات من
حذف وتعديل
واضافة
وتبديلات
وغيرها. وهو
ما يبلغ عند
بعض
الدارسين
حدودا
تحليلية
دقيقة
وحاذقة،
وطريفة في
بعض
الأحيان،
مثل اقدام
أحدهم على
دراسة
تغيرات
الكتابة في
المسودات و"الخربشات"
وما تمثلها
من ضغوطات
والحاحات
نفسية، وسمي
غيره مثل
الدارس جان
بيتار Jean
Peytard)) في
دراسة
لافتة، توقف
فيها أمام
علامات
التنقيط و
ثلاث طبعات
من شعر
لوتريامون (8). 2:
"تقلبات"
السياب وانتاج
النص ناتج
عمليتين
واقعا: صدفة
وحسب ("إلهام"،
لقى موفقة، "فيض"...)
وعمل حرفي
متقطع ومتصل
وعلينا أن
نقول إن
مباشرته قد
تخضع في غالب
الأحوال الى
مخطط الى
فكرة أولية،.
الى هاجس،
الى صورة
بدئية، أو
الى غير ذلك
من الأحوال
التي قد تكون
مبهمة
للغاية أو
على درجات من
التبلور،
لكن هذا
النص، في
حاصله، في
ناتجه، ليس
وليد "سابقة"
أبدا. إذ
يخضع لعمل
كتابي قد
يبدله رأسا
على عقب، وقد
يعدله، ما
يجعلنا نفصل
بين "سابق"
النص وناتجه
فما نقول عن
السياب،
مثالنا
الأول في هذه
الدراسة ؟ قلما
انتبه
النقاد
العرب
المعاصرون
الى هذه
المسائل
بخلاف ما كان
عليه الأمر
في النقد
القديم،
ولاسيما في
مساعي "شرح"
الشعر، على
محدوديتها
في التحقق من
المسار
التنصيصي
الذي تعرفه
القصيدة بين
وضعها
وخروجها الى
الناس. ولقد
افادتنا
الدراسات
اللسانية
المذكورة
أعلاه
وغيرها، إلا
أننا تحققنا
من أنها
تفترق في
موادها عن
المواد التي
نسعى الى
دراستها (فيما
خلا دراسة
بيتار
المذكورة،
التي تدرس
أحوالا
طباعية
مختلفة
للنصوص
ذاتها، إلا
أن الفائدة
المنهجية من
هذه الدراسة
لا توافق
مواد
دراستنا):
فهي تدرس
المسودات
المختلفة
السابقة على
«ثبوت» النص،
فيما لا نقع –
في المواد
التي ندرسها
للسياب
وأدونيس –
إلا على
مدونات
منقحة، تامة
الشكل، وان
جرى تعديلها
لاحقا.
والباحثة
دوبوف تعرض
لحالتين في
دراسة
المسودات.
أديب يصحح
نفسه، ولا
يلبث ان يبقى
لنا أوراقا
مختلفة تظهر
لنا عمله
المتمادي
على وضع نصه
في أحواله
المختلفة،
أو
أديب
يجري
تعديلات على
النص قبل
دفعه الى
الطبع، أي
العمل
الممهد
والمؤكد
لثبوته. هكذا
تعمل دوبوف
على دراسة
التصحيحات
التي يجريها
بروست على
كتاباته، ما
تسميه
بعمليات
التنقيح،
ويمكنها ذلك
من دراسة
الفكر
واللغة في
تجاذباتهما،
والصياغة
كعمليات
تنصيصية
مفتوحة. أما
المواد التي
تتوافر لنا
لدراستها،
عن السياب
وأدونيس،
فلا تنتسب،
كما المواد
الأجنبية
المذكورة،
الى ما يسمى
بـ«ما قبل
النص»، بل
الى النصوص
الثابتة،
فنحن لا ندرس
مسودات، بل
مدونات
ثابتة جرى
تعديلها،
وهو ما لا
يسهل مهمتنا
بالتالي،
وان يعدنا
بتجديدات
بحثية ممكنة
في هذا
السبيل
اللساني
الناشيء. 2-
أ: بين الوضع
والنشر إن
العودة الى
الكتب
الأولى التي
أعقبت وفاة
السياب (9)
تبين لنا
إقبال
النقاد
والمعارف
على اجراء
أعمال
تحقيقية،
طاولت خصوصا
جمع شتات
الشاعر
المتفرق بين
الأصدقاء
والرسائل والمجلات،
من مجموعات
وقصائد
ورسائل، وهو
ما اجتمع
شعرا، وفي
أكثره، في "المجلد
الثاني" من «ديوان»
السياب،
الصادر عن «دار
العودة» (10)،
كما جرى أيضا
جمع «الرسائل»
في كتاب أعده
ماجد
السامرائي (11).
فعدد من
مجموعات
السياب ما
عرف سبيله
الى النشر
إلا بعد وفاة
الشاعر،
وبفضل جهود
أقاربه (عائلة
السياب،
ومنها أخو
زوجته)
وأصدقائه (مثل
خالد الشواف
وغيره)
ونقاده (مثل
محمود
العبطة
وعيسى بلاطه
وماجد
السامرائي)
وناشره (ناجي
علوش وغيره)،
وهي
المجموعـات
التاليـة:«إقبال»
(1965)، «إقبـال
وشناشيل
ابنة الجلبي»
(1995)، "قيثارة
الريح" (1971)، «أعاصير»
(1972)، "الهدايا"
(1974) و "البواكير"
(1974). ولقد
قام حسن
توفيق، بعد
صدور
الأعمال
هذه، بتجميع
نصوص
مفقودة،
ورتبها وفق
تاريخ
كتابتها،
مدققا في بعض
المعلومات
التي وردت في
الكتب
السابقة
المذكورة (12)،
عدا أنه - وهو
ما يفيد
مرامنا في
المقام
الأول - ضمن
القصائد
المنشورة
نبذات تفيد
عن عمليات
الحذف
والتعديل
التي أصابت
القصائد
والمجموعات،
بين وضعها
ونشرها، في
صيفها
المختلفة،
بين طبعة
وأخرى وكان
بلاطة قد
أشار في
كتابه
المذكور الى
بعض هذه
العمليات (13)،
كما سعى
أحيانا الى
فهم وتعليل
هذه
التبديلات. اشتمل
كتاب توفيق
على نشر
مجموعة
بكاملها
وقصائد
امتنع
السياب عن
نشرها، بعد
صدورها في
طبعة أولى،
مثل عمله
الشعري "أزهار
ذابلة"
وقصائد
متفرقة له
منشورة في
المجلات
والدوريات
كما عمل أيضا
على اثنتي
عشرة قصيدة
من شعر
السياب أجرى
عليها
الشاعر عند
نشرها مرة
ثانية
تعديلات
وتنقيحات (وعمد
توفيق الى
نشر النصوص
الأصلية
والمعدلة
والمنقحة في
بعض
الأحوال،
تمكينا
للقاريء من
المقارنة)،
فما حقيقة
التعديلات
والتنقيحات
؟ لن
نقوم في هذا
القسم من
الدراسة، أي
الخاص
بالسياب سوى
باستغلال ما
وفره لنا
الباحث
توفيق في
مواد الكتاب
وغيره في
الكتب
المذكورة،
لكننا سندرج
المواد التي
يقترحها في
ترتيب نقدي
مخالف، خاص
بنا، ويناسب
دراستنا
بالذات،
والمواد هذه
كثيرة تبين
لنا عمليات
مختلفة
أجراها
السياب في
غير مرة في
حياته، وعلى
غير قسم من
نتاجه،
وأدت، أو طلب
منها تحسين
نصوصه، أو "الرفع"
من
إمكاناتها
في الأداء،
ويندرج في
هذه
العمليات ما
قام به
السياب من
اسقاط
للمجموعات
والقصائد،
بعد وضعها،
أو بعد نشرها
في مجلة أو
في مجموعة
وهي ثلاثة
أنواع: 2-أ-1:
شعر "ساقط"
بعد وضعه في
النوع الأول
يمتنع
الشاعر عن
نشر قصائد
سبق له أن
وضعها، وهي
القصائد
التي عثر
عليها
المحققون في
أوراق
الشاعر
الخاصة أو في
رسائله، من
دون أن تكون
مكتملة
بالضرورة،
وتعود الى
فترة مبكرة
من نشاطه
الشعري،
ويتضح فيها
اقباله على
النظم (14)،
وتأثره
بشعراء
بعينهم (الياس
أبو شبكة،
علي محمود طه)،
وبميله
البين الى
التناولات
الرومانسية.
من هذه
القصائد ما
أدرجه توفيق
في كتابه،
والسامرائي
في طبعة "الرسائل"
الجديدة،
ومنها ما
توصلنا الى
جمعه بدورنا
وندرجه في
الملحق، وهو
بعنوان «قصائد
مجهولة
للسياب». فلقد امتنع الشاعر عن نشر قصائد، نذكر بعضها: قصيدة «عادة الشوق» (وردت في رسالة الى صديقه خالد الشواف، في 26 مارس 1942) وهي قصيدة غزلية من أحد عشر بيتا، نظمية المبنى، ذات قافية موحدة وقصيدة «الخريف» (وردت في رسالة الى الصديق |