درس الترجمة وجدل الذات والآخر


محمد حافظ دياب (أستاذ جامعي من مصر)


في مجرى تحقيق التواصل بين الثقافات، حظيت الترجمة دوما بمكانة عالية، تعدت حدود الاثنيات والأعراق، الى محاولة تأسيس حوار انساني وتنمية الوعي به.

شواهد هذا التواصل تبدو متعددة، منذ أول ممارسة معروفة لها في التاريخ، قام بها ليفيوس أندرونيكوس L.Andronicus  متصف القرن الثالث الميلادي، حين ترجم أوديسة هوميروس الى اللاتينية، لتشق بعدها اللغة اليونانية طريقها في أدب وفكر الرومان (1)، ومرورا بانتقال معارف العرب وعلومهم مترجمة الى لغات أوروبا الجنوبية في العصور الوسطى، عن طريق اسبانيا وصقلية والبندقية، لتمثل الجسر الذي عبرت عليه أوروبا الى عصر النهضة، وباكتشاف حجر رشيد عام 1799م، الذي فتحت ترجمته أسرار مصر القديمة، وانتهاء الى الدور الذي تلعبه راهنا في تشريع ايقاع العلاقات عبرا لقومية Transnional  بين الثقافات وعلى مدى هذا التواصل، مثلت الترجمة لدينا قناة هامة من قنواته. ونظر إليها باعتبارها لصيقة بهاجس "الترقي"، وان لم يمنع ذلك من أخذها بحذر في أحيان، خشية توغل الآخر الفاتن والباعث على الريبة من خلال أعمالها، مما دعا أن يشترط في التراجمة : "أن يكونوا مسلحين بأقوى جانب من الأمانة والمنا صحة والصدق. وعلى كاتم السر النظر فيهم وتفحصهم والاطلاع على مقاصدهم، فمن وجده خارجا عن الشروط، منعه واستعرضه بغيره معن تجتمع فيه الشروط اللازمة"(2)

هكذا يظهر أن اختيارنا درس الترجمة، صادر عن امكان النظر اليه كمؤشر التعبير عن السجال حول التواصل الثقافي، وكمجال يمارس تأثيره فيه، وكوسيلة نستدل بها على توجهاته.

ذلك أن النظر في امكانات ومظاهر هذا الدرس، هو أيضا اكتشاف لامكانات ومظاهر الصراع والتكيف من ديناميات هذا التواصل، بما يبرر أسئلة من قبيل : ما هي محصلة الدور الذي لعبته الترجمة في تحقيق تواصل العربي مع الآخر؟ وما هي أبرز التجارب التي قدمتها عندنا في سبيل تحقيق دورها؟ ثم ما هيا لتقنيات التي اتبعتها؟ وهل تراما مجرد تقنيات، أم أساليب للتواصل الثقافي ؟ وأخيرا، لماذا لم تمارس لدينا حضورها بعد؟

الترجمة كفعل مثاقفة :

تلك أسئلة يعقد الاجابة عليها، عسر محاولة بناء رؤية تركيبية ترصدها.

فالمنظور اللغوي الذي سلكته مقاربة الترجمة، أن في تعريفها أو تقنياتها أو هرماها، قد خلف فرضيات تجزيئية، تقوم على النظر إليها كمجرد ضبط للمصطلح من لغة المصدر الى لغة الهدف، فيما الاقتراب من تحقيق هذه الرؤية التركيبية، يستدعي الطرح الأنثروبولوجي أكثر من سواها. وهو طرح يقوم على مقاربة الترجمة، لا ضمن حدودها اللغوية فحسب بل في إطار اشكالية التثاقف، التي تربطها بتفاعل حضاري، يمت اليها، ويوفر لها شروطها ونسغها.

وفي مسعى لتحقيق هذه الرؤية، نباديء بتقديم تعريف  مقترح للترجمة، محاولين من خلال مناقشته، أن نستنبط منه ما يمنحا مكانته في مسيرة التواصل الثقافي :

الترجمة فعل مثاقفة، يقوم على اعادة التأهيل الواعي للثقافة الانسانية استنادا الى حرية التعبير عن الذات وحرية التعرف على الآخر.

ونظرا لاشتمال هذا التعريف على مجموعة مكونات :آت مغزى، تمثل من حقيقتها جدليات الترجمة، فسوف نتولى شرح هذه المكونات بتفصيل :

وهي بهذا المعنى فعل محرك، يدفع الثقافات للتواصل على مستوى النصوص التي أبدعتها، وان اتخذت ضمن هذا الأفق مستويات متعددة، تقوم على متصل ما بين المثاقفة والندية على طرف والمشاكلة والتماهي على الطرف الآخر: فقد تنمو في أحيان الى فرض نموذجها "المدجج" نحو تكريس فكر ومنطق التبعية والاذعان، أو ما يطلق عليه "العقل الأسير"the coaptive mind:، مما يقلل من فعالية الابداع في الثقافة المترجم اليها، بمقتضى "قوانين" التفوق واللاتكافؤ التي تحكم العلاقة بين الثقافتين. وقد تتجه نحو الاستعارة، حين تقتصر على حضور النصوص المترجمة برسومها وغياب محاورة محتواها، مما يصمها بالتلفيق والهجانة وغياب التأصيل. وقد ترقى الى استيعاب واعادة تأويل هذه النصوص، بما يجعل الثقافة المترجم لها تواجه تقدمها، حين لا يتم الاكتفاء بها ككتابة بتوقيع الأخر، بل بتطويعها لمقتضيات تمثل المعارف والعلوم. وقد تبلغ أنجع فعالياتها حين تتخذ شكل علاقة حوارية dialogical تستهدف المساهمة في انتاج شروط اغناء التواصل بين الثقافتين.

2- يقوم على اعادة التأهيل الواعي للثقافة الانسانية :

وفي إطار هذا الهدف، تتسع الترجمة لتشمل أبعادا ثلاثة مترابطة ومتتابعة:

البعد الأول معرفي، يتصل باختيار النصوص الأجنبية، والوقوف على مكوناتها ومرجعياتها، حتى نستطيع الحكم على مدى قابلية الافادة منها وتثمين حصيلتها.

والبعد الثاني لغوي، يرتبط بالتقاء معقد لحقول علم اللغة المختلفة : الصوتية والنحوية والصرفية والدلالية والأسلوبية والمعجمية (3)، تحقيقا لسلامة اجراءات الترجمة، وان كان الخلاف قائما لا يزال في هذا الصدد، ما بين مبدأ الاطراء والشيوع والحجة اللغوية، أو مبدأ الايجاز والحجة الصرفية، أو مبدأ الملاءمة والاستعمال، أو مبدأ التوليد والنماء المصطلحي.

أما البعد الثالث فتأصيلي، ينهض على تخصيب النصوص المترجمة بالشروح والتعليقات التي تقف على كفاياتها واستراتيجياتها وفعالياتها بما يتجاوز روايتها الى الدراية الناقدة فالهرية المتجددة المحرضة على الابداع بتعبير جون واشمان J. Raichman  (4) ذلك أن "الألفاظ قد يجز لها من المعاني في اللسان المنتقلة اليه، فوق ما كان لها من اللسان الأول، مع تطاول الزمان وتقادم الهجرة وكثرة التقلب "(5)، وهو عين ما يذكره جد امير H. Gadamer  حين تحدث عن الترجمة كاضاءة إضافية، باعتبارها تفسيرا، أو بالأوضح اكتمالا للتفسير الذي أضفاه المترجم على النص الأصلي (6).

بهذه الكيفية تبدت الترجمة في مجرى تجربة النهضة العربية، حين ساهمت شروح وتعليقات الفا رابي وابن رشد لفكر أرسطو، في اعادة التحقيق في الفكر اليوناني، وادخاله في نسيج الثقافة العربية، حتى ليكاد عل أيديهما أن يصبح عربيا.

يتضح كذلك هذا البعد التأصيلي، في ترجمة كبار الفلاسفة الفرنسيين للفكر الألماني (أعمال نيتشة، هيجل، هو سيرك، ماركس، فرويد، وهايدجر...)، والتي لم تقتصر على مجرد الترجمة الحرفية، بل تعدتها الى اعادة تأهيلها في اللغة الفرنسية، وتأويلها بالشروح والتعليقات(7)

3 - استنادا الى حرية التعبير عن الذات، وحرية التعرف على الآخر، فالنص المترجم تجسيد لثقافة بعينها، ولرؤية محددة الى العالم، بما يفترض أن تستهدف ترجمته، القدرة على تشخيص الذات في اهاب التواصل مع الآخر، وبعا يشي أن الترجمة في ظروف التواصل المتكافيء، ترفد الشخصية والثقافة القومية، بينما هي في حالة التبعية، تهدد الذاتية الحضارية، وتحافظ على تكريس هذه التبعية.

وفي هذا الصدد، يذكر المؤرخ الفرنسي شارل اندريه جوليان. CH. A. Julien أن المترجمين الفرنسيين في الجزائر ابان استعمارها، كانوا يحملون رتبا عسكرية، وأنهم كانوا يعملون  بالتعاون مع الادارات التابعة للجيش الفرنسي(8).

طبقا لهذا، فإن الكشف عن العلاقة بين الترجمة وظروف السيادة والتبعية، يمثل اكتشافا لامكانات ومظاهر التواصل والتمثل والتدجين، وكذلك الصراع في ديناميات التفاعل الثقافي.

اضاءة تاريخية :

ولعله من المجدي هنا، مساءلة المسار التاريخي العربي، خلال تعاطيه للترجمة، بما قد يسمح باستبصار الظروف المؤطرة لهذا التعاطي. ويكشف العلاقة بين شروطه الرمزية والمادية، مما قد يؤدي الى فهم حيثيات هذا المسار واستجلاء أبعاده.

لقد تبدى هذا التعاطي على شكل تجارب خمس أساسية، يمكن رصدها كالتالي :

التجربة الأولى، وفيها خرج العرب بعد الاسلام يحملون العقيدة والفكر واللغة، وامتدت فتوحاتهم، وفرضت ظروفهم

الحضارية الجديدة التوجه نحو تنظيم الاتصال بثقافات أخرى كالفارسية والرومانية والهندية والأندلسية، فقامت أكبر حركة ترجمة، انطلقت في العهد الأموي، واكتملت ببناء (بيت الحكمة ) في عهد الخليفة المأمون(5)، وانفتحت على تيارات متنوعة من الثقافات الأجنبية، لتشمل اللاهوت المسيحي السرياني والفلسفة اليونانية والأدب السياسي الفارسي، جنبا مع الحساب الهندي والطب الاغريقي والفلك الكلداني، وكان من آثارها أن أصبحت اللغة العربية تمتلك، وللمرة الأولى لفة اصطلاحية وقد ساعد على غنى هذه الحركة، تنامي علوم العربية، والتفاعل التاريخي بين العرب وسائر شعوب امبراطوريتهم، ونضج الحاجة الى منهج عقلاني يتخذه الفكر العربي مرشدا له، اضافة الى أن تغير المحيط الاجتماعي، قد تطلب تقنيات متقدمة نسبيا. وكان توسع الحملات الصليبية ايذانا بانتهاء هذه التجربة.

أما التجربة الثانية، فبدأت مطالع القرن الماضي، تحت وقع الصدمة مع الغرب، والوعي بالتأخر وبالتالي بضرورة النهضة، ووضع التقابل بين الشرق وأوروبا كمعادل للمقارنة بين التأخر والتمدين، وعبر مناخ الفكر الاصلاحي الذي كان منتشرا بصور وأشكال مختلفة، في الولايات العربية الخاضعة وقتها لحكم (العثمانيين ).

وقد مثلت الترجمة في هذه الفترة أداة هامة في برنامجها، وبخاصة في مصر وتونس ولبنان، حيث ترجم حوالي الألف فتاب من مختلف العلوم أثناء ولاية محمد علي في مصر (10)، وقرابة الخمسين كتابا في العلوم العسكرية خلال حكم المشير أحمد باي ني تونس (11)، وبعض الأعمال ذات الموضوع الديني  من قبل أعضاء البعثات التبشيرية في لبنان(12)، وأقيمت مؤسسات للترجمة، أشهرها مدرسة الألسن بمصر عام 1831، والمكتب الحربي في باردو بتونس عام 1840، والكلية الدينية بلبنان عام 1864، لتتالي بعد ذلك جهود فردية.

ووقعت التجربة الثالثة فيما بين الحربين العالميتين، وشهدت ذروة الترجمة بتصرف الى العربية، دونما اعتبار للشكل الفني الذي يخص النص الأجنبي، وعلى تفاوت مستويات المترجمين الألمان باللفات الأجنبية وفي المقدرة على الكتابة العربية (13).

أيامها ازدحمت سوق النشر العربي بموجة هادرة من المترجمات ذات المستوى التجاري والمضمون الهابط (روايات الجيب، مسافرات الشعب، قصص الصباح، أشهر المغامرات..) وأغلبها ترجمات مشوهة، ونوع من روايات التسلية والترفيه، التي أوجدت ظروف الحرب وأزماتها سوقا رائجة لها. وصادف هذه الموجة دعاوى تشجيع اللهجات القطرية والمناداة بكتابة العربية بحروف لاتينية، مما قلل من فعالية جهود متضافرة لاحياء التراث، وتقديم ترجمات جادة قام بها بعض الكتاب (مثل فتحي زغلول، يعقوب صروف، مصطفى جواد،

بهجة الأثري، الأب انستاس الكوملي، ومصطفى الشهابي...)، وعدد من المؤسسات أظهرتها لجنة التأليف والترجمة والنشر التي تأسست بالقاهرة عام 1914.

وتزامنت التجربة الرابعة مع نهاية الحرب العالمية الثانية، حين بدأت الولايات المتحدة الأمريكية علاقتها بالمنطقة العربية، وركزت ضمن ما استهدفته على مجال العمل الثقافي، وكانت مجلة (المختار) ذات الحجم الصفير والثمن الرخيص والطباعة الجيدة، من أهم ما قدمته. ومثلت هذه المجلة الترجمة العربية للمطبوعة الشهرية المعروفة Reader's Digest المهضوم للقاريء)، ولعبت دورا ملحوظا في تهميش وعي القاريء العربي. ويلفت النظر في القيم التي روجت لها هذه المجلة أمران. الأول، أن النجاح مرهون بالحظ والمصادفة، والثاني أن العدل الاجتماعي معلق بأريحية السادة وكرم المستعدين للتبرع والاحسان.

كذلك باشرت (مؤسسة فرانكلين ) الأمريكية نشاطها في النطاق العربي بدءا من عام 1953، وشهدت الستينات ذروة نشاط الترجمة عبرها، وتوزيعه على مجالات متخصصة ومواقع معرفية محسوبة، وبالذات مجال التربية وعلم النفس، الذي أطلقت عليه (فن صناعة البشر). وتضمنت ترجماتها تقديم زاد ثقافي أمريكي يعالج القضايا التي تواجه المواطن العربي والتبشير بمثالية النمط الأمريكي في الحياة، ووضع موسوعات ودوائر معارف للهجات الجماعة الاثنية العربية (14).

ونعني بالتجربة الخامسة تلك المحاولة الرائدة التي أقامت عليها سوريا بتعريف العلوم الطبية في جامعاتها، انطلاقا من مقولة تعذر استيعاب المعرفة، استيعابا حقيقيا تكوينيا، ما لم تكن اللغة القومية هي الأداة الموصلة لها، ومن ثم فإن الدخول الفاعل أو المتفاعل في تجربة نهضة عربية، لا يتوقف على مجرد النقل من الآخر، بل يعتمد بالدرجة الأولى على كون أهل اللغة العربية أنفسهم مشاركين عمليا في هذه التجربة.

ومما يجدر ذكره أن الطب حتى مشارف العصر الحديث، وعلى مدى سبعة قرون، كان عربيا خالصا: فالعرب والمسلمون أول من بدأ الصيدليات، ونشر دور الشفاء والمارستانات، وأسماء أطبائهم وقتذاك تملأ مجلدا، لعل من أبرز هم : الرازي والزهراوي وابن رشد، وابن البيطار، وأعظمهم الشيخ الرئيس ابن سينا، الذي ترك طابعه على الطب في الجامعات الأوروبية عبر خمسة قرون. وصكت كتب كالحاري للرازي، والتصريف لمن عجز من التأليف للز هراوي، والشفاء والقانون لابن سينا، المراجع الطبية الوحيدة في تلك الحقبة، صحيح أنهم أطلعوا على جزئيات أبي قراط وكليات جالينوس، ولكنهم أضافوا للفكر اليوناني النظري في مجال الطب ما أفضت به خبراتهم في التطبيق.

يذكر كذلك أن تعليم الطب باللغة العربية قد مورس بدايات القرن الماضي لدى مدرسة الطب في (أبوزعبل ) بالقاهرة حيث كان المترجمون يقومون بترجمة المحاضرات والشروح بين الأساتذة الفرنسيين وطلابهم المصريين. والأمر نفسه في بدايات انشاء الجامعة الأمريكية ببيروت، التي درست الطب باللغة العربية نقلا عن الانجليزية، لكن التجربة السورية لم تقتصر في تعريبها لعلوم الطب على التدريس، بل تعدته لتشمل وضع مصطلحات عربية لأسماء الأمراض ومستلزمات التشخيص والعلاج، وانشاء مؤسسة لترجمة وتعريب علوم طب الأسنان، ومحاولة تقديم مكتبة طبية عربية، تخدم المعلومات التي يحتاج اليها الأطباء والطلاب والباحثون في مختلف المجالات الصحية، اضافة الى خدمات التكشيف والاستخلاص والأعمال

الببلوجرافية (15)، مع اعتماد العربية  كلغة  أساسية في التدريس والبحث، دون أن يعني ذلك عدم الاعتراف بأهمية اللغات الأخرى كمراجع للتوسع، وكتنفيذ برامج لتأهيل المدرس في المحاضرة بالعربية.

تقييم نقدي:

والأمر هنا يتعلق بتقييم هذه التجارب، ومعاينة ملابساتها:

ففي التجربة الأولى أيام (بيت الحكمة )، كان العرب في موقع قوة، والعربية في أوج انطلاقتها وأفكار المعتزلة تمثل النظرية الرسمية للعباسيين، وهو ما يفسر أسبقية ترجمة التراث المنطقي لأرسطو على ما عداه من علوم فلسفية وطبيعية ورياضية، حيث حاجة التطور في مسيرة الفكر العربي الاسلامي قد دعت الى الأخذ به، قصد الحصول على القوانين : "التي من شأنها أن تقوم العقل وتسدد الانسان العربي نحو طريق الصواب، ونحو الحق، في كل ما يمكن أن يغلط فيه من المقولات " كما عبر

الفارابي (16).

أما التجربة الثانية مطالع القرن الماضي،. فقد ظهرت بعد فترة من الركود، هيمنت فيها المؤثرات التركية على الثقافة العربية، وانحدرت خلالها اللغة القومية، وعبر مناخ التوفيق بين الشرق والغرب، مما جعل من نشاط الترجمة خليطا من المصطلح الفقهي والمفهوم الليبرالي والجدل الكلامي والصناعة الشعرية.

وتتسق ممارسات التجربة الثالثة بين الحربين، مع مفاهيم الانتداب والحماية والوصاية، كصيغ قانونية ودولية مثلت وقتها عملية اقتسام الأقطار العربية، ومع مناخ الأزمة والبحث عن حلول لها.

كذلك يمكن استيضاح نزعات التجربة الرابعة في عالم ما بعد الحرب الثانية، مع استقلال هذه الأ قطار، وتجدد المأزق التنموي الذي عاشته، ومحاولة الولايات المتحدة تكريس مفاهيم بعينها عن طريق الترجمة والنشر، وهي مفاهيم تلبست أقحطتها النزعة التلقينية، بصوغها الأسئلة للموا طن العربي وأجوبته، مدللة بذلك على أن قيم الفكر خارجية أكثر منها

قومية، ولتعمق من مفهوم "الاستهواء"، الذي يقوم على القبول دون تمييز أو تمحيص، ناهينا أنها تلفي أو تتجاهل أسس الثقافة القومية واسهاماتها.

أما التجربة السورية في تعريب العلوم الطبية، فمازالت النظرة اليها تتراوح بين الاشفاق والخشية، برغم ما تقدمه من انجازات.

وهكذا قد نكون الآن في وضع أوضح لاستكشاف حركة التواصل الثقافي مع الترجمة عبر هذه التجارب، حيث يسود الحوار في التجربة الأولى، والمراوحة في الثانية، والتهميش في الثالثة، والتبعية في الرابعة، ومحاولة التأصيل في التجربة السورية. الا يعني هذا افتراض نوع من الفضاء المتجانس بين كلا الحقلين : التواصل الثقافي الأعرض، والترجمة ضمنه ؟

تقنيات للترجمة أم أساليب للتواصل :

لنتوسع أكثر في هذه المسألة. ذلك أن التقنيات التي أتبعتها هذه التجارب في الترجمة لا تكتسب مجرد صبغة لغوية، انما تحمل في طياتها تعبيرا عن اختبارات فكرية وحضارية للتواصل مع الآخر. ونبدأ بالتعرف على هذه التقنيات :

أولها الاقتباس من التراث العربي، ويطلق عليها "الترجمة بالمؤالفة "، باعتبارها تؤالف مصطلحا معاصرا من لفة المصدر مع مصطلح قديم من لغة الهدف.

ويعتبر عدد من الباحثين أن التفتيش في الأعمال والقواميس عن مفردات ملائمة للتعبير عن المفاهيم الجديدة، دون تغيير أساس في معاني هذه المفردات، طريقة يجب تقديمها على غيرها، لما تفيده في احياء تجربتنا الحضارية وتواصلها، وفي ذلك تحقيق لاستمرار التراث واصطفاء لمعجمه، وانماء للشعور القومي، واعتزار باللغة العربية.

وتبدو هذه الطريقة الأكثر شيوعا الأكثر حركة الترجمة خلال القرن الماضي، حيث كان جل اعتماد المترجمين وقتها على ما ورد في مدونات التراث.

والنقد الذي يوجه الى هذه المؤالفة، أنها قد تبعد الكلمة المترجمة عن دلالتها الصحيحة. مثال ذلك ترجمة المؤرخ المصري عبدالرحمن الجبرتي للكلمة الأجنبية  République  الى "جمعية"، ورفاعة الطهطاوي لها الى "مشيخة"، ليحتاج الأمر وقتا طويلا، حتى 1798، كي تترجم الى "جمهورية "، وان أمكن ايعاز عدم دلالة الترجمتين الأوليين الى أن الكلمة حلت في فضاء عربي لم يعهد قبلا هذا النظام السياسي.

كذلك فإن هذه الطريقة تتراود مع نزعة الحنين الى المامي والارتباط به. أي مع نزعة "تراثوية" تفترض أن لكل مفهوم جديد أصلا في التراث، مما قد يؤدي الى استخدام المهجور من الكلمات، أو اخراج كلمات قديمة عن معانيها، ربما تقصر في التعبير عن المفاهيم الجديدة، من مثل : كلمة "المسموم" للدلالة على اللفظ الأجنبي "المسك" و"السجلاط" للدلالة على. "الياسمين"، وذلك قد نسقط فيما يمكن تسميته "الاغتراب المعجمي" Lexicological  alienation الأمر الذي قد يبعدنا عن تيار الفكر العالمي، ويجعلنا ننفرد بلفة تكاد تكون خاصة بنا، عبر واقع تعبر عنه هذه اللغة التي لا تنتمي الى راهنيته، هو واقع مسحوب الى داخل هذه اللغة

القاموسية.

صحيح قد نوفق في العثور على كلمات تصلح لتأدية معان جديدة، لكن غالب المصطلحات الأجنبية قد يعسر ايجاد أصل تراثي لها، أو قد يستغرق فترة طويلة نسبيا وصولا الى المصطلح المرادف، لارتباطه بظاهرة لم تكن موجودة أصلا في الحياة العربية (17)، ناهينا عن أن طريقة الاقتباس من التراث لا تتيسر لكل الباحثين، بل للمتعاملين منهم معه بالدرجة الأولى، وهو تراث لم يخضع بعد لعملية تحقيق دقيقة.

وثاني هذه التقنيات هو التوطين، ويعني اكساب بعض من مكونات النص المترجم صبغة قومية أو قطرية، وهو ما يبدو بالذات في ترجمة النصوص الروائية والمسرحية، التي قامت على تغيير أسماء الأمكنة والشخصيات فيها الى أسماء عربية، مع ادخال أجناس أدبية شائعة لدينا عليها، أو استخدام اللهجات القطرية من ترجمتها، وهو ما عرف، مع تنامي فكرة الدولة القطرية، بالتقصير والجزارة والتونسة، واللبننة.. الخ.

ومن الأمثلة الدالة على هذه الطريقة، أعمال المسرحي اللبناني مارون النقاش منتصف القرن الماضي، وتلميذه سليم النقاش(18)، وكذلك أعمال نجيب الحداد، ويعقوب صنوع، ومحد عثمان جلال، ومي زيادة ومنصور فهمي، والمنفلوطي، وأبو خليل القباني، ومعروف الرصافي وغيرهم.

ويمثل محمد عثمان جلال في مص