ت.س. إليو ت
و
الانقسام الثقافي

الصـور المرافقة
الصور المرافقة

النص:ديفيد تشينز
الترجمة:غازي مسعود
(كاتب من الأردن)


أثناء سيرورة إعادة قراءة نقدية طويلة بدأت في مطالع الثمانينات، غدت العلاقة بين الحداثة والثقافة الجماهيرية مفهومة أكثر، فقد واجهت الاعتقاد السائد بأن الحداثة تعادي باطراد الثقافة الجماهيرية سلسلة من التحديات، منها- على سبيل المثال - ذلك التمييز الذي عينه اندرياس هويسن بين "الثقافة الرفيعة " و"الطليعة التاريخية "، ومن ثم ما ابرزه برنارد جند رون قائلا ان ذلك الانقسام: "فشل في رسم الخريطة الكاملة لفضاء الممارسة الحداثية ". فبالأضافة الى حداثة رفيعة معادية للثقافة الجماهيرية وطليعة متقبلة لها- وهذا امر واقع - يوجد افراد عديدون وجماعات عديدة لا يمكن تقليص موقفهم الى احد هذين التطرفين. ولكن، بالنسبة لجندرون كما بالنسبة لهويسن، تستمر الحداثة الرفيعة في تمثيل موقف: "يلتزم كليا بمثال لفن مستقل "(...) "لا ينخرط في السياسة " ومكرس " لاهداف جمالية ". ومثل هذا الترصيف لا يخرج على الاجماع النقدي.

والسؤال المطروح في هذه المقالة: هل يمكن تطبيق وجهة النظر هذه على ت.س.إليوت ام لا؟ من المؤكد وجود ميل ضئيل للتفاؤل في الاجابة عن هذا السؤال، فها هو هويسن يكتب: "اكد حداثيون من امثال ت.س. اليوت واورتيجا جاسيت، مرة بعد اخري، ان مهمتهم تنحصر في انقاذ طهارة الفن الرفيع من طغيان الثقافة الجماهيرية الحديثة عليها". وقامت إلن بيري بوصف اليوت وعزرا باوند بأنهما: «اكثر المعبرين عن الحداثة الامريكية ". وذلك « بفضل جهودهما للحفاظ على استقلا لية الفن المؤسساتي وكرا مته "، و« تحصين الحدود القائمة بين الفن الاصيل والثقافة الجماهيرية غير الاصيلة ". ولطالما تمت الاشارة - كما فعل جورج ستيد الى: «دوحمائية اليوت الحداثية المتصلة بالفن الناسك ". ومما يعتبر مركزيا في تاريخ القرن العشرين الادبي- او في الاقل كما هو ممثل الآن تصوير إليوت على انه بطل النضال الخاسر لحماية الفن الرفيع النقي المقدس من تلوث المستويات الثقافية الهابطة ".

يلخص هدفي من مقالتي هذه في اثبات لا امكانية وصف إليوت وصفا دقيقا باستخدام مثل ذاك المجاز التبسيطي. وانا معني هنا، أساسا، باليوت العشرينات وما ابكر منها، اما إليوت الاكبر سنا، فقد كان - الى حد ما- اكثر استعدادا للعب الدور الذي ذاع ذكره على اساسه: نصب انساني - دفن مطلق... فن رفيع، حينما كان الفن اكثر جدية ونخبوية " كما تقول سنثيا اوزك.

واليوت هو ذاك الشاعر الذي كللت صورته غلاف مجلة "اتلانتك منثلي " (شباط 1951)- وتظهر الصورة رجلا وسيما، انيق الهندام، جاد المظهر، يداه متشابكتان قدامه، وسماء منذرة تلوح خلفه، وتحوم صورته فوق او ديون كلاسيكي يبدو وكأنه مزار شخصي له. ولكن، حتى إليوت المتأخر هذا لم يكن ذاك المحافظ الثقافي الذي اعتبر ملائما للجو الاكاديمي الذي ساد الاربعينات والخمسينات -  تلك الفترة التي دجنت فيها الحداثة الرفيعة ومعيرة - حسبما يقول كيفن دتمار- فاليوت الذي اصور. انا اكثر تعقيدا، وهو من وجهة نظر ما بعد حداثية طليعية، اكثر اثارة للاهتمام، انه شخص، رغم ازدواجيته، طور موقفا نظريا تقدميا عن العلاقة بين الثقافة الرفيعة والثقافة الجماهيرية، وحاول مرارا وتكرارا تحويل هذه النظرية الى فن.

 (1)

بفضل كتاب سيرة حياته، فاننا نعرف الآن أشياء اكثر عن إليوت الذي بدا غير منسجم في صورته المجملة التي حامت فوق الاوديون. وبعيدا عن المعلومات المتصلة بحياته الخاصة، نجد عديد الاء لة على انجذابه، طوال حياته، الى اشكال متنوعة من الثقافة "الهابطة ": المسلسلات الهزلية (كريزي كات، مت أند جف)، ولغة الشارع العامية، والميلودراما، والفودفيل، وقصص الصحف المثيرة (بخاصة منها قصص الجرائم) وموسيقي شارع برودوي وزقاق تن بان، والكوميديات الفاجرة لإرني لو تنجا. وتهزأ اهتمامات اليوت هذه بالمفهومات المسبقة التي تتول انه ازدرى الثقافة الشعبية المعاصرة. وهبها، يسب على اصحاب تلك المفهومات تسبقة ان اليوت كتب قصائد غير محتشمة تحمل عناوين من مثل:،«اغنية الى لويز المنتفخة » و" خراء» وانه كان يشرب كثيرا، ويشارك في مسابقات لحل الكلمات المتقاطعة، وشاهد أفلام "الاخوة ماركس" كلها، وارسل رسائل اعجاب الى جروشو. اذن، ولو افزنا بالاعتبار هذه النشاطات التي استهوت إليوت، فسيكون مفاجئا ان تلعب الثقافة الشعبية دورا سلبيا فيحياته.

وابدي إليوت حماسة دائبة لقصص التحري، فاهتم بآرثر كونان دويل وجورج سمنون وريموند شاندلر. وفي مقالة تحمل عنوان «ولكي كولتر ودكتر" كتبها منة 1927 يربط إليوت هذا الضرب من القصص- الذي كان كولتر احد من مؤسسيه المعترف بهم - بالميلودراما. واثناء هذا الربط يرسم خطوطا ما يرده مشكلة عصية تواجه الفن المعاصر، ويقترح ان يتطلع الكتاب «الجادون " الى الثقافة الشعبية ليستمدوا منها حلا. وحين يلحظ انصرام «عهد الميلودراما الذهبي" يصف الانفصال بين «الرفيع " و"الشعبي" بانه نوع من الستار الحديدي الذي رفع مؤخرا فقط ليفصل الفنون بعضها عن بعض، ويكتب: «يدرن اولئك الذين عاشوا قبل اختراع تعابير من مثل «القصص الهابط " و«قصص الاثارة " و"قصص التحري" ان الميلودراما معمرة، وان التماسها معمر لابد من ارضائه ". ولأن فجوة حفرت الآن، تطور القصص «الهابط" الذي نمدا باستمرار مستقلا عن اي نبض شعبي، الى أدب لا آثارة فيه، يكتب إليوت:

«لم يوجد في العصر الذهبي للقصص الميلودرامي مثل ذاك التمييز. كانت افضل الروايات مثيرة، اما التمييز بين هذا الضرب او ذاك من روايات اليوم «السايكولوجية " او بين هذا الضرب او ذاك من روايات اليوم «البوليسية"، فهو اكثر من التمييز آنذاك بين الضرب الذي تمثله رواية «مرتفعات وذرنج" او حتى رواية "طاحون على نهر فلوس »، وبين الضرب الذي تمثله رواية «لين الشرقية ".

ويتمثل الخطر الاساس من هذا الوضع في اتساع الفجوة التي يجلبها معه الادب الواعي بذاته حين يغدو منعزلا اقل اثارة، ويتنبأ إليوت «ان لم تحصل على الرضا مما يقدمه الناشرون أدبا، فسوف تقرأ ما نسميه «روايات مثيرة"، بأقل وأقل من التطاهر بالكتمان. واذا كان على هذا الانقسام الكبير ان ينقضي، فسيكون ضروريا: «اعادة تجميع العناصر التي تفككت في الرواية الحديثة ". ولدى اليوت، لا يمثل النزاع بين الثقافة الشعبية والثقافة الرفيعة اكثر من تفكك عميق للحساسية، او للترابط العام بين الفكر والشعور. وفي ظل هذه الظروف، أضحت الروايات الشعبية المثيرة اكثر اتقانا. بيد ان اليوت يتحدث الى الكتاب «الادباء" الذين يلومهم لأنهم غدوا الآن «اكثر وعيا بفنهم " فيقول: " نحن لا نستطيع نسيان المطلب الاول - غير الصعب - لأي شعر او نثر في ان يكون مثيرا«. فالأدب "في هذه الايام - اكثر من اية ايام أخرى" بليد، واذا أمسى بليدا فمصيره الفشل."

وتوضع مقالة «ولكي كولنز ودكنز" موقفا نقديا مهما اتخذه إليوت وأصر عليه - في الاقل طوال العشرينات. فقد حذر، وهو يبدي تشاؤما من الطبقة المثقفة، من ان المرء لا يستطيع ضمان بقاء الشعر والفنون الجميلة في مجتمع يجد ترفيهه في مكان آخر. اما رده على هذا الواقع فتمثل بالسعي الى اعادة تجميع عناصر الأدب التي تفوقت، وتحديدا بالدعوة الى شكل او ضرب جديد يكون فيه مثل ذاك الصلح ممكنا.

ففي قراءة له لشعر ماريان مور، كتبها سنة 1923، يجادل إليوت بأن الثقافة الشعبية والفنون الجميلة مشروع واحد في الجوهر، رغم ان التعابير التي يناقشانها تخلق انقسامات مزعجة. وفي هذه القراءة يخطى، إليوت مقدمة جلنوي وسكوت لكتاب مور «الزواج " لانها تقيم تمييزا مفتعلا غير مهم بين الفن «البروليتاري" والفن «الارستقراطي". ويحذر من ان هذا التمييز يؤدي الى «نتأئج خطيرة ". ويقول ان هذا التمييز يفقر الاول ويقتل الثاني، ومن ثم يهاجم ما اوحي به وسكوت من ان الثقافة الشعبية تحط من قدر الفن الرفيع، ويقول: على العكس من ذلك، يجب ان تجد الفنون كلها جذورها فيما هو شعبي كي تغدو ممالحة. ويجادل: «الفن الرفيع مصفاة للفن الشعبي وليس نقيضه". وبأشكال متنوعة، يعتبر مبدأ «التصفية " هذا مبدأ مركزيا في مفهوم الجمال عنده، فنداءاته لاعادة استكشاف أمس الفن البدائي نراها دائما مقترنة باصرار على وجوب ان يفعل الفنان الحديث اكثر من مجرد اعادة ابداع الاسلوب البدائي. وبالمثل يجب على أي دراما شعرية جديدة ان تنمو من الاشكال الشعبية والكوميديات الموسيقية، لا ان تظل مجرد تكرار لها. وينطبق هذا المفهوم على اللغة الشعرية: فعل الشاعر «تصفية بدائية القبيلة " بالاعتماد على التعابير الشعبية. ويمدح اليوت مور، لا لأنها تتملص من خليط المجتمع الامريكي اللغوي العامي، بل انها تخلق منه بيانا شعريا. فدارج مور «تصفية لهزل... ذاك الكلام الذي يميز اللغة الامريكية، ذاك الهزل غير السهل، الواعي بذاته، والمقدس الذي يلهم ليس رطانة المختبرات اللغوية فحسب، بل وعامية الاشرطة السينمائية الكوميدية، ويجادل اليوت بأن الفن المعاصر لا يستطيع رؤية نفسه وقد غدا مناقضا للثقافة الشعبية، فحري بالفنون الجميلة ان تتواصل الفنون الشعبية، وهكذا يؤكد على زيف التجزيء الذي تنفصل على اساسه الضر وب الادبية عن فروعها. وعلى سبيل المثال، يكتب إليوت: «ان الحدود بين الدراما والميلودراما غير واضحة ". و"ان التمييز بين الصحافة والادب مصيره الفشل، ومهمة الفنان ان ينتح ليس فنا نخبويا، او فنا غير موبوء، بل حري به ان يغير الاشكال الشعبية فنيا".

ويوفر اهتمام إليوت بالبدائي بعدا اضافيا لهذه الحاجة، ان فرضت عليه قراءاته في الانثروبولوجيا الاقتناع بأن الفن لم ينشأ لاسباب جمالية غرضها المتعة، فبالأصل لم تكن الفنون مستقلة وطيفيا او منفصلة بعضها عن بعض، ولم يكن بالامكان فصل الشعر والسرد عن الموسيقى والرقص، عن الطقوس والدين، عن الجسدي والجنسي، فلم يكن الفن خاصا بل عاما، وكان نشاطا جماعيا شاركت فيه القبيلة كلها، والادب، كما ورثته الحضارة، اثر من آثار هذه الثقافة التابعة المدمجة. وهكذا تتعاشق دروس الانثروبولوجيا معا.

عند أية نقطة اصبحت محاولة تصميم موضوع من اجل الجمال وابداعه محاولة واعية ؟ وعند أية نقطة في الحضارة ظهر التمييز الواعي بضرورة التفريق بين ما هو غرض عملي او سحري، وما هو غرض جمالي ؟ من المؤكد ان مثل هذه النقلة لابد لها وان تكون دلالة على تغير في العقل البشري له اهمية جوهرية. وهنا يبرز سؤال لابد وان نسأله:. أيمكن للفنان، هذا المبدع لموضوعات جمالية ادبية، ان يستمر الى ما لا نهاية دون اغراضه البدائية، او بعبارة أخرى: أيمكن للموضوع الجمالي ان يكون موضوعا لافتا مباشرة ؟

والمعنى هنا، كما رأيناه في «ولكي كولنز ودكنز"، هو: من المستبعد ان يدوم الفن في اشكاله الواهنة وفي وظائفه المنوطة به الآن، وافضل مثال على ذلك هو الموضوع الذي رفع الى مقام الايقونة الجمالية.

وترتبط علاقة إليوت بالثقافة الشعبية ارتباطا وثيقا بالسياسة الطبقية، وبخاصة بالتناقض الحداثي مع الطبقة الوسطى، وتتذمر مقالته التي كتبها سنة 1922 المعنونة «رسالة لندن " من ان «الغوغاء المحترمة "، غوغاء الطبقة الوسطى المهذبة، قد استولت على الثقافة الرفيعة وحولتها الى قطعة متحفية تنفر «من المغامرة والتجريب ". وفي حرب اليوت على هذا الاستيلاء السافر يعتبر فنون الطبقة الدنيا خير حليف. وفي نهاية المقالة يجد إليوت منقذا في الشعر الانجليزي والشعر الامريكي الذي يسمعه في قاعات الموسيقى. وتظهر الاستراتيجية نفسها في مقالة «مريام مور"، اذ يصف إليوت «الفن البروليتاري والفن الارستقراطي" بأنهما حليفان، و«فن الطبقة الوسطى" بانه ظاهرة منفصلة تسود بوساطة "افكار خادعة وعواطف مزيفة، وحتى بوساطة شاعر مخادع ". ولا تتلخص المشكلة من وجهة نظر إليوت في كيفية تعزيز الفن، بل في كيفية سحب الفن بعيدا عن «الغوغاء المحترمة " لتوحيده مرة أخرى مع «الشعب ".

وخلال العشرينات كانت قاعة الموسيقى موقع إليوت الرئسيي الذي وجد فيه صلته بالثقافة الشعبية، ففي هارفور حضر باستمرار حفلات الفودفيل. وكان يصحبه اليها دائما كونراد اكتر، وفي لندن واظب مع وندام لويس على مظاهرة قاعات الموسيقى. وتمتع إليوت بالاغاني الشعبية التي كان يسمعها في قاعات الموسيقى، وظل يملك ذاكرة رحبة لما سمعه منها، وأعاد تمثيل بعض الادوار الكوميدية التي شاهدها في تلك القاعات امام اصدقائه، وتشير مقالته الى العروض المفضلة لديه، وهي عروض: تيلور والاس، جورج جريفز، لوينو لين، روبرت هيل، لتل تك، ايرني لوتنجا، وجورج روبي- وهذه قائمة تشمل تنوعا واسعا من الاساليب. ويعتبر تكريم إليوت للكوميدية الراحلة ماري لويد الذي كتبه سنة 1922 من اكثر عتالاته اثارة للمشاعر وكشفا للشخصي في ذاته، اذ وصف لويد بأنها «أعظم فناني قاعات الموسيقى في عصرها في بريطانيا"، وينسب اليها شرف تمثيل "ذاك الجزء من الامة البريطانية الذي تمتع بأكثر ما يمكن من الحيوية والاثارة ". ويقول ان فوادتها كامنة في «قدرتها على التعبير عن روح الشعب » و«اضفاء السعادة عليه"، أما «تعاطفها» مع الجماهير فيمنحها منه كل التناء، وفي هذا التكريم، كما في مقالة كتبها سنة 1921، عنوانها «الانسان البريطاني وروح الكوميديا ووظيفة النقد" يبدي إليوت تعاطفا مع جمهور الطبقة العاملة "المثالي ". ويبدو واضحا فيها ان انجذابه الى قاعات الموسيقى نابع من خبرته بأهمية الشعور المشترك الذي يشعر به المشاهدون طوال مدة العرض، فقاعة الموسيقى موقع فريد تقوم فيه المشاعر الجماعية بتهدئة اغترابه الحداثي.

ويتمثل العصر الاساسي لبنية قاعة الموسيقى عند اليوت بمشاركة الجمهور- وهذا تعارض صارخ مع سلبية الطبقة الوسطى تجاه "الفن "، في فـ"رجل الطبقة العاملة الذي يذهب الى قاعة الموسيقى ويشارك الكورس، يكون هو نفسه مؤديا لجزء من المشهد". ويوضح اليوت الامر فيقول: «كان ذاك الرجل متعاونا مع الفنان، وذاك امر ضروري لكل فن، وبخاصة للفن الدرامي". ويقبع خلف مثل هذه الاقوال التي يطلقها اليوت نموذجه عن المجتمع البدائي الذي كان فيه الفن نشاطا عاما مشتركا، وهكذا، تصبح قاعة الموسيقى «مكانا لطقس انجليزي قبلي ".

ويعتقد اليوت ان المشاركة في مثل ذاك الطقس تولد تضامنا جماعيا في المجتمع القبلي،. وحسبما يقول دور كهايم: يسمح الطقس عند اليوت "لاعضاء القبيلة بمشاطرة بيئة طبيعية واحدة يستثنى منها الآخرون ". ويظهر هذا الاستثناء جانبا أخر مهما محيرا في تفكير اليوت. اذ اوضح ديفيد سيسبير- على سبيل المثال. ان انموذج «التكافل القبلي البدائي الرفيع " هذا، يتضمن لا سامية تم التعبير عنها في اعمال من مثل: «في اثر الآلهة الغرباء"، وبالمثل يتضمن عناصر عنصرية جنسوية تقوي الطقس القبلي، وتسمر للانا بنفي الآخر. ويمثل هذا النفي للآخر الجانب المظلم من مثال اليوت. وهو مثال يتحدث عن جماعة عضوية يتحقق وجودها بالممارسة الطقسية الجماعية.

ومما يوضح اضفاء إليوت قيمة كبيرة للمشاركة الجماعية، ارتيابه من وسائل الاعلام الجديدة، مثل الحاكي والسينما التي يتم تلقيها سلبيا بشكل فردي لا جماعي. ومن وجهة نظره، تمثل السينما بخاصة، خطرا على التحالف الثقافي الذي يسعى الى تشكيله، فهو يعلن: «ان موت لويد حدث مهم في التاريخ الانجليزي" يمثل بداية رمزية لنهاية ثقافة الطبقة الدنيا المستقلة التي يريد توحيدها بالفن الرفيع. يقول إليوت:

«ما زالت الطبقة الدنيا باقية، لكنها قد لا تظل موجودة لفترة طويلة، فمع انحطاط قاعات الموسيقى، ومع تعدي السينما عليها، تميل الطبقات الدنيا الى السقوط الى نفس الحالة البروتوبلازمية التي سقطت اليها البورجوازية ".

ولانهم مشاهدون سلبيون «سيقوم المتلقون بعملية الاستقبال دون ان يمنحوا الفن شيئا، وبلامبالاة هي لا مبالاة الطبقتين الوسطى والعليا اللتين لا تعتبران الترفيه من الفن ". وهكذا يكون قصد اليوت من اعادة جمع العناصر الثقافية المتفرقة، ليس انقاذ الثقافة الرفيعة التي تتعرض للخطر فحسب، بل وانقاذ اشكال محددة من الثقافة الشعبية.

وظلت قاعة الموسيقى مهمة لإليوت في اوائل الثلاثينات حينما اعرب عن رغبته في ان «يكون كل شاعر... قادرا على التفكير بان له فائدة اجتماعية ما". ويقول: ان الشاعر يصبو الى «الرضا" عن نفسه، "حينما يرى له دورا مهما في المجتمع يوازي اهمية الممثل في قاعة الموسيقى «:فهو يود ان يكون مرفها بشكل ما". ومنذ بداية عمله، حلم اليوت بلعب هذا الدور الذي تتآلف فيه موهبته بالواقع الاجتماعي في «يستحق التقدير"، وفي هذا الاطار آمل بدراما شعرية. وفي مقالات من مثل: «البلاغة والدراما الشعرية " و«امكانية وجود دراما شعرية "، راعى هذا الضرب قبل اعوام من تطوير هذه الافكار، وعاد الى القيمة نفسها في فترات متقطعة من حياته (راجع مقالاته الآتية:"حوار حول الدراما الشعرية " و«الشعر والدراما" و«وضرورة الدراما الشعرية "). وتنبأ إليوت باستمرار، بأن عبقريته الشعرية ستتجاوز ما صرفت نفسها فيه، وتوقع ان يحول انتباها كليا الى الدراما، وأعد نفسه لذلك التحول مرارا وتكرارا، وحينما لقت «حفل الكوكتيل " نجاحا شعبيا سنة 1949 وسنة 1950 اعتبر نجاحها نصر حياته.

وفي ضوء الموقف الجمالي الذي اقتبسته من مقالات إليوت يغدو مصدر سهولة تعابيره الشعرية واضحا. فلكي يحقق المرء مصالحة مع الثقافة الشعبية في المجتمع الغربي المعاصر، عليه جعل تعابير» عامة وفنه شعبيا. اما قاعة الموسيقى التي تصبح شاعرية (او «مصفاة ") فهي افق اكثر احتمالا، بخاصة ان استطاع المستمعون فيها الانسجام معها:

«اؤمن بأن من الطبيعي ان يفضل الشاعر الكتابة الى جمهور اوسع متنوع بقدر ما يستطيع، كما اؤمن بأن من يعترض طريقا الى هذا الهدف هو نصف المثقف او سييء الثقافة، وليس غير المثقف: فأنا شخصيا افضل مستمعا لا يستطيع القراءة او الكتابة ".

ورغم ذاك، لن يلقى هذا الضرب الذي ارتآه اليوت قبولا من مستمعي الطبقة العاملة الاصليين فحسب، بل ومن كل «شرائح الذوق العام، وهي شرائح تعبر، ربما، عن تفكك المجتمع ". ان الدراما الشعرية المتجذرة في قاعة الموسيقى يمكنها- في الاقل - البدء بلأم الجرح الذي اصاب الحساسية المعاصرة المفككة.

 (2)

قد تبدو علاقة اليوت النظرية بالثقافة الشعبية مناقضة لممارسته الفنية. ويبدو ان دفاع الغموض الحداثي عن «الشعراء الميتافيزيقيين " اخذ بالاعتبار المرأيا الاخاذة لشعرية اليوت نفسه، اكثر مما اخذ بالحجة القائلة بوجوب اعادة دمج الثقافة الرفيعة بالفنون الشعبية.

ورغم ذاك، فانني لا اؤمن ان بالامكان تفسير عمل اليوت من خلال المبدأ الاول دون الثاني، اذ يكشف تفحص شعره الحضور الدائم للثقافة الشعبية في سيرورة ابداعه. لكنه تحول، بعد العشرينات، ليكتب الدراما طريقا لجسر الهوة في الانقسام الثقافي. وعند هذه النقطة، كاد اليوت ان يتخل عن كتابة الشعر للسبب نفسه الذي ورد في مقالة «فائدة الشعر وفائدة النقد".. فالشعر وسيط غير كاف للاتصال العام و«لا يمكن لاي شاعر امين ان يطمئن الى القيمة الدائمة لما يكتب ". ولاحظ اليوت: «قد يكون ذاك الشاعر اضاع حياته وخربطها لا لشي ء".

وبعد سنة 1927، غدا هدف اليوت من اعادة التكامل الثقافي غير منفصل عن هدفه من اعادة التكامل بين الكنيسة والحياة البريطانية، وعلى سبيل المثال، يمزج اليوت في «الصخرة " عناصر قاعة الموسيقى بتعظيمه للتاريخ الديني. وتمتاز «الصخرة " بأن ثلاثا من شخصياتها الرئيسية هم من عمال الطوب في "كوفني" افتر احياء لندن. وفورمان هؤلاء الثلاثة رجل يدعى بيرل، وهو ذكي علم نفسه بنفسه، اما الآخران، الفرد وادوين، فيجيدان الاستماع، ومستعدان للتعلم، ويشير عنصر هذه المسرحية الكوميدي الى قاعة الموسيقى مباشرة: فعلى سبيل المثال، يوضح الفرد كيف ان مهرج المحكمة «رجل على بركته، يقوم بدور المضحك ". يجيب ادوين: تماما، مثل جورج روبي". ويهجو اليوت ذوي القمصان السوداء الفاشيين لانهم: «ادخلوا مجموعة منهم في التشكيلات العسكرية " ولانهم يطنون وهم يتسكعون (بشعر يعتمد تفعيلة الدكتيل):

"أتينا هبة وبركة

رغم اننا نفضل الظهورفي البرت.

جئنا بطرق جديدة الى بلاد الاحرار هذه،

فنحن نجعل الاصم يسمع والاعمى يبصر،

ونحن من يحافظ على القانون

ويشرع  قانونه الخاص،

نرحب بالدين يريدون الالتحاق بالقضية

وبمن يجمعون الصفائح",

وعندما تقترب المسرحية من نهايتها، يغني بيرت اغنية ثنائية مع زوجه. وتعتبر «الصخرة " عينة من الفن الجماهيري الذي امل اليوت بانتاجه، ورغم ذاك، وبعد ان كتب «الصخرة " في مطلع سنة4 193، و«جريمة في الكاتدرائية " خلال الاثني عشر شهرا اللاحقة، كان مشروعه الاساسي (القصيدة التي كتبها خلال خمسة اعو ام) هو قصيدة «بيروت نورتون " التي بالكاد يمكن القول انها موجهة الى «متلقين مخلفين كثيرين ". ومن ثم تعاملت المسرحيات مع الفن الجماعي او الطقسي: فالقصائد المتأخرة " صعبة «بقدر ما يتطلب العصر الذي تتحدث عنه ذلك.

اضافة الى ذلك، ففيما يعتبره اليوت اول حركة رئيس لشعره- الفترة التي تنتهي بقصيدة «الخاوون " وتحوله الى الانجيلية - كانت الثقافة الشعبية مهمة باعتبارها موضوعا ولانها مؤثرة. وعكس البديهي السائد، وجدت في نقد اليوت لهذه المرحلة ان شعره المبكر يعكس ازدواجية عميقة. ففي صراع دائب مع اليوت الذي انجذب الى اشكال شعبية عديدة نجد التقليدي شديد الحماسة لتقليديته الذي ألفه القراء، وليس هذا التقليدي الا إليوت الذي توقع انتصار الساكسفون وتنبأ بمستقبل بربري وغنى اغنية شعبية فاجرة امام احد اصدقائه، لينكر لاحقا انه سمع بها. ولكن إليوت النخبوي هذا هو وحده الذي كان باستطاعته كتابة شعر اليوت الذي ما كان ليصدر الا نتيجة صراع يعتمل في داخله.

ففي «صورة سيدة "- على سبيل المثال - يعبر هذا الصراع عن نفسه في اغتراب المتحدث عن أنواع الثقافة كلها. ويختفي خلف المواجهة بين الراوي والسيدة صراع بين ثقافة رفيعة متهاوية وبديل حديث غير مقنع. وفي هذا الاطار، تشكل الموسيقى ارضية المعركة التي تجري فوقها المناوشة. وفي بداية المعركة نجد السيدة الجيمسية والسيد المتأنق جدا وقد عادا لتوهما من تدريب على موسيقى شوبان الذي تعلق عليه السيدة بكليشيه سائدة ويعلق عليه السيد ساخرا (فليس عازف البيانو الا "آخر بولندي" في سلسلة طويلة من العازفين السلاف حاسري الرؤوس) وبالمثل تتجسد رومانسية السيدة البالية بعبارات موسيقية:

"وهكذا ينساب الحديث

بين رق ورق

فيعبر بدقة عن أسف

يتخلل ألحان الكمان

ويمتزج بصوت بوق بعيد

ويبدأ..."

وليست هذه الموسيقى "الواهنة " الا تعتبرا عن ثقافة بائدة في عالم تلك السيدة.

ويسأل الراوي اذا كان شوبان عالمها، فما عالمه؟واذا كانت الثقافة الرفيعة القديمة غير كافية،فهل في الثقافة الحديثة كفاية؟ لا تجد القصيدة جوابا واحدا عن هذين السؤالين،لكنها تقترح اجوبة جزئية عديدة لهما:

" بين تموجات الكمان

وانغام البوق المحطمة

تبدأ في دماغي دقات بلهاء

تشبح عبثا مقدمتها  

بمجرد نزوة لحن مفرد رتيب

او - في الاقل - بملاحظة خاطئة أكيدة".

إذن،فالحديث يشمل،من بين أشياء أخرى البدائي - دقات قادرة على ازعاج عالم السيدة المنظم بكل تفاصيله الى حد الهوس.لكن البدائي يلعب عنا دورا مدمرا فقط.وبيدو أن هذه البدائي المزعج غير النفيد لا يمنح أسس العق