|
||||||||
|
لا
يزال نص "رسالة
الغفران"
الذي يحتل
مكانا بارزا
في ابداع
الفيلسوف
والشاعر
العربي
الأشهر أبي
العلاء
المعرى، كما
يحتل مكانا
بارزا في "أدب
الرحلة الى
العالم
الآخر" في
التراث
العربي
والعالمي،
لا يزال هذا
النص الملغز
والمعجز
يحتاج من
الدارسين
والباحثين
المعاصرين
الى فطنة
خاصة وموهبة
بحثية
ونقدية حتى
تحل شفرة هذا
النص ذي
الوجوه
المتعددة،
وحتى يكشف عن
معناه
ومغراه
الحقيقي. وفي
هذا الاطار
من الشوق
المعرفي
والرغبة، في
التغلب على
التحدي الذي
تشكله "رسالة
الغفران"
للباحثين كي
ينفذوا من "تلك
الطرافة
الفائقة
الكثيفة
التي تصل الى
حد العنف عند
ابي العلاء"
تأتي دراسة
الباحثة
الدكتورة
منى طلبة
المقارنة
لرسالة
الغفران في
سياق أدب
الرحلة الى
العالم
الآخر في
تراث
الحضارات
القديمة
والوسيطة،
والتي نالت
عليها درجة
الدكتوراة
في الآداب
بمرتبة
الشرف من
جامعة عين
شمس 1997. الدراسة
التي بلغت
صفحاتها
خمسمائة
وخمسين صفحة
من القطع
الكبير
تحاول
الاجابة على
السؤال: «ما
الذي كان
يعنيه ابو
العلاء على
وجه الدقة ؟»
مصطحبة معها
في رحلة
البحث عن
الاجابة ما
اشار له
الدكتور علا
حسين المولع
بابي العلاء
وأدبه
وفكره، من
حاجة الباحث
في رسالة
الغفران "إلى
دقة
الملاحظة،
وحذق
الفطنة،
وبعد نظر،
ونور بصيرة ".
وتضع
الباحثة
أمامنا - منذ
المقدمة -
استراتيجيتها
البحثية وهي
الكشف عما
تعنيه رسالة
الغفران،
كما تضع
أمامنا
وسائلها
للوصول إلى
هذا الهدف،
فهي تبدأ
بدراسة
مفصلة لموقف
النقاد من
أبي العلاء
ونصه، ثم
محاولة فهم
مواقفه
الفكرية من
خلال
أعماله،
لتصل في
النهاية إلى
الدراسة
المقارنة
لرسالة
الغفران
بأدب الرحلة
للعالم
الآخر في
النصوص
السابقة
عليها والتي
عرفتها
الآداب
العالمية
المختلفة،
مع مقارنة
خاصة برحلة
القديس سان
براندان “le
voyage de saint Brandan” التي
كانت تروى
شفافيا في
القرن
السادس
الميلادي،
وترجع أقدم
مخطوطة لها
إلى القرن
الحادي عشر
الميلادي.
والقديس
براندان
راهب
ايرلندي
نسبت اليه
رحلة أدبية
خيالية الى «الجنة
الأرضية»
وهو وان عاش
في نهاية
القرن
السادس
الميلادي (ت 583)
الا أن
روايته لم
تنتشر في
أوروبا في
العصور
الوسطى بعد
ترجمتها الى
اللغات
الاوروبية
القديمة. وهي
رحلة يمر
القديس
ورفاقه
خلالها
بسلسلة من
المغامرات
والعقبات
طوال
السنوات
السبع التي
تستغرقها
الرحلة حتى
يصلوا إلى
الجنة
الأرضية «التي
يقال انها
تحمل أوصاف
القارة
الامريكية»
وقد ترجمت
الباحثة نص
رحلة القديس
براندان عن
الفرنسية
الحديثة..
والنصان: «رسالة
الغفران» و«رحلة
القديس
براندان»
ينتميان الى
أدب القرنين
العاشر
والحادي عشر
الميلاديين..
حيث كتب أبو
العلاء
رسالته،
ودونت رحلة
الراهب
الايرلندي. فيلسوف
المعرة
الضرير
ولد
أبو العلاء
بمعرة
النعمان
القريبة من
مدينة حلب
السورية عام
363هـ وتوفي
بها عام 449هـ
في أسرة
عربية
عريقة، كان
منها أكثر
علماء وقضاة
وشعراء
المعرة.
وأصيب وهو في
الرابعة من
عمره
بالجدري
الذي فقد
بصره بسببه.
وتلقى العلم
- على عادة
عصره - على
أبيه وعلى
أئمة علماء
الدين
واللغة
والأدب، ثم
قام برحلة
إلى عاصمة
الخلافة
بغداد التقى
فيها بكبار
الفقهاء
والعلماء
والأدباء،
لمدة ثمانية
عشر شهرا ثم
عاد الى
بلدته وقد
قرر ان يعتزل
الحياة
والناس،
وفرض على
نفسه نظاما
صارما في
المأكل
والملبس،
مقتصرا في
طعامه على ما
تنبت الأرض
وفي ثيابه
وفراشه على
الخشن
واليسير و«له
وقف لا يأخذ
منه الا ما
يسد به حاجة
قوته، ويوزع
على الناس كل
ماله، فلا
يمنع نعمته
أحدا». وفي
عزلته
الاختيارية
انصرف الى
التأليف
والتعليم لا
يأخذ عنهما
أجرا، والتف
حوله العديد
من التلاميذ
الذين عوذوا
فضله ونبوغه
من القضاة
والأئمة
والخطباء
وأهل التبحر
والديانات.
وكان يجلس
حوله أكثر من
مائتي رجل
قادمين اليه
من مختلف
البلدان
يسمعون منه
ويكتبون
عنه، واشتهر
أبو العلاء
المعرى في
الثقافة
العربية
والعالمية
بحياته
الغريبة. فقد
آثر الغرابة
والاختلاف
مع الكثير في
العالم الذي
يحيط به.. فهو
زاهد متعبد
مؤمن بالله
الواحد
الأحد، وهو
منكر للتدين
الشكلي
ولنفاق
الفقهاء
وغلاة
الصوفية،
مثلما هو
رافض
للملاحدة،
وناقد لاذع
للمعتمدين
في علوم
الدين على
النقل
والرواية،
والمعتمدين
على العقل
والتأمل
الفلسفي معا.
لقد كان يبدو
في نظر كثير
من معاصريه،
مثلما يبدو
في نظر
كثيرين
الآن، واحدا
ضد الجميع،
يصدق عليه ما
قاله عن
الانسان
عامة: «والذي
حارت البرية
فيه.. حيوان
مستحدث من
جماد» لقد
رآه البعض
مفكرا
وأديبا
متفردا في
زمانه، وكل
الأزمنة،
وفتن
بابداعه
كثيرون في
عصره
وعصرنا،
فرأوا فيه
أعظم شاعر في
تاريخ
الثقافة
العربية
قديما
وحديثا،
وواحدا من
عبقريات
الثقافة
العالمية،
وبالطبع فقد
نزل به آخرون
الى الحضيض،
فهو "لا عقل
له ولا دين،
وهو متحذلق
دعي، متظاهر
بالحكمة"
وهو:
وتنظر
الباحثة
فيما نحته
نقاد أبي
العلاء
القدماء من
ترجمة
لحياته،
وتتبع
لرحلاته،
وإحصاء
لمؤلفاته،
من خلال تطور
علم
التاريخ،
والذي تعتمد
فيه على
تقسيم
الدكتور عفت
الشرقاوي في
كتابه «أدب
التاريخ عند
العرب،
لكتابة
التاريخية
العربية الى
مرحلتين هما:
التاريخ
بالرواية،
والتاريخ
بالدراية. «أما
التاريخ
بالرواية
فيشمل تلك
المرحلة
التي عنى
فيها
المسلمون
بالرواية
وتوثيقها،
ثم الترجيح
بين
الأسانيد،
دون نظر في
متن المنقول
ودون تأمل
فلسفي
ومنهجي
لمضمونه،
يغلب عليهم
في فكرة
التاريخ
وغايته معنى
العظة
والتأسي.
ويبلغ هذا
المنهج قمته
في القرن
الثالث
الهجري عند
ابن جرير
الطبري شيخ
مدرسة
التاريخ
بالمنقول.
أما التاريخ
بالدراية
فهو يعني
بالنظر
العقلي في
متن النص
التاريخي
المنقول،
ويعتمد على
الملاحظة
والمعاينة
المباشرة
ومحاولة
الرجوع الى
المصادر
الأولى،
ويهتم
بالمتعدد
والمتحول
الذي هو
موضوع
الظاهرة
التاريخية،
وبما
يلامسها من
ظروف سياسية
واجتماعية
وثقافية
واقتصادية،
ويمثل
المسعودي في
القرن
الرابع
الهجري
بدايات هذا
المنهج،
الذي اتخذ
اتجاها
اخلاقيا عند
مسكويه،
وتطور الى
منهج علمي
دقيق عند
البيروني،
وبلغ ذررته
عند ابن
خلدون». وترى
الباحثة ان
مراحل
الترجمة
لأبي العلاء
- سواء لدى
المعاصرين
له أو
المتأخرين
عنهم. لم
تنفصل بعضها
عن بعض، وأن
منهج
الرواية قد
غلب في
الترجمة له،
ولم يستخدم
منهج
الدراية الا
عند
المؤرخين
المتأخرين،
وعلى
استحياء -
مثل ابن
خلكان وابن
العديم - ولا
تتميز
التراجم
الطوال عن
التراجم
القصيرة
بالتحليل او
ذكر
الروايات
المختلفة
وتحقيقها،
ولكنها تطول
بكثرة
الشواهد
التي
يوردونها من
شعره ونثره،
حتى لتبدو
هذه الشواهد
والروايات
المتعددة عن
حياته
وكأنها غاية
في ذاتها،
بينما يهمل
معظم هؤلاء
المترجمين
ذكر تاريخ
ميلاده أو
وفاته، كما
يبدو
المترجم في
جمعه
للروايات
المتناقضة،
وكأنه حريص
على الا يترك
للقارىء
حرية
التمييز
بينها،
بينما يعطي
نفسه الحق في
دس
التعليقات
التي تعبر عن
قناعاته
الفكرية هو،
لا المعرى،
مثلما يفعل
العباسي في
التعليق على
ما أورده من
جيد شعر
المعري في
رأيه، يقول
المعري:
ويقول
العباسي "لا
حول ولا قوة
الا بالله
العلي
العظيم.
اللهم إني
استغفرك من
نظير هذه
الأباطيل
التي تشمئز
منها
القلوب،
وتنفر عنها
الخواطر.
وأسألك
التوفيق لي
ولسائر
المسلمين". وترى
الباحثة أن
قيام ترجمة
القدماء
لأبي العلاء
على محوري
الجمع
والتضاد،
كان سببا في
اتساع
التراجم
الخاصة بأبي
العلاء
وتقليل
الفائدة
المرجوة
منها، وبدت
جهود هؤلاء
الذين
ترجموا
لحياة أبي
العلاء «وكأنها
قد عكفت على
بيان الحدود
بين
المتضادات:
الكفر
والايمان -العقل
والنقل -
الحلال
والحرام -
الجنة
والنار -
الوعد
والوعيد.. أو
كأنها
تستهدف
تكريس
التضاد
والتحول
بواقع ثراء
منقولها من
الروايات،
الى نوع من
الجدل
للغلبة
والصرعة
بدلا من أن
تتمثله
كحوار
للتكامل
والتواصل
يؤسر
للديندميكية
والتطور»
وتسوق
الباحثة في
تعليل ذلك
ملاحظة هامة
وذكية، وهي
أن معظم
الذين
ترجموا
لحياة أبي
العلاء
كانوا من
علماء
الحديث،
كابن الجوزي
والذهبي
وابن كثير
الفقيه
الشافعي،
وقد طبقوا
منهج علم
الحديث الذي
يعتمد على
الرواية
وتوثيقها
وذكر
الاسانيد
عند سره كل
خبر. أما
الأدباء
الذين
ترجموا لأبي
العلاء فقد
اهتموا
بأدبه أكثر
من المحدثين
والفقهاء،
وإن كانوا لم
يتحرروا من
آرائهم في
عقيدته. لقد
اعتمدوا
جميعا على
استراتيجية
البرهان
للتدليل على
آرائهم،
والبراهين
التي ساقوها
اما انها
براهين
تعتمد على
المنطق
لاثبات
تناقضات فكر
أبي العلاء،
اما انها
براهين
تعتمد اللغة
والبلاغة
للتأثير
والاقناع.
ولكن مجال
البرهان،
كما يقول
عالم اللغة
الفرنسي «فينو»
هو مجال
أشباه
الحقائق، أو
مجال
المحتمل،
ذلك أننا لا
نحكم ولا
نتداول فيما
لا يحتمل
التداول،
ولا نبرهن
على ما هو
يقين. وقد
شغل
المترجمون
لحياة أبي
العلاء
وفكره وأدبه
بثلاثة
موضوعات
رئيسية هي: 1-
سعة
علمه. 2-
عقيدته. 3-
غموض
نصوصه. وقد
اتفق
القدماء على
سعة علمه،
ولكنهم
تناقضوا في
الموقف من
عقيدته، فهو
ملحد،
زنديق،
كافر، عند
فريق (ابن
كثير -ابن
عقيل -
العيني - ابن
الجوزي) وهو
ناسك، ورع،
زاهد عابد (ابن
العديم -أبو
اليسر
المعري -
العباسي
المكي) ويعده
الامام
الغزالي
وليا من
أوليا، الله
الصالحين ! وتتبع
الباحثة في
دأب ذكي وطول
نغمر الآراء
المتناقضة
للذين
ترجموا
لحياة أبي
العلاء من
المعاصرين
له
واللاحقين،
الذين شغلوا
أنفسهم
وقراءهم
بالبحث عن
عقيدة الرجل
وحقيقة
إيمانه من
وجهة نظرهم،
فأبو العلاء:
-
يراوح بين
الحيرة
والشك
والضلال. -
وهو مختلف
الأحوال يصل
أحيانا الى
الجنون
والعته
والحمق. -
وهو تائب
ارعوي وحسن
اسلامه في
آخر عمره. -
وهو مكذوب
عليه، تعمل
تلامذته على
لسانه
الأشعار،
يضمنونها
أقوال
الملاحدة
قصدا لهلاكه
وحسدا لفضله. -
أو: انه كان
يقول ذلك
مجونا
ولعبا،
ويقول
بلسانه ما
ليس في قلبه،
وقد كان
باطنه مسلما. -
والناس في
أبي العلاء
مختلفون،
فمنهم من
يقول: انه
كان زنديقا..
ومنهم من
يقول: كان
زاهدا
عابدا، يأخذ
نفسا
بالرياضة
والخشونة
والقناعة
باليسير،
والاعراض عن
اعراض
الدنيا. -
مارق عن
الاسلام
السني ينحو
نحو التشيع. -
يذهب مذهب
الهنود
البراهمة،
في إثبات
الصانع،
وإنكار
الرسل،
وتحريم أكل
الحيوانات
وإيذائها. -
قد شككه راهب
في دينه. -
صاحب زهد
فلسفي، يرى
رأي الحكماء
وأوائل
الفلاسفة،
في أن ايجاد
الولد
واخراجه الى
هذا العالم
جناية عليه
لأنه يعرضه
للحوادث
والآفات. وتبدو
هذه الآراء -
كما تعلق
الباحثة -
وكأنها
اختراق لنسق
التضاد بين
الكفر
والايمان «ولكنها
تناثرت في
بعض عبارات
تبرر ولا
تقوى على
النهوض
بمفردها في
وجه تلك
الثنائية
الراسخة،
وندر أن ترد.
هذه الآراء -عند
اي مترجم دون
ان تدس دسا
ضمن ما شيع
وما تضاد من
الرأي حول
أبي العلاء،
وهي أيضا
تتبع منهج
الاستشهاد
بمقتطفات من
نصوص أبي
العلاء دون
أن يكون في
خروجها عن
التضاد،
تكلف لمشقة
تحقيق
النصوص
وتحليلها
واستقرائها
في كليتها،
وقد انسحب
الموقف
المتناقض
للقدماء
تجاه عقيدة
أبي العلاء،
على نصوصه
فوقفوا
أمامها
موقفا
مرتبكا.
فأدبه «يوجب
التهمة في
حقه» و«أشعاره
تدل على
التناقض»
وهي «أباطيل
ولكن له شعر
جيد» و"نحن
نذكر طرفا من
شعره ليعلم
صحة ما يحكي
عن إلحاده"
وكان ديوانه
«اللزوميات»
هو المصدر
الرئيسي
للاستشهاد
بأفكاره
وتأكيد آراء
المترجمين
في عقيدته،
وقد تعاملوا
مع
اللزوميات
على أنها نظم
للفكر
والعقيدة "لا
عملا من
أعمال
الشعراء وما
تحمله من
خيال كذوب،
فحرموه من أي
بعد فني
يتدعي
التأويل
والتأمل،
كما حرموا
الشعر قبله
من أبعاده
الفلسفية".
وترجع
الباحثة
قضية تعامل
النقاد
القدماء مع
شعر أبي
العلاء، في
اللزوميات،
على انه فكر
منظوم،
لمفهوم
هؤلاء
النقاد
للأدب،
الذين كانوا
يرونه
ابداعا
منفصلا عن
الفكر،
فالشعر
عندهم «اما
أن يكون نظما
لأفكار،
واما أن يكون
مبالغة
وتزيينا
لمعان ثابتة
لا تنتمي الى
رؤية موحدة
وعميقة
للوجود» كما
أن أبا
العلاء كان
مسؤولا - في
رأي الباحثة
- عن التعامل
مع شعر»
كوثيقة دالة
على أفكاره
ومشاعره،
وهو ما يفهم
مما كتبه في
مقدمة
ديوانه
اللزوميات
فهو يبدو
وكأنه ينفي
الكذب عن
شعره، ولكنه
في حقيقة
الأمر يقدم
مفهومه
الخاص لقضية
الصدق
والكذب في
الشعر، كما
يقدم منهجا
خاصا به في
الشعر، فهو
يعتمد في
منهجه على
البناء
والنظام
الذي يتماسك
بموجب وحدة
الموضوع
والفرض.
والبناء
الشعري عنده
يعتمد على
الوحدات
المفردة،
التي لا يلحق
بعضها ببعض،
ولا يقوم
بعضها فوق
بعض، وانما
هي تنويعات
على لحن
واحد، تصل
وصلا خفيا لا
ظاهرا ما بين
التمجيد
والتنبيه
والتذكير
والتحذير
والفهم. انها
معاناة
وليست شكلا
من أشكال
الدعاية.
والكلمات -
في شعره -
ليست كاذبة
ولكنها مجاز
يتوخى الصدق. وقد
اهتم النقاد
والمترجمون
القدماء
بشعر أبي
العلاء
مهملين
نثره، اللهم
الا عناية
قليلة
برسائله
الاخوانية
او رسالته
الى أهل
المعرة التي
أعلن فيها
اعتزاله
الناس، ولم
يلق باقي
نثره الا
اشارات
قليلة
مقتضبة "كل
ذلك، دون أن
ينص - ولو
لمرة واحدة -
على الطابع
القصصي
لمؤلفاته
النثرية
كرسالة:
الصاهل
والشاحج،
ورسالة
الغفران،
ورسالة
الملائكة"
ويرجع
الدكتور
أحمد كمال
زكي عدم
ملاحظة
النقاد
القداس
للسرد
القصصي في
أعمال
الأدباء
العرب
الكبار الى
مفهوم هؤلاء
النقاد للقص
الذي «يرون
ان الغرض منه
كان استخلاص
العبرة
الاخلاقية
والدينية
فقط. ولم يكن
الاختلاق
الفني او
الديني عامل
مصادرة
للشاعر
واهمالا
لشعره، في
حين حوكم
القصاص بهما
وطوردوا على
أساسهما. غير
أن بعض القصص
قد باتت
مشروعة
لاحتوائها
على أغراض
تعليمية مثل
المقامات
ورسالة
الغفران
لأبي العلاء
وقد حال ذلك
دون الوقوف
على بعدها
الأدبي»
وتصل بنا
الباحثة في
نهاية عرضها
النقدي
لآراء
النقاد
القدماء
لنصوص أبي
العلاء، او «النص
العلائي»
كما تسميه
وتستخدمه في
كل بحثها
المجهد
والممتع،
تصل الباحثة
الى تقديم
موقف
القدماء،
على أرضيتهم
الفكرية
والأدبية
والدينية
ذاتها، دون
أن تحملهم
اعتسافا
نتائج أبحاث
ونظريات
النقاد
المحدثين..
فهؤلاء
القداس - كما
تقول - وقعوا
تحت سلطان ما
ألفوه، الذي
وإن كان يحجر
على الفهم
ويعرقل
التطور، الا
انه يمتلك
جمالا لا
نجده في
الغريب غير
المألوف..
والنص
المألوف -عند
القدماء - هو
ما جرى مجرى
العرب
الاوائل: أما
النص الخارق
والمتجاوز،
فهو إما يجري
مجرى القرآن
أو يعارضه «ولما
كان نص أبي
العلاء غير
مألوف، فقد
تيسر الربط
بينه وبين
النص
القرآني،
تارة كنص
معارض وتارة
كنص مواز (...)
لقد كان
الحكم على
عقيدة أبي
العلاء محور
اهتمام
المؤرخين له
والبلاغيين
القارئين
لنصه من
القدماء، في
مرحلة كانت
غاية
المعرفة
فيها هي
الوصول الى
المثل
الأعلى
الجدير بأن
يحتذى،
وللمعيار
الذي تقاس
عليه مختلف
التجارب
الابداعية،
وهذا المثل
يتجاوز به
الانسان
حدود واقعه،
بكل ما يحمله
هذا التجاوز
من ايجابية
الانضباط
والترابط
الاجتماعي،
ومن سلبية
الاستهانة
بالتجربة
الفردية
وحيويتها
وابداعها
وطموحها
للأفضل. غير
أن القدماء
تركوا لنا
معالم مهمة
عن الرجل
وكتاباته،
لا سيما أن
معظم أعماله
قد فقد،
ولولا هذا
الجهد
التاريخي،
ورغم ما شابه
من نزعات
تقويمية،
لما عرفنا
أبا العلاء
ولما استشكل
علينا نصه.
وعلى الرغم
من كل
المحاولات
المبذولة
للاحاطة بما
روي عنه وعن
مؤلفاته،
واختلاف
زوايا النظر
اليها، الى
حد تفكيكها
وتجزيئها،
فقد تأبى
النص
العلائي على
التصنيف
العقائدي
الواقع بين
الكفر
والايمان،
وعلى الفكر
البلاغي
المنتصر
للوضوح
والسهولة او
العجيب
بالفصيح
الغريب. أبو
العلاء
والنقاد
المحدثون
يبدأ
اهتمام
النقاد
المحدثون
بأبي العلاء
وأدبه بجهود
المستشرقين
في نشر
كاباته. وكان
«فون كرومر»
هو أول من
حقق ونشر «اللزوميات
» عام 1889م ثم
نشر
مارجليوث «رسائل
ابي العلاء 1898»
- ونشر
نيكلسون "رسالة
الغفران" 1900
ثم كتب
الاسباني "اثين
بالثيوس"
بحثه الشهير
الذي قارن
فيه بين
رسالة
الغفران
والكوميديا
الالهية
لدانتي عام 1919.
وقد حفظ
المستشرقون
على غرار
القدماء -
لأبي
العلاء،
مكانته
العلمية
الفريدة في
الثقافة
العربية: فهو
أعظم شعراء
ما بعد
الفترة
القديمة (بروكلمان)
وهو المارد
المقدس
للأدب
العربي (ايتامبل)
كما أنه ذو
صوت فريد
متميز له
أصداء بعيدة
واسعة في
الفكر
العالمي (اندريه
ميكيل). أما
رسالة
الغفران فهي
تحفة النثر
العربي بلا
جدال (جاستون
فييت).
ولكنهم
تميزوا - عن
النقاد
القدماء -باعادة
نشر النصوص
العلائية
وتحقيقها من
جهة، وربطها
بالأدب
العالمي من
جهة ثانية،
واخراجها من
المجال
العقائدي
الى المجال
الفلسفي او
المجال
النفعي من
جهة ثالثة،
ولكنهم فيما
يتعلق
بعقيدة أبي
العلاء
والوقوف على
مغزى نصه، لم
يصلوا الى حل
يرضيهم. كذلك
لم يغفل
المستشرقون -
كالقدماء -
عن معطيات
عصرهم. فقد
كان نشر
النصوص
العربية
وتحقيقها
داخلا في
مشروع
الاستشراق
المنفتح على
الشرق
استعمارا
وتسلطا عليه
وتعرفا به،
على نحو يبدو
فيه
المستشرق
كما لو كان
بطلا جاء
لينقذ الشرق
من غياهب
الظلمات،
ويعيد نشر
نصوصه،
وبناء
ثقافته
المهملة
الضائعة،
ممكنا بذلك
سلطة فرض
منهج مستمر
للدرس مؤسس
على
التقنيات
العلمية
الحديثة في
القرن
التاسع عشر،
والتي تتمثل
في المعالجة
التاريخية
والفيلولوجية
والمقارنة
للنصوص
القديمة. في
هذا الاطار
نشر
المستشرقون
النص
العلائي،
ولكنهم في
درسهم له -شأنه
شأن ذخائر
الأدب
العربي -
رغبوا في
التعرف على
الحياة
العربية
اكثر مما
عنوا بدرس
النص الفني.
هذا من جهة،
ومن جهة
ثانية عنف
المستشرقون
النص
العلائي بين
مصنفات
الأدب او
الفلسفة وفق
الدرس
الغربي، مما
حال دون فضهم
لأغرار النص
ومعانيه في
ذاته، ثم جاء
الدارسون
المصريون في
القرن
العشرين
ليقرأوا
رسالة
الغفران في
ضوء نظرية
متقدمة
للأنواع
الأدبية،
رابطين
بينها وبين
الأعمال
الأدبية
العالمية
التي تتشابه
معها مثل «مسرحية
الضفادع»
لاريستوفانيس،
كما فعل
الدكتور
لويس عوض، او
وصفها بـ«أول
قصة خيالية
عند العرب»
عند الدكتور
طه حسين. او «اول
مسرحية
عربية» عند
الدكتورة
عائشة
عبدالرحمن،
وقد تم هذا
التناول
النقدي
لرسالة
الغفران في
غياب نظرية
نقدية عربية
واضحة
للانواع
الادبية في
العصور
الوسطى، كما
ترى
الباحثة،
ولكن وضع
رسالة
الغفران ضمن
الانواع
الادبية
الغربية
المعروفة،
شكل، في
الوقت نفسه،
نقطة تحول
خرجت بنص أبي
العلاء من
المجال
الوثائقي
الديني الى
المجال
الفني،
وامتدت
بمرجعية
النص الى
الادب
العالمي
ككل، وان كان
هذا التصنيف
قد وضع
الباحثين
امام مشكلات
نابهة من
طبيعة نص أبي
العلاء
فنسبوه مرة
الى النوع
الروائي
القصصي،
ومرة الى
الدراما،
ومرة الى أدب
الرسائل. واذا كان القدماء قد حاروا في تصنيف أبي العلاء دينيا، فان المستشرقين والنقاد العرب المحدثين قد حاروا في تصنيفه فلسفيا، فهو: «ينزع النزعتين معا: نزعة المتصوفة ونزعة المعتزلة» وهو «ينتمي الى المذهب الاسماعيلي الباطني بوصفه مذهبا غير تقليدي، وكان دينه الاعتقاد المجرد بالله» وهو "ديكارتي سابق لعصره" وهو «يراهن رهان الفيلسوف الفرنسي بسكال». او "يقترب في فلسفته من عمر الخيام". او من "ابيقور". او من «فلسفة داروين في النشوء والارتقاء». او «من عقلانية ارسطو ومثالية أفلاطون معا». ومن المفيد أن ننقل هنا ما نقلته الباحثة عن طه حسين ورأيه في علاقة نصوص أبي العلاء بالدين والفلسفة، يقول: «ان أبا العلاء أتعب نفسه، وأتعب معاصريه، وأتعب الناس من بعده وسيظل يتعبهم الى آخر الدهر، لأنه على صرامته وصراحته واستقامته في حياته العملية، لا يسلك الطريق الواضحة المستقيمة في عرض آرائه، وانما يلتوي بها أشد الالتواء.. وليست هذه الفلسفة الا فلسفة ابيقور قد لاءم بينها وبين بيئته الاسلامية ملاءمة رائعة حقا، حتى خدع عنها كثيرا من الناس فظنوها اسلامية خالصة، ورأوا فيها مذهبا موروثا من مذاهب الزهد والنسك... وهذه الفلسفة العلائية الابيقورية تقوم قبل كل شيء على إنكار العلة الغائية التي يؤمن بها كثير من الفلاسفة وأصحاب الديانات جميعا... فالأشياء لم تخلق لنا، والطبيعة لم تسخر لحاجتنا، فلا ينبغي ان ستحل منها كل ما نستحل، ولا ان نستأثر بخيراتها لأنفسنا، ولا أن نؤلم الحيوان للذتنا، ولا أن نظلمه لمنفعتنا. فليس حقنا في الحياة بأكثر من حقه، وليس لنا عليه هذا السلطان الذي ننتحله لأنفسنا، إنما هذا كله غرور جاءنا من هذه الأثرة التي خيلت لنا أن العالم خلق من أجلنا، هذا هو الأصل الأول... ولأصل الثاني هو أن من حقنا أن نستمتع باللذات الى أقصى حد ممكن، ولكن هذا الاستمتاع لا سبيل اليه، لانه لا يصح ولا يستقيم الا اذا خلا من الألم والظلم والعدوان. وليس الى هذا سبيل، واذن فالانصراف عن هذا الاستمتاع هو الخير كل الخير وهو الحق... والاصل الثالث هو ان هذا العالم لم يخلق نفسه ولم يخلق عبثا، ولكن | ||||||||