من يوميات 
اناييس نن

الصـور المرافقة
الصور المرافقة

ترجمة:لطيفة الدليمي(مترجمة وكاتبة من العراق)


مكالمة هاتفية من هنري ميللر، مقابلة مع ( د. اوتو رانك - المحلل النفسي) نجحت مائة بالمائة .. اصبر رانك صديقا لهنري، انه شديد الا عجات به .. قال له ان كتابيا (مدار السرطان) لم يقدم اعماق شخصية هنري، بل اقدم على تضخيم هيأته الخارجية حسب .

قال هنري: أنا مدين بكل هذا لك انت ..

قلت: بل انت مدين لما انت عليه بذاتك .. كنت قد اخبرت هنري بان (د. رانك) سيقدره حق قدره .. وكان هنري مشوشا الى حد ما.. لكنه وضع شقته بل، انه بحاجة الى الثقة التي سيمنحها له هذا التحدي.

زرت الكونتيسة لوسي التي تظهر على صفحات (مجلة فوج) ببشرتها الصدفية المتوردة وشعرها الذهبي الشاحب باعتبارها الجميلة التي ثم تفقد الاطلالة الشهوانية لجسدها وعينيها الخضراوين .

- لهب هائل في المدفأة، مقاعد ذات اذرع مكسوة بالساتان الابيض مع اريكة واسعة، كانت ترتدي ثوبا منزليا يعيد الى الذاكرة ثياب (اوديت) حديثها كان غريبا وبالغ الهشاشة . جارح الوضوح .. لقد شرعت في إصدار مجلة مع (ادموند جالو) وتريد ترجمة بعض كتاباتي لهذه المجلة .

انظر الى النافذة الطويلة، النافذة المغطاة بالدانتيل والوسائد تحت القدمين، الحياة اللامعني لها.. كانت لوسي شديدة الحماس لفكرة انني سأحقق لها المعجزة . .

قالت: إنني احب هدوءك العظيم، انت تمتلكين حياة تجاوزت العقبات وانتصرت عليها.. اما انا فانني امر بمرحلة العمر الخطرة المتذبذية البليدة احب ان امتلك وثرقيتك، انني انتظر الحب لب الحياة حياة المرأة وجوهرها.

قلت لها: لا تنتظريه، ابتكري العالم، عالمك وحدك قفي وحيدة وسوف يسعى الحب اليك، فانا منذ كتبت كتابي الاول بدأ العالم الذي احب ان احياه ينفتح امامي..

قالت: أشعر وكأنما قد حكم علي بقدر مشؤوم: ان اكون متفرجة حسب، انا المتفرجة على حياة الاخريات لأ عجب بهن .. لكنني اريد اكتشاف عالمي الشخصي استطيع تصور ما يحيط بحيرات الناس الا حياتك انت .

- لا استطيع ان أقول اكثر من ان ما يحيط بي هو انا، كل شيء هو انا، لانني نبذت كل ما هو متعارف عليه، كل ما ينتقد به العالم، كل قوانينه وأعرافه، فانا لست مضطرة للعب دور اجتماعي مثلك اومثل (جين).

كانت لوسي تتخبط ما بين عالم الفن وعالم المجتمع، بين البوهيمية والارستقراطية، بين ألتقاليد والانحراف عنها.. ولانها فنانة مرهفة تحدثت عن طريقة سيري، تحدثت عن يدي عن ايماءاتي باسلوب متوهج ورائع ..

رأيتها وهي تفتح بثلاث زنابق (التيوليب) فبدت الزنابق اقرب الى الزهور الاصطناعية وفقدت سحرها.. هل سيزول كل هذا الجمال لان لوسي تبحث عن حياة لها نكهة الحياة .

ما هو وجه الاختلاف بيننا؟

انني احيا احلامي، ولم تكن الاحلام إلا علامة البداية، فهي توحي لي بالسبيل التي ينبغي لي ان اتجه اليها..:ما العالم الذي افتتن به (مارسيل بروسة) واغراه فهو لا يستهويني للعيش فيه..

بوسع لوسي اللحاق بي في عالمي..

اسير خفيفة في الربيع النامي المزدهر، استمع الى اصوات جديدة، الانقاس البهيجة الجديدة للارض وانا انتظر اللقاء مع (انطو انين أرثو) وعائلة (د. الليندي) هذه الليلة .

كان الليندي بكل حكمته يخلط اجراء صداقاتي، ولكن كيف اخبره بالامر؟.. لقد بدأ يعأني من الغيرة واصبح كثير المطالب . فوجدت من المستحيل علي مقاومة المتعة الهائلة في الاغراء والمغازلة، حتى وان لم اكن اعيش حالة حب .. اية اثارة !! انها تشبه الزهو الذي يحسه المتزلج على الجليد قبل النهاية الرائعة للمنحدر الابيض . او ما يشعر به السباح وهو يواجه موجة شاهقة او ما يحسه متسلق الجبال وهو يتطلع الى القمة الشامخة  الصعودات والقفزات والانحدارات .

كانت حكمة (ألليندي) تحميه من طغيان الالم .. وكنت قد بدأت اللعب . مثلما علمني في تحليله النفسي لي: !ن استسلم للنزوات والاهواء والميول، كان يتمنى ان يكون قد التقى بي في شبابه وتزوجني.

الى اي حياة كنت سآخذه .

جلست وحيدة في (الاستوديو) حضر آل ألليندي مع انطونين آرثو، كان أرثو يحدق بالكريستالات، سرنا في الحديقة الشاسعة المغمورة بضوء القمر، كان أرثو يتحرك بثقة ومزاج رومانس شفيف:

قال: الجمال الذي اعتقدنا اننا فقدناه في عالمنا، يقيم هنا، في هذا البيت السحري والحديقة الفاتنة الخرافية، انها أحدى حكايات الجن ..

كان (انطونين آرثو) نحيلا متوترا له وجه شبيه بطائر (الفاق) وعيناه حالمتان محتشدتان بالرؤى، قلق ساحر، حاد، وماكر.

المسرح بالنسبة لانطونين أرثو هو المكان الذي يطق من فوقه صيحة الالم، وصرخات الغضب والحقد والعنف ليجسد القسوة امامنا.

يقول: ان اشد انواع الحياة عنفا يمكن ان تتفجر جراء الارهاب والموت ..

تحدث أرثو عن طقوس (عبادة الدم) وكيف اننا فقدنا سحر الاتصال الانساني، تحدث عن العبادات القديمة التي عرفت كيف تجعل الايمان والنشوة الروحية تشيعان بين الناس كالعدوي.

لقد زالت قوة هذه العبادات وسحرها.. وهو يعمل الآن لاعادة الاعتبار لها فوق مسرحه ..

يريد.من المسرح ان يؤدي هذه المهمة ويشكل نقطة استقطاب لهذه العبادات والشعائر التي يمكنها ان توقظنا جميعا.

يريد (آرثو) ان يطق صرخاته ليحرض الناس على التوهج وبلوغ النشوة من جديد.. انه لا يريد مسرحا.يقوم على الحوار والتحليل ويسعى الى ان ينقل التأثير عبر تجسيد حالات النشوة والانفعالات الحادة .. يريد (انطو نين آرثو) مسرحا بلا غايات . واذ هو يتدفق بالحديث تساءلت عما اذا كان على حق ل قوله: اننا ضيعنا تلك العبادات، او اننا نحن الذين فقدنا الاحساس وقوة المشاعر ولن تنجح أية شعائر أو عبادات في اعادة ما فقدناه وبث الروح في احاسيسنا.

 (انطو نين أرثو) هو السريالي الذي تخل عنه السورياليون ونبذره، (انطونين آرثو) هذا الوجود الشجي الناحل الذي يرتاد المقاهي ولكنه لا يشاهد ثملا او جالسا بين الناس يشاركهم ضحكهم .. انه هذا المدمن المنعزل الذي يجوب الطرقات وحيدا ويحاول تقديم مسرحيات تحاكي مشاهد الارهاب والتعذيب .

عيناه زرقاوان بفعل الارهاق، وسوداوان بالالم .. انه كائن هيستيري، لقد قام باداء دوره الرائع عن الراهب ألذي عشق (جان دارك) في فيلم المخرج (كارل دراير) عيناه المفعمتان بالاسرار تشعان كأنما من اعماق كهف بعيد عيناه الغامضتان، عينا الاشباح والاسرار.

الكتابة بالنسبة لارثو مدعاة للالم، لانها تأتي متوترة مهتاجة مليئة بالتشنج، يعيش أرثو صراعا دائما مع العالم الذي يستحضره في مخيلته ويقوم بمحاكاة مسرحيته لتبدن احداثه العنيفة اشبه بحالة تأملية اكثر ساتقدم كمظهر من مظاهر القسوة .

وبينما كنا نقف في الحديقة بدأ هجومه على الهذيان واخذ يلعن ويشتم المهلوسين .

قلت انا سعيدة بهلوساتي.

قال: انا لا اجرؤ على قول هذا، الهذيان يرعبني وانا ابذل جهودا انسانية جبارة من اجل الافاقة من الهذيان .

اخبرني (د. الليندي) ايه حاول انقاذ أرثو من الادمان الذي اوشك ان يدمر.

لم ألحظ عليه امرا استثنائيا في تلك الامسية باستثناء هجومه على المفسرين من النقاد الذين اضجروه وحالوا بينه وبين احساسي ألمرفي بالعظمة .

تحدث أرثو بحمامة بالغة عن (الكابال) والسحر والاساطير والخرافة .

قال د. الليندي انه أجرى حوارات عديدة مع (آرثو) لكنه رفض ان يخضعا للتحليل النفعي باعتباره وصفة للشفاء. انما استسلم اخيرا للفكرة وتقبلها وقد اعانه التحليل الى حد بعيد.

عندما زار د. الليندي بيتي في ضيعة (لوفيسانس) قال: اشعر انني هنا في بلاد قصية .

بينما قال أرثو: كلا.. ابدا احس تماما انني في بيتي في وطني . هنا.

كتب أرثو عن رعبه في عزلته ووحدته وبعد ان قرأت مخطوطته عن (الفن والموت) اعطيته مخطوطتي (بيت سفاح القربى) وكتبت له رسالة قلت فيها:

- إن ما هو اساسي في الكتابة هو ما يمنحنا الشعور بعدم وجود مبالغات في الكلمات، وسوف تجد في كتابي هذا انني هيأت العالم لاستقبالك عن طريق تغييب الجدران والحواجز والآضواء الخافتة والبلور ذي الانعكاسات والاعصاب المخدرة .

والعيون الرؤيوية وحمى الاحلام .. انجزت هذا الكتاب قبل ان اعرفك وقد كتبته ليتناغم ويتزامن مع رؤيك الخاصة للعالم .

أخبرني (آرثو) في رسالة جوابية أنه يهيىء محاضرة عن (المسرح والطاعون ا ويشكو لي من صعوبة الموضوع وتشعباته ويشكرني على تفهمي لمشروعه المسرحي وامتنانه للعون الذي قدمته لفعله .

تحدث (هنري ميللر) عن الفصام وعالم الموت، عن عصر (فاوست) و(هاملت) عن القدر والمصير والروح .. عن سكان المدن العظمي والاستسلام للحتمية البيولوجية .

أرى ان عليه الانصراف للكتابة عن نفسه دون الاهتمام بعالم الافكار المجردة وانا اتساءل:

- لماذا يحاول الظهور بمظهر الفيلسوف المفكر.. ام انها وسيلة يستخدمها ليموضع عالمه وسط عالم جرى تنظيما ليجد لنفسه - بالتالي- مكانا فيه.

كان هنري ميللر منغمرا بالعمل وهو يتصارع مع (د. هـ. لورس) ويبحث في كدس من الملاحظات يحرك ذراعيه ويشير ويدخن ويلعن ويستخدم الآلة الكاتبة ويحتسي النبيذ الاحمر وقد سمع انني اعد بحثا كلفني به (د. الليندي) عن (تاريخ الطاعون) والعنف والارهاب اللذين يتفجران فجأة جراء الرعب من مواجهة الموت .

كانت هذه الفترة بلا ريب فترة غنية نابضة، واخذ هنري يصغي الي معتقدا ان هذه المادة تناسب موضوعه ووجه لي اسئلة صاخبة وكان مقتنعا بالمعطيات والمعلومات التي اغنت بحثه، انه لا يتورع عن استخدام اي شيء يمكنه ان يثري موضوعه ويخدمه .

يقول (هنري ميللر):

يمثل (هنري جيمس) روح المدينة الكبرى الديناميكية يمثل الحماسة والتعلقات والخيبات بينما يعمل (جيمس جويس) مثل المنقب الآثاري بحثا عن الارواح الميتة .

ايقن (هنري ميلر) انه يجتاز الآن مرحلة تحول كبرى من التلذذ الرومانسي بالحياة الى الاستمتاع الكلاسيكي بالافكار.

عندما قال له فرانكل قبل عام:

 الناس هم محض افكار.

قال هنري: لماذا الافكار: .. لماذا الرموز؟. وها هو يعود الآن ليصبح  فيلسوفا.

جلسنا في المقهى وشربنا وبدأنا نتحدث عن (اشبنجلر) استغربت لماذا يحدث هذا؟ امن اجل ان يحاول تنظيم تجاربه وموضعتها؟

انني فخورة بنشاطه وفعاليته، ادركت الآن انني كنت مخدوعة بهنري المغامر وبعالمه السفلي ومباهاته بكوارثه وليالي فجوره وبحثا المسعور عن المتعة وفضوله وحياته في الشوارع وعلاقاته بالناس في كل مكان . قاعة المحاضرات في ( السوربون)

 (د. الليندي) و(آرثو) كانا يجلسان الى المنصة الكبيرة يتحدث الليندي الى آرثو، القاعة محتشدة باناس من اعمار مختلفة . وكلهم من مريدي محاضرات (الليندي) كان الضوء وهاجا ومباشرا فأخذ أرثو يرمش ويحول بصره الى المناطق المعتمة، كان شعره الطويل يلامس كتفيه وتميز جسمه رشاقة وخفة ايماءات المثل المحترف .

بدا وجهه ناحلا مثل من اصابته الحمراء، ولم تكن نظراته موجهة الى احد.. عينا الرؤيوي الحالم .

بدا الليندي الى جواره ارضيا وثقيلا وكئيبا، خامدا ومستكينا.

سار أرثو بضع خطوات عن المنصة وبدأ يلقي محاضرته عن (المسرح والطاعون)

طلب الي الجلوس في الصف الامامي، احسست ان ذلك كله من اجل لفت الانظار اليه .

تابعت المحاضرة وانا اتساءل .

- هل اراد اقناعنا بان الانسانية تنجز اعمالا ومنجزات فنية لا حصر لها خلال موجات الطاعون لان الانسان يبحث عن البقاء او الهرب او يحاول تجاوز ذاته في فوضى الرعب من مواجهة الموت ؟

كان وجهه مسورا بكمد موجع والعرق يبلل شعره، عيناه متسعتان، عضلاته متشنجة واصابعه تجاهد ان تحتفظ بمرونتها، كان حضوره يجعل المرء يحس بلسعة وحرقة في حنجرته .. يجعله يشعر بالالام والحمى، بالنيران في الاحشاء.. كان يمر بحالة عذاب نفسي مبرح، كان يصرخ ويهذي، كان يمثل مشهد موته الخاص، ولحظات الصلب الاليمة .

في البدء اجتاحت الجمهور همهمة واضحة، ثم بداوا يضحكون .. الكل بدأ يطلق القهقهات والفحيح، ثم اخذوا يغادرون المكان واحدا بعد ألآخر محدثين جلبة ولغوا واحتجاجا.

كانوا يصفقون الباب وهم يغادرون .

الوحيدون الذين لم يتحركوا كانوا: الدكتور الليندي وزوجته، وآل لالوس ومارجريت .. المحتجون كثرة، المتهكمون اكثر.

لكن أرثو لم يتوقف واستمر حتى آخر نفس وبقي واقفا وعندما خلت القاعة تماما إلا من الاصدقاء القلائل سار مستقيما باتجاهي وقبل يدي وطلب مني ان اصحبه الى المقهى.

كان لكل هذا ما يشغله فتفرقنا لدى بوابة (السوربون) وسرنا انا وأرثو في الضباب الرقيق، سرنا في الشوارع المعتمة، كان مجروحا ومتضررا، مخيبا مخذولا جراء السخرية، لقد نفث غضبا:

- انهم يريدون سماع (ما حول) الشي ء، يريدون سماع مادة حول المسرح والطاعون اما انا فقد منحتهم التجربة بذاتها، الطاعون نفسه، فارتعبوا واستفاقوا، ومضيت في ايقاظهم .. لم يكونوا مدركين انهم موتى، وان موتهم كان شاملا، كالصمم والعمى، كنت قد جسدت لهم الألم .. ألمي أنا.. نعم وألم كل كائن حي.

تساقط الضباب والندى على وجهه، ازاح شعره بعيدا عن جبهته، كان مكروبا ومبلبلا، لكنه تحدث الآن بنبرة هادئة جلسنا، نسي المحاضرة .

. لم اجد انسانا يحس بما احسه .. انا مدمن افيون منذ خمس عشرة سنة، لقد قدموا لي الافيون وانا صغير جدا لتخفيف بعض الآلام الشنيعة في رأسي .. احس احيانا انني لا اكتب وانما اصف كفاحي مع الكتابة ومجاهدتي لأولد.

اخذ يردد بعض القصائد ونحن نتحدث عن (الفورمة) الشكل والمسرح وعن عمله بالذات .

- اناييس، ارى عينيك خضراوين وفي احيان أخرى بنفسجيتين .

تحول الى رجل مهذب رصين، سرنا ثانية تحت المطر كان الطاعون بالنسبة له لا يقل سوءا عن الموت موتنا بقبول اواسط الاشياء، الموت بالمشاجرة باشيائنا الموت بالفساد الذي يحيط بنا.

كان يريد ان يثير قلق الناس، بانهم موتى حقا ان يرغمهم ويدفعهم الى حالة شعرية .

قلت: أن الهجوم يثبت لهم انك تسعي لتدميرهم .. ولكن اية صدمة ان ترى شاعرا حساسا يواجه جمهورا معاديا.. اية قسوة .. واي قبح يكمن في الجمهور.

قلت لانطونين أرثو:

- انا أحب الشاعر فيك ..

انفعل بما قلته لكن عبارتي لم تجرح اعتزاره بنفسه.

قال: هذا هو شعوري بالذات .. انك تشبهينني اسمعي.. انني أرى الانسان شبيها بطيف، وانا اخشي الحياة وارتاب فيها.

وكل ما في الحياة يبدو لي غير حقيقي وانا احاول اقتحامها، احاول ان اكون جزءا منها.. ولكن انت يا اناييس سبقتني الى اقتحاميه. افترقت الحياة بكل هذه الحيوية التي لم اجد امرأة أخرى تتمتع بها.. لم اتعرف الى امرأة اقرب شبها بـ(الروح) منك .. كل ما يحيط بشخصك يخيفني، عيناك الشاسعتان المستحيلتان، وضوحك المستحيل شفافيتك كل هذه الاشياء التي تبدو خلوا من الاسرار تدفع المرء للاعتقاد بانه قادر على النظر اليك عبرها، انما الحقيقة شيء مختلف، ثمة اسرار لا نهائية تكنن تحت هذا الوضوح ووراء هاتين العينين الكاشفتين).

اذهلني تدفقه بالحديث، ثم فاجأني بسؤال:

- من هو الذي تحبينه انت .. ثمة الكثيرون يحبونك ولكن من الذي تحبينه انت؟

يعتقد الناس انني مجنون .. فهل تفكرين على شاكتهم !

هذا ما يخيفك لذ؟

ادركت هذه اللحظة وانا انظر الى عينيه انه مجنون فعلا،. لقد كان مجنونا وهذا ما عشقته فيه .. جنونه .. اعرف انه يريد العودة الى الحياة عن طريق حب امرأة، من خلال التناسخ والتقمص والولادة من جديد لكن فقدان المنطق في حياته يجعل من اي حب انساني امرا مستحيلا.

وحتى لا أسبب له حرجا ما.. اعلنت له عن اسطورة تقسيمي الحب الى شكلين:

- الحب الجسدي والحب الروحي وهما حالتان لا علاقة لاحدهما بالآخر.

قال: لم افكر قط انني سأكتشف فيك جنوني ذاته، كنا نجلس في مقهى ( الكوبول) و(آرثو) يتدفق بالقصائد ويتحدث عن السحر ثم يعلن:

- انا الامبراطور الروماني المجنون (هيليو جابالوس).. انا (هيليو جابالوس)

 كان أرثو يتقمص ويتماهى مع كل شخصية يكتبها.. استأجرنا سيارة فازاح شعره الطويل عن وجهه المهدم ووقف في السيارة المكشوفة مادا ذراعيا وهو يشير الى الشوارع المزدحمة بالارة واخذ يصرخ:

- ستحدث الثورة عاجلا، وسيدمر كل هذا العالم .. يجب ان يدمر فهو عالم فاسد مليء بالقبح والمومياوات،

آه .. هل شك عن انهيار وسقوط الامبراطورية الرومانية ؟ الموت، اريد للمسرح ان يقدم معالجة مذهلة وارجو ان تكهرب المسرحية مشاعر الناس .

خيل، الي اول الامر ان (آرثو) يحيا في عالم خيالي، وهو يسعى حثيثا الى الكارثة، الى صدمة عنيفة تعيده الى العالم الواقعي. او تهبه القدرة الى التناسخ والحلول عبر غرام جامح .

ولكن ما ان وقف واخذ يلوح بيديه ويصرخ، حدقت به الحشود وغضب سائق التكسي وفكرت: لم يكن أرثو يدرك أين نحن، كان مهتاجا، وعرفت انه يريد الثورة، الفاجعة، والكارثة فذلك ما سيضع خاتمة لحياته الاليمة .

عندما ذهبت لزيارته، كان يقف نبيلا مزهوا بعينين جذلتين الى حد الجنون انهما عينا المهووس المجنون، تشعان ببريق الانتصار، لانني وافقت على زيارته . كنت ارتدي زيا باللونين الاحمر والاسود مزينا او مدججا بقطع فولاذية اشبه بثياب المحاربين لكي احمي نفسي من الامتلاك .

كانت غرفته عارية متقشفة كأنها صومعة راهب: سرير ومنضدة وكرسي..

نظرت الى صوره الفوتوغرافية التي تمثله في ادواره المسرحية المختلفة، بدت محنته مريرة قاتمة وحرة ومتألقة تشع بنشوة روحية في صور أخرى وكأنه طالع من القرون الوسطى بكل حدته ورصانته المميزة .

اطلعني على مخطوطاته وثحدث عن مشاريعه ثم اخذ حديثه ينمو باتجاه الغموض ق شرع يتودد الي .. ثم ركع على ركبتيه امامي.

فكررت له ما سبق وقلته عن ايماني بالحب الروحي. كان كل ما حولنا في الغرفة يهتز ويترنح وكأننا في قلب زوبعة، عندما حسن حديثي نهض بوجه عابس جامد كأنه منحوت من الصخر:

- هل اخبرك (د. الليندي) انني اتعاطي المخدرات ؟ على اية حال، ستظهرين احتقارك لي عاجلا ام آجلآ، انا لم اخلق للحب الشهواني وهذا موضوع يعد بالغ الاهمية بالنسبة للنساء..

. ليس لمثلي ..

- لا اريد ان افقدك اناييسى ..

. لن تفقدني

- ما اتعاطاه يقتلني ولن احاول ارغامك على الوقوع في حبي.. انت انسانة ومن حقك ان تعيشي الحب .

- انا لا أريد هذا النوع من الارتباط، اما ذلك الآخر.. الحب الروحي..

- انت تريدين الهرب مني، تريدين الاختفاء.. اناييس انت كل شيء بالنسبة لي .. انا لم التق بامرأة مثلك قبل اليوم .. انت حالة نادرة لا اصدقها وانا ارتعب من فكرة ان تكوني مجرد حلم فتختفين من حياتي.

ان كبرياءك يثير السحر في كل ما يحط بك فيضطرب العقل لدى مرأك .. هذا تفصيل صغير أوحى لي به حضورك وانت في بدلة (مارس) اله الحرب فالمرأة التي تحيا بالرموز الى هذا الحد هي الوحيدة التي تدهشني.. اضافة الى هذا الوهج الروحي الذي يلازمك دوما.. آنا احب لحظات مستك التي تماثل سكناتي.. انت تتحدثين عن تدمير الذات باعتباره مجزرة ثم تضحين بنفسك من اجل الاله .

- من اجل الكمال .. المرء يموت اذا شاء بلوغ الكمال ..

- انا مغرور وشديد الزهو.

- كل المبدعين امثالك.. لا يمكنك ان تبدع حقيقة دون الاعتزار بالنفس وحب الذات ...

- أنا على استعداد لاحراق كل شيء من اجلك .. مستعد لا.كرس نفسي لك .. انت تستحقين ان يقوم المرء باقتراف مذبحة لاجك .

ما الذي سيحرقه (انطونين آرثو) من اجلي ؟.. لم اسأله .

- اكتبي لي اناييس.. ان كل يوم من الانتظار هو بمثابة تعذيب لي .. فلا تعذبيني، واجرؤ على القول انك ستنسينني.. ستتخلين عني. رسالة من (انطونين آرثو)

- كنت قد احضرت بعض الاشخاص رجالا ونساء لمشاهدة اللوحة المدهشة (لوط وابنته) لكن .. انها المرة .الاولى التي أرى فيها الاستجابة الفنية تحرك الكائن وتجعله يترنح كما في الحب .. الاحاسيس ترتعشي، وانا ادرك ذلك فيك .. ان الروح والجسد متآلفان تماما، فاذا ضغطت الروح الصافية فسيكون بوسعها ان تهب وتتململ كالعاصفة في اعماقك .. ولكن في مثل هذا التزاوج المتناقض المتنافر تكون الروح هي القائدة  هي التي تستدرج الجسد وتهيمن عليه، ويجب ان تكون النهاية عندما تكون الهيمنة كاملة