|
Milan
Kundera في
الجزء الأول من هذا المحور
يتناول ميلان كونديرا في
كتابه "خيانة الوصايا" الذي
نترجم هنا أحد فصوله ثيمات
ترتبط وشائجها بالروايو
والحياة,وبتواتر تلك
الثيمات عبر ظهورها المتكرر,نقراها
كما لو كانت رواية.أو عملا
موسيقيا تتناوب الحانه
المختلفة على مقاطعه
المعزوفة. من
هنا يأتي (خيانة الوصايا)كعمل
غ ني بأفكار العصر,إنه
دراسة شخصية يناقش كونديرا
فيه تجربته وتجربة فنانين
آخرين مثل سترافنسكي,عبر
أكثر الموضوعات حساسية. أما
الجزء الثاني فهو ترجمة
لأحد فصول كتابه الذي يحمل
عنوان فن الرواية باللغة
الانجليزية الصادر عن Faber
& Faber بعنوان ملاحظات مستوحاة
من (السائرون نياما )تحت
عنوان ثلاثية بروخ الروائية
استدعاء
الماضي في
عام 1931 تحدث شينبرغ في محاضرة
اذاعية عن أساتذته الكبار:
في الموقع الأول باخ وموزارت،
وفي الموقع الثاني،
بيتهوفن، فاغنر وبراهمز. في
صياغة حكيمة دقيقة مضى
شينبرغ في توضيح ما تعلمه من
كل واحد من هؤلاء
الموسيقيين بالخمسة. ما
اكتسبه من باخ مختلف تماما
عما اكتسبه من الآخرين: من
موزارت، على سبيل المثال،
تعلم "فن الجمل الموسيقية
المخلتفة الطول " أو "فن خلق
أفكار ثانوية " وهذا يعني
انها خاصية لا يمتلكها أحد
سوى موزارت. في موسيقى باخ،
اكتشف شينبرغ قواعد التأليف
الموسيقي المتبعة في القرون
التي سبقت باخ: أولا، "فن
ابتكار مجموعة من النوتات
بطريقة تجعلها قادرة على
تزويد العمل الموسيقي بعنصر
المصاحبة " وثانيا "فن خلق
الشكل الكلي من نواة واحدة ". تختصر
هاتان الجملتان الدرس الذي
تعلمه شينبرغ من باخ (ومن
الذين سبقوه)، وبالامكان
أخذها كوصف لثورة «الاثنتي
عشرة نغمة "(1) التي تتعارض مع
الموسيقى الكلاسيكية
والرومانتيكية، اذ تتميز
الأخيرة بتكونها من ثيمات (2)
مختلفة تتناوب
بانتظام ضمن سيرورة العمل
الموسيقي واحدة بعد الأخرى،
بينما نجد في موسيقى باخ
المسماة بالفيوغ (أو الفوغا)
في التأليف الموسيقي المنشأ
على مبدأ الاثنتي عشرة
نغمة، ان هناك نواة واحدة
ينمو العمل الموسيقي منها،
منذ لحظة البدء وحتى
النهاية. بعد
مضي ثلاثة وعشرين عاما على
تلك المحاضرة،
سأل رونالد مانويل،
سترافنسكي، "ما هي
اهتماماتك الأساسية هذه
الأيام " أجاب الأخير: "غيلوم
دو ماشو Guillaum
de Machaut ¡ هينريش اسحق , Heinrich
lscaak دوفاي ,Dufa y بيروتن
Perotin وويبرن
Webern "إنها
المرة الأولى التي يؤكد
فيها مؤلف موسيقي، وبشدة
الأهمية الكبيرة التي تحظي
بها موسيقى الماضي المنتمية
الى القرون الثاني عشر
والرابع عشر والخامس عشر،
وما لها من أواصر بالموسيقى
الحديثة (الممثلة بموسيقى
ويبرن). بعد
سنوات قليلة على تلك
المقابلة،قدم غلين غولا Glenn
Gould حفلة موسيقية في موسكو،
لطلاب المعهد الموسيقي، بعد
عزف قطع حديثة لويبرن،
شينبرغ وكرينيك Krenek
تحدث غولا الى
جمهوره معلقا باختصار: "الاطراد
الأكبر الذي أستطيع تقديمه
لهذه الموسيقى يتحدد بالقول
أن قواعد تأليفها ليست
جديدة بل أن عمرها لا يقل عن
خمسة قرون "، بعد ذلك قام
بعزف قطع من موسيقى الفيوغ
لباخ، كانت الحفلة استفزازا
مدروسا بعناية: الواقعية
الاشتراكية، التي كانت
آنذاك المنهج الرسمي في
روسيا، في حالة صراع مع
الحداثة، تحت راية الموسيقى
التقليدية، غلين غولا في
حفلته تلك وفي
تعليقه حاول أن يثبت بأن
جذور الموسيقى الحديثة (التي
كانت ممنوعة في روسيا) تمتد
الى أعمق مما كان يظنه منظرو
موسيقى الواقعية
الاشتراكية (والتي هي ليست
سوى تكريس للرومانتيكية في
الموسيقى). النصفان
المتكاملان يغطي
تاريخ الموسيقى الغربية
فترة تقارب الألف سنة (اذا
أخذنا بنظر الاعتبار
التجارب الأولى في تأليف
الموسيقى المتعددة الأصوات
(3)polyphony في
طورها البدائي). بينما يفعلي
تاريخ الرواية الأوروبية
القرون الأربعة الأخيرة (هذا
اذا أدخلنا كتابات وابليه
وسرفانتس كنقطة انطلاق)،
وعند اجراء المقارنة بين
هذين التاريخين، أجدني
منجذبا الى فكرة تشابه
الايقاع في تطورهما مع شوطي
لعبة كرة القدم. لكن فترة
الاستراحة بين الشوطين لا
تتزامن بالنسبة للتاريخين،
في تاريخ الموسيقى تمتد
فترة الاستراحة بين الشوطين
طويلا لتغطي الجزء الأكبر
من القرن الثامن عشر( أوج
التطور الموسيقي في النصف
الأول متحقق عند باخ فن
الفيوغ fugue وبداية
الشوط الثاني في أعمال
الموسيقيين الكلاسيكيين
المبكرة)، فترة الاستراحة
بالنسبة لتاريخ الرواية،
جاءت في وقت لاحق قليلا: بين
القرنين الثامن عشر والتاسع
عشر بصيغة أخرى بين لاكلو Laclos
وستيرن Sterne
المنتهين الى
نهاية الشوط الأول، وبين
والتر سكوت وبلزاك الممثلين
لبداية الشوط الثاني، يبين
هذا اللاتوافق الزمني بأن
الأسباب العميقة، التي
تتحكم بايقاع تطور تاريخ
الفنون، هي ليست اجتماعية
أو سياسية، بل جمالية، أي
محكومة بالطبيعة الجوهرية
لهذا الفن أو ذاك، لكأن فن
الرواية، على سبيل المثال،
يحتوي على طاقتين كامنتين،
ليس بالامكان ظهورهما معا
بل بفترتين متعاقبتين. حضر
لي مجاز شوطي المباراة قبل
فترة قصيرة خلال حوار مع
صديق، ولا اعتبره علميا، بل
هو بسيط، وناجم عن ملاحظة
أولية لا عن بحث شخص معمق:
فيما يخص الموسيقى
والرواية، نحن جميعا قد
تربينا وسط جماليات الشوط
الثاني، يعتبر أي قداس (موسيقي)
لاوكينغهم أو عمل موسيقي
منتم لفن الفيوغ لباخ،
عسيرا على الفهم، مثلما هي
الحال مع موسيقى ويبرن،
كذلك مع الرواية، فمهما تكن
حكاياتها ممتعة، تظل روايات
القرن الثامن عشر عسيرة على
القراءة من حيث الشكل، ولم
تصبح مقبولة شعبيا إلا عبر
السينما (بعد تغيير روحيتها
وبنائها الفني) أكثر من
تقبلها عبر القراءة. على
سبيل المثال، من الصعب
اليوم العثور على روايات
كاتب مشهور ينتمي للنصف
الأول مثل صاموئيل ريتشارد
سون، في رفوف المكتبات
بينما كاتب تقليدي مثل
بلزاك (المنتمي للشوط
الثاني) يلقى اقبالا واسعا
لسهولة قراءته، اذ أن الشكل
الفني لرواياته يمكن
استيعابه ومألوف لدى
القاريء. تسبب
الفجوة القائمة بين العناصر
الجمالية لهذين الشوطين
قدرا كبيرا من سوء الفهم،
يقدم فلاديمير نابوكوف في
كتابه حول سرفانتس، وجهة
نظر سلبية واستفزازية ضد
رواية «دون كيشوت " التي يرى
بأنها اكتسبت أهمية أكثر
مما تستحقه اذ هي من وجهة
نظره رواية ساذجة، أحداثها
متكررة، ومملوءة بأفعال جد
قاسية غير قابلة للتصديق،
وهذا ما جعلها الرواية «الأكثر
بربرية وحنقا"، كم هو مسكين
سانشو، في تنقله من هزيمة
الى أخرى فاقدا أسنانه لخمس
مرات على الأقل، نعم
نابوكوف على حق في نقده، اذ
يفقد سانشو الكثير من
الأسنان، لكننا نحن لسنا في
زمن زولا، حيث يتم وصف كل فعل
في القسوة بدقة عالية،
مثلما تتميز به الواقعية
الاجتماعية مع سرفانتس نحن
في عالم سحري محكوم وفق
ارادة الحكواتي الذي لا يكف
عن ابتكاره، عبر التضخيم
عبر المبالغة وعبر خيالاته
الجامحة، يجب عدم أخذ فقدان
سانشو لاسنانه الثنلاثمائة
حرفيا، أو أي حادثة في
الرواية مأخذ الجد. يظل
عمل سرفانتس العظيم، "دون
كيشوت " حيا بفضل طابعه غير
الجدي، ذلك الأسلوب الذي
أصبح عسيرا على التقبل، في
الشوط الثاني من تاريخ
الرواية، وفق القواعد
الجمالية الرومانتيكية
التي طالبت بمعقولية العمل
الأدبي. لم
يقم الشوط الثاني بحجب
الشوط الأول، بل بقمعه،
الشوط الأول أصبح ممثلا
للوجدان الرديء في الرواية
والموسيقى معا. أفضل مثال
على ذلك موسيقى باخ، كان باخ
ممجدا أثناء حياته لكنه نسي
تماما بعد موته، لفترة
تقارب نصف القرن الاكتشاف
البطيء لباخ جاء في القرن
التاسع عشر، بتهوفن وحده
استطاع أن يدخل عمل باخ في
جماليات الموسيقى الحديثة،
كجزء أساسي (محاولاته
المتكررة باقحام الفيوغ في
سوناتاته)، بينما ابتعد
الرومانتيكيون بعد بتهوفن
عن باخ باقصائه عن نظامهم
الفكري، على الرغم من
التبجيل المتزايد له،
فلجعله سهل المنال، جعلوا
موسيقاه أكثر عاطفية (سنتيمنتالية)
وأكثر تمثيلا لذواتهم (أعمال
بوسوني Busoni كمثال
على ذلك). وعندما بدأت
الموسيقى تنحو للتخلص من
تأثير الرومانتيكية، ظهرت
الرغبة باعادة تقديم أعمال
باخ مثلما كانت تعزف في عصره
وكم من هذه التقديمات كانت
رديئة. يبدو لي أن موسيقى باخ
التي مرت بفترة تجاهل
طويلة، مازال الحجاب لم يزح
عنها كليا. بروز
التاريخ من وسط الضباب بدلا
من مناقشة موضوع نسيان باخ
الطويل،بامكاني أن أقلب
فكرتي لأجعلها بهذا الشكل:
باخ هو أول مؤلف موسيقي
عظيم، يستطيع أن يفرض على
الجمهور، عبر الوزن الثقيل
لعمله، الالتفات الى
موسيقاه حتى حينما يكون هذا
العمل منتميا الى الماضي.
ظاهرة لم تحدث من قبل، لأن
الناس كانوا يعيشون حتى
فترة القرن التاسع عشر،مع
موسيقى معاصرة لهم، اذ ليس
لديهم أي صلة حية بموسيقى
الماضي، حتى حينما يكون
الموسيقيون قد درسوا نتاجات
الفترات السابقة (وهذا نادر
الحدوث)، فإنهم لم يعتادوا
على عزفها أمام الجمهور،
خلال القرن التاسع عشر فقط
تم احياء موسيقى الماضي
وشرع بعزفها جنبا الى جنب،
مع الموسيقى المعاصرة، بل
لقد أصبح لها حضور جد كبير،
الى درجة ان الكفة مالت
لصالح موسيقى الماضي في
القرن العشرين: الجمهور
اليوم يستمع الى الموسيقى
القديمة أكثر بكثير من
الموسيقى المعاصرة وحاليا
اختفت الأخيرة من صالات
الحفلات الموسيقية. كان
باخ أول مؤلف موسيقي،ينجح
في احتلال موقع متميز في
ذاكرة الأجيال الأخيرة
اضافة الى ذلك فإن أوروبا
القرن التاسع عشر لم تكتشف
عبر أعماله جزءا مهما من
موسيقى الماضي فحسب، بل هي
اكتشفت تاريخ الموسيقى. عبر
باخ لم تكتشف أوروبا، فقط،
ماضيا معينا للموسيقى بل
بالأحرى، ماضيا مختلفا بشكل
جذري عن الحاضر، لذلك فإن
العصر الموسيقي قد تم
ادراكه فجأة لا كسلسلة من
الأعمال بل سلسلة من
التغييرات في كل حقبة
تاريخية وفي الجماليات
المتغيرة. أنا
دائما أتخيل باخ في سنة
موته، بالضبط في منتصف
القرن الثامن عشر، منحنيا
بعينيه المضببتين فوق "فن
الفيوغ " ذلك التأليف
الموسيقي الذي يتميز باتجاه
جمالي معبر عن أكثر سيول باخ
في سعيه الى احياء الماضي
البعيد (على الرغم من كثرة
الاتجاهات التي اختبرها باخ
في حياته). كان هذا النزوع
غريبا عن موسيقيي عصره،
الذين تخلوا عن أسلوب تعدد
الأصوات Polyphony ليتبنوا،
بدلا منه أسلوبا بسيطا
وساذجا، بل على حافة الخفة
والكسل. تكشف
أعمال باخ حقيقة بدأت
الأجيال الأخيرة بتناسيها:
التاريخ ليس بالضرورة طريقا
للارتقاء (صوب الأغنى
والأكثر ثقافة) وبأن
متطلبات الفن قد تكون
متعارضة مع متطلبات هذه
الحداثة أو تلك، وبأن
الجديد (الفريد، غير القابل
للتقليد والذي لم يقل سابقا)
قد يكون قائما ضمن اتجاه لا
يرده أحد كحالة تقدم، ولابد
أن مستقبل الموسيقى الذي
كان باخ قادرا على التنبؤ به
عبر أعمال معاصريه بدا له
شيئا موشكا على الانهيار،
في الفترة الأخيرة من عمره،
اتجه باخ بشكل استثنائي
للتأليف الموسيقي وفق أسلوب
تعدد الأصوات البحت Polyphony
متجاهلا كليا،
الذوق السائد في عصره اضافة
الى تجاهل أعمال ابنائه
الموسيقيين أيضا، كان ذلك
الموقف إشارة تحد للتاريخ،
رفضا مضمرا للمستقبل، باخ
نقطة تقاطع طرق خارقة
للعادة للتيارات والقضايا
الموسيقية، قبله بمئة عام،
كانت هناك نقطة تقاطع طرق
أخرى، مشابهة لباخ، سكة
بأعمال مونتفردي Monteverdi
هذه هي أرضية
المواجهة بين جماليات
متعارضة مع بعضها (يدعوها
مونتفردي بالممارسة الأولى
والثانية المستندة الى مبدأ
تعدد الأصوات العميق، بينما
لدى باخ نجد التعبير
المبرمج لمبدأ توحد الأصوات
Monody )
وهكذا تم الانتقال من النصف
الأول الى النصف الثاني. مفترق
طرق آخر للاتجاهات
التاريخية: موسيقى
سترافنسكي. تاريخ الموسيقى
المغطى لألف عام، والذي راح
يبرز تدريجيا، خلال القرن
التاسع عشر، من ضباب
النسيان، لكي ترده فجأة
مكشوفا أمامنا عند منتصف
القرن العشرين (بعد مرور
مئتي عام على وفاة باخ)،
وبشكل كامل مثل صورة منظر
طبيعي غارق في ضوء ساطع لحظة
فريدة هذه التي جعلت كل
تاريخ الموسيقى حاضرا كليا،
وتحت متناول اليد (وهذا بفضل
البحث التاريخي، الراديو،
والتسجيلات) هذا التاريخ
أصبح مفتوحا كليا لاختبار
معانيه، هذه اللحظة التي
تحققت فيها اعادة تقييم
واسعة جدا لتاريخ الموسيقى،
قد وجدت أفضل تجلياتها في
موسيقى سترافنسكي. محكمة
المشاعر يقول
سترافنسكي في كتابه، « وقائع
حياتي" الصادر عام 1935: "الموسيقى
عاجزة عن التعبير عن أي شي ء
سواء كان شعورا أو سلوكا ما،
أو حالة نفسية معينة »، لكن
هذا التأكيد (الذي من المؤكد
انه مبالغ به، اذ كيف يمكن
للمرء أن ينفي قدرة
الموسيقى على اثارة
المشاعر؟) تعاد صياغته بشكل
متقن وانيق بعد عدة سطور:
يقول سترافنسكي، بأن علة
وجود الموسيقى، لا تكمن في
قدرتها على التعبير عن
المشاعر. وكم يبدو مثيرا
للفضول التعرف على ما سببه
هذا الرأي من استفزاز. قد
تكون القناعة الراسخة
المناقضة لرأي سترافنسكي،
والتي ترى بأن علة وجود
الموسيقي تكمن في كونها
تعبر عن المشاعر، موجودة
دائما لكنها لم تصبح سائدة،
ومسلما بصحتها كبديهية، الا
في القرن الثامن عشر: جان جاك
روسو عبر عنها ببساطة، مثل
كل فن، الموسيقى تقلد
العالم الحقيقي ولكن بطريقة
معينة، انها "لا تمثل
الأشياء مباشرة بل هي تثير
في الروح نفس الانفعالات
التي نشعر بها عند رؤية
الأشياء" وهذا يتطلب بنية
خاصة للعمل الموسيقي، يضيف
روسو: "لا يمكن تأليف
الموسيقى إلا من هذه
العناصر: اللحن أو الأغنية،
التوافق (الهارموني) أو
المصاحبة، الحركة أو السرعة
الايقاعية tempo))
"هنا علي أن أشدد على تعبير
روسو: "الهارموني أو
المرافقة "، اذ يعني ذلك أن
كل شيء هو هامشي، بالمقارنة
مع اللحن الذي هو أزلي بينما
الهارموني هي ليست سوى
مرافقة، "وليس لها سوى تأثير
ضئيل على القلب الانساني". تثبت
عقيدة الواقعية
الاشتراكية، وجهة النظر هذه
بعد مرور قرنين على كتابات
روسو حول الموسيقى، ولن
يكون رد فعلها على الموسيقى
الروسية الا بالقيام بكم
فمها لمدة نصف قرن "سيقرع
مؤلفو الموسيقى «الشكليون "
لاهمالهم اللحن (الميلودي) (كان
المنظر الأكبر جدانوف
منزعجا كثيرا منهم لاستحالة
عزف موسيقاهم خارج قاعات
الحفلات الموسيقية)، وهذا
ما جعله يحثهم على التعبير
عن « كل المشاعر الانسانية " (استنكرت
الموسيقى الحديثة ابتداء من
ديبوسي Debussy فصاعدا
لفشلها في تحقيق هذا المطلب). تضمن
كتاب ثيودور ادورنو «فلسفة
الموسيقى الحديثة الصادر
عام 1949 أقسى
وأعمق نقد ضد موسيقى
سترافنسكي. في هذا الكتاب
حول ادورنو وضع الموسيقى
الى ساحة حرب سياسية: شينبرغ
البطل الايجابي، ممثل
التقدم وسترافنسكي البطل
السلبي، ممثل الترميم أصبح
رفض سترافنسكي اعتبار
الاعتراف الذاتي (أو
التعبير عن المشاعر
الانسانية. المترجم -) كعلة
وجود الموسيقى، أحد العناصر
الأساسية في نقد ادورنو، «هذا
الانفجار المضاد
لسيكولوجيا الانسان، هو شكل
من اللامبالاة تجاه العالم ».
رغبة سترافنسكي بجعل
الموسيقى موضوعية هي قبول
ضمني بالمجتمع الرأسمالي
الذي يسعى الى تحطيم
الذاتية لدى الانسان، لأن "محو
الفرد هو ما تحتفل به موسيقى
سترافنسكي »، ولا شيء غير ذلك. ارنست
انسرمت Ernest Ansermt موسيقى ومايسترو رائع
وواحد من أوائل مقدمي
موسيقى سترافنسكي (وقد وصفه
في كتابه "وقائع حياتي" بأنه
من أكثر الناس اخلاصا له)،
لكنه في الأخير أصبح من أكثر
نقاده اللدودين، اعتراضاته
على موسيقى سترافنسكي
مبدئية،، ومعنية بموضوعة
علة وجود الموسيقى raison
d'etre يقول
انسرمت بان "النشاط العاطفي
المضمر في قلوب الناس هو
الذي كان مصدرا للموسيقى »، "اللب
الاخلاقي" للموسيقى يكمن في
التعبير عن ذلك النشاط
العاطفي، مع سترافنسكي الذي
"يرفض توظيف ذلك في فعل
التعبير الموسيقي، تكف
الموسيقى عن أن تكون تعبيرا
جماليا لمباديء الانسان
الاخلاقية "، لذلك على سبيل
المثال، "فإن قداسة
الموسيقى ليس تعبيرا عن
قداس بل وصف له، والذي يمكن
أن يؤلفه موسيقيا، رجل غير
متدين " لهذا السبب لا يقدم
سترافنسكي سوى "صياغة جاهزة
للتدين "، وبهذه الطريقة يتم
تقليص علة وجود الموسيقى (بالتعويض
عما هو عاطفة حقيقية بوصف
محايد لها)". لماذ
كل هذا الغضب على سترافنسكي
؟ هل هو تراث القرن السابق
المتمثل بالرومانتيكية
والذي مازال قائما في
دواخلنا، يقارع التيار
المناقض له بشكل جذري؟ هل
خرق سترافنسكي بعض الحاجات
الوجودية الساكنة في
أعماقنا جميعا؟ الحاجة
لاعتبار العين المبتلة
بالدمع أفضل من العين
الجافة، أو الحاجة لاعتبار
اليد الموضوعة على القلب
أفضل من تلك الموضوعة في
الجيب، الاعتقاد أفضل من
التشك، العاطفة الفوارة
أفضل من السكينة، الايمان
أفضل من المعرفة ؟ ينتقل
انسرمت من نقد الموسيقى الى
نقد مؤلفها، "إذا لم يحاول
سترافنسكي أن يجعل موسيقاه
فعلا تعبيريا عن الذات، فإن
ذلك لم يكن ناجما عن ارادته
الحرة، بل سبب محدودية
طبيعته، وفقدانه للعاطفة (دون
التحدث عن فقر في قلبه، ذلك
القلب الذي سيظل فقيرا حتى
يحب شخصا آخر). اللعنة
! أتساءل عما يعرفه انسرمت،
ذلك الصديق الأوفى
لسترافنسكي، عن فقر
سترافنسكي قلبيا؟ ماذا يعرف
ذلك الصديق المتفاني عن
قابلية سترافنسكي للحب ؟
ومن أين كسب قناعته المطلقة
بأن القلب يتفوق أخلاقيا
على العقل ؟ أليس هناك
الكثير من الأفعال
الاجرامية المرتكبة
بمساعدة القلب ؟ وهل بامكان
الارهابيين بأيديهم
الملطخة بالدم الا الافتخار
بنشاطهم العاطفي المتسامق
الى أعلى درجاته ؟ هل سيكون
بإمكاننا يوما التخلص من
هذا التفتيش العاطفي البليد
في قلوب الآخرين ؟ ما
هو السطحي وما هو العميق ؟ يهاجم
جنود القلب سترافنسكي، في
محاولة لانقاذ موسيقاه عبر
فصلها عن أفكاره الخاطئة،
يحدث هذا السعي النبيل "لانقاذ
" موسيقى المبدعين الذين لا
قلب لهم، غالبا، مع موسيقيي
الشوط الأول، وبضمنهم باخ: "بعض
مؤلفي القرن العشرين
الخائفين من تطور اللغة
الموسيقية"- والمقصود
هنا سترافنسكي ورفضه
الالتزام بمدرسة الاثنتي
عشرة نغمة "والذين يظنون
بأنهم قادرون على تعويض
عجزهم عبر ما يدعونه "بالعودة
الى باخ " لكنهم على خطأ كبير
في فهمهم لموسيقى باخ، انهم
يمتلكون الوقاحة لتقديمها
كموسيقى "موضوعية "،
كموسيقى مطلقة بدون أي شيء
عدا كونها ذات مغزى موسيقي
محض.. ليس هناك سوى التقديمات
الميكانيكية، التي
بامكانها أن تعطي الانطباع
بأن موسيقى باخ الصرفة (الخالية
من الغناء) instrumental
music ليست ذاتية ولا تعبيرية. "اذا
شددت على هذه التعابير التي
تظهر قدرا كبيرا من العاطفة
الانفعالية، والتي كتب
وفقها انطوان غوليا. بمحض
الصدفة وقع في يدي تعليق
لأحد المتخصصين في الموسيقى
يدور حول كليمنت جانكوين ,Clement
Janequin وهو مؤلف موسيقي كبير
معاصر لوابليه. تتناول
المقالة بعض أعماله الوصفية
مثل "غناء الطيور" Le
Chant des oiseaux وثرثرة النساء Le
Chaquet ds femme هنا نجد سعي
الكاتب يصب أيضا باتجاه «
انقاذ" هذه الأعمال
الموسيقية على حساب مؤلفها:
"مع ذلك، تظل هذه القطع
الموسيقية سطحية. جانكوين
فنان متكامل أكثر بكثير مما
هو معترف به من قبل الآخرين،
اذ بوضع مواهبه الوصفية
جانبا، فإن موسيقاه تكشف عن
شعر رقيق، عن شغف عميق
للتعبير عن المشاعر.. هذا
شاعر غامض الدلالة، حساس
تجاه جمال الطبيعة، هو أيضا
شاعر المرأة الذي لا منافس
له والذي الى أطرائها
استطاع أن يجلب نغمات من
الحنو، الاعجاب والتقدير.." انتبهوا
الى المعجم اللغوي، قطبا
الخير والشر قد حددا بواسطة
النعتين "سطحي" و«عميق ". لكن
هل ان أعمال جانكوين "الوصفية
" حقا، سطحية ؟ في هذه
الأعمال القليلة نقل
جانكوين الأصوات غير
الموسيقية (أصوات الطيور،
أحاديث النساء، ضجة الشارع،
أصوات الصيد والمعارك،
وغيرها) بوسائل موسيقية (غناء
الجوقات أو الغناء الكورالي)،
ذلك "الوصف " نفذ عبر
البوليفوني (مبدأ تعدد
الأصوات) وحدة تقليد
الأصوات الطبيعية التي زودت
جانكوين ببعض الأنواع
النغمية الجديدة والرائعة)
بالبوليفوني المعمق، هذه
الوحدة لعنصرين مختلفين
تماما، ساحرة حقا: انه فن
أنيق، مرح، مبهج ومملوء
بالدعابة مع ذلك، فهذه هي
الكلمات نفسها "أنيق "، "مرح
"، "مبهج " التي أطلقتها
الفصاحة العاطفية (السنتمنتالية)
في الضد من مفردة "عميق "،
لكن ما هو السطحي وما هو
العميق ؟ بالنسبة لمنتقد
جانكوين، السطحية هي "موهبة
التصوير والوصف "، والعميق
هو "الشغف في التعبير عن
المشاعر" الموجه للمرأة
بشكل عام. لذلك فإن "عميق "
وفق هذه الرؤية هو كل ما يمس
المشاعر. لكن بالامكان
تعريف "العميق " بطريقة
أخرى، العميق هو الذي يمس ما
هو جوهري. المسألة التي مسها
جانكوين في أعماله
الموسيقية هي ذات طبيعة
انطولوجية خاصة بالموسيقى،
مسألة العلاقة بين الضجيج
والصوت الموسيقي. الموسيقى
والضجيج عندما
ابتكر الانسان الصوت
الموسيقي (عبر الغناء أو عبر
العزف على آلة موسيقية) فإنه
قسم العالم الصوتي الى
جزءين جد متميزين عن بعضهما:
الأول، يضم الأصوات
الاصطناعية، والثاني، يضم
الأصوات الطبيعية، في
موسيقاه، سعى جانكوين الى
وضعهما معا. في منتصف القرن
السادس عشر استبق هذا
الموسيقي ما سيتم تحقيقه في
القرن العشرين، فعلى سبيل
المثال، ياناتشيك (دراسته
الموسيقية للغة المحكية)،
بارتوك Bartok أو
ميساين Messiaen وطريقته
النظامية المتطرفة ( في
أعماله المستوحاة من أصوات
الطيور). يذكرنا
فن جانكوين بوجود عالم صوتي
خارج روح الانسان، وهذا
العالم لا يضم فقط الأصوات
الطبيعية بل الأصوات
الانسانية في الكلام
والغناء وهذا يعطي تكوينا
موجيا حيا للحياة اليومية
ومناسبات الاحتفال العامة،
في أعماله يذكرنا جانكوين
بأن مؤلف الموسيقى قادر على
منحنا شكلا موسيقيا لذلك
العالم "الموضوعي». في
عمل ياناتشيك الأكثر أصالة:
"السبعون ألفا" (1909): النصف
الأول منه يؤدي عبر جوقة من
الأصوات الرجالية التي تدور
حول مصير عمال المناجم
السياسيين Silesia
miners بينما النصف الآخر من
العمل هو انفجار صرخات
منبعثة من الجمهور المحتشد،
هذه الصرخات تتشابك معها
مكونة جلبة ساحرة، هذا
التأليف الموسيقي الذي على
الرغم من شحناته العاطفية
المدهشة ذات الطابع
الدرامي، فإنه يقترب بشكل
مثير للفضول من المارد يجال (وهو
تأليف غنائي بوليفوني بدون
مصاحبة الآلات الموسيقية -المترجم
-)، الذي كان في
زمن جانكوين، قادرا على ملء
شوارع باريس ولندن
بالموسيقى. أفكر
في سيمفونية سترافنسكي. "أعراس
" Les Noees. (التي ألفت
بين عامي 1914و 1923): وهي تصوير لحفلة
عرس، حيث نسمع الأغاني
والضجيج، والخطابات
والصرخات والدعوات
والحوارات الداخلية
والنكات (هذا المزيج الصاخب
من الأصوات التي كانت أعمال
ياناتشيك سباقة في استخدامه)
مصحوبة بتوزيع موسيقى (أربع
آلات بيانو وبعض آلات القرع)
لتخلق صخبا ساحرا (هذا العمل
سيكون تحضيرا لأعمال بارتوك.
Bartok) أفكر أيضا في سويت البيانو لبار توك: "في الخارج Out of Doorsالجزء الرابع: تقترح أصوات الطبيعة (نقيق الضفادع في البركة كما تبدو لي) لبارتوك موتيفات لحنية (ميلودية) ثم داخل نغم |