الحركة السوريالية في مصر

بشير السباعي (كاتب ومترجم من مصر)


يرجع بروز القاهرة الكوزموبوليتية إلى الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، مع تدفق اعداد كبيرة من المهاجرين الأوروبيين الى مصر تحت تأثير ظروف دولية ومحلية جد متباينة. وقد ترتبت على هذا التدفق نتائج مهمة على اكثر من مستوى، الا ان ما هو مشترك بين هذه النتائج هو انها قد ادرجت البلاد في سيرورة تطور متفاوت ومركب واضحة، خاصة على المستوى الثقافي.

ويبدو انه لولا هذه السيرورة لكان من المحتمل تماما الا تظهر حركة سوريالية في مصر شبه متزامنة مع الحركة السوريالية في فرنسا في الوقت الذي كان النزاع فيه محتدما بين الكلاسيكية

الجديدة والرومانسية في الشعر العربي.

فالواقع ان وجود جماعة فرانكوفونية مهمة في مصر، مصرية ومتمصرة واجنبية. بما لها من مدارس وصحافة وجمعيات ثقافية هو الذي يفسر، جزئيا، ظهور حركة سوريالية في مصر منذ الثلاثينات من هذا القرن، وكما هو متوقع في مثل هذه الظروف، فان الحركة التي انبثقت في الوسط الفرانكوفوني المثقف كان من الطبيعي ان تجد انصارا بين صفوف العناصر الطليعية من المثقفين المصريين الذين لا ينتمون الى هذا الوسط وان كانوا على اتصال به عبر قنوات عديدة.

ومن بين الجمعيات الثقافية الفرانكوفونية، كانت جمعية les Essayistes،التي تأسست في  القاهرة في عام 1928 بمبادرة من عدد من المثقفين، المتصرين، هي الانشط والاكثر احتكاكا بالتيارات الطليعية في الثقافة الاوروبية الغربية، خاصة الفرنسية، وكـان لسان حالها، Un Effort، منبرا متميزا للتعريف بهذه التيارات وللتفاعل معها. وقد اسهم في هذه المجلة عدد من ابرز ممثلي الثقافة افرانكوفونية في مصر الذين اغنوا نشاط الجمعية، من جهة اخري، بمحاضراتهم، كما استقبلت الجمعية عددا من ممثلي التيارات الادبية الطليعية الاوروبية الغربية واتاحت لجمهورها فرصة اجراء حوارات مباشرة معهم.

لدى عودة جورج حنين الى القاهرة من باريس في عام 1934، انخرط في نشاط الجمعية المذكورة واصبح واحدا من ابرز الكتاب المسهمين في مجلتها. وطبيعي انه كان بوسعه ان يجد بين صفوف اعضاء الجمعية شركاء في الفكر لعل ابرزهم هو جوزيف حبشي (جو فارنا) الذي نشر بالاشتراك معه، في عام 1935، كراسا يحتوي نصوصا سجالية تحت عنوان Le Rappei a L’ordure  وهو عنوان ساخر من كل دعوة الى الالتزام بالنظام، وقد اعتبر احد القاد الكراس آنذاك علامة مميزة في تاريخ الحياة الادبية المصرية، وذلك بسبب اسلوبه الحداثي في نقد الاوهام السائدة.

ومنذ اوائل عام 1935، يتجل تقارب جورج حنين مع السوريالية. فهو ينشر في مجلة Un Effort  مقالا تحت عنوان De L' rrealisme يشدد فيه على اهمية السعي الى اكتشاف موارد العالم الباطني للفرد، حيث يرى ان العالم الحقيقي الوحيد هو العالم الذي نخلقه في انفسنا، وضد الآخرين. وفي مارس 1935 ينشر في المجلة نفسها حكاية لا واقعية تحت عنوان Noumene 'evade' et ressuscit'e  تمثل محاولة أولى من جانبه لتطبيق تكنيك الكتابة الاوتوماتية. وفي ذلك الشهر نفسه، يوضح في المجلة نفسها مفهومه للعمل الادبي حيث يشدد على حق الادب في الدخول في علاقة مع جميع عناصر الحياة، بما في ذلك السياسة، ولكن دون ان يتحول الادب الى مجرد اداة دعائية لحساب حزب او برنامج. وفي اكتوبر 1935، يعلن جورج حنين في Un Effort مفهومه الثوري عن دور الكاتب والذي يتصل في فهم العالم سعيا الى تحويله تحويلا جذريا. ومع تبلور هذا المفهوم لديه، يقرر الارتباط بالتجمع السوريالي الباريسي ويرسل رسالته الاول الى اندريه بريتون.

وبينما كان جورج حنين يدعو، في منتصف الثلاثينات، الى اكتشاف موارد العالم الباطني للفرد، كان عدد من المثقفين المصريين الشباب يدعون، بشكل مستقل عنا، الى تحرير الايروس، وكان هؤلاء الاخيرون يلتقون كل مساء في قهوة "النورس" منذ عام 1932، ويناقشون حالة الثقافة المصرية المعاصرة ومشاريع المستقبل مشددين على نقد الاخلاق السائدة. وفي عام 1936، نشر انور كامل (1913- 1991)، احد هؤلاء المثقفين، كتابا تحت عنوان "كتاب المنبوذ" شجب فيه الشرائع والاعراف السائدة التي تكبت رغبات الفرد الاصيلة ودعا الى تحرير تلك الرغبات. وقد صودر الكتاب فور صدوره، الا انه دخل تاريخ الادب المصري المعاصر باعتباره أولى تجليات ابداع الهامشيين المتمردين على الاخلاق البروجوازية.. وسرعان ما التفت حول انور كامل مجموعة من المثقفين تعرف باسم مجموعة "المنبوذين" الذين سوف يلعبون فيما بعد دورا مهما في تكوين جماعة الفن والحرية.

وفي ذلك الاثناء، كانت تنشط في مصر مجموعة من الفنانين التشكيليين الطليعين المتأثرين بالسوريالية الى هذا الحد او ذاك،وقد برز بينهم يوسف عفيفي ورمسيس يونان، عضوا جماعة الدعاية الفنية، وكمال وليم وفتحي البكري وفؤاد كامل، اعضاء جماعة الفنانين الشرقيين الجدد، التي كانت قد ظهرت الى الوجود في عام 1937، وفي عام 1938. نشررمسيس يونان كتابه "غاية الرسام العصري" الذي اوضح فيه ان السوريالية هي دعوة الى ثورة اجتماعية قبل ان تكون مذهبا فنيا. ونحو ذلك الوقت كان يوسف عفيفي يدلي بتصريحات يؤكد فيها "ان السوريالية ما هي الا الاسم العلمي الحديث لما نسميه نحن الخيال، حرية التعبير، حرية الاسلوب، والشرق منذ الازل موطن كل هذا". مشددا بذلك على وحدة السوريالية الخالدة، خاصة الشرقية.

وفي 4 فبراير 1937، القى جورج حنين محاضرة مهمة حول "حصاد الحركة السوريالية". قدم فيها تعريفا للسوريالية من حيث هي مغامرة تهدف الى تغيير الحياة، وقد نشرت المحاضرة في اكتوبر من العام نفسه في مجلة Revue des confereneces francaises en Orient واصبحت متاحة للجمهور القاريء.

وفي 20 مارس 1938، القى الشاعر المستقبلي مارنيتي محاضرة في نادي جماعة المحاولين. وقد انتهز جورج حنين هذه المناسبة للتنديد بالمنتجات الادبية للفاشية وبتواطؤ الشعر مع الامبريالية الايطالية. وترتب على مداخلة حنين نشوب ازمة بين صفوف الجماعة ادت الى انشقاق الاخير وانصاره عليها، وباتت الحاجة الى تكوين جماعة جديدة ملحة بشكل متزايد، خاصة وان رمسيس يونان ورفاقه، من جهة اخري، كانوا قد اخذوا يتحسسون الحاجة الى حركة اكثر تماسكا من حركة «جماعة الدعاية الغنية»، كما ان تقاربا ملموسا كان قد حدث بين انور كامل ورفاقه، من ناحية، وجورج حنين ورفاقه، من ناحية اخرى.

على ان تطورا حدث في المكسيك هو الذي ادى الى تحويل الرغبة في تكوين جماعة جديدة توحد جهود كل هؤلاء المبدعين الطليعيين الى تحرك ملموس نحو تكوين مثل تلك الجماعة. فالواقع ان استشعار اندريه بريتون وليون تروتسكي لواقع ان معطيات زمن الرجعية [صعود وترسيخ الستالينية والفاشية والنازية وسحق الثورة الاسبانية] انما تؤدي الى تدمير شروط الابداع الحر، قد دفعت الشاعر الفرنسي والثوري الروسي الى اصدار بيان يدعو الى فن ثوري حر والى انشاء اتحاد أممي للفن الثوري الحر. وقد صدر البيان في كويواكان في يوليو 1938، وسرعان ما وجدت الدعوة الى انشاء اتحاد اممي للفن الثوري الحر تجاوبات علية في المكسيك وفرنسا وبلجيكا.

وفي باريس ايد جورج حنين البيان واشرف في خريف 1938 على صدور مجموعته الشعرية الأولى "لامبررات الوجود" التي كان كامل التلمساني، الصديق المشترك لحنين ولانور كامل، وأحد شخصيات جماعة «المنبوذين»، قد رسم لوحاتها التصويرية، التي تستلهم عمل بيكاسو، ولدى عودة حنين من باريس الى القاهرة، أهدى نسخة من مجموعته الشعرية الى انور كامل، مؤكدا في اهدائه على «تضامنه الادبي والفكري والفني» معه، واضاف التلمساني على النسخة نفسها اهداء أخر الى «صديقه المنبوذ».

وفي ديسمبر 1938، صدر في القاهرة بالفرنسية وبالعربية بيان «يحيا الفن المنحط» الذي حرره جورج حنين والذي يستعيد تيمات بيان كويواكان. وقد وقع على البيان 31 مثقفا يحيون في مصر وينتمون الى جنسيات مختلفة وان كان اغلبهم من المصريين ومن المتمصرين. وكان البيان قد شدد على أممية الفن حين قال: «نحن نعتقد ان التعصب للدين او للجس او للوطن، الذي يريد بعض الافراد ان يخضع له مصير الفن الحديث، ما هو الا مجرد هزء وسخرية».

كان صدور بيان ديسمبر  1938 هو المدخل الى تأسيس جماعة «الفن والحرية» في 9 يناير 1939 والواقع ان الارتباط بين البيان والجماعة كان من القوة بحيث ان عددا من المعاصرين قد سموا الجماعة باسم "جماعة الفن المنحط"، بينما تصور احد المؤرخين ان البيان قد صدر من الجماعة التي لم تكن قد تأسست بعد.

حددت الجماعة اهدافها في:

أ) الدفاع عن حرية الفن والثقافة.

ب) نشر المؤلفات الحديثة، والقاء محاضرات وكتابة خلاصات عن كبار المفكرين في العصر الحديث.

ج) ايقاف الشباب المصري على الحركات الادبية والفنية والاجتماعية في العالم.

ووفاء لفكرة بيان ديسمبر عن اممية الفن، اتاحت الجماعة العضوية لفنانين ولكتاب من مختلف القوميات، وضمت مصريين ومتمصرين واوروبيين واعتبرت الموقف من الدين مسألة خاصة، فضمت مسلمين ومسيحيين ويهودا وملحدين وريبيين، ولم تعط اولوية للغة على حساب اخري، فنشرت اعمالا بالعربية وبالفرنسية وبالانجليزية، واصدرت لساني حال لها، واحد بالعربية هو مجلة "التطور" وآخر بالفرنسية هو نشرة Art et liberté

وسارعت الجماعة فور تأسيسها الى الوفاء بالمهام التي حددتها لنفسها. ففي فبراير 1939، نشرت ترجمة عربية لمختارات من كلمات لاندريه جيد ولآفرين حول تيمة "الدفاع عن الثقافة"، وارفقت بالكراس دارسة معمقة حول عمل اندريه جيد بقلم جورج عزيز، وقدمت نصوص الكراس بنداء موجه الى الشبيبة المصرية حثتها فيه على الذود من حرية الثقافة وعلى التخلص من كل اشكال الاتباعية والروح المحافظة. وقد انكبت الجماعة على تجهيز كراسات اخرى حول مواقف المثقفين من الثورة الاسبانية وحول الشعر الطليعي الغربي، كما انكبت على تنظيم سلسلة من الندوات، خصصت الأولى بينها لمناقشة عمل فرويد والتحليل النفسي.

وفي شهر مارس 1939، صدر العدد الاول من نشرة Art et liberté وشدد المقال الافتتاحي على ان الفن هو قبل كل شيء اسلوب حياة، موقف حياتي وعاطفي وادراكي لا يتسامح مع اختزال وجوه وحرية الانسان. واشار مقال آخر الى اصداء بيان ديسمبر 1938، ودعا المثقفين والفنانين الى عدم الاكتفاء بالاحتجاج على الاتباعية والى تدشين نشاط واسع من اجل تعميم وتوضيح رؤى البيان وما يترتب عيها من مهاو عملية. وقد ظهر في العدد مقال لجورج حنين يشجب فيه الخونة المسؤولين عن هزيمة الثورة الاسبانية ويدعو الى وضوح النقد ومن ثم قسوته.

وفي شهر مارس هذا نفسه، عقدت الجماعة يوم الاربعاء الثامن منه اجتماعا للجمعية العمومية للجماعة حضره نحو ثلاثين شخصا. وقد رأس الاجتماع السوريالي الانجليزي رولاند بنروز الذي ألقى كلمة اكد فيها عن ان الفن انما ينطوي على مجموعة متنامية بلا توقف من المواقف الانسانية وانه بقدر ما توجد اهمية لحماية فرص تطور الفرد تبرز الحاجة الى خوض نضالات ضد الايديولوجيات ونظم الحكم السلطوية التي يتزايد تهديدها لهذا التطور. كما تحدث في الاجتماع كل من احمد شرف الدين وجورج حنين وانور كامل وكامل التلمساني.

ويوم الخميس 23 مارس 1939، عقدت الجماعة اجتماعا مفتوحا للجمهور، حضره اكثر من خمسين شخصا. وقد تحدث في هذا الاجتماع جورج حنين وجورج عزيز وكامل التلمساني ويوسف عفيفي، حيث تناولوا مسال حالة الشعر الحديث ومهام شباب الفنانين المصريين والفرويدية.

وفي شهر ابريل 1939، عقدت الجماعة ندوتين حول مشكلات المجتمع المصري واصلاح العادات المحلية. وفي الشهر التالي صدر العدد الثاني والاخير من نشرة Art et libert'e  الذي ظهرت فيه كلمة جورج حنين حول اخلاق الرغبة والاشتهاء.

وبين شهري يوليو واكتوبر 1939، دار سجال بين الاتباعيين والسورياليين على صفحات مجلة "الرسالة" الثقافية القاهرية العربية، حيث تولى انور كامل شرح اهداف جماعة الفن والحرية بشكل عام، بينما تولى كامل التلمساني ورمسيس يونان تقديم السوريالية للقارىء العربي. وقد صار رمسيس يونان مداخلته في السجال بالاستشهاد التالي من تروتسكي: "يجب ان نحقق لكل انسان نصيبه من الخبز... ونصيبا من الشر".

ومع توقف نشرة Art et libert'e لجأ السورياليون المصريون الى نشر مقالاتهم في مجلة Don Quichotte منذ اواخر عام 1939 وخلال اوائل عام 1940، وفي مقالاته المنشورة في هذه المجلة، قدم جورج حنين هنري ميشو وجاك فاشيه وهنري كاليه للتارىء المصري ونشر سلسلة من المقالات حول حالة الشعر اشار فيها الى ان الشاعر يستقدم الجنون كسلاح ضد بؤس العقل ويستخدم الحلم كسلاح ضد فقر الواقع. كما نشر جورج حنين في Don Quichotte مقالا حول كامل التلمساني انهاه بالاشارة الى ان الفن لا وطن له، مستعيدا بذلك تيمة اساسية لبيان ديسمبر 1938.

كانت فكرة اصدار لسان حال عربي لجماعة الفن والحرية مثارة منذ البداية. فالواقع ان الجماعة لم تكن تنوي ان تكون جزيرة فرانكوفونية معزولة في حقل الثقافة المصرية الواسع، بل كانت تهدف الى تحقيق انغراس ملموس في هذا الحقل، وهو هدف غير ممكن من غير لسان حال عربي للجماعة، ومنذ يناير 1939، اشار جورج حنين الى اهمية مثل هذا المنبر في رسالة الى هنري كاليه.

في يناير 1940، صار العدد الاول من مجلة التطور وتولى انور كامل رئاسة تحريرها، وشددت المجلة في مقالها الافتتاحي الاول على انها لسان حركة فكرية جديدة تقاوم الاساطير والخرافات وتحارب الروح الاتباعية التي تهدر قوى الافراد.

كانت "التطور" اول مجلة عربية ادبية وفنية طليعية، وقد تولت تعريف القارىء بالاتجاهات الجديدة في الفكر والادب والفن حيث نشرت مقالات عن فرويد والتحليل النفسي ونيكولا كالاوس ويول ايلوار والفنون التشكيلية الحديثة ورؤى السوريالية حول الفن والحياة. ومن جانب آخر، كانت المجلة منبرا للنقد الاجتماعي، حيث نشرت مقالات حول التفاوت الاجتماعي واحوال المرأة والتعليم والمواقف التقليدية من الجنس والحب، كما وجهت انتقادات حادة لرجال الدين التقليديين وانتقدت الليبرالية والشمولية السياسية في آن واحد. ومن جانب ثالث، نشرت المجلة عددا من النصوص المترجمة لادباء اوروبيين بارزين، كما نثرت ترجمات لأعمال لجورج حنين ولماري كافاديا ولالبير قصيري ونصوصا شعرية وقصصية ومسرحية عربية لمبدعين مصريين. وكانت المجلة رائدة في تقديم قصيدة النثر الجديدة آنذاك على الشعر العربي.

كان جورج حنين هو الدينامو المحرك للمجلة، فهو الذي قدم لها الدعم المالي الاساسي وهو الذي كتب عددا من افتتاحياتها وساعد على سوغ توجهاتها واسهم بالكتابة فيها عبر مجموعة من المقالات المهمة حول مسائل الأدب والفن وفي مجال النقد الاجتماعي. وقد شاركه في دعم الاتجاه الطليعي للمجلة كتاب مثل رمسيس يونان وكامل التلمساني وعلي كامل وفؤاد دويدار وانور كامل وعبدالحميد الحديدي الذين تحمسوا الحاجة الملحة الى تجاوز حالة المجتمع والثقافة في مصر نحو آفاق جديدة تساعد على تحريرا لامكانات الابداعية لدى الفرد وانهاء الاغتراب.

وقد تعرفت المجلة لضغوط قوية من جانب الرقيب ادت الى اختزال حجم اعدادها الاخيرة ثم الى توقفها نهائيا بعد صدور العدد السابع في سبتمبر 1940، فبين عامي 1942و1944 تولى رمسيس يونان رئاسة تحريرها وحولها الى «مجلة للكفاح الاجتماعي» اسهم اعضاء جماعة الفن والحرية، وعلى رأسهم جورج حنين، بالكتابة فيها. وطبيعي ان الرقابة لم تسكت على هذه المحاولة الجديدة لاحياء نبرة النقد الاجتماعي الراديكالي الذي اخذ ينهل بشكل ملحوظ فى ترسانة الافكار الماركسية الثورية. وفي عام 1944، صدر امر من الحاكم العسكري العام بوقف المجلة المتمردة التي تعسى الى «تغيير الحياة».

على ان الدعوة الى انتخابات نيابية جديدة في اواخر 1944 واوائل 1945، قد اتاحت فرصة جديدة امام السورياليين المصريين لتوسيع النشاط الدعائي حول تيمة التغيير. فتد آزر السورياليون الحملة الانتخابية للمرشح الاشتراكي الوحيد فتحي الرملي. وساروا في مسيرة ترفع شعارات اشتراكية وتردد النشيد الاممي الذي ترجمه رمسيس يونان الى العربية لهذه المناسبة. وفي اواخر العام، ساعدوا على نشر وتوزيع كراس لانور كامل يدعو فيه الى الغاء الطبقات. وبحلول عام 1946 انحاز السورياليون المصريون الى اطروحات ج. مونيس، الذي انشق على الاممية الرابعة وساوى بين الاتحاد السرفييتي والدول الامبريالية الغربية، ووجد هذا الانحياز تعبيرا عنه في كراس انور كامل افيون الشعب الصادر في عام 1948، وهو اول كراس عربي يحتوي نقدا جذريا للستالينية من منظور يساري.

بين عامي 1940 و1945، نظمت جماعة الفن والحرية مجموعة من معارض الفن الحر الجماعية والخاصة. وعبر هذه المعارض، حاولت الجماعة ربط نشاط الفنانين الشبان المصريين بدائرة الفن الحديث «المتمرد على كل قيد بوليسي أو ديني او تجاري». وقد اكد جورج حنين على ان الرسم هو ايضا شكل من اشكال التفكير والحب والكره والكفاح والحياة. ومنذ المعرض الاول للفن الحرفي عام 1940، كان جورج حنين قد اوضح الطابع الايجابي لاعادة الحرية للخيال السجين مرة اخرى واعادة الرغبة بكل ما بها من قوة، واعادة الجنون بقوته القاتلة الى الاشياء. وقد دعا الشباب الى الاتجاه الى الآفاق الخصبة، الى الكنوز الحقيقية التي هي ملك لهم.

وتأكيدا لواقع ان الفن لا وطن له، قدمت معارض الفن الحر اعمالا لفنانين مصريين ومتمصرين واجانب مقيمين في مصر واتاحت الفرصة لبدء تفاعل خلاق بين جميع هؤلاء والفنانين الذي اخذوا يتبادلون خبراتهم بسخاء روحي نادر.

وقد حرصت الجماعة على التعريف بأعمال هؤلاء الفنانين وبفن التصوير المعاصر عموما من خلال عدد من المقالات التي ظهرت في مجلة التطور كما ظهرت في المجلة مستنسخات من ابرز هذه الاعمال.

خلال سنوات الحرب العالمية الثانية، واصل جورج حنين توضيح رؤاه للجمهور الفرانكوفوني حول مسائل الشعر والاخلاق والسياسة. ففي عام 1944، القى محاضرة مهمة حول الروح الشعرية الحديثة شرح فيها المفهوم السوريالي حول الصورة الشعرية المفتوحة. وفي عام 1945 نشر كراس من هو السيد اراجون؟ الذي شهر فيه بتوظيف الشعر في خدمة رؤى الستالينية السياسية. وكان قد شجب في كراس "من اجل وعي منتهك للمحرمات" (1944) اخلاق التصالح مع الامر الواقع.وفي عام 1945، نشر كراس "هيبة الرعب" الذي شدد فيه على الارتباط بين الوسائل والغايات في المشروع البروليتاري التحريري، وعشية انتهاء الحرب العالمية الثانية نشر مختارات من الشعر الرومانسي الالماني مع مقدمة حول رسالة الرومانسية الالمانية الديمقراطية، وان كانت المقدمة قد ظهرت تحت اسم صديقته- زوجته فيما بعد – اقبال العلايلي.

واعتبارا من عام 1947، وحتى عام 1935، نشر جورج حنين مجلة La part du sable. وقد تعاون معه في اصدار هذه المجلة ادمون جابس، وظهرت في المجلة نصوص لهذين الشاعرين الى جانب نصوص لايف بونفواوم. بلانشار و.س. لوسيه وهـ باستورو ولآخرين. كما اشرف جورج حنين على اصدار مجموعة من الكراسات التي ظهرت فيها اعمال لـ ج. جرينييه وفليب سوبو وادمون جابس وايف بونفواوم. بلانشار وجورج حنين ومجدي وهبه.

وفي وقت متزامن مع ظهور مجلة La part du sable تشكلت جماعة فنية تحت عين هذا الاسم، واصلت تقاليد جماعة الفن والحرية في مجال الفنون التشكيلية، وكان رمسيس يونان احد مؤسسي الجماعة الجديدة، على ان الاخير كان قد اخذ يبتعد تدريجيا عن تقاليد السوريالية الفلسفية والفنية في اتجاه تقارب مع الوجودية (في عام 1947 نشر ترجمته العربية لمسرحية كاليجولا لالبير كامي) ومع التجريدية. وقد حدث تحول تدريجي مماثل مع الفنان التشكيلي فؤاد كامل بينما اتجه المصور السوريالي كامل التلمساني الى ارتياد آفاق السينما الواقعية، على نحو ما ظهر في فيلمه الاول السوق السوداء.

وكانت المغامرة السوريالية في مصر حدثا تجديديا مهما في الثقافة المصرية المعاصرة. وبالرغم من ان تأثير الرؤى السوريالية على الادب العربي قد ظل محدودا، الا ان تأثير هذه الرؤى على الادب الفرانكوفوني في مصر كان ملموسا، وهو ما يظهر في اعمال منير حافظ وحورس شنوده وماري كافاديا وادمون جابس وجويس منصور وآخرين. اما في مجال الفنون التشكيلية فقد كان اثر السوريالية واضحا. والواقع ان دور الحركة السوريالية في مصر في تطور الفنون التشكيلية انما يعد دورا رئيسيا، فهو المسؤول عن التجديد التصويري الذي ما زال بالامكان تحسسه الى الآن. وعلى مستوى المنظورات السياسية والفعل السياسي، قدمت الحركة السوريالية في مصر اسهاما فريدا بنقلها للافكار الجذرية غير المتصالحة في الستالينية الى التربة المصرية.

وعلى مدار السنوات العشر الاخيرة، اصبح تراث الحركة السوريالية في مصر في بؤرة اهتمام الجيل الجديد من الادباء والفنانين الطليعيين في مصر. وقد ظهر اكثر من عمل حول تراث تلك الحركة، كما ظهرت ترجمات عربية لنصوص مهمة لجورج حنين ولجويس منصور ولادمون جابس، وتجلى تأثير هذا التراث في اعمال عدد من الشعراء والفنانين التشكيليين. وصدر مجلد يحتوي اعداد مجلة التطور (1997)، وبينما اكتب هذه السطور، ظهرت رواية جديدة لادوار الخراط تحتوي على بورتريهات ادبية لجورج حنين ورمسيس يونان وبولا حنين تتميز بدرجة عالية من التعاطف مع هذه الشخصيات ومن الحنين الى استعادة زمن المغامرة السوريالية. وكل هذه مؤثرات على ان تراث الحركة السوريالية في مصر ما زال يجد اصداء واضحة في الحياة الثقافية المصرية الآن.