|
يمثل
نص "رسالة
الغفران "
لأبي العلاء
المعري (363-449هـ)واحدا
من النصوص
الرئيسية في
تاريخ النثر
العربي خاصة
والأدب
العربي عامة
، ومن أكثر
نصوص هذا
الأدب
تأثيرا على
مسيرة
الأجناس
والنصوص
الأدبية
اللاحقة
سواء على
المستوى
المحلي أو
على المستوى
العالمي. و"
رسالة
الغفران " نص
شديدا لثراء
تتنازعه
مجالات عدة
مثل تاريخ
الأفكار،
وعلوم اللغة
، والمذاهب
الفلسفية ،
والمعتقدات
الدينية ،
وتاريخ
الشعر
وغيرها من
المجالات
المتشابكة
التي حظيت
بعص
اهتمامات
الدارسين من
قبل ، من
خلال الحوار
مع تجلياتها
في رسالة
الغفران ،
لكنه أيضا نص
ينتمي الى
تاريخ الفن
القصصي
الخلاق ،
الذي أسهم
أبو العلاء
بنصيب
واخرفي
تطويره من
خلال نص
الغفران . وهو
نص وهب
الامتاع
القصصي دون
شك للمنتمين
الى عصره
وثقا فته ،
وهو قابل لأن
يهب مزيدا من
الامتاع
للمنتمين
الى عصور
أخرى ودرجات
من الثقافة
مختلفة من
خلال الحوار
الفني معه .
والمجال
الذي
اختارته "رسالة
الغفران "
مجال مبتكر
يتعلق بعالم
الغيب
ومحاولة
ارتياده
واطلاق
الحرية
للخيال
وللغة
وللعلاقات
بين الأزمنة
والأمكنة
وتذويب
الفواصل بين
الجمادات
والكائنات
الحية
العجماء أو
الناطقة
،وخلق متعة
فنية ، من
خلال هذا كله
- للنثر
المجنح في
رحاب عالم
اللغة ،
متكئا
أحيانا عل
اختبار خيال
الشعراء
ليثبت قصوره
في المواقف
التي تفوق
الخيال ،وعل
ذاكر تهم
ليثبت أنها
قد تتلاشى
أمام عصف
الأهوال . واللافت
للنظر في
البدء أن
اختيار "الثوب
القصصي" لم
يكن حتما على
كاتب نص "الففران
" فالنص
يندرج في
إطار أدب "الجواب
" لأنه جواب
عل رسالة ابن
القارح ،
وأدب الجواب
يحكم غالبا
بمبدأ
المشاكلة ،
فعندما يكون
السؤال
قصيدة أو أر
جوزة أو
مقامة أو
رسالة أو
لغزا، يكون
التحدي
المطروح عل
المسؤول أن
يجيب سائله
من جنس بيانه
، ولم تكن
رسالة ابن
القارح
لأدبي
العلاء قصة
حتى يكون
الثوب القصي
حتما في الرد
عليها،
وانما كانت
خواطر شيخ
حلبي قادته
أعوامه
الثمانون
الى التأمل
فيمن أغرتهم
متع الحياة
وغفلوا عن
التوبة في
حينها وقد
عدد كثيرين
منهم في
تاريخ الفكر
والشعر،
وراعه
السؤال
المخيف : "كيف
يصنع من عنده
أن التوبة لا
تصح من ذنب
مع الاقامة
على آخر؟ فلا
حول ولا قوة
"(1) . هل فتح هذا
السؤال أمام
أبي العلاء
باب التحول
من الحال الى
المال من
الندم الى
الغفران ،
فكانت هذه
القفزة
القصصية
الرائعة ؟ إن
حركة القاص
في مثل هذه
الحالة
لتبدو أكثر
صعوبة من
حركة القاص
الذي يختار
نقطة البدء
بنفسه دون أن
يكون قصه
جوابا ،ودون
أن يكون
خياله صدى
لواقع
يحاوره ،
واذا كانت
هذه الصعوبة
تجابه نقطة
البدء في
النص القصصي
للغفران ،
فإن صعوبة
أخرى أكثر
حساسية كانت
تجابه نقطة
الانطلاق
والحركة ،
ذلك أن
العالم الذي
تم اختياره
لتنمو فيه "الحكاية
" كان عالم
الدار
الآخرة ، وهو
عالم لم تكن
الصورة عنه
محايدة في
درجة الصفر
يستطيع خيال
القاص أن
يشكلها كما
يشاء،
ولكنها كانت
مملوءة
بالتصور
الديني في
النصوص
المقدسة
وامتداداته
في تأويلات
الوعاظ
والحكائيين
مما يتطلب من
القاص مهارة
خاصة ينبغي
أن تتبدى في
طرافة
الحركة
الخيالية
وجدتها من
ناحية ، وعدم
اصطدامها
بالثوابت من
ناحية ثانية
. ولقد
تبدت براعة
أبي العلاء
المعري في
تناول
الخيطين معا
بين أصابعه
منذ
العبارات
الأولى التي
بدأ بها رده
عل رسالة ابن
القارح لكي
ينمو بالرد
الى قصة
الغفران ،
كان مفتاح
الرد عنده هو
عبارة : "الكلمة
" وهو مصطلح
يمتد عند أبي
العلاء
فيشمل "الرسالة
" كما يشمل
القصيدة (2)
والكلمة
هنا وقد
أطلقت عل
رسالة ابن
القارح
تتحرك تحركا
استعاريا
على مستويين
، أولهما
المستوى
الرأسي ومن
خلاله يكون
الكلم
الصالح
قابلا
للصعود الى
الملأ
الأعلى :"ولعله
، سبحانه ،
قد نصب
لسطورها
المنجية من
اللهب ،
معاريج من
الفضة أو
الذهب تعرج
بها
الملائكة من
الأرض
الراكدة الى
السماء ،
وتكتشف سجوف
الظلماء
بدليل الآية
"اليه يصعد
الكم الطيب
والعمل
الصالح
يرفعه " ، ومن
خلال هذا
التصعيد
الرأسي ،
تصبح كلمات
الرسالة
قابلة لأن
تصعد الى
الملأ
الأعلى وأن
تحمل صاحبها
معها. أما
المستوى
الثاني
للنمو، الذي
يمهد للدخول
الى العالم
القصص ، فهو
مستوى "الترشيح
" وهو تقنية
معهودة لدى
البلاغيين
العرب يتم من
خلالها
النمو
بالمشبه به
أو المستعار
منه والا
يغال من
خلاله في
عالم (3)
الخيال وأبو
العلاء يلجأ
الى هذه
التقنية
عندما يجعل
الكلمة
الطيبة شجرة
لها أصول
ثابتة وفروع
سامقة وثمار
يانعة في كل
حين : "وهذه
الكلمة
الطيبة
كانها
المنية
بقوله :"ألم
تر كيف ضرب
الله مثلا
كلمة طيبة
كشجرة طيبة ،
أصلها ثابت
وفرعها في
السماء،
تؤتي أكلها
كل حين بإذن
ربها(5). ويهذين
المستويين
من النمو جعل
كلمات
الرسالة
التائبة
أجنحة صعدت
الى عالم
الغفران
وشجرا غرس في
تربته
وامتدت
فروعه في
أرجائه
وأينع ثمره
وآتى أكله .
ولقد فتح ذلك
"الترشيح "
باب النمو
التخييلي
فأغصان
الشجر
وظلاله
تستدعي
المستظلين
به : "والولدان
المخلدون في
ظلال تلك
الشجرة قيام
وقعود ...
يقولون : ... نحن
وهذه الشجر
صلة من الله
لعلي بن
منصور، تخبأ
له الى نفخ
الصور"(6)أ،
وأصل الشجر
الثابت
يستدعي ما
يغذي نباته
من المياه
والأنهار "وتجري
في أصول ذلك
الشجر أنهار
تختلج من ماء
الحيوان ،
والكوثر
يمدها في كل
آن (7). والأنهار
الجارية
تستدعي ما
يسبح فيها
ومن يجلس على
شواطئها
ومذاقها
المتميز
خمرا وعسلا
ويستدعي ذلك
ما قبل في
الدنيا
وأوانيها
ومصير
الشعراء
الذين قالوا
وسؤالهم عن
المقارنة
بين ما رأوا
هنا وهناك ،
وهكذا تتسع
القاعدة "الترشيحية
" لتصبح أصلا
يتم التحرك
خلاله
والنمو به
لصنع عالم
حكائي مكتمل
يتوالى
توالد
الحكايات
فيه من منابع
مختلفة ،
حقيقية أو
تخييلية أو
أسطورية من
جهة
وانسانية
وملائكية
وشيطانية
وحيوانية
وجما دية
وطبيعية من
جهة أخرى،
كما يتم
تقديمها
متداخلة أو
مستقلة من
خلال معارض
حكائية
متنوعة بدءا
من
الاستعارة
الموحية الى
الشريحة
القصصية الى
الموقف
القصصي الى
القصة
المكتملة . إن
اللغة التي
يناط بها أن
تسوغ هذا
العالم
الحكائي
الغريب لكي
تفر به من
خيال سامع لم
يره ، وتنقل
اليه شيئا "لم
يخطر على قلب
بشر" لغة من
شأنها أن
تستعين
بكثير هن
أجنحة "الحرية
" وأن تفك
كثيرا من
الارتباطات
التي استقرت
بين الدوال
والمدلولات
وبين
المفردات
بعضها
والبعض
الآخر وبين
الخصائص
التي ارتبطت
بأنواع من
الكائنات
حتى أصبحت من
لوازمها
منطوقا
ومفهوما،
وذلك ما حاول
أن يقدمه
النص
القصصي
لرسالة
الغفران. لقد
أشار أبو
العلاء في
مرحلة مبكرة
من النص الى
أن نمط "
القول " الذي
يرد في نصه ،
أشبه بلغة
الأحلام :"وهذا
فصل يتسع "
وانما عرض في
قول نام ،
كخيال طرق في
المنام (8)
وهكذا الحكم
وحده يحرر
اللغة ، من
مثير من قيود
الترابط
المألوفة .
غير أن
ومحدودية
اللغة
البشرية في
نهاية
المطاف
ومحدودية
المعنى
المتصور في
ذهن السامع 0
من خلال
خبرته
البشرية ،
تضع أمام
القاص ،
المجنح عقبة
أخرى، فهو
إذا أراد
مثلا أن
يصف "العسل
" في عالم ما
وراء الغيب
فيما ~ تشير
اليه الآية
الكريمة "وأنهار
من عسل مصفى"
وجد أنه في
خلد السامع
يشير الى شي
ء حلو المذاق
وأن الشعراء
يستلهمون
المعنى في
المواقف
المعنوية
العذبة في
مثل قول
الحارث بن
كلدة : فما
عسل ببارد
ماء مزن
|
|
ذكر
الرباب
وذكرها سقم |
|
وصباد
وليس لمن
صبا عزم |
|
وإذا
ألم خيالها
طرفت |
|
عيني
فماء
شئونها سجم |
فلا
يمر حرف و
حركة إلا
ويوقع مسرة
لو عدلت
بمسرات أهل
العاجلة منذ
خلق الله آدم
الى أن طوى
ذريته من
الأرض لكانت
الزائدة على
ذلك ، زيادة
اللج
المتموج على
دمعة الطفل
"(19).
وتقنية
"حرية
التشكيل "
التي تفتح
كثيرا من
الأبواب
المؤدية الى
عالم البناء
القصص
المتميز في
رسالة
الغفران ،
تتجسد
أحيانا في
صورة "إعادة
التشكيل "
وهي صورة
تبرز كثيرا
من الأبعاد
الانسانية
لهذا العمل
الأدبي
الكبير،
وتقوم فكرة
اعادة
التشكيل على
مبدأ "تعويض
النواقص "
واحداث
التوازن لمن
حرموا قدرا
من أوجه
الجمال أو
الكمال في
الدنيا
العاجلة ،
فتتحول
صورهم من
خلال اعادة
التشكيل الى
صور تبلغ
درجة الكمال
في النقيض
المفقود،
وأبو العلاء
الذي حرم
نعمة البصر
وحرم ألوان "الحرية
" المترتبة
عليها في
الدنيا
واختار أن
يكون رهين
المحبسين
،وهو الذي
يرسم بقلما
صور الجمال
ويعوض
النواقص
للمحرومين ،
فها هو
الأعشى "وقد
صار عشاه
حورا
معروفا،
وانحناء
ظهره قواما
موصوفا "(20)
وهاهو زهير
بن أبي سلمى
الذي كان
رمزا لحمل
ثقل
الشيخوخة
وأعبائها
والسأم من
الحياة ،
يرتد في
الجنة " شابا
كالزهرة
الجنية ...
كأنه ما لبس
جلباب هرم
ولا تأفف من
البرم
،وكأنه لم
يقل :
سئمت
حولا – لا –
أبالك- يسأم(21)
ومثله
لبيد بن
ربيعة الذي
يتردد بيته
المشهور في
السأم :
ولقد
سئمت من
الحياة
وطولها
وسؤال
هذا الناس
كيف لبيد ؟
هاهو
يمر في الجنة
وهو "شاب في
يده محجن
ياقوت "(22).
أما
الشعراء
الخمسة
العور من بني
قيس : تميم بن
مقبل وعمرو
بن أحمر
والشماخ بن
ضرار وعبيد
بن الحصين ،
وحميد بن
ثور، فعندما
يردهم ابن
القارح في
الجنة يقول :
"ما رأيت
أحسن من
عيونكم في
أهل الجنان ،
فمن أنتم خلد
علكم النعيم
؟ فيقولون :
نحن محوران
قيس "(23) وليست
اعادة
التشكيل
وتعويض
النواقص في
العالم
القصص
لرسالة
الغفران
وقفا على
مشاهير
الشعراء
والكتاب
وحدهم بل
إنها تقنية
تمتد الى
البسطاء من
عامة الناس
وتفتح
أمامهم آفاق
الآمال
والأحلام
ويرمز لهم
النص القصصي
بامرأتين
دميمتين
فقيرتين
احداهما من
حلب والأخرى
من بغداد،
ولكنهما
تتحولان الى
اثنتين من
الحور العين
يلتقي بهما
علي بن منصور
فينبهر
بالسحر
والجمال ،
تقول
احداهما له :
"أتدري من
أنا يا علي
بن منصور؟
فيقول : أنت
من حور
الجنان
اللواتي
خلقكن الله
جزاء
للمتقين ،
وقال فيكن : "كأنهن
الياقوت
والمرجان "
فتقول : أنا
كذلك بإنعام
الله العظيم
، على أني
كنت في الدار
العاجلة
أعرف بـ "حمدونة
" وأسكن في
باب العراق
بحلب وأبي
صاحب رحى
وتزوجني رجل
يبيع السقط ،
فطلقني
لرائحة
كرهها في فمي
وكنت من أقبح
نساء حلب ،
فلما عرفت
ذلك زهدت في
الدنيا
الفرارة
وتوافرت على
العبادة
وأكلت من
مغزلي
فصيرني ذلك
الى ما ترى.
وتقول
الأخرى :
أتدري من أنا
يا علي بن
منصور؟ أنا "توفيق
السوداء
التي كانت
تخدم في دار
العلم
ببغداد ...
وكنت أخرج
الكتب الى
النساخ
فيقول : لا
إله إلا الله
، لقد كنت
سوداء فصرت
أنصع من
الكافور"(24).
إن
تقنية "اعادة
التشكيل " في
الفن القصصي
لرسالة
الغفران لا
تتوقف عند
ظاهرة "تعويض
النواقص " بل
قد تتحقق من
خلال الصورة
المقابلة
التي يتم
فيها احداث
التوازن من
خلال "سلب
المرأيا
الخاصة " من
الذين كانوا
يمتعون بها
في الدنيا ،
وخلعها على
من كانوا قد
حرموا منها
والصورة
القصصية
التي تجسد
ذلك في
الغفران هي
صورة "الجن "
الذين كانوا
قد أعطوا في
الدنيا
القدرة على
التشكل
والتحول
فحرموا في
الآخرة ميزة
أن يظلوا
شبابا كأهل
الجنة من
الأنس ،
وأصبحت تظهر
عليهم علائم
الشيخوخة
كما حدث مع
الجني الذي
حاوره ابن
القارح في
الجنة : أديا
أبا هدرش
مالي أراك
أشيب وأهل
الجنة شباب ؟
فيقول : إن
الانس
أكرموا بذلك
وأحرمناه
لاننا
أعطينا
الخولة في
الدار
الماضية
فكان أحدنا
إذا شاء صار
حية ، وان
شاء صار
عصفورا وان
شاء صار
حمامة
فمنعنا
التصور في
الدار
الآخرة "(25).
وتقنية
"اعادة
التشكيل "
تبلغ مداها
عندما ترى
الكائنات
تنتقل من "صورة
" الى "أخرى"
ثم تعود الى
صورتها
الأولى ، دون
أن تذوق "الألم
" الذي يصاحب
التحول عادة
، لأن الجنة
تخلو من
الألم حتى
الفريسة
التي تصاد
وتؤكل تحس
بلذة الصيد
كما يحس بها
الصائد
وتشعر بمتعة
المأكول كما
يشعر هو
بمتعة الآكل
وها هو "أسد
القاصرة "
يقول : "أنا
افترس ما شاء
الله فلا
تأذى
الفريسة
بظفر ولا ناب
ولكن تجد من
اللذة كما
أجد بلطف
ربها العزيز"(26)،
وها هو طاووس
يمر أمام
معمر بن
المثني
فيتمنى أن لو
وجده أمامه
مطبوخا
بالخل "فيتكون
كذلك في صفحة
من الذهب ،
فإذا قضى منه
الوطر ،
انضمت عظامه
بعضها ثم
تصير طاووسا
كما بدأ،
فتقول
الجماعة ،
سبحان من
يحيي العظام
وهي رميم "(27)
فإذا مرت من
أمام النحاة
أرزة تمناها
كل على طريقة
الطهي التي
يحبها "فتتمثل
على خودن من
الزمرد،
فإذا قضيت
منها الحاجة
عادت بإذن
الله الى
هيئه ذوات
الجناح "(28)
وهكذا
يستطيع أبو
العلاء من
خلال "حرية
التشكيل "،
وما يتوالد
عنه من
تقنيات
فرعية أن
يقودنا الى
منابع جديدة
للامتاع
القصصي من
خلال إعادة
تشكيل
الواقع
واذابة
قيوده
والتخفيف من
جهامته و"أحرى
بنا أن نزعم
أن الفناء
الذي يملأ
أرجاء رسالة
أبي العلاء
لا يعدو _ إذا
خلصت نفوسنا
- نوعا من
تحرير النفس
من الحزن
والخوف "(29).
إن
قضية "المنابع
الجديدة "
تثير
التساؤل حول
تنوع منابع
الحكاية
ومصادرها في
رسالة
الغفران
،وكما يقول
رولاند بارت
: "إن كل مادة
تصلح لأن
يشكل منها
الانسان
حكاية . يمكن
أن تكمن
الحكاية في
الصورة
الثابتة أو
المتحركة أو
في الاشارة
أو في خليط
من الاشارات
والصور
والكلمات ،
انها كامنة
في الأسطورة
والخرافة
والقصة
والرواية
والملحمة
والتاريخ
والمأساة
والملهاة
والمشهد
الصامت
واللوحة
المرسومة
والزجاج
الملون ،
والأحداث
المختلفة
والحوار بين
الأفراد ،
وهي موجودة
تحت أشكال
تكاد أن تكون
غير متنامية
في كل
الازمنه
والأمكنه في
كل
المجتمعات (30 ).
والواقع
أن رسالة
الغفران
امستلهمت
كثيرا من هذه
المنابع وفي
مقدمتها
التاريخ
الذي استقت
منه ذاكرة
أبي العلاء
كثيرا من
الأحداث
والتقطت
كثيرا من
الأسماء
فوظفتها من
خلال
التحوير
واعادة
التشكيل
توظيفا فنيا
على نحو ما
أشرنا ، ولقد
نعجب لكثرة
الأسماء
التاريخية
التي وردت في
رسالة
الغفران
والتي تكاد
تبلغ ستمائة
اسم (31)
مشكلة
غابة كثيفة
من الأسماء
الحقيقية
كان يمكن أن
تكون عائقا
أمام حرية
الحركة لدى
الحاكي
التخييلي
ولكن أبا
العلاء كان
يعرف طريقه
الخاص في
المسارب
الضيقة في
غابة
الأسماء ،
ولقد يلاحظ
أن معظم هذه
الأسماء
يلتقي بها
ابن القارح
في الجنة أو
في مشاهد
الحشر وأن
نفرا قليلا
هم الذين
اضطرهم أبو
العلاء أن
يرافقوا
إبليس في
النار ، حتى
أن بعضا من
شعراء
الجاهلية
تسرب الى
الجنة لأن
بيتا قاله قد
غفر له ،
والى جانب
التاريخ
توجد "الأساطير"
كمصدر قصصي
للحكاية عند
أبي العلاء
ومعظم هذه
الأساطير
تنتمي الى
عالم
الحيوانات
والزواحف
مثل أسطورة
الحية الوفية
"ذات الصفاء"(32)
التي وفت
لصاحبها
وكانت تصنع
اليه الجميل
، ولكن
صاحبها لم
ينس أنها
كانت قد قتلت
أخاه من قبل
فحاول أن
يغدر بها وأن
يضربها
بالفأس وهي
على الصخرة "فلما
وقيت ضربة
فأسه ،
والحقد يمسك
بأنقاسه ،
ندم على ما
صنع أشد
الندم ... فقال
للحية
مخادعا: هل
لك أن نكون
خلين ؟ فقالت
: لا أفعل وان
طال الدهر "
وتلك الحية
يلتقي بها
ابن القارح
في الجنة
جزاء وفائها.
ومنها الحية التي كانت تسكن في دار الحسن البصري وحفظت عنه القرآن من أوله الى آخره (33). فلما توفي رحمه آلله . انتقلت الى جدار في دار أبي عمر بن العلاء فراجعت عليه القرآن وقراءاته وهي تحاور ابن القارح في القراءات ورواياتها وعندما يشتد عجبه تدعوه الى الاقامة وتعده بأنها يمكن أن تنتفض فتصير مثل أحسن غواني الجنة ، لو ترشف رضابها لعلم أنه أف