فيودور دوستويفسكي: ما له وما عليه
مذكرات زوجة الكاتب: آنا غريغور ريفنا دوستويفسكايا

الصـور المرافقة
الصور المرافقة

ترجمة واعداد: خيري الضامن
 (كاتب ومترجم من العراق يعيش في موسكو)


لم أفكر يوما في كتابة المذكرات، فأنا أفتقر الى الموهبة الأدبية. وكنت عمري مشغولة بإصدار مؤلفات الراحل زوجي، فلا وقت عندي لأمور أخرى. إلا أن صحتي تدهورت في عام 1910 فعهدت الى آخرين بمتابعة طبع مؤلفاته، وانزويت بعيدا عن العاصمة بطرسبورغ أعيش في وحدة مطبقة. وكان لابد أن أملأ فراغ أوقاتي، والا فلن يطول بي العمر.

أعدت قراءة يوميات زوجي ويومياتي فوجدت فيها تفاصيل هامة تستحق أن يطلع عليها الناس. ثم أمضيت خمس سنوات 1911 -1916 في إعداد هذه المذكرات (المخطوطة في 792 صفحة من القطع الكبير).

أنا لا أتعهد للقاريء أن يجد متعة في مذكراتي، لكني أؤكد على صدقيتها ووثائقيتها. وأعترف صراحة بأنها تعاني من هنات أدبية كثيرة، كالإسهاب وحوشي الكلام وعدم تناسق الفصول، وعذري، في صعوبة ما أقامت عليه، وأنا في السبعين، تحدوني رغبة صادقة في تزويد القراء بصورة واقعية عن فيودور مخيائيلوفيتش دوستويفسكي، ما له وما عليه، كما كان في حياته العائلية والشخصية (في أكثر مراحل ابداعه خصبا وعطاء 1866 - 1881).

1- نظرة كلها ألغاز

لكنيسة القديس ألكسندر نيفسكي في بطرسبورخ منزلة خاصة في نفسي. إذ ان مقبرتها تحنو على رفات المرحوم زوجي فيودور دوستويفسكي، واذا جاء أجلي فعسى أن ادفن جنبه.

ثم اني ولدت (في الثلاثين من آب 1846) في عيد القديس نيفسكي بشقتنا الفخمة ( 11 حجرة) المطلة على ساحة كنيسته. كان المنزل يعج بالضيوف يتفرجون مبتهجين، من الطابق الثاني، على موكب الصلبان ومراسم العيد في الساحة. وكانت أمي الجميلة للغاية، كما علمت بعد سنين، تقوم على خدمتهم فرحة مستبشرة. وفجأة جاءها المخاض. وبعد ساعة رأيت النور. استقبل الضيوف نبأ ميلادي بالتهليل وقرع الكؤوس، وتنبذوا لي بمستقبل باهر سعيد. فالقليلون من البشر يولدون في مناسبات سارة كهذه. وبالفعل ورغم الصعاب والآلام التي عانيتها فيما بعد، أعتبر نفسي سعيدة للغاية، ولا أرى حياة أفضل مما عشت.

أمضيت طفولتي مع أخي وأختي في حياة هادئة متمتعين بحنان أمنا السويدية الأصل وأبينا الروسي (الأوكراني المنشأ). وأنهيت الدراسة الابتدائية في مدرسة كل دروسها، ما عدا الدين، تلقي بالألمانية، وأفادتني هذه اللغة كثيرا حينما أمضيت مع زوجي عدة سنين في الخارج. التحقت بمعهد التربية لكني لم أكمل الدراسة فيه. وفي عام 1866 دخلت دورة الاختزال بإصرار من والدي الذي ربما كان عرافا يقرأ الغيب ويدري أني سألقى سعادتي بفضل هذه المهنة. فقد أبلغني أستاذي في الدورة أن الكاتب دوستويفسكي يبحث عن شخص يجيد الاختزال ليملي عليه روايته الجديدة "المقامر" بحوالي مائتي صفحة وبأجر قدره خمسون روبلا. ورشحني الأستاذ لهذه المهمة. خفق قلبي فرحا. كنت، شأن جميع فتيات الستينات، أنشد الاستقلال وأبحث عن عمل يجعلني أعتمد على نفسي، لاسيما وان تلك فرصة نادرة للتعرف على كاتب من أحب الكتاب الى والدي، وأنا شخصيا معجبة به للغاية، وكنت أبكي عندما أقرأ روايته "مذكرات من بيت الأموات".

تصورته شيخا بعمر والدي، عبوسا كئيبا كما يتصوره الكثيرون، وجئت الى الموعد المحدد. كان يقيم في شقة متواضعة بعمارة ضخمة يسكنها تجار وباعة وحرفيون. وذكرتني في الحال بالعمارة التي يقيم فيها راسكولنكوف بطل "الجريمة والعقاب". مكتبه واسع بنافذتين مضيئتين أيام الصحو، لكن جوه فيما عدا ذلك حالك ساكن يثقل على النفس. وعندما رأيته لأول مرة خيل الي أنه عجوز بالفعل، ولكن ما إن تحدث معي حتى تضاءلت سنه وبدا لي في الخامسة والثلاثين. كان متوسط البنية معتدل القامة، شعره كستنائي فاتح أقرب الى الأشقر، مدهون ومصفوف بأناقة. وجهه شاحب كوجوه المرضى. يرتدي سترة من الجوخ الأزرق تكاد تكون

بالية، إلا أن قميصه ناصع البياض بياقة منشأة ورد نين بارزين. ولكن ما أدهشني فيه هو عيناه، لا ختلافهما الواضح. احداهما بنية، وفي الأخرى بؤبؤ متسع يحتل فضاء العين ويأتي على معظم القزحية، مما يجعل نظراته لغزا من الألغاز. (في نوبة مبكرة من الصرع سقط دوستويفسكي وأدمى عينه اليمنى فوصف له الطبيب علاجا بالأتروبين أدى الافراط في استخدامه الى توسع البؤبؤ لهذا الحد).

2. عودة الروح

في أول لقاء عمل معه حدثني، وهو يدخن السيجارة تلو السيجارة، عن حكم الإعدام الذي صدر بحقه مع جماعة بتراشيفسكى بتهمة التآمر على النظام فى 22 كانون الأول 1849:

 - كنت واقفا فى الساحة أراقب بفزع ترتيبات الاعدام الذي كان سينفذ بعد خمس دقائق. كلنا في قمصان الموت موزعين على وجبات من ثلاثة محكومين. وكنت الثامن فى التعداد، ضمن الوجبة الثالثة. أوثقو الثلاثة الى الأعمدة. وبعد دقيقتين يطلق الرصاص على الوجبتين الأوليين ويأتي دوري.

يا إلهي، ما أشد رغبتي في الحياة. تذكرت كل ماضي الذي هدرته وأسات استخدامه، فرغبت فى الحياة من جديد وفى تحقيق الكثير مما كنت أنوي تحقيقه لأعيش عمرا طويلا... وفى اللحظة الأخيرة أعلن وقف التنفيذ. حلوا وثاق رفاقي وقرأوا حكما جديدا على كل منا. وكانت من نصيبي هذه المرة الأشغال الشاقة أربع سنين. فما أعظم سعادتي. أمضيت باقي الأيام قبيل الرحيل إلى المنفى أغني و أترنم فى الثكنة تلك يوم. ما أشد فرحتي بحياة وهبت إلى من جديد...

اقشعر بدني من حديثه. وأدهشني بصراحته. فهذا الرجل الذي تبدو عليه مظاهر الإنطوائية القاتمة يتحدث عن تفاصيل حياته بصدق وإخلاص مع فتاة غريرة يراها لأول مرة. ولم تتبدد حيرتي من هذا التناقص إلا بعد أن اطلعت على أوضاعه العائلية وأدركت سبب بحثه عن أناس يضع ثقته فيهم ويفضي إليهم بما يعتمل في نفسه. كان يشعر بوحدة قاتلة بعد وفاة زوجته الأولى ماريا عيسايفا وشقيقه الأكبر ميخائيل ويعيش محاصرا من قبل الخصوم والحساد والدائنين.

كانت انطباعات اليوم الأول مرهقة للغاية. عدت إلى منزلي فى ساعة متأخرة من الليل وأنا في أقصى درجات الإعياء بحد أن أملى على فيودور دوستويفسكي أولى صفحات "المقامر". و لأول مرة فى حياتي أرى إنسانا ذكيا وطيب القلب الى هذا الحد، لكنه تعيس بنفس القدر وكان الجميع أشاحوا بوجوههم عنه. فتألمت وشعرت بالإشفاق عليه.

3. الناشر الماكر

تأخرت عليه قليلا في اليوم التالي. فوجدته قلقا للغاية. قال لي إنه ملزم بإنهاء الرواية فى غضون شهر، فإن دائني مجلة "الوقت" التى كان يصدرها شقيقه ميخائيل وتعهد هو بتسديد ديونها بعد وفاته هددونه بمصادرة ممتلكاته وزجه في السجن. كانت الى ديون المستحقة حسب الكمبيالات ثلاثة آلاف روبل. وبهذا المبلغ باع دوستويفسكي الى ناشر اسمه ستيلوفسكي حقوق طبع مؤلفاته بثلاثة مجلدات والتزم فضلا عن ذلك بتأليف رواية جديدة يدخل ريعها ضمن المبلغ المذكور. وكان ستيلوفسكى أقدم على خطوة غادرة، حيث اشترى قبل ذلك بأبخس الأثمان كمبيالات ديون ميخائيل. فعاد اليه المبلغ الذي دفعه الى دوستويفسكي. وها هو، فوق ذلك، يشترط تسليم الرواية الجديدة فى مدة غير معقولة، وإلا ستعود اليه، حسب العقد الموقع مع دوستويفسكى، حقوق نشر مؤلفاته لأجل غير مسمى. وكان يأمل بالطبع أن يعجز الكاتب المريض عن الإيفاء بتعهده، لاسيما وأنه كان فى عام 1866 ذاته على وشك إنهاء "الجريمة والعقاب".

صرت أتردد عليه يوميا في الثانية عشرة، فيملى على فصول "المقامر" حتى الرابعة، على ثلاث وجبات بنصف ساعة أو أكثر. وفيما بين ذلك نتحدث في شتى الأمور. وبالتدريج تحسن مزاجه وتعود على الإملاء، فهو يمارسه لأول مرة. وكان يسره بخاصة الرد الى تساؤلاتي عن الأدباء الروس. فهو، مثلا، يعتبر نيكولاي نكراسوف صديق الطفولة ويقدر موهبته الشعرية كثيرا. كما يقدر أبولون مايكوف كشاعر موهوب وإنسان ذكى ومثال للطيبة. ويرى أن ايفان تورغينيف روائى من الدرجة الأولى، لكنه يأسف لأن هذا الأخير أمضى وقتا طويلا فى الخارج ولم يعد يتفهم طبيعة روسيا والروس كما ينبغي لكاتب كبير مثله (كانت العلاقة بين دوستويفسكي، تورغينيف معقدة يغلب عليها الجفاء والقطيعة).

04 القدس أم المرأة؟

و على ذكر الخارج أبلغني ذات مرة، وكان فى حالة من اليأس و القنوط، أنه مقدم على اختيار أحد طرق ثلاثة، فإما الرحيل الى القدس ليقيم مع الطائفة الأرثوذكسية الروسية هناك ربما لاخر العمر، وإما الهجرة الى أوروبا ليغرق في القمار الذي أولع به، و إما الزواج للمرة الثانية لعله يجد السعادة والفرحة في أحضان العائلة. وكانت كفة القدس هى الراجحة من حيث جدية نوايا دوستويفسكي، فقد عثرت بين أوراقه فيما بعد على رسالة مؤرخة في 3/6/1863 من رئيس اتحاد الأدباء الروس آنذاك الى القنصل الروسي فى القسطنطينية لتسهيل أمر رحيله.

وسألني رأيي في هذا الخيار الذي كان سيغير مجرى حياته الفاشلة تغييرا جذريا. تحيرت فى الجواب. بدت لى نيته فى الرحيل الى القدس العثمانية أو الى كازينوهات أوروبا غامضة و خيالية. ولعلمي بوجود عوائل سعيدة بين معارفي وأقربائي نصحته أن يبحث عن أمنيته المنشودة فى الأسرة. فعلق قائلا:

- وهل تتصورين بان امرأة ستقبلني زوجا؟ و أية امرأة أختار؟ راجحة العقل أم طيبة القلب؟ - راجحه العقل طبعا، كي تناسبك.

- كلا، أفضل امرأة طيبة القلب تشفق على وتحبني.

5. رواية فى 26 يوما

واصلنا العمل فى " المقامر" حتى غدا واضحا في آخر الأسبوع الثالث أننا سنتمكن من تسليم الرواية في الموعد. وصرنا كلانا نشاطر أبطالها حياتهم. فكان لى بينهم، كما لدوستويفسكي، شخوص أحبهم وآخرون أنفر منهم. أشفقت على الجدة التى خسرت أموالها وعلى مستر استلي، لكنى امتعضت من بولينا ألكسندروفنا ومن البطل الرئيسي أليكسى ايفانوفيتش، فيما التزم دوستويفسكى جانب هذا الأخير وأكد أنه شخصيا جرب الكثير من مشاعر البطل و انطباعاته.

أنجز دوستويفسكى روايته فى 26 يوما وسلمها الى الشرطة، مقابل ايصال، ليتفادى غدر الناشر الماكر. و قبضت أجرتي، لكن علاقتي بالكاتب لم تنقطع. فقد أبدى رغبة فى زيارة عائلتي. ودعوته الى بيتي بعد أيام. أعجبت به أمي كل الإعجاب بعد أن كانت فى البداية متهيبة مرتبكة لزيارة الكاتب "الشهير" و هو، والحق يقال، جذاب للغاية يسحر، كما لاحظت فيما بعد، حتى خصومه الذين لا يرتاحون إليه عادة.

عرض علي أن نواصل العمل فى الجزء الأخير من "الجريمة و العقاب" هذه المرة. وكنت مترددة بعض الشيء، لكنى وافقت عندما رأيته مصرا.

06 الجوهرة و الأحلام

بعد ثلاثة أيام زارنا من جديد دون سابق إنذار. وطلب أن آتى إليه لتدقيق شروط العمل. ولكنى حينما جئته، فى الثامن من تشرين الثاني 1866، فوجئت به يصارحني بحبه ويرجوني أن أقبل به زوجا.

... كان منفعلا ومبتهجا حتى بدا لى فى سن الشباب. سألته عن سبب ابتهاجه فأجاب أنه رأى حلما فى المنام. فقهقهت، لكنه أوقفنى قائلا: "لا تسخري منى. أنا أؤمن بالأحلام. و أحلامي تتحقق دوما. حينما أرى المرحوم شقيقى ميخائيل أو يحضرني طيف والدي في المنام لا بد ان تحل بى مصيبة. لكنى هذه المرة رأيت جوهرة براقة بين مخطوطاتى فى هذا الصندوق، ثم توالت أحلام أخرى ولا أدري أين اختفت الجوهرة ". فقلت له: " الأحلام تفسر عادة بالمقلوب"، وأسفت لما قلت. فقد أمتقع وجهه وسال: " تعتقدين أنني لن ألقى السعادة و أن ذلك مجرد أمل واه؟ ". وأجبته: " والله لا أدري. ثم اننى لا أصدق الأحلام ". واختفى كل أثر للإبتهاج. ودهشت لسرعة تبدل مزاجه. ثم انتقل بالحديث الى رواية يخطط لكتابتها، فتحسن حاله رأسا و أخبرنى أنه لم يتوصل بعد إلى خاتمة جيدة. ففى الرواية فتاة، وهو غير ملم بارتعاشات نفوس الفتيات. ورجانى أن أساعده. عرض علي بالخطوط العامة حبكة الرواية، فادركت أنه يقص علي مشاهد من حياته تلقي الأضواء على طفولته القاسية وعلاقته بالمرحومة زوجته وأقربائه والملابسات الأليمة التى شغلت الفنان عن عمله المحبب عدة سنين. وكان المفروض أن تنتهى الرواية بعودة الفنان الى الحياة من خلال حب يشفيه وينقذه من وحدته وشيخوخته المبكرة. ولم يخطر ببالى ساعتها أنني كنت المقصودة ببطلة الرواية المزعومة. لكنه باغتني مرتبكا:

- ما رأيك؟ هل تستطيع فتاة شابة أن تحب فنانا عجوزا مريضا مثقلا بالديون؟.. لنفترض أن الفنان هو أنا، البطلة أنت، فما ر أيك؟

- لو كان الأمر كذلك فعلا لأجبتك: أحبك وسأظل على حبى مدى العمر. وبعد ساعة أخذ فيودر دوستويفسكى يخطط لمستقبلنا ويسألنى رأيي في التفاصيل. وكنت عاجزة عن الخوض فيها من فرط السعادة. اتفقنا على كتمان سر الخطبة مؤقتا إلى أن تنجلى الملابسات. و عندما ودعنى هتف مبتهجا: وجدت الجوهرة أخيرا. و أجبته: عسى ألا تكون حجرا.

7. لم يعد السر سرا

لا أظن أن أمي فرحت لنبأ خطبتي. فهي تدرك بالطبع أني سأعاني الكثير فيما لو تزوجت من رجل مصاب بداء عضال ويفتقر الى المال. لكنها لم تعمد الى إقناعى بالعدول عن الزواج، كما فعل آخرون بعدها. وللحقيقة أقول أن دوستويفسكى أبدى طوال 14 عاما من حياتنا الزوجية منتهى الطيبة في معاملة والدتي.

وبعد أسبوع افتضح سر الخطبة على غير المتوقع. أفضى به دوستويفسكي نفسه الى حوذيه في لحظة ابتهاج. فابلغ هذا الأخير خادمة نقلت الخبر في الحال الى بافل، ابن دوستويفسكى المتبنئ. غضب هذا على " أبيه العجوز"، فكيف يجوز له ان يبدأ الحياة من جديد دون أن يستشير " ابنه "؟. وانسحب غضب الفتى علي طبعا، إلا أن موقفه مني غدا أكثر ليونة بمرور الزمن. رغبت فى معرفة كل شئ عن دوستويفسكي. وما كانت أسئلتي المتلاحقة لتضايقه. حدثنى عن حبه لأمه و أخيه المرحوم ميخائيل واخته الكبرى فاريا، لكنه لم يبد حماسا فى الكلام عن اخوته وأخواته الأصغر. واستغربت من غياب كل ما يشير الى غرامه بامرأة ما في شبابه. وأعتقد أن السبب هو تفرغه المبكر للكتابة. فالنشاط الثقافى أزاح حياته الشخصية الى المرتبة الثانية، ثم أنه تورط فى عمل سياسي دفع ثمنه غاليا وصرفه عن الإهتمام باموره الخاصة.

لم يكن يميل الى تذكر المرحومة زوجته، لكنه يذكر خطيبته الأولى آنا كورفين بكل خير، وياسف على فسخ خطبتهما لإختلاف الطباع والاراء - كما يقول. وظل حتى النهاية يحتفظ بعلاقات طيبة معها. وتعرفت عليها أنا أيضا بعد ست سنوات من زواجى فربطت بيننا أواصر صداقة

8. فارق السن ربع قرن

سألته مرة: لم لم تتقدم إلى بخطبة عادية كما يفعل الجميع، وجئت بمقدمات طويلة عريضة بشكل " رواية " مختلقة؟ وأجاب:

- الحقيقة كنت يائسا، وكنت أعتبر الرواج منك تهورا وجنونا. فالتفاوت بيننا رهيب. أنا شيخ عجوز تقريبا وأنت فى عمر الطفولة وفارق السن بيننا ربع قرن. أنا مريض كئيب سريع الإنفعال، وأنت مفعمة بالحيوية والمرح. أنا إنسان مستهلك أكلت عمري وتجرعت المصائب و الأهوال. وأنت تعيشين حياة هانئة والمستقبل كله أمامك. ثم انى فقير ومكبل بالديون. فماذا أنتظر؟

- إنك تبالغ يا عزيزى. فالتفاوت بيننا ليس فيما تقول. التفاوت الحقيقي أنك اخترت فتاة متخلفة لن تقترب شبرا من مستواك الثقافى فى يوم من الأيام.

- كنت مترددا متهيبا فى الخطبة. أخشى ما أخشاه أن أغدو مثارا للسخرية فيما لو رفضت. فكيف يحق لرجل كهل قبيح مثلى أن يطلب يد فتاة شابة مثلك؟ كنت أتوقع أن تردي علي بأنك تحبين شخصا اخر. ولو جاء جوابك على هذا النحو لكان ضربة قاسية لى، فانا أعانى من وحدة نفسانية خانقة وكنت أريد أن أحتفظ بصداقتك على الأقل. ولذا أردت أن أستطلع رأيك في البداية، من خلال مخطط رواية وهمية. كان أسهل علي عندئذ أن أتحمل رفضك. إذ سيكون موجها ضد بطل الرواية وليس ضدي شخصيا. وعلى أية حال أرى أن تلك الرواية المختلقة أفضل رواياتى على الإطلاق. فقد عادت علي بالثمار ر أسا.

9. داء بلا دواء

تلقى دوستويفسكى رسالة من مجلة " البشير الروسي" الصادرة فى موسكو تطالبه بالجزء الثالث من " الجريمة والعقاب". وكنا نسينا هذه الرواية فيما نحن فيه من أفراح. فعاد دوستويفسكي يملى علي بقية الرواية بهمة ونشاط. تحسن مزاجه، فتحسنت صحته، حتى أن الشهور الثلاثة التى سبقت زفافنا لم تشهد سوى ثلاث أو أربع نوبات من الصرع، مما جعلنى آمل بان هذا الداء اللعين سيخف فيما لو توافرت لزوجي حياة هادئة سعيدة. وهذا ما حدث بالفعل. فالنوبات التى كانت تنتابه كل اسبوع تقريبا لم تعد تتكرر فى السنوات التالية إلا لماما. ولم يكن الشفاء من هذا المرض بالأمر الممكن، لا سيما وان دوستويفسكى تهاون في العلاج، بل وأهمله لاقتناعه بعدم جدواه. إلا أن تقلص النوبات كان بالنسبة إلينا هبة عظيمة خلصته من الرواسب النفسانية الثقيلة بعد كل نوبة، وخلصتنى من الدموع والالأم التي تكوينى عندما يقع فريسة للصرع بحضورى. كانت نياط قلبى تتمزق وأنا أسمعه يزعق بصوت لا يشبه أصوات البشر ثم أراه يتلوى ويخر على الأرض متشنجا. و عندما ألفيته لأول مرة يتضور ألما ويصرخ ويئن ساعات بلسان متلعثم ووجه ملتو وعينين جامدتين ظننته مجنونا مختل العقل. لكنه، والحمد لله، كان يغفو طويلا ويستيقظ بعد ذلك سويا كالآخرين، لولا الكآبة التي تظل تلازمه أكثر من أسبوع وكأنه فقد أعز ما لديه فى الدنيا على حد تعبيره.

أول احتكاك عائلى

جاءني ذات يوم، في عز الشتاء، يرتجف من البرد بمعطف خريفى، فاسرعت إليه بالشاى الساخن وسألته مستغربة: أين معطف الفرو؟ فاجابني مترددا: قيل لي أن الجو دافئ. ثم أضاف موضحا أن أقرب أقربائه، " ابنه " بافل وأخاه الأصغر نيكولاي وكذلك إميليا زوجة المرحوم ميخائيل، طلبوا منه نقودا لحاجة ماسة وعاجلة. فاضطر أن يرهن معطفه الفرائي. ثارت ثائرتي ورحت أبكى وأزعق: كيف يقول أقرباؤك القساة أن الجو دافئ فهو لا يتناول قهوة الصباح بدون قشدة.، قبيل الظهر يأكل بافل طيرا مشوبا، فتقدم لنا الخادمة على الغداء الطيرين المتبقيين فلا يكفياننا نحن الثلاثة.، يختفى الثقاب احيانا مع ان علبا كثيرة منه كانت في البيت أمس. و كذا يحدث لأقلام الرصاص المبرية. ونثور ثائرة دوستويفسكى عندما يريد التدخين فيصرخ في وجه فيدوسيا. ويهز بافل كتفيه: "أنظر يا بابا، لم تحدث أشياء كهذه عندما كنا لوحدنا"

والخادمة المسكينة تخشى غضب دوستويفسكى حتى الموت، والأصح أنها تخشى أن تصيبه نوبة مفزعة بسبب ذلك، كما حدث له مرارا بحضورها.

كانت متزوجة من موظف سكير توفي وتركها وأطفالها الثلاثة في فقر مدقع. بلغ خبرها مسامع دوستويفسكى فأخذها خادمة مع صغارها. و حدثتني، و الدموع تترقرق في عينيها، عن طيبته البالغة وكيف كان يدخل على الأطفال ليلا عندما يسمع سعالا أو بكاء فيغطي الواحد منهم ويهدهده، وإذا لم يفلح في ذلك يوقظها لتسهر على المريض.

14. ما أحلاك يا موسكو

في الأسبوع الخامس بعد عمد القران بدا شهر العسل فعلا. فالمتاعب والإهانات التي ترضت لها خلال هذه الفترة من أقارب دوستويفسكي حطمت أعصابي لدرجة جعلني أفكر في الطلاق. صارحت زوجي بتلك المتاعب، و ما كان يعرف بالإهانات من جانب " ابنه " خصوصا، فلامني على كسوتي و بدد شكوكي ومخاوفي. وشد العزم على السفر غدا الى موسكو ومن ثم، ربما، الى الخارج، إذا تمكن من إقناع السيد كاتكوف، رئيس تحرير " البشير"، أن يمنحه سلفة جديدة.

استقبلني فيرا، شقيقة زوجي، في موسكو خير استقبال. إلا أن أبناءها السبعة عاملوني ببرود. أدهشني موقفهم و أحزنني، حتى علمت سره فيما بعد. كانوا يحبون عمتهم يلينا المتزوجة من رجل شارف الموت ويريدون لها بعد وفاته أن تتزوج من خالهم فيودور دوستويفسكي، ليقيم في موسكو دائما، فهم يحبونه هو الآخر حبا جما.

ولكي أخفف من الموقف العدائي الذي قوبلت به في بيت عديلتي أبديت متعمدة بعض الإهتمام بشاب من زوار البيت لأعيد الإعتبار لنفسي. لكن دوستويفسكي لم يفهمني. وتأكد لى أنه يغار على كثيرا، فرأيت ألا أتمادى في الكلام والمرح مع أي غريب بحضوره. فالغيرة تؤذيه، إذ خرج عن طوره ساعتها و انهال علي بتقريع شديد حينما عدنا الى الفندق الذي نزلنا فيه. وفيما بعد تكررت " نوبات " الغيرة حتى في الخارج. ولم أفلح في اجثثات هذه الصفة الذميمة في طباع دوستويفسكى إلا بالتواضع فى المظهر و الملبس والتحفظ الشديد بحضور الرجال، حتى أن رفيقاتي أكدن لي عندما عدنا إلى الوطن أنني "شخت" سريعا في الغربة. ولم يكن ذلك ليسيئني، فزوجي يحبني على ما أنا عليه.

أمضينا فى موسكو أياما لا تنسى. كنا كل صباح نتفرج على أبرز معالمها ونتفقد كنائس الكرملين وقصوره. وزرنا قبر المرحومة ماريا والدة زوجي التي كان يقدس ذكراها (ولد فيودور دوستويفسكى في موسكو في الثلاثين من تشرين الأول 1821). وكنا نتناول طعام الغداء كل يوم تقريبا في منزل عديلتي. تحسنت علاقتي مع أبنائها وصرت ألازم زوجي طول الوقت حتى تبدد الشعور بالغربة و النفور الذي كاد يستولي علي تجاهه في الأسابيع الأخيرة من حياتنا فى بطرسبورغ. وعاد إلي مرحي وحبوري. وأكد لي دوستويفسكي أنه استعاد هنا، في موسكو، " زوجته آنا " بعد أن كاد يفقدها مؤخرا في بطرسبورغ وأن "شهر العسل" الحقيقي قد بدأ بالنسبة إليه.

15. في الخارج: شهور أم سنين؟

عدنا من موسكو إلى بطرسبورغ بعد أن وافقت مجلة "البشير" على منح دوستويفسكي سلفة جديدة بألف روبل. أعلن زوجي عن نيتنا في السفر الى الخارج. في فواجه جميع أقربائه هذا النبأ بالإستنكار. وطالبوه أن يترك لهم، فلما لو سافرنا بالفعل، نقودا تكفي لعدة شهور. ويعنى ذلك بالطبع إلغاء الر