|
|||||
|
في
كتابي في البنية الايقاعية
للشعر العربي
( 1974). وردت بضعة مقاطع لم يتنبه
الى خطورتها أحد رغم كثرة
الباحثين الذين تناولوا هذا
الكتاب بالدراسة وكانت تلك
المقاطع تستند بعمق الى
فهمي الشخصي لمكونات البنية
الايقاعية للشعر العربي،
وتتكهن باحتمالات مستقبلية
تخرج عليها وتؤسس نمطا
جديدا من التشكيل الايقاعي،
هي ذي المقاطع المعنية. هكذا
يقال. لا يتصور حدوث تحول
جذري في بنية الايقاع الى أن
تتغير بنية العقل: البنية
الفكر _ نفسية ذاتها،
والتغير، فيما يبدو، كان
محالا قبل العقدين الأخيرين.
وهاهي علائمه. لكنها لم تزل
علائم. واذ يقال هذا لا يقصد
التغير بما هو حدث جزئي،
وانما بما هو فعل كامل على
صعيد الثقافة كلها:، أي
ولادة بنية جديدة. أي أن حدوث
تغيرات جزئية, ضمن مجال
الثبات, لا ينكر: في نماذج من
الشعر الصوف في النثر - الشعر
ملامح تغير جزئي. لكن البنية
الفكر- نفسية ظلت ذاتها. نحن
نبدأ الآن. وملامح
التغير تنجلي في البنية
ذاتها: إخماد الحركة, والبحث
عن السكون أو بالدقة
الهدوء، في قصيدة النثر
توجد الكلمة لا جسدا صوتيا
من الحركة المستمرة والسكون
اللحظي، بل بنية السكون
فيها مكون أساسي, حين نقرأ
الكلمات نحاول أن نخمد
الحركة الى أقصى حد،
والعلامة المطلقة لذلك هي
القراءة دون حركات على
أواخر الكلمات. وهذا مظهر
شيق للبنية الجديدة, لأنه
يحتضن فيما يحتضن تتابعات
مثل (55) واحتضان
هذا التتابع هو النقيض
المطلق لايقاع شعر التراث.
وهو أيضا ليس حدثا عابرا.
الشكوى التي تسمع من
طنين شعر التراث وحدته,
والدعوة الى شعر هاديء
مهموس, أو شعر نبر، هما،
جوهريا، قول بسيط: ثمة شي ء
يبزغ في حياتنا جديد. بنية
جديدة يعجز الايقاع التراثي
عن بلورتها وتجسيدها. بل انه
ليشكل نقيضها المباشر:
الكتابة بايقاع تراثي هي, في
الواقع, إدخال لبنية مغايرة
وتأكيد لهذا البنية في
الضمير العربي الحديث. لذلك
قد يشعر المتلقي بالقلق
واللاتوازن, بأن شيئا يحدث
منفصلا عنا، متحركا في مجال
غريب على الذات. خلق
إيقاع شعري حديث, إذن ليس
عملا مفتعلا، إنه حتمية
تاريخية. ولقد جاء حتميا
ودور المؤثرات الخارجية يجب
أن يحدد من جديد، أن يكون لها
أكثر من فعل اللفت الى
مجالات ممكنة, شيء يكاد
يناقض حركة الثقافة كلها،
يناقض إيقاع التطور
التاريخي. وتقبل
السكون تقبل التتابع (-55) في
بنية الكلمة والتشكل, ليس
فعلا خارجيا. إنه ثمرة لتقبل
في الجذور, لأنه يستقي من لغة
الحديث اليومي, اللغة
المحكية ومن الشعر المؤلف
بهذه اللغة. وليس بعيدا أن
تكون اللغة المحكية
بايقاعها الخاص المتن ثر
الأقوى في تغيير ايقاع
الحركة الدائبة لقرون.وإذ
نلتصق بالذات الحية, دون
تعال عليها، لابد أن ينعكس
هذا التعبير على لغتنا
الفوقية: لغة الفكر المنفصل
المتعال يمكن التكهن دون
ادعاء للنبوة, بأن تعميق
الالتصاق باللغة المحكية,
بالذات الحية, والفولكلور,
سيؤدي الى اتخاذ بنية
ايقاعها بنية لايقاع الشعر
المكتوب بالفصحى، أو يقرب,
على الأقل البنيتين ليخلق
بنية ايقاعية وسيطة, هكذا
يبدآ التوفيق الضروري بين
اللغة الفوقية وبين الذات
ويبدأ زوال الازدواجية التي
تترك آثارها على الفكر
العربي في غيبوبته وضبا
بيته وضعف تركيبه المنطقي. في
الشعر الذي يكتب الأن بندرة,
والذي لابد اذا استمر
التطور الطبيعي, من أن يكتب
بوفرة, تصبح شخصية الكلمة
شيئا غير جسدها الصوتي شيئا
يتحدد بدورها التكويني في
التجربة الشعرية وبنية
القصيدة. الكلمة في الشعر
التراثي توجد صلبة حادة لا
يغيرها شي ء تفرض نفسها على
التشكل الايقاعي،وحولها
يتأطر الايقاع, يمط جسده
ليتكون. التغيير الجذري
الذي نحتاجه هو أن نحد من
طغيان الكلمة وقسرها
للايقاع كله: بأن نحيلها الى
جزء بنيوي يتحدد هو بطبيعة
الايقاع والتجربة الشعرية,
أي نكسبها مرانة داخلية
فيكون لها في سياق. ما الدور
الايقاعي (X) وف
سياق آخر الدور (Y),
وهكذا يتم ذلك بأن نعطي
أنفسنا القدرة على قراءة
الكلمة كما نحتاجها أن تكون
في السياق, محركة أو ساكنة,
منبورة أو غير منبورة _ ضمن
شروط تنبع من طبيعة الكلمة
ذاتها - بإرادة مطلقة تقريبا. كلمة
(حالم) لها في الشعر التراثي
دور مطلق هو (-5--5)، عبر عنه
الخليل بتمثيل جسدها الصوتي,
لا بشيء داخلي فيها أو بدور
بنيوي لها. في الشعر الآن, يجب
أن نستطيع إعطاء هذه الكلمة
الدور (-5-5) أو (-5--5) وأن ننبرها هكذا
(-5—5) أو نتجاوز عن نبرها
أحيانا، بإرادة تستقي
تسويفها من السياق الشعري
الكلي والجزئي. ثم ينبغي أن
نحدد دور الكلمة الايقاعي
على أساس النبر الذي تحمله
لا على أساس جسدها الصوتي. بهذا
يكون في مقدورنا استغلال
إمكانية إيقاعية في الكلمة
العربية لم يستغلها التراث
إلا في مراحل نعرف عنها
القليل القليل، لأن ثقافة
التراث وبنيته الفكر- نفسية
فرضتا اختيارا لامكانيات
دون أخرى في الكلمة العربية.
وجاء هذا الاختيار مخلصا
إخلاصا مطلقا في تجيره عن
البنية. وان لم نجار ثقافة
التراث وشعراءه في إخلاصنا
للبنية الفكر - نفسية
لثقافتنا فإننا نخون الروح
الفاعلة في التراث, لنتمسك
بقشوره. التراث يعلمنا
الاخلاص لذواتنا لفكرنا
فلماذا نصر على خيانته
بالاخلاص له, ولفكره "؟. وقد
سبق هذه المقاطع بحث ذو بعد
تاريخي اقترحت
فيه أطروحة هي التالية: "ثمة
مرحلة في تطور الشعر
العربي، سبقت عصر الخليل...
كان الشعر فيها قائما على
النبر.. ثم استمر الشعر بعد
دخوله مرحلة الايقاع
النووي، ابتداء من الشنفرى
وامريء القيس يستقي انتظامه
من المكونات الوتد - سببية
بالدرجة الأولى, خمسة عشر
قرنا على الأقل. ورغم بروز
حركة تجديد واعية قاصدة في
العصر العباسي، لم تتغير
مفاهيم الفواعل الايقاعية
في الشعر. ورغم انفجار حركة
ثورة فعلية في العقود
الثلاثة الأخيرة, فإن ماطرا
من تغيير, على هذا الصعيد لا
يزال طفيفا لا تناول البنية
الايقاعية بشكل
جذري، هل ينبغي إذن آن نعيد
كتابة تاريخ الشعر العربي
على ضوء ما يقال هنا، باحثين
عن النماذج التي قد تكون
سلمت من "تصحيح " الرواة ؟ آو
لم يصدق أبو عمر بن العلاء
حين قال إن أكثر ما قالته
العرب من الشعر ضاع؟ على
صعيد أخر... أليس من الطبيعي,
والممكن أن نعيد للشعر
العربي بعضا من حيويته
الأساسية وحيويته الجوهرية
بأن نعيد خلق إيقاعه النابع
من النبر ونفكه من اسار صيغ
التركيب الصوتي والتتابعات
الوتد _ سببته الصارمة في
تطلبها للتعادل الحركي؟
سؤال جذري ثالث لباحثين
يأتون, لكنما هو، بالدرجة
الأولى سؤال لشعراء يأتون "(1). أما
خطورة هذا الكلام فإنها
تنبع من كونه يقر مشروعية
نمط إيقاعي جديد ينشأ من
التعامل مع التركيب الصوتي
والايقاعي للكلمة العربية
بطريقة جديدة خارجة على
طريقة التعامل معها في
تحديد الشعرية في العربية
القديمة. وحين يتحقق هذا
التعامل تخرج المكونات
المتوارثة للايقاع من إطار
الكم والنبر الممتزجين الى
إطار النبر الخالص, ويصبا
الانتظام الايقاعي, من جهة
أمرا عارضا، ومن جهة أخرى
مكونا داخليا، أي نصيا قد
يتحقق بشكل ما في النص
الواحد لكنه لا يقدم قالبا
نظريا ينبغي أن يتحقق في
نصوص أخرى وبالصيغة نفسها،
أق أنه لا يعود شرطا من شروط
تحديد الشعرية خارجيا
وبصورة مستقلة عن التحقق في
نص متعين. ولقد
جاءت الاجابات على أسئلتي
فصيحة بليغة, لا من النقاد
وحسب بل من قبل الشعراء أيضا
فانتشر ما نسميه قصيدة
النثر انتشارا سريعا,
وتنامى بقوة وحيوية فضاء
إيقاعي (يصعب تحديد نقطة
هدايته لكنه يعود على الأقل
الى جبران والريحاني
والترجمة العربية للكتاب
المقدس, وربما ضربت جذوره في
القرأن الكريم والنثر
الصوفي) انضاف الى النمط
الايقاعي التقليدي النابع
من البنية الايقاعية للشعر
العربي. ومن الجلي أن عبارتي
هذه تتضمن أن النمط
الجديد ليس نابعا من البنية
الايقاعية للشعر العربي، بل
هو انبثاق مغاير يجسد عملية
انقطاع عنها وتدشين فضاء
مستقل عن مدارها وفي ذلك كله
تجل لانبثاق حساسية جديدة
وتصورات جديدة وشعريات
جديدة وفي نهاية المطاف
انبثاق عالم جديد. إن العالم
الذي انتشرت فيه قصيدة
النثر غير العالم الذي سادت
فيه الايقاعات النابغة من
البنية الايقاعية للشعر
العربي, أما ما هي وجوه هذه
المغايرة فذلك ما لا طاقة لي
على اكتناهه وتحديدا بعد.
وان كانت دراساتي تزدحم
بإشارات كثيرة لبعض معالمه.
بيد أنني أود إيراد أكثر
وجوه الاختلاف جذرية وحدة:
إن البنية الايقاعية للشعر
العربي تتشكل بكلمات
تبسيطية مؤقتا من العلاقات
التي تنشأ بين نواتين
ايقاعيتين (أو ثلاث نوى
أحيانا) تشكلان ثنائية ضدية,
هما فا (-5) وطن (--5) حين تنتظمان على
محور الترتيب أو التراصف
الافقي لتنتجا وحدات
إيقاعية تتوالى أو تتكرر أو
تتناوب بدرجة عالية من
الانتظام تمثل فيها (علن)
المكون اللامتغير و(فا)
المكون المتغير, وتحمل
الوحدات الايقاعية
واللغوية والدلالية نبرا
يلعب دورا أساسيا في تكوين
الايقاع, أما في قصيدة النثر
فإن الايقاع لا يستند الى
علاقات التراتب بين نواتين
ايقاعيتين متعارضتين والى
تكرارهما على مسافات منتظمة
تختلف ويؤدي اختلافهما الى
تكوين بحر أو آخر، بل يتنامى
الايقاع من نوى ايقاعية ليس
بينها علاقات محددة من حيث
تركيبها الصوتي، من جهة
وترد في السطر الشعري ورودا
اعتباطيا (بالمعنى الدقيق
المحايد للكلمة) لا يحكمه
مبدأ منظم, من جهة أخرى. ولقد
أظهرت في كتابي المشار اليه
أعلاه الفروق التي تنشأ بين
الأنظمة الايقاعية التي لا
تستند الى ثنائية ضدية (ومنها
النظام الفرنسي)وبين
الأنظمة التي تستند الى
ثنائية ضدية (ونموذجها
النظامان العربي واليوناني).
ويوسعنا القول هنا إن قصيدة
النثر تولد ايقاعات لا
تستند الى ثنائية ضدية من
جهة, ولا تلجأ الى نظام بديل
مثل عدد المقاطع المشكلة
للبيت الشعري، كما يفعل
الشعر الفرنسي, من جهة أخرى. ما
أقوله, إذن هو - ببساطة قد تبدو
صادمة - ان قصيدة النثر لا
ايقاع لها سوى الايقاع
النابع من النبر والتركيب
الصوتي للغة النص والأبعاد
الدلالية للنظم, أي من
المكونات ذاتها التي تمنح
النثر بكل أشكاله وتشكيلاته
إيقاعا ما، ولا تولد وحدها
إيقاعا شعريا بالتحديد
العربي للايقاع الذي يقوم
على التكرار المنتظم
لمكونات معينة وفي تشكيلات
وزنية محددة قصيدة النثر
بهذا المعنى
لا وزن لها، لكن لكل نص منها
إيقاعا. كما أن لكل نص لفري
أيا كان إيقاعا (فاللغة
ظاهرة صوتية. والصوت في
حركته يشكل إيقاعات) لا يحقق
نموذجا نظريا مسبق التصور,
ولا يشكل قاعدة لتشكيل
نموذج نظري قابل للتقليد في
المستقبل كل ادعاء آخر لا
يستند له. وذلك بالضبط مصدر
أهمية قصيدة النثر ومعنى
كونها ثورية. فهي تكسر حدود
النص الشعري وتخرج على
تحديد الشعرية في العربية
إذ ترفض الايقاع المنتظم
بكل أشكاله وحين تولد درجة
ما من الانتظام فإن
انتظامها يعني شيئا واحدا.
انتظام الظواهر الايقاعية
داخل النص نفسه, كا لتكرار
والتوازي وعدد النبرات
الخ, لكنه لا يعني قابليتها
للقياس بمقياس خارجي منتظم
يمكن صياغة هذا الكلام
بصورة أخرى باستخدام
المصطلحات الخليلية تسهيلا
بالقول: قصيدة النثر لا تملك
وزنا خليليا ولا تصاغ أو
تتشكل على بحر من بحور
الخليل المستعملة أو
المهملة, كما أنها لا تبتكر
لنفسها بحورا جديدة خاصة
بها _ كما ابتكر الموشح
والرجل والرباعي والدوبيت
والمواليا والعتابا
والميجنا في تاريخنا
الابداعي بحورا متميزة خاصة
بها, أي أن قصيدة النثر لا بحر
لها _ فالبحر هو القالب
النظري المنتظم الذي يوجد
خارج النص ومستقلا عنه
والذي يمكن أن يتحقق - في نصوص
كثيرة, أما قصيدة النثر فإن
لكل نص منها إيقاعه الفردي
المتعين, والايقاع هنا يسرح
في واد متغير المسارات
والانعطافات وليس بحرا
هادئا منتظم الحركة متكررها.
وفي اعتقادي أن الخليل
استخدم علمة البحر من أجل أن
يدل على هذا الطبيعة
المستقرة المنتظمة
المتكررة المحدودة بشواطيء
لا تخرج عليها والتي تحدث
فيها مع ذلك تغيرات موجية
طفيفة, فهي بهذا المعنى
ثابتة جوهريا متغيرة عرضيا
في آن واحد. وبالمقابل, فإن
قصيدة النثر تغير دائم لا
استقرار له ولا ثبات وحركة
الايقاع فيها ليست حركة
تموجات بل انسراب واندفاع
وتبجس وتناثر وتفجر وترقرق
وهجهجة ومجمجة وعجيج وهدير
وسقسقة نمير لمياه غدير قلق,
سلسبيل أو متفجر أو ما بين
بين, يسير حيث شاء في مجرى لا
يحدد منعطفاته ومنحنياته
ومستقيماته وتمعجاته سوى
الطبيعة الفيزيائية لمجراه
وقابلية المياه لأن تحته
وتأكل منه هنا وهناك. أو تخضع
لقيوده هنا وهناك, بل إن هذه
الاستعارة غير دقيقة لأن
للنبع ضفافه المقيدات
الحاصرات وقصيدة النثر لا
ضفاف لها ولا حواصر. فهي ماء
منسرح في فضاء مفتوح وفي أرض
ترابية لينة أي أنها تتمعج
وتسيل وتقف وتنعطف لخصائص
الماء وتكونات طاقاته
واندفاعاته واستكاناته لا
لخصائص الضواغط الخارجية
المقيدة المحددة, بل الأدق
الآن أن أقول إن قصيدة النثر
ماء يجري صانعا في تدفقه
فضاءه الخاص وأرضه الخاصة
ومناخه الخاص. وليس ثمة فضاء
أو أرض جاهزان مسبقا يخرج
منهما متجها اليهما ومنصبا
فيهما. (2) ليس
ثمة من ريبة في أن الانتظام
في الايقاع النثري قابل
للتحقق دون موازين الخليل,
وأكبر دليل على ذلك النص
القرآني. ولنتأمل الآيات
التالية: "قل هو الله أحد،
الله الصمد،، لم يلد ولم
يولد، ولم يكن له كفؤا أحد" (سورة
الاخلاص) مثلا على ذلك. إن
الانتظام هنا لا يتمثل في
تكرار ظواهر صوتية معينة
على مسافات معينة بقدر ما
يتمثل في انتظام تزايد زخم
الايقاع النبري من نبرتين
الى أربع نبرات الى خمس
نبرات في الآخير،
بعد أن كان استهل بنبرتين
قويتين متتاليتين على
الكلمتين « قل هو" ونبرتين
بعدهما على «الله أحد". أي أن
النص شكل قدرا من التوازن
أولا ثم كسر هذا التوازن (أربع
نبرات+ نبرتين+
أربع نبرات +خمس نبرات)
خالقا بذلك نسقه الايقاعي
الحاد حدة باترة, من جهة
والمتلطف قليلا، من جهة
أخرى. وذلك, في تقديري جوهر
موقف القرآن الكريم من
المذاهب التي تنسب لله ولدا.
غير أن هذا الانتظام ليس له
صيغة محددة تشترك بها نصوص
عديدة, بل ينشأ حين ينشأ بنهج
خاص بالنص الذي يحدث فيه.
وينجلي ذلك بمقارنة إيقاع
هذه السورة مع سور قصيرة
مماثلة لها مثل الناس,
والفلق, والمسد وغيرها. بيد
أن للنثر إيقاعه بمعنى آخر:
هو أنه يقوم على ايقاع
الفقرة أو السطر لأنه يستند
بقوة الى الفصل والوصل. كانت
مباديء الفصل والوصل في
الشعر الخليلي تقوم على طول
التفعيلات وحدودها وعلى
الشطر ثم على السطر، والشطر
والسطر محددان بالقافية
ونهاية البيت. أما ايقاع
النثر فيقوم على فصل ووصل من
نمط مختلف ينشئه البعد
الدلالي المتعلق بامتداد
النفس والضغط النابع من
تموجات التجربة والقراءة
والحركة الداخلية للهجة
الشعرية. كل
المحاولات التي تزعم أن
لقصيدة النثر إيقاعها الخاص
المكافيء للوزن تتشبث
بأذيال الشعرية القديمة,
وتحاول إكساب الشرعية
لقصيدة النثر بموضعتها داخل
التراث الشعري وتأصيلها فيه.
لكن الحقيقة البسيطة هي أن
قصيدة النثر لا أصول لها في
الايقاع التقليدي على مستوى
تصوري _ أي مستوى التحديد
الواعي للشعرية عند العرب.
فرغم وجود من قالوا بأن
الوزن ليس شرطا كافيا
لانتاج الشعر، لم يقل أحد
بقدر ما نعرفه الآن من
المنشور من التراث العربي -
أن الشعر يكون بغير الوزن.
أما على مستوى الانتاج
الابداعي فإن تحديدنا الآن
للشعرية بغير الوزن يلعب
دوره في إعادة تصور المامي
وتحديده, أي أنه يدفعنا الى
اعتبار نتاجات أدبية ماضية
شعرا مع أن الذين انتجوها
وعاصروها لم يعتبروها كذلك.
هكذا نكون أمام نهجين
متعارضين من التفكير: الأول
يسعى الى اكساب الشرعية
لظاهرة ما بزعم أنها متأصلة
في التراث, كأن كل ما لا يوجد
في التراث لا شرعية له, أي أنه
يمسه حداثية الحداثي ويلغي
جدته وطارئيته, والثاني
ينتج الحاضر بخصائصه
الجديدة المائزة ويتركه
يعيد صياغة الماضي وتحديده
وتصنيفه أي أنه في الجوهر من
عملية الابداع الحقيقي. فكل
ابداع جديد حقا يعيد صياغة
الماضي. ملحق
1 لقد
بدا لي منذ زمن طويل أن إحدى
أكثر الوسائل دقة وأعظمها
وعدا بتحقيق عائد وفير هي
استخدام المفاهيم المثيرة
التي طورها النحاة العرب,
وبشكل خاص عبدا لقاهر الجر
جاني، في تحليل أساليب
الفصل والوصل, لدراسة
ايقاعات النثر، وخاصة كما
تتبدى في وقصيدة النثر
المعاصرة, ففي غياب مقومات
للايقاع ذات تكوين منتظم
ونابهة من التركيب الوزني
للغة, لا يبدو أن ثمة وسيلة
أفضل لتحليل الايقاع النثري
الذي غدا واضحا تماما أنه لا
ينبع من عناصر توليد
الايقاع في البنية
الايقاعية للشعر العربي. وكلما
تعمقنا في دراسة قصيدة
النثر أدركنا الحاجة
للافادة من الدراسات التي
تناولت أسلوب القرآن الكريم
وطرق تلا وته, وأقامت
تمييزات مرهفة بين الآيات
المكية والآيات المدنية. إن
ايقاع النثر المتصل أقل
الايقاعات استثمارا للطا
قات الايقاعية للغة, وكلما
استخدمنا أساليب التقطيع
والتفقير وتغير اللهجة
والالتفات والوقف
والابتدأء والاستئناف
والفصل ازدادت المكونات
الايقاعية بروزا، واقترب
ايقاع النثر من ايقاع الشعر
المنتظم (دون أن يبلغ
بالضرورة درجة الانتظام),
لأن جميع هذه الأساليب
تقتضي ورود فواصل من الصمت
بين المكونات اللغوية,
والعلاقة بين المنطق والصمت.
أو الحركة والسكون هي جوهر
التشكيل الايقاعي ومولد ته
الأساسية. هو
ذا نموذج للنثر المطرد
المتعانق الذي يطغى عليه
أسلوب الوصل: "أمس
ذهبت الى المدرسة أفكر طوال
الطريق بالدروس العديدة
التي لم أدرسها حاملا
دفاتري وأقلامي الى أن وصلت
باب المدرسة فحمل عني أحد
رفاقي بعض الكتب مخففا عني
الشعور بالتعب والاعياء
والحاجة الى الراحة فشكرته
شكرا جزيلا صادقا ودخلنا
قاعة الدرس معا". أما
النثر المفقر آلتوازن
الملون الذي يقوم عر كثرة
الفصل فبين نماذجه البارعة
كتابة أدونيس كما تنجلى في
المقطع التالي: "أنادي
الفرغ أفرغ الممتليء.
حتي الصوان رخو، حتي
الرمل يتأصل في الماء - لماذا
الطرق، لماذا الوصول؟ ضال
ضال ولن أعود. السقوط حالتي
وشرطي الجنة نقيضي. إنني
عرس وأعلن مجاذبية الموت -
أنا الغيم ولا يباس عندي. أنا القفر ولا
غيم لي.(2) وفي
آلمقطع التالية: "كان
اسمها يسير صامتا في غابات
الحروف، والحروف
أقواس وحيوانات كالمخمل جيش
يقاتل بالدموع والأجنحة,
وكان
الهواء راكعا والسماء
ممدودة كالأيدي, فجأة أورق نبات غريب واقترب
الغدير الواقف
وراء الغابات رأيت
ثمارا تتخاصر كحلقات
السلسلة وبدأ الزهر يرقص ناسيا
قدميه وأليافه متحصنا
بالكفن ". "طامح
جسدي كالأفق وأعضائي نخيل
تثمرين في أقطف
تحت صدرك،أيبس وأنت ريحاني
والماء كل
ثمرة جرح, وطريق إليك أعبرك
وأنت سكناي أسكنك وأنت
أمواجي جسدك
بحر وكل موجة شراع جسدك
ربيع وكل ثنية حمامة تهدل
باسمي تحشرين
إليه أعضائي أتجه
في نزع وسكرات أستقر
فيه مملوءا بشرقه وغربه أفرشه
غبارا وقبرا مملكة
أنهبها وأحميها أرتعب
أتجاسر أستنجد
يالغابات والبرارى بالطينة
الأولى بشهامة
الفهد وعزلة النسر اتمزق
أنفطر نازلا الى أغواره مليئا
بخلائق تشتعل تنطفىء تشهق
وتزفر تعلو
هائمة الوجه وتسقط
جاثية حولة"(3) لكن
لدى أدونيس في هذه القصيدة
وفي قصائد أخرى، بعض ما
يندرج في إظار النثر
المتعانق وتطفى عليه أساليب
الوصل, إلا أن ذلك قليل في
كتابته قلة مائزة. جلي
تماما, فيما آمل, أن ايقاع هذا
النص أكثر تعقيدا وتشابكا
وتنوعا من ايقاع نص من
المتدارك المنتظم, مثلا
الذي يستخدمه أدونيس بغزارة
في مهيار وكتاب التحولات (الذي
يضم "تحولات العاشق "). ومنشأ
التعقيد أن النص لا يشكل
بنية منتظمة ذات بحر منتظم
في تأليفه من وحدات إيقاعية
متكررة. فنص "تحولات العاشق "
نثري. أي أنه لا ينتظم في
تكرارات وتوازنات منتظمة.
والوحدة الايقاعية المكونة
للنص هي الجملة اللغوية من
حيث هي تركيب دلالي لا وزني
أو نظمي. ما أعنيه بهذا هو أن
النص يتوزع الى أسطر لا تبعا
لضوابط وزنية محددة بل تبعا
لتموجات وتكوينات دلالية,
أبرز مثل على ذلك أن «فجأة"
تحتل سطرا بنفسها ولا
تتراصف مع الكلمات السابقة
لها أو التالية لها. وموقعها
ليس محددا بوزنها العروضي
أو وزنها الصرفي, بل بدورها
الدلالي ضمن حركة المعنى،
وهذا مصطلح جديد ابتكره
لفرض هام هو تسهيل دراسة
الايقاع ووصفه, وما أعنيه
بحركة المعنى هو الطريقة
التي تتعالق بها المعاني
والوحدات الدلالية في نص من
النصوص وأنهاج انفصالها
واتصالها بما يسبقها
ويتلوها. حركة
المعنى, إذن هي الفاعلية
الأولى في تشكيل ايقاع النص,
وهي العامل الذي يحدد توزيع
الكلمات في وحدات ايقاعية
كبيرة وهي أسطر إيقاعية
والعامل الذي يحدد مكان
وقوع الفاصل النغمي، وهو
مصطلح ضروري جدا لأغراض هذه
الدراسة أقترحه بالقياس مع
الحاجز الموسيقي والفاصل
ليس عبثا بل إن مكان وقوعه ذو
دور أساسي في تحديد الايقاع
لأنه يلعب دور الصمت في
الموسيقى، من جهة ويحدد
موقع بداية الحركة
الايقاعية الجزئية وقرارها.
ومن جهة أخرى. ومن هذه
التصورات واستنادا اليها
نستطيع أن نقول إن السطر
الأول في نص أدونيس يشكل
وحدة ايقاعية مستقلة نسبيا
تصل الى قرار مع نهاية السطر
وورود الفاصل ثم تتلوها
حركة ايقاعية ثانية في
السطر الثاني، والعلاقة
بينهما هي علاقة وصل - بلغة
الجر جاني - لكن السطر الثالث
يمثل حركة ايقاعية ثالثة
علاقتها بسابقتها علاقة فصل.
ويصدق هذا على السطر الرابع.
ويصل الفصل ذروته في السطر
الخامس مع ورود "فجأة
". ومن
الجلي هنا أن توزيع الوحدات
الدلالية النابع من حركة
المعنى يؤدي الى تفاوت في
زمن الأسطر (وطولها) وأنه ليس
هناك عامل خارجي مسبق يحكم
هذا التوزيع وذلك التفاوت. يمكن الأن وصف الفواعل الايقاعية بطريقتين: وصف ا& | |||||