بول دي مان
تفسير هيدغر لهولدرلين

ترجمة: سعيد الغانمي (كاتب وناقد من العراق) 


يحظى تفسير هيدغر لهولدرلين بأهمية كانت كافية لكتابة دراستين بحجم لا بأس به (1). وبسبب التأثير الخارق للشارح، تماما مثلما بسبب الصعوبة الاستثنائية للشاعر المشروح، تطرح هذه القراءات مشكلات متعددة. اذ لابد أن يسأل المرء عن مساهمة هيدغر في مجموع الدراسات عن هولدرلين، ولا بد ان يسأل أيضا ما مكانة هذه التفسيرات في مشروع هيدغر الفلسفي، والى أي حد أثرت في تطوره، وأخيرا يستدعي المنهج التفسيري عند هيدغر نفسه الاهتمام.

ترتبط الاسئلة الثلاثة ببعضها، لكن لا ريب أن السؤال الثالث هو الرابط بين السؤالين الاولين. ويصدر منهج هيدغر التفسيري صدورا مباشرا عن مقدمات فلسفته، ولا يمكن فصله عنها، حتى ان المرء هنا لا يستطيع الحديث عن «منهج» بالمعنى الشكلي للكلمة، بل بالاحري عن فكرة هيدغر في علاقة الفلسفة بالشعر، وأن قيمة مساهمته في الدراسات عن هولدرلين تتحدد بسلامة هذه الفكرة، التي هي فكرة وجودية (انطولوجية)، على وجه التحديد، وليست بالجماليات. فدراسة المنهج، اذن، مدخل ضروري للسؤالين الآخرين، اذ يتجاوز. مداهما قدرة مقالة واحدة.

ولكي نفهم طريقة تلقي دارسي الادب لمقالات هيدغر، لابد أن نضع في حسباننا الظروف الخاصة التي أحاطت بنشر أعمال هولدرلين وتحقيقها، فلقد تنوسي تماما طوال القرن التاسع عشر (ربما ببعض الاستثناءات التي من بينها نيتشه) تجديد الاهتمام بها الذي حصل في أواخر القرن، ولعب فيه دلتاي الدور القائد. ثم تم ايقاظ هذا الانتباه دفعة واحدة، فلم يستغرق اكتشاف هذا العمل الخارق، الذي حصل بين عامي 1800 و1803، وبقي غير منشور في الأغلب وقتا طويلا. فتولى نوربرت فون هيلنغرات اعداد الطبعة النقدية الأولى، التي أكملها بعد وفاته في سنة 1906 سيباس وفون بيغنوت، وظلت موثقة، وقتا طويلا، وهي الطبعة التي يستخدمها هيدغر في شروحه.

والتأثير الكبير الذي مارسه هولدرلين بعد هذه الكشوف، في المانيا اولا، ثم في فرنسا وبريطانيا أمر معروف، بحيث لا يؤخذ اليوم بوصفه أهم علم من اعلام الرومانسية الالمانية فقط، بل ايضا بوصفه واحدا من أعظم شعراء الغرب، بل لعله الشاعر الذي يقترب تفكيره من همومنا بحيث تتخذ رؤيته شكل هاجس نذير، ولهيدغر الحق في ان يطبق على هذا الشاعر نفسه بيته الشعري الغامض، وربما المنحول:

للعلك أوديب عجز واحدة لعلها أدهى

لكننا بعيدون عن معرفة هذا الشاعر الكبير، لانه يمثل العائق الاكبر دون الدقة والوضوح قبل أي شيء. وغزارة الصور وجمالها، وثراء القوافي وتنوعها أمر يفتننا، غير ان هذا الانبهار مصحوب بفكرة وتعبير هما دائما في سبيل البحث عن غاية الدقة ونهاية التدقيق. ومن خلال المحو والمسودات واعادة كتابة الشذرات، يبحث هولدرلين عن تعبير أصفى من سواه وأصوب.

ربما كان الاعتماد على نصوصه المباشرة اكثر اهمية بكثير من سواه. ولكن سرعان ما ظهر قصور طبعة هيلنغرات. وقد عمقت الكشوف الجديدة والمعرفة الاكثر اتساعا بأعماله، الحاجة الى طبعة نقدية جديدة. وهذه مهمة توشك ان تكتمل الآن: فبتوجيه من فردريك بيسنر نشرت ثلاثة اجزاء جديدة مما يسمى بطبعة شتوتجارت الكبرى، كلها معني بشعره ورسائله وترجماته، وتعد احد الانجازات الكبرى للفيلولوجيا العلمية الحديثة. فاستنادا الى اكثر المناهج ثباتا (الدراسة المفصلة للمصادر والمراجع السيرية والتاريخية، والمراجع الداخلية المقارنة، والتفسيرات النحوية، ودراسة القوالب الشكلية... الخ)، كما استنادا الى بعض الاجراءات التقنية الحديثة (دراسة نوع الورق والكتابة، بمعونة رقائق لصور مكبرة للمخطوطات) انتج بيسنر الطبعة النقدية الفريدة، وهي في حالة هولدرلين شيء ضروري وصعب التحقيق في الوقت نفسه.

يلح الناشر على موضوعيته، فلم يكن ليحفل بكتابة مقدمة، وتعليقاته ذات طبيعة معلوماتية خالصة، لان المقصود من عمله يقتصر على توفير مادة لتأويل قادم على اساس وطيد. ومنافع هذا الزهد واضحة، غير ان لهذه المنافع ثمنها، فالتواضع الفيلولوجي الحصيف، الذي يحظر التأويل على نفسه، ما لم تقف الابعاد الموضوعية للعمل على اساس وطيد، يضطر الى مغادرة عدد من القضايا دون ان تحل، ومن بينها بعض القضايا التي تتعلق بمستوى توطيد النص. وفي حالة هولدرلين، يتسع هامش اللاتحدد بصورة خاصة، لان الوضع المادي للمخطوطات كثيرا ما يكون بحيث يستحيل الاختيار بين قراءتين ممكنتين، في المواطن التي يكون فيها التوضيح اكثر ضرورة. ويجد المحقق نفسه ملزما بالاعتماد على المبدأ الذي يتبعه: ففي النتيجة تحاول الفيلولوجيا العلمية العثور على معايير موضوعية وكمية، في حين يحكم هيدغر باسم المنطق الداخلي لشرحه.

واليكم مثالا من بين أمثلة كثيرة، يستشهد «بيدا آليمان» بحالة البيت (39) في ترنيمة “Wie wenn am Feiertage”  الذي يقرأه بينسر:

Wenn es [das Lied] der Sonne des Tags und warmer Erd/ Entwachst [حين تطلع الاغنية من شمس النهار والارض الدافئة...]

لكن يبدو ان هولدرلين كتب كلمة entwacht (يوقظ)، بدلا من Entwachst (يطلع)، الامر الذي يعني الى معنى مختلف، لكنه يتفق تماما مع تأويل هيدغر العام لهذه القصيدة. وخلافا لكل من هلينغرات وبينسر، يحتفظ هيدغر بقراءة entwacht  (يوقظ)، بينما يشير بينسر الى سبعة امثلة أخرى في أعمال هولدرلين الكاملة، كتب فيها هولدرلين كلمة entwacht  بدلا من ent wachst ومن خلال هذا الدليل الكمي يحكم لصالح كلمةentwachst  ومن الواضح ان الحكم العقلي بين هذين المعيارين أمر صعب. وللمنهج الكمي بعض الترجيح الايجابي لصالحه، غير ان اختياره النهائي يظل، بالرغم من ذلك، اعتباطيا، اذ ليس من المحتمل ان يكون هولدرلين قد اختار مفرداته على أساس توزيع احصائي. وتعرف الفيلولوجيا هذا جيدا، وتقدم بطريقة نزيهة معقولة: ففي ملاحظة هامشية يصرف المحقق الانتباه الى المشكلة ويبقى السؤال مفتوحا. لكن ما لا ينكر ان المفسر يحق له، بل يجب عليه، اذا كان قادرا على تقديم تأويل مسؤول ومتماسك، ان يحكم استنادا الى ما يستخلصه من تأويل. وهذا في آخر الامر، هو احد اهداف التفسير كله. ويتوقف كل شيء، اذن، على القيمة الفعلية للتأويل.

لكن المسألة ليست بهذه البساطة، ما دام تأويل هيدغر قائما على فكرة ان ما هو شعري يريد ان يؤكد الاستحالة الجوهرية في تطبيق خطاب موضوعي على عمل فني. فهيدغر يقلص دور الفيلولوجيا الى مرتبة ثانوية، بالرغم من انه لا يتردد في الالمام بها كلما دعته الحاجة وهو يعلن انه حر من الالزامات التي فرضتها على نفسها. وقد وجد ان هذا العنف فظيع، وهو كذلك حقا، ولكن يجب ان يكون معلوما انه مستمد من مفهوم هيدغر عن الشعري، الذي يزعم انه استخلصه من فكر هولدرلين. والقبول بهذه الشعرية يعني القبول بنتائجها، وخلافا لـ"ايليس بدبيرغ"، لا يستطيع المرء ان يتابع هيدغر في أقواله الفلسفية، ثم يتنصل منه باسم منهجية تزعم هذه الاقوال انها تتعالى عليها. ولا قيمة للاعتراضات الفيلولوجية الصارمة التي تثيرها ضده، اذ من الواضح عزم هيدغر على مخالفة القوانين الراسخة للدراسة الادبية. فهو يستند الى نص لابد انه يعرف عدم موثوقيته، وينخرط في تحليل مفصل له، محيلا الى تصويبات في مخطوطات، وملاحظات هامشية، وما اشبه، دون ان يتحقق من شروط الضبط، او في الاقل، دون ان يقوم بها على الوجه الاكمل، وهو يعلق على القصائد، كلا بمعزل عن الاخرى، ويعقد المماثلات بينها استنادا الى اطروحته الخاصة فقط، وحين لا تنسجم فقرة ما مع تأويله وسنرى مثالا على هذه يكتفي بطرحها جانبا. وهو يتجاهل السياق، ويعزل الابيات او الكلمات عن بعضها لكي يضفي عليها قيمة مطلقة، دون اعتبار لوظيفتها المخصومة في القصيدة التي يقتطفها منها، ويقيم دراسة كاملة عميقة عن كون «الانسان يسكن شعريا» على أساس نص، ربما كان منحولا، ضمنه بينسر تحت عنوان (نسبة ملتبسة). وفي هذه الدراسة نفسها يقتبس، دون شعور بالذنب، وعلى نحو مماثل للاعمال الاخرى، قصيدة عن جنون هولدرلين، قصيدة وقعها هولدرلين وأرخها: "المخلص لك بتواضع، سكاردانيلي 24/ أيار/1748".

ويتجاهل تماما كل القضايا المتعلقة بالتقنية الشعرية، التي كان هولدرلين بالتأكيد يحيطها باهمية بالغة، اذ لا يمكن تفسير عدد من مواطن الشذوذ والغموض في هذه القصائد دون الاشارة اليها. ويمكن للمرء ان يمضي في احصاء حروق هيدغر لقواعد التحليل النصي الاولية. مع ذلك ليست هذه الحروق اعتباطية لغياب الضبط، بل انها تستند الى شعرية تسمح بالاعتباطية، بل تستدعيها، ومن اللازم علينا، ان نعاين هذه الشعرية بايجاز.

هولدرلين، عند هيدغر، هو أعظم الشعراء (شاعر الشعراء) لانه يبين ماهية Wesen الشعر. وتكمن ماهية الشعر في تبيان الباروزيا، او الحضور المطلق للوجود، وبهذا يختلف هولدرلين عن الميتافيزيقيين الذين يرفضهم هيدغر، اذ انهم مخطئون جميعا، الى حد ما في الاقل، وهولدرلين هو الوحيد الذي يستشهد به هيدغر، كما يستشهد المؤمن بنصوص الكتاب المقدس. فليست المسالة مجرد نقد بالمعنى الابستمولوجي للكلمة، فكل مفكر كبير، شأنه شأن هولدرلين، منخرط في الباروزيا، لأن ماهية الباروزيا الا يفلت منها أحد. لكن هناك اختلافا جوهريا بينهما، فحيث يبين هولدرلين حضور الوجود، وتكون كلمة الوجود حاضرة لديه، وهو يعرف ان هذه هي الحالة، يبين الميتافيزيقيون، من ناحية اخري، رغبتهم بحضور الوجود. ولكن ما دامت ماهية الوجود ان يكشف عن نفسه باختفائه فيما ليس هو، فهم لا يستطيعون تسميته ابدا. انهم مخدوعون بحيلة الوجود، وهم أغرار برغم ادعائهم الافراط في العلم، لان ما يسمونه ماهية، ليس سوى الوجود المتنكر، وما يرفضونه بوصفه نفيا للماهية، هو في واقع الامر، الوجه الحقيقي للوجود نفسه. وهم يقولون الحقيقة، ولكن دون ان يعرفوها. وهذه الحقيقة واضحة فقط للميتا - ميتافيزيقي، او ما وراء - وراء الطبيعي (هيدغر) الذي يجد نفسه في موقع قريب من "الفيلسوف" الذي يمتلك اصلا «الروح المطلقة» (في ظاهراتيات الروح لهيغل)، فكما نفذ هيغل الى حركة الوعي وتمكن من شجب اليقين الساذج بالوعي الطبيعي باسم الحقيقة المطلقة للوعي بالذات، نفذ هيدغر الى حركة الوجود، وتمكن من كشف النقاب عن ارادة حضور الوجود، كما يظهر نفسه في الكينونة، باسم باروزيا الوجود. وتتضح هذه الفكرة اتضاحا كاملا، وتتطور بصورة عامة في الضميمة التي أضافها الى مقالته "ما الميتافيزيقا؟"، حيث يقول ان ما تتصوره الميتافيزيقا لا - وجودا هو في واقع الامر، وجود منسي.

من ناحية أخرى يعرف هولدرلين حركة الوجود هذه. ويصفها في مرثية Heimkunft ولا سيما في فقرتين منها:

Was du suchest, es ist nahe begegnet dir schon [ما تبحث عنه، قريب، ماثل أمامك]

وهو بيت يبين الباروزيا والضرورة المتناقضة في وجوب البحث عما يقدم نفسه مباشرة. ويكتمل هذا البيت ويفسر بما يأتي:

Aber das Beste, der Fund, die unter des heiligen Friedens Bogen lieget, er ist Jungen unt Alten gespart ان الاجدي، تلك اللقية، التي تكمن تحت قوس السلام المقدس محفوظة للصغار والكبار).

اذا قرأنا هذا البيت على طريقة هيدغر، فانه يبين ان حركة الوجود خفية منغلقة. والشاعر الذي شهدها وتصورها، شهدها وتصورها اكثر من الميتافيزيقي، لانه شهد الوجود كما هو في حقيقته. انه يجد نفسه في الحضور المطلق للوجود، وقد صكته الصاعقة الهيروقليطية لسطوع الحقيقة، ولذلك لن يسمي كون الوجود يقدم نفسه للميتافيزيقي قناعا خادعا، بل يرده الوجه الحقيقي له:

Jetzt aber tagts! lch harrt und sah es kommen Und was ich sah, des Heilige sei mein Wort.  [لكن ها هو النهار ينبثق ! لقد انتظرت ورأيته قادما وما رأيته، ليكن المقدس كلمتي.]

يبين شرح مرثية Heimkunft الطبيعة الغامضة للوجود التي يجب ان نتعرف فيها الاضطراب الخاص، والطبيعة الانجذابية للآنية Daseir في "الوجود والزمان". ويبين شرح ترنيمة « wie wenn am Feirtage...  التي انتزعنا منها الابيات السابقة، المصير الناشيء عن الانكشاف: النهاية الوشيكة لليل الخطأ عن طريق عودة دورية لاشراق الحقيقة الاصيل، ذلك الانجذاب الزمني الذي يستأنف انفتاحه على مستقبل تاريخي يفهم على شكل أخروية، ومواءمة قريبة بين المصير والوجود. او بعبارة مختلفة نوعا ما، تبشر بما ستصير اليه طريقة هيدغر فيما بعد، يعيد شرح Andenken صياغة التعليقين السابقين ويجمع بينهما في البيت الاخير:

Was bleibet aber stiften die Dichter [لكن ما يبقى يؤسسه الشعراء]

الذي يرى هايدغر انه يعني: ان الشاعر يؤسس الحضور المباشر للوجود بتسميته.

في البداية يظهر هنا سؤال واحد: لماذا يحتاج هيدغر للاشارة الى هولدرلين ؟ قيل وتكرر القول ان هذه الشروح ليست سوى صياغة لفكره الخاص تستخدم هولدرلين ذريعة لها، او مجرد مرجع مهيب يضفي على ما يؤكده مزيدا من الموثوقية. غير ان هيدغر هو المفكر الذي يستغني عن كل مراجع الموثوقية المتاحة (بطريقة غامضة دون شك، يتوافر خير مثال عليها بمعالجته كانط وهيغل) فلماذا يستبقي هولدرلين على وجه التحديد؟ لا لان هولدرلين شاعر، لاننا نعرف من دراسته عن «رلكه» ان الشعراء ليسوا اقل عرضة "للخطأ" من الميتافيزيقيين. ووفقا لانتهاك "ايليس بدبيرغ" يساوي هيدغر بين ملاك المراثي وزرادشت نيتشه. مع ذلك، يظل «رلكه» الشاعر الاقرب الة هيدغر، اذ يشترك معه في همومه. ويضعنا هذا الشذوذ في طريق تفسير ما.

حين يقرأ المرء آخر شرح على هولدرلين: «يسكن الانسان شعريا»، يفهم لماذا يحتاج هيدغر الى شاهد، الى من يمكنه ان يقول عنه انه سمى الحضور المباشر للوجود. الشاهد هو حل هيدغر للمعضلة التي عذبت الشعراء والمفكرين والمتصوفة: كيف نصون لحظة الحقيقة ونحفظها؟ في رأي هايدغر، لقد نسي جميع الميتافيزيقيين الغربيين من انا كسمندر الى نيتشه، الحقيقة بنسيان الوجود. ولا يزيد المعروف عن الفلسفات الشرقية عما قاله هولدرلين في القصيدة الغامضة «Der Ister»  كيف يتأتى لنا تعزيز استذكار الوجود الحقيقي بحيث نعثر على طريق عودتنا له ؟ لابد ان تكون هذه اللقية، هذه الـ Fund في مكان ما، واذا لم تكشف عن نفسها، فكيف سنستطيع الحديث عن حضورها؟ لكن ها هو من يقول لنا انه رأها - وهو هولدرلين - ومن يستطيع فضلا عن ذلك الحديث عنها، وتسميتها، ووصفها، فلقد زار "الوجود" واخبره "الوجود" بأشياء حفظها عنه، وها هو يعيدها على مسمع الملأ. وهيدغر، فيما يتعلق به شخصيا، غير متأكد بما يكفي انه شهد «الوجود» وهو يعرف على اية حال، انه ليس لديه ما يقوله عنه سوى انه يخفي نفسه. لكنه لا يريد التوقف عن الخطاب، ما دام قصده ان يستجمع "الوجود" ويؤسسه بوساطة اللغة. وهو يريد ان يظل مفكرا، لا ان يتحول الى متصوف. يجب ان تظل تجربة الوجود تجربة ممكنة القول.

وفي الحقيقة، فان ما يحفظ ويصان، يوجد في اللغة، اذن لا بد من وجود شخص ما لا غبار على نقائه، يمكنه ان يقول انه سافر، في هذه السكة، وشهد ومضة الاشراق، يكفي شخص واحد، واحد لابد من وجوده. هنا تكون الحقيقة، التي هي حضور الحاضر، قد دخلت في صلب اللغة. فاللغة - أي لغة هولدرلين - هي الحضور المباشر للوجود. مثل هيدغر،. هي ان نحفظ هذه اللغة ونصون «الوجود».

حفظ الوجود وصونه هو الشرح، هو التفكير بهوليدرلين. هذا هو المنهج. يعرف هولدرلين الوجود معرفة مباشرة، ويقوله قولا مباشرا، ولا ينقص الشارح سوى الانصات، العمل هناك وهو نفسه باروزيا، فالوجود يتحدث بلسان هولدرلين، كما تحدث الاله على لسان الرائي كلخاس في الالياذة. حفظ العمل يعني ان ننصت اليه وحسب، بكل ما في وسعنا من انفعال، عارفين انه حقيقي على نحو مطلق وفريد. ويستعير هيدغر صورة شعرية من هولدرلين ليقارن العمل بجرس يجعله الشارح يرن (كلمة الشرح والتأويل في الالمانية Erlauterung تنطوي على الفعل lauten يرن، يدوي، يجلجل)، وهو يجعلنا نصغي لما يتشبت بذاته كليا، كانما يسقط البرد على جرس. ليست القضية اذن، ان تلحم حرية ما بحرية أخرى مثلها، تحاول ان تجد منفذا لها الى الحقيقة، فذلك تأول ونقد، يصح فيه الا تشرب تأول الوجود شائبة، ولا فعل سوى استقبال الوجود وحفظه. اما التأويل فلا يناله سوى الميتافيزيقيين - وحينئذ يتخذ شكل تحليل وجودي، وطهر لا يحظى به الا من كان قادرا على الانصات الى صوت "الوجود". مع هولدرلين، لا يوجد قط اي حوار نقدي. لا شيء في اعماله يخلو عن ان يكون محوا وغموضا وعتمة، يخلو عن ان يريده الوجود نفسه على نحو مطلق وكامل. فقط من يحط بذلك احاطة حقيقية، يستطع ان يكون «محرر» الوجود، ويفرض فواصله التي تصدر عن «ضرورة الفكر نفسه »، وما ابعدنا منا عن الفيلولوجيا العلمية.

يستدعي مثل هذا الموقف المحاكاة السافرة في تجاوزاته الواضحة، ولكنه امر ضروري في داخل الفكر الهايدغري، لان طموح هذا الفكر الا يكتفي بقول الحقيقة فقط، بل انه يحتل مكانة في الباروزيا، وان يسكنها ويقطنها. والشرح الذي هو حفظ للوجود وصون له هو ايضا في التحليل الاخير، الطريقة التي يمكننا من خلالها السكني في «الوجود» الواقعي، بدلا من السكني في مقلوبة. وتؤسس الوحدة المباشرة للكيانات الثلاثة: الوجود والشاعر والآنية الانسانية التي تنصت، بناء يمكننا ان نواصل المكوث فيه. وفي نصوص هيدغر المتأخرة، يمعن الوعد الاسمي الذي

يخفي نفسه وراء مذبح الميتافيزيقا التقليدية في الاعلان عن نفسه جهرا. وما دام الوجود قد أسس نفسه في اللغة في عمل الشاعر (هولدرلين)، فاننا نعد انفسنا، بتفكر هذا العمل، للعيش في حضورا لوجود و«السكنى شعريا على الارض».

حاجة هيدغر الى شاهد، اذن،أمر قابل للفهم. لكن لماذا ينبغي ان يكون هولدرلين ؟ لا ريب ان هناك أسبابا ثانوية ذات طبيعة عاطفية وقومية لايلائه الافضلية. فقد تم تدبر شروح هيدغر مباشرة قبل الحرب العالمية الثانية، وفي أثنائها، وهي ترتبط ارتباطا مباشرا بتأمل مكروب في المصير التاريخي لالمانيا، وهو تأمل يجد له صدى في قصائد هولدرلين "القومية". لكن هذه قضية تنأى بنا عن موضوعنا الاساسي. وهناك سبب آخر أعمق بكثير يبرر هذا الاختيار: وهو ان هولدرلين يقول النقيض تماما لما يجعله هيدغر يقوله. وهذا التأكيد متناقض ظاهريا وحسب. فعل هذا المستوى من الفكر يصعب التمييز بين قضية معينة، وما يشكل نقيضها. وفي واقع الامر، ان تذكر النقيض يعني ان تتحدث عن الشيء نفسه، وان يكن بمعنى مناقض. وان من اكبر الانجازات، في حوار من هذا النوع، ان يتفق المتحاوران على الحديث على الشيء نفسه. حقا يمكن القول ان هيدغر وهولدرلين يتحدثان عن الشيء نفسه، فمهما عاب المرء على شروح هيدغر، تظل اهميتها في كونها أبرزت لب هموم هولدرلين، وهي بهذا تتخطى الدراسات الاخرى. برغم ذلك، فانها تقلب فكره وتعكسه.

يتطلب بيان هذه القضية دراسة مستفيضة لعمل هولدرلين. ولابد ان نكتفي بايجاز بعض العناصر في هذا البيان، اعتمادا في الاساس على الشرح الرئيسي، أعني شرح ترنيمة “Wie senn am Feiertage...” قبل ان نشرع بهذا، لابد ان نؤكد على اهمية هذا السؤال في عموم فلسفة هيدغر، مع هولدرلين، لا يستطيع هيدغر اللجوء الى الغموض الذي يشكل عماد مساهمته الايجابية واستراتيجيته الدفاعية معا: فهو لا يستطيع ان يقول، كما يقول الميتافيزيقيون، انهم يعلنون عن الحقيقي والزائف، وانهم تزداد عظمتهم كلما امعنوا في الخطأ، وانهم كلما زاد قربهم من "الوجود" زاد هوسهم بحركته الاستخفائية. فلكي يتحقق وعد انطولوجيا هيدغر، يجب ان يكون هولدرلين ايكاروس العائد من طيرانه: اي يجب ان يبين بيانا مباشرا وايجابيا حضور الوجود، وامكان حفظه في الزمان ايضا. لقد أسند هيدغر مذهبه كاملا الى امكان هذه التجربة. وربما فسر هذا سبب شعوره، مذعنا لتكتيك قد لا يكون شعوريا، بالحاجة الى الاعتماد على العمل الذي يصرح بانه هو هذه التجربة التي هي، من بين كل التجارب الاخري، محظورة على الانسان بالكامل.

هذه الترنيمة المنقوصة وغير المعنونة التي تبدأ بالبيت:

Wie wenn am Feiertage das Feld zu asehen…

[ما لو في يوم عيد، ترى حقله] (1800) هي واحدة من اشهر قصائد هولدرلين، لقد أثرت بعمق في شعراء من طراز شتيفان غيورغي ورلكه على النصوص، لانها تهتم بالتوتر الذي يولد منه الفعل الشعري، وهي تعبر عن ماهيتها اكثر من أية قصيدة.

يبدأ شرح هيدغر باظهار ان الترنيمة ترى أن الشاعر هو الماثل في حضرة الوجود، وان كلمة «طبيعة» يجب ان تجعلنا نفكر، لا بالطبيعة ما قبل سقراط phusis لانها مفردة أفسدها التراث الميتافيزيقي، بل بالوجود كما يفكر به هولدرلين، وكما هو على حقيقته. ويتأكد هذا التعريف لكلمة (طبيعة) في القطعة التالية:

Denn sie, sie seibst, die alter donn die Zeiten Und uber die Gatter des Abends und Orient ist, Dir Natur…

[لأنها، لأنها، ذاتها، التي هي أقدم من العصور كلها وفوق آلهة الشرق والغرب الطبيعة...]

انه تعريف يجد تكملته في نعوت تصف الطبيعة وفعلها، ولا سيما عبارة: «كلية الحضور على نحو مذهل». ويبرر الوصف التماهي الذي يجريه هيدغر بين الوجود والطبيعة، فمن الواضح انها ليست طبيعة بالمعنى الرعوي، ولا حتى بالمعنى اللاشعوري الذي تختزنه الكلمة في الشذرات الفلسفية لحقبة همبرغ، بل هي ذلك الالمام المباشر (الحضور) لما يكون بمثابة سناد لكل الموجودات، ذلك الذي يسبقها ويجعل من الممكن استحضارها امام الوعي. وما يسمى بحضور الحاضرين، في الجهاز الاصطلاحي لهيدغر، اي الماهية المشتركة للاف