الدولة اليعربية (1624- 1744)
منظور خلدوني


عبدالملك الهنائي (باحث وجامعي من سلطنة عمان)
عبدالله الحراصي (باحث وجامعي من سلطنة عمان)


 

هذه الورقة جزء من دراسة عن الدولة العمانية وقد قدمت باللغة الانجليزية في المؤتمر الدولي الألماني حول عمان في بون، يونيو1998.

هذه الدراسة محاولة لتطبيق نظرية ابن خلدون حول نشوء الدول وانهيارها على الدولة اليعربية التي ظهرت في عمان وامتدت لتصبح امبراطورية واسعة مزدهرة اقتصاديا لفترة تربو على القرن (بين عام 1624 - 1744) . وتجادل هذه الدراسة أن الدولة اليعربية هي مثل كثير من الدول التي وصفها ابن خلدون في كتابه المقدمة ، ولابد في البداية من استعراض ملامح هذه النظرية واطروحاتها التي وصفها ابن خلدون في كتابه الشهير المعروف بمقدمة ابن خلدون ، كذلك الدراسات التي تناولت هذه النظرية بالتحليل مثل دراسة لاكوست (1966) ومحمد عابد الجابري (1992) وحسب هنداوي (1996) .

الخلفية النظرية

تعتبر الدولة من أهم القضايا التي تعرضت للنقاش من قبل الباحثين في العديد من الحضارات والأزمنة التاريخية ، وعلى الرغم من أن الدارسين الغربيين من أمثال هيجل وماركس وفيبر، وحديثا مان وسكوكبول وهاليوس، قد قدموا اسهامات عميقة في هذا الموضوع ، إلا أن العالم العربي ابن خلدون هو بحق رائد دراسة الدولة . ففي كتابه المعروف بمقدمة ابن خلدون دراسة يتناول فيها من بين أمور أخرى الدوافع والأسباب التي تقف وراء قيام الدول وأقولها، ويؤكد ابن خلدون على ارتباط نظريته بسكان المناطق الجافة كالعرب والبربر والترك والتركمان والصقالبة (ابن خلدون 1996، 115). غير أن ابن خلدون يركز على أن العصبية لا تتواجد في أغلب العالم الاسلامي، ويرى انه اذا استقرت الدولة وتمهدت فإنه قد تستغني عن العصبية (مص 142).

ويرى ابن خلدون في الدولة ضرورة اجتماعية ذلك لاحتياج الناس الى الوازع الذي يكبح ميل الانسان الطبيعي الى العنف (مص 114) والفكرة المحورية عند صاحب المقدمة هي "العصبية" وهي ما فسرها البعض على انها الشعور الجماعي ، غير أن ثمة تعريفات أكثر عمقا كتعريف لاكو ست الذي يرى أن العصبية "هي حقيقة اجتماعية _ سياسية غاية في التعقيد، ذات أبعاد نفسانية مهمة " (لاكوست 1984، 103). ومن التعريفات الأخرى تعريف الجابري الذي يرى بأنها "رابطة اجتماعية _ سيكولوجية شعورية ولا شعورية تربط بين افراد جماعة ما قائمة على القرابة المادية أو المعنوية ربطا مستمرا يبرز ويشتد عندما يكون هناك خطر يهدد أولئك الأفراد كأفراد أو كجماعة " (الجابري 1992، 297). ان نظرية ابن خلدون ترى أن الغاية التي تجري اليها العصبية هي الملك ، وهو ما لا يتحقق الا ان 0 بالالتحام بين أفراد مجموعة تشترك في نفس العصبية (ابن خلدون 1996، 131).

وهناك مفهوم آخر في نظرية ابن خلدون هو مفهوم العمران ، وهو ضد الخلاء ويعني به ابن خلدون الاجتماع البشري الذي يتم من التساكن والتنازل في قطر أو مكان ما ومن العمران ما هو حضري وما هو بدوي (الجابري 1992، 299). ويستخدم ابن خلدون لفظ العمران في مواضع عدة في المقدمة ، ويهبه معنى متنوعا شاسعا يغطي كل شيء من مفهوم العالم المسكون الجغرافي الى مفهوم الاجتماع ، وهنا يفرق ابن خلدون ثانية بين شكلين من أشكال العمران ، وهما العمران البدوي والعمران الحضري. ويشير الأول الى حياة سكان الريف ، والبدو على وجه الخصوص ، أما العمران الحضري فيشير الى سكان المدن سواء أعاشوا في مدن كبيرة أو في قرى صغيرة (لاكوست 1984، 93). وحسب هذه النظرية فإن قيام الدول يتم خلال فترة التحول من حالة العمران البدوي الى حالة العمران الحضري (هنداوي 1996، 87).

ويضيف ابن خلدون بأن "كل دولة لها حصة من الممالك والأوطان " (ابن خلدون 1996، 150)، وان للدول "أعمارا طبيعية كما للاشخاص " يقدره ابن خلدون بمائة وعشرين عاما (مص 159). ويضيف بأن "الدولة تنتقل في أطوار مختلفة وحالات متعددة ، هي على وجه العموم لا تتجاوز خمس مراحل (مص 163)، لكل مرحلة منها ما يميزه من الصفات والملامح .

المرحلة الأولى هي مرحلة الظفر، وهي مرحلة يتم فيها الاستيلاء على الملك من الدولة التي سبقتها. وفي هذه المرحلة يكون الحاكم نموذجا يقتدي به الناس فيجبي الضرائب ، ويحمي الأراضي ، ويقدم الحماية العسكرية ، ولا يدعي الحاكم في هذه المرحلة بشيء الى درجة استبعاد الرعية . أما المرحلة الثانية فهي مرحلة الاستبداد، حيث يأخذ الحاكم في ادعاء الملك لذاته ، نابذا رعيته ، مانعا اياهم من محاولة مشاركتهم له في نصيب مما معه .

وفي هذه المرحلة يهتم الحاكم في جذب المؤيدين والتابعين بأعداد كبيرة ، وغاية ذلك هي كبح توق رعيته الذين يشاركونه نفس العصبية . أما المرحلة الثالثة التي يسميها ابن خلدون بالفراغ والدعة ففيها يتمتع الناس بثمار الملك ، حيث يحصلون على الممككات وينشئون المشاريع العظيمة والمروح الباقية الخالدة ، وفيها يدفع الحاكم لجنوده مبالغ كبيرة من المال ، ويمدهم بالدروع والأزياء الحسنة ، "فيباهي بهم الدول المسالمة ويرهب الدول المحاربة ". أما في المرحلة الرابعة وهي مرحلة القنوع والمسالمة فيكون فيها الحاكم راضيا بتقليد من سبقوه دون أن يبذل جهدا للاتيان بسياسات أو قوانين جديدة ويعيش الحاكم حالة سلم مع الآخرين . أما في المرحلة الأخيرة ، مرحلة التبذير والاسراف ، فيأخذ الحاكم فيها بتبذير الثروات التي ورثها في المتع والملذات ويكون للحاكم أتباع سيئون وضيعون يأتمنهم على أهم أسرار الدولة . فى بوصول الدولة الى هذه المرحلة يستولي الهرم على الدولة ، حيث تنهار الدولة في نهاية المطاف (ابن خلدون 1996، 164). غير أن قوة العصبية قد تصل الى ذررتها قبل أن تهرم الدولة ، ويحدث هذا حينما تحتاج الدولة الحاكمة لطلب العون من جماعة أخرى للمساعدة في السيطرة على الأوضاع ، وفي مثل هذه الحالات تتضمن الدولة الحاكمة المجموعة التي تتمتع بالعصبية الأقوى من بين تابعيها الذين تستخدمهم لتنفيذ سياساتها. وهذا يعني تأسيس ملك جديد، يتمثل دوره في تقديم العون للعلك القائم .

وبالنظر الى هذه السمات والخصائص ويتتبع تاريخ الدولة اليعربية ، يظهر لنا جليا أن نظرية ابن خلدون تفسر تفسيرا مقبولا تطور الدولة العمانية خلال تلك الفترة من الزمن . فبالأضافة الى أن دولة اليعاربة استمرت مائة وعشرين عاما ، وهي نفس الفترة التي اقترحها ابن خلدون ، فمن الجلي أيضا بأن العصبية في شكلها الديني كانت المحرك الأساس لقيام هذه الدولة . اضف الى ذلك أن دولة اليعاربة قد تطورت في مراحل تماثل تلك التي راها ابن خلدون . غير أنه على الرغم من ذلك يتوجب التأكيد إن هذا لا يعني أن العوامل الاقتصادية لم يكن لها تأثير في ذلك . فالعامل الاقتصادي قد ساهم الى حد كبير جدا في اتساع الدولة العمانية في الخليج وسواحل الهند وشرق افريقيا في مرحلة تالية .

العصبية الدينية

لقد كان جليا منذ البداية ان الدافع وراء انتخاب الامام ناصر بن مرشد أول أئمة اليعاربة كان مزيجا من العصبية الدينية والقومية .. وهذا الى أي تؤكده كثير من أحداث ذلك الوقت ، وخصوصا خلال السنين الأولى من عهد اليعاربة ، وقد كان الامام ناصر، مثله مثل كل الائمة الذين سبقوه ، مرشح العلماء. حيث اجتمع ما يقرب من الاربعين عالما في الرستاق واعطره البيعة في عام 1624. ويعزو المؤرخون العمانيون مثل ابن قيصر وابن رزيق والسالمي، السبب وراء انتخاب الامام ناصر الى ما دعوه بالفساد والاضطهاد والطغيان والانقسام بين الناس في كثير من الأمور (السالمي 1934، مجلد 2، ص 3). أضف الى ذلك أن انتخاب ناصر بن مرشد قد أعقب بفترة قصيرة استيلاء البرتغاليين على صحار الذي عمق العصبية الدينية والقومية بين المسلمين العرب العمانيين ضد النصاري البرتغاليين . وفي واقع الأمر أن عمان ، أنئذ، كانت تعيش أزمة سياسية واجتماعية عميقة ، حيث كانت ثمة أكثر من خمسة مراكز متصارعة من مراكز القوى في عمان . وكانت هذه القوى تتمثل في النباهنة في الرستاق ، وآل عمير في سمائل ، وبني هناءة في بهلا، والجبور في الظاهرة إضافة الى البرتغاليين في الساحل . وكان هذا يعني أن المجتمع العماني كان مشرذما، وما كان بمقدور أي من هذه القوى متفردا إنهاء الصراع والسيطرة على القوى الأخرى وتوحيد البلاد.

ويرى جلنر انه في أوقات التأزمات الاجتماعية يظهر قائد ديني يوحد القبائل في رابطة جماعية أكبر (خوري 1990، 97)، وهو تماما ما حدث في عمان في تلك الفترة ، حيث جمع أبرز العلماء حينها خميس بن سعيد الشقصي بقية العلماء وأعطى البيعة لناصر بن مرشد، معيدا بذلك نظام الامامة الاباضية الذي كان قد تعطل في زمن النباهنة . وقد كان انتخاب ناصر بن مرشد ذا دلالة مفادها ان العلماء قد أعادوا الروح الى الاباضية التي لم تكن مذهبا دينيا فحسب وانما كانت دائما ايديولوجية مشتركة للعمانيين لوحدة عمان واستقلالها، غير أن هذا لا يعني أن ناصر بن مرشد كان منذ البداية مقبولا على المستوى الوطني، فقد وقفت بعض القبائل والمدن العمانية ، ومنها ما كان تحت سيطرة أسرته نفسها، ضده ومنذ البدء قام الامام بمعونة العلماء بتركيز جهوده على اعادة توحيد البلاد ، مبتدئا بأسرته التي كانت تحكم الرستاق ونخل ، وهو الأمر الذي استغرق تحقيقه حوالي ثمانية أعوام . حيث دخل أولا قلعة الرستاق وطرد منها ابن عمه ، مالك بن ابي العرب . غير أن المعارضة الرئيسية جاءت من الجبور والمتحالفين منهم تحت إمرة ناصر بن قطن ، حيث كانوا مسيطرين على الظاهرة ويجدون الدعم في ذلك في منطقة الاحساء في شرق الجزيرة العربية .

لقد تجلت العصبية الدينية أيضا في دور العلماء في تلك الفترة ، حيث إنهم لم يقتصروا على انتخاب الامام فحسب بل أن كثيرا منهم من أمثال خميس الشقصي ومسعود بن رمضان وخميس بن رويشد كانوا قادة للحملات التي شنت على القبائل المعارضة وعلى البرتغاليين . وأخيرا فإن العصبية الدينية والقومية قد تمثلة أيضا في الاتفاق الذي وقع بين العمانيين والبرتغاليين عقب الهجمة الأولى على مسقط في عام 1643، وقد نص الاتفاق على أنه يتوجب أن يعيد البرتغاليون ممتلكات الشيعة وممتلكات قبيلة العمور التي كان البرتغاليون قد صادروها في صحار (السالمي،ج 2، 0 1).

مراحل الدولة الخمس

واذا كنا قد رأينا أن العصبية الدينية كانت هي العامل المحرك وراء قيام الدولة اليعربية ، فإن الخطوة القادمة تتمثل في تحليل تطور تلك الدولة . فالدول حسب ابن خلدون لها عمر محدود ولا تزيد على ثلاثة الى أربعة أجيال . وعلى هذا الاساس فإن كل الدول تعيش خمس مراحل تطور، هي مرحلة الظفر، ومرحلة الاستبداد، ومرحلة الفراغ والدعة ، ومرحلة القنوع والمسالمة ومرحلة التبذير والاسراف .

مرحلة الظفر

اتسم الاقتصاد العماني طوال التاريخ بالثنائية ، فهناك التجارة البحرية على الساحل والزراعة في الداخل .وكما أشرنا سابقا فإن ابن خلدون يميز بين حياة الصحراء أو ما اسماه بالعمران البدوي، وحياة المدن ، أو العمران الحضري. فالأول يرمز لحياة سكان الريف على وجه العموم ، وليس البدو فقط بينما يرمز الثاني لحياة السكان المدنيين ، سواء عاشوا في المدن أو في القرى ، وما من شك أن اقتصاد المنطقة الداخلية ، حيث قامت دولة اليعاربة ، له سمات العمران البدوي حيث كانت الزراعة عموده الفقري، بينما تميز اقتصاد الساحل الذي كان تحت سيطرة البرتغاليين بسمات الاقتصاد الحضري . وحسب ابن خلدون فإن الدولة تتكون عند التحول من العمران البدوي الى العمران الحضري.

لقد انتبه الامام ناصر بن مرشد مبكرا الى اهمية الملاحة لاقتصاد البلاد،. ولذا فقد قام بجهود عظيمة لاستعادة مدن الساحل العماني وبلداته مثل جلفار وصحار ومسقط من أيدي البرتغاليين . وكان أول انجازاته في هذا الخصوص تحرير جلنار في عام 1633، وفي فترة قصيرة تم تحرير المنطقة الساحلية طها باستثناء مسقط . كما شرع الامام أيضا في جهود دبلوماسية كبيرة غديتها منع البرتغاليين من السيطرة التامة على تجارة المحيط الهندي، فقام بدعوة شركة الهند الشرقية الانجليزية للاتجار مع عمان عبر موانيء صحار والسيب حيث وقعت اتفاقية بين الامام وفيليب وايلد، ممثل الشركة ، في عام 1645 (باقر 1992، 28). واستمر الامام ني ذلك الوقت في الاعداد العسكري، وقام بهجمة ثانية على مسقط كان على رأسها أحد العلماء عام 1648، وقد أدت هذه الهجمة الى اتفاقية بين العمانيين والبرتغاليين الذين كان يقودهم دوم جولياو نورونا القائد العام في مسقط ، حيث اتفق الجانبان على أن يدفع البرتغاليون الجزية للعمانيين ، وأن يسمح للسفن العمانية بالابحار للخارج دون تفتيش على شرط أن تحصل على رخص برتغالية في رحلات العودة ، وعلى الا يدفع العمانيون أي رسوم ضريبية في مسقط (لورمير 1915، الجزء الثاني، القسم الثاني ، ص 0 40).

ويمكن اعتبار الفترة التي بدأت بانتخاب الامام ناصر بن مرشد اماما حتى بعيد تحرير مسقط المرحلة الأولى من الدولة اليعربية . وتحمل هذه المرحلة الكثير من السمات التي تحدث عنها ابن خلدون في وصفه لمرحلة الظفر. فقد اشتهر الامام ناصر بكونه نموذجا للشوري، والعدل والتقوى، ولم يدع لنفسه شيئا يخص به عن بقية العمانيين ، وعلى الرغم مما عرف عنه من قلة ثروته فإنه لم يحاول فرض ضرائب جديدة ، وكان النوع الوحيد من الضرائب في عهده هو الزكاة التي أصر على أن يدفعها الأغنياء بدقة وصرامة ليتم توزيعها توزيعا عادلا على الفقراء ، وأثر عنه أيضا أنه منع معاونيه من القيام بأي عمل من أعمال التجارة (السالمي 1934، ج 2، 49). ومن امثلة التي تبين تحمل الامام وصبره على خصومة أنه عفا عن كل من عارض حكمه كحكام نخل ونزوى، وحث مساعديه أيضا على اتباع نفس السياسة . وفي الرسائل التي بعثها الى ولاته وقواده العسكريين كان كثيرا ما يشدد على أهمية مشاورة العلماء والوجهاء في شؤون الحكم . غير أن تسامح الامام ناصر مع خصومة ومشاورته أهل الحل والعقد يجب الا يعتبر علامة ضعف تحسب على الامام بل هي دليل على مرونته العملية التي ساعدت في اعادة النظام وتوسيع قوة الدولة (ما يلز 1966، 0 21). وبعد حوالي ستة وعشرين عاما من الحكم توفي الامام ناصر بن مرشد في ابريل 1649 وعقب وفاته مباشرة انتخب ابن عمه سلطان بن سيف الأول . وعلى الرغم من أن فترة حكم الامام ناصر كانت ذات طبيعة عسكرية وحربية إلا أنه لم يحاول انشاء جيش دائم أو مؤسسات دائمة ، فالإمام كان مستندا على القوى القبلية التي يقودها العلماء. ولم يبدأ اليعاربة في تكوين مؤسسات دائمة لدولتهم إلا عقب تحرير مسقط خلال عهد الامام سلطان بن سيف بن مالك عام 1650.

وقد اعتبر البرتغاليون وفاة الامام ناصر فرصة سانحة أمامهم كي يتملصوا من المعاهدة التي وقعرها عام 1648، حيث إنهم اعتبروها في غير صالحهم لم مايلز 1966، 204)، فرفضوا دفع الجزية ومنعوا العمانيين من الوصول الى مسقط للتجارة ، وهذا ما حدا بالامام الجديد الى عقد العزم عل الاعداد لحملة قاضية على البرتغاليين في مسقط ، حيث استطاعت قوة عظيمة من العمانيين يقودهم الامام نفسه تحرير مسقط في يناير من عام 1650، مما أدى الى طرد البرتغاليين من آخر مواقعهم في الجزيرة العربية . وعلى الرغم من انهم حاولوا مرارا استرداد مسقط خلال الأعوام 1652،1669، 1993، 1699 الا أن جميع هذه المحاولات باءت بالفشل ، وظلت البحرية العمانية صاحبة اليد الطول في المنطقة لفترة طويلة من الزمن .

مرحلة الاستبداد

يمكن اعتبار السنين الأولى من حكم الامام سلطان بن سيف الأول الى حد كبير استمرارا لمرحلة الظفر، ذلك أن الامام كان يتمتع بنفس السمات التي ميزت الامام ناصر، وانتهج نفس سياسته ، ففي الايام الأولى من عهده ، زار عمان مبعوثان هولنديان لاستشفاف امكانية التوصل الى اتفاقية بين شركة الهند الشرقية وعمان ، وقد وصفه المبعوثان بأنه انسان عادي مثله مثل أي جندي أو فلاح ، وأنه ما كان يتخذ أي قرار دون استشارة من يحضر مجلسه الذي كان مسموحا للجميع بحضوره (سلوت 1993، 191). غير أن طرد البرتغاليين من مسقط أدخل عناصر جديدة دخلت بها دولة اليعاربة المرحلة الثانية من مراحل تطور الدول وهي مرحلة الاستبداد. وكان أهم تطور في هذا الطريق هو مشاركة العمانيين في التجارة العالمية ، ودلالة ذلك هي أن اقتصادهم قد انتقل من العمران البدوي الى العمران الحضري. وقد استلزم مثل هذا التطور اقامة مؤسسات للدولة حيث تم تكوين جيش وأسطول وجهاز حكومي كما تم تنظيم العلاقات بين عمان والقوى الاقليمية والدولية . وتتميز فترة حكم الامام سلطان بن سيف الأول بأنها هادئة نسبيا على الصعيد الداخلي (ما يلز 1966، 213). ففي عصره دداعتمرت عمان ، واستراح الرعية ، وزهرت البلاد، ورخصت الأسعار، وصلحت الشمار" (السالمي 1934، ج 7، 45).

وكانت موارد الدولة حتى ذلك الوقت تعتمد على الغنائم والزكاة وقليل من ايرادات بيت المال (ولكنسون 1987، 118). الا أن التوسع في التجارة أعفى الدولة تدريجيا من الاعتماد على الغنيمة والزكاة باعتبارهما المصدرين الأساسيين للدخل ، وهذا ما مكن الامام الجديد من تكريس جهوده في تنظيم الدولة ، حيث أنشا نظاما بيروقراطيا يتمتع بمساندة قوى عسكرية تتكون من جيش مستديم يتكون من خمسة آلاف محارب ، وكان من دلالات هذه الخطوة انه استبعد شيوخ القبائل ورؤساءها من الادارة (سلوت 1993، 195). وأصبحت الدولة معتمدة على ايراداتها، حتى ان دولة كتلك لم تكن تختلف اختلافا كبيرا عن الدول التي ظهرت في أوروبا في تلك الفترة تقريبا. وقد كان النظام البيروقراطي الذي أنشأه الامام مستقلا عن القيادات القبلية ، وبإنشاء الجيش الدائم تمكن الامام من جذب الانصار والمؤيدين لكبح أي محاولة تهدد سلطة الدولة . أضف الى ذلك أن الامام قد وضع أسس قوة بحرية قوية ، وهذا ما ساعد في توسيع نفوذ الدولة العمانية الى أجزاء كبيرة من المحيط الهندي.

وقد أعطى الامام الاقتصاد والمال اهتماما كبيرا، حيث استمر في تشجيعه التجارة عبر كثير من الاجراءات ، ومنها إعفاء التجار الهنود من الجزية التي تفرضها الدولة الاسلامية على غير المسلمين بدلا من الزكاة )السالمي 1934، ج 2، 67لم . اضف الى ذلك أنه عين وكيلا في مسقط مسؤولا عن الأمور المالية والتجارية ، وهو غير منصب الوالي الذي كان مسؤولا عن الأمور المدنية والادارية (سلوت 1993، 187). وفي هذا السياق قام الامام بفرض زيادة مهمة على الرسوم الضريبية على التجارة في مسقط . ولم يكن هدف هذه الزيادة منع مسقط من أن تصبح هدفا لأطماع الانجليز والبرتغاليين كما اعتقد سلوت (سلوت 1993، 181)، بل كان الهدف هو ايجاد موارد مالية تسمح للامام بتمويل ادارة المؤسسات التي أقامها. لقد كانت كل هذه الترتيبات الادارية والعسكرية والاقتصادية أدلة قوية على مرحلة الاستبداد التي وصفها ابن خلدون .

وكرد على محاولات البرتغاليين لاغلاق السواحل العمانية واستيلائهم على سفن عمانية قام الامام بتحويل المعركة معهم من البر الى البحر وبهذا ضرب في عمق امبراطورية البرتغاليين التجارية (ولكنسون 1987، 48) . ففي عام 1655 شن الأسطول العماني هجمة على بومباي ، كما ظهر في نفس الفترة في ممباسا لتأمين السكان المسلمين الذين استنجدوا بالامام ضد البرتغاليين . وفي الهجمة على ممباسا استولى العمانيون على ثلاث سفن برتغالية مما ساعد في تقوية اسطولهم البحري (هل 1996، 314). ومنذ ذلك الحين ، أصبحت المواني، البرتغالية مثل دير وياسين وسورات أهدافا للحملات العمانية . وقد أدت هذه الهجمات الى غنائم كبيرة استغلها الامام في مشاريع زراعية وعسكرية مثل فلج بركة الموز وقلعة نزوى.

وقد كان تحرير مسقط من البرتغاليين فاتحة عهد جديد في العلاقات بين عمان والقوى الأخرى في المنطقة على أساس المصالح المتبادلة . ففي عام 1651 عرض الامام سلطان على الهولنديين طريقا بريا لتجارتهم مع البصرة (ما يلز 1966، 211). وكان مثل هذا العرض في غاية الأهمية بالنسبة للهولنديين الذين كانوا يحاولون التملص من الرسوم الضريبية العالية التي فرضها شاه فارس على تجارة الحرير. غير أن العلاقات بين الجانبين العماني والهولندي سرعان ما تدهورت في أواسط العقد السادس من القرن السابع عشر حينما حاول الهولنديون التآمر مع الفرس ضد العمانيين ، وخلال الفترة ذاتها، زاد الانجليز الذين كانوا في منافسة مع الهولنديين من اتصالاتهم مع عمان ، حيث تم في عام 1659 توقيع اتفاقية بين الامام سلطان بن سيف الأول والكولونيل رين فورد ممثل شركة الهند الشرقية الانجليزية . وقد نص الاتفاق على أن يعطي العمانيون أحدى قلاعهم في مسقط للانجليز الذين سيبقون حولي مائة من جنودهم هناك ، غير أنه بعد وقت قصير رأى الانجليز أن الاتفاق ليس كافيا لتحقيق طموحاتهم في الخليج ، بينما رأى الامام خطورة اعطاء مثل هذا التنازل على سيادة عمان ولذا لم يدخل الاتفاق حيز التنفيذ (السيار 1975، 169).

يرى بعض الباحثين أن الامام سلطان بن سيف الأول قد شكل سابقة لمن خلفه من الائمة بدخوله في النشاط التجاري (ما يلز 1966، 213)  وتشير بعض المصادر العمانية أيضا الى انتقاد البعض عليه تعيينه وكلاء كانوا مشتركين في أنشطة تجارية نيابة عنه (سرحان 1984، 55)وتسند مثل هذه الآراء فكرة أن العصبية لم تكن في هذه المرحلة العامل الأوحد وراء التوسع العماني في شرق افريقيا والهجمات التي شنها العمانيون على السواحل الفارسية والهندية . وفي الواقع أن العامل الاقتصادي وراء هذا التوسع كان جليا، حيث إنه في أواخر العقد السابع من القرن السابع عشر حل قحط عظيم على مناطق من الجزيرة العربية ، ومنها عمان ، أجبر العمانيين على البحث عن مصادر رزق خارج حدودهم الجغرافية . وفكرة القحط الذي حل على عمان تبدو أكثر واقعية من فكرة ويسو التي ادعت أن التوسع العماني كان وراءه مصلحة اليعاربة في نيل طريق مضمون لأسواق الرقيق (ويسو 1986، 119) . وفي الواقع أن السبب المباشر لهجمات اليعاربة في شرق افريقيا كان الرد على دعوة من مسلمي تلك المناطق لتحريرهم من اضطهاد البرتغاليين ، وليس لاسترقاقهم .

الفراغ والدعة

استمرت المرحلة الثانية من حكم اليعاربة حتى أيام الامام بلعوب الذي انتخب بعد وفاة أبيه سلطان . وبإنتخابه دخلت الدولة المرحلة الثالثة وهي مرحلة الفراغ والدعة . وتميز حكم الامام بلعوب بن سلطان بمحاولاته في إد&