|
|||||
|
لم
يكن شعر العقيدة في العصر
الأموي, شعرا ذا بال من الناحية الابداعية
الجمالية, إنه دون الشعر
السياسي وشعر النقائص
والأيام فنا وقيمة, ولكنه
يشارك هذا الشعر فيما يحمله
من دلالات تاريخية حول
معتقدات أصحابه ورجاله
ومعاركهم القي خاضوها ضد
السلطة. فهو, لهذه الجهه, شعر
ذو قيمة تاريخية تسجيلية
نظرا لما يتناوله من أحداث
ووقائع, وإن جاء ذلك على حساب
المستوى الفني له,ولعل هذا
السبب هو من جملة الأسباب
التي أدت الى اهماله في
المصادر على العموم. فضلا عن
السبب الجوهري، وهو ان هذا
الشعر شعر معارضة واحتجاج,
وليس شعر موالاة وتزكية, فلم
يتصدر المدونات التي غالبا
ما كانت مدونات سلطة. وشعر
العقيدة خلال هذا العصر
يقتصر على ما تركه لنا شعراء
الخوارج وشعراء الشيعة
والبيت العلوي والهاشميين
من قصائد أو مقطعات
وأراجيز، تصف أحوالهم
وعقائدهم, كما تشتمل على
أسماء رجا لاتهم والمعارك
التي خاضوها ضد السلطة
ورموزها. وهذه المعارك, هنا
أيضا، في شعر الخوارج, تسمى
الأيام, كيوم دولاب, ويوم
سولاف, وسلى وسلبرى وخساف
وكفرتوتي وقديد وسوأها.
فكأنما, في هذا الشعر أيضا،
كما في شعر النقائض والأيام,
تستعاد التسمية الجاهلية
نفسها للمعارك والوقائع.
فهي أيام كر وفر واغارة
وانتقام, على الرغم مما كان
لهذه المعارك من بعد سياسي
وديني جديد. ففي عمق الأحداث
وخلفياتها، كانت ما تزال
القبلية جاثمة أو فاعلة,
وتتدخل في التقسيمات
الاجتماعية والسياسية, كما
تتدخل في العبارة. وشعر
العقيدة في العصر الأموي
على العموم, شعر مقصي أو
منبوذ. ولم يتم تجميعه الا
حديثا، من الهوامش وثنا يا
المؤلفات التاريخية
والأدبية التي وجد موزعا
فيها. فقد تسنى لشعر الخوارج
وأدبهم ان يجمعه من مظانه
الكثيرة باحثان معاصران هما:
الدكتور إحسان عباس (1)
والدكتور نايف معروف(2). وقد
اكتفى الدكتور عباس بجمع
أشعارهم وحدها، أما الدكتور
معروف فقد أضاف للأشعار
المجموعة والمحققة, ما
وجده من
خطبهم ورسائلهم في المصادر
المتفرقة. والأبحاث, على كل
حال, التى تتناول هذه
الأشعار قليلة. ولعلها لم
تبدا إلا مع نهاية
الربع الأول من القرن
الحالي(3). أما
شعر الشيعة, فلم ينبغ فيه, على
ما وصلنا من أشعار، سوى
شاعرين هما الكميت والسيد
الحميري. وأشعارهما معروفة.
إلا أن أشعار الشيعة لم تجمع
على غرار شعر الخوارج.
كما أن
الأبحاث التي تتناول هذا
الشعر قليله , بل نادرة
(4). لذلك
فبالامكان اعتبار شعر
العقيدة في العصر الأموي،
شعرا لم ينل ما يستحقه من
عناية وبحث. وهو أمر تابع لما
نال عقائدهم من تهميش
وتعتيم, ولكتبهم من نبذ، كما
أشار لذلك صاحب الفهرست.(5). شعر
الخوارج: مرآة عقائدهم
وأيامهم: يمكن
اعتبار الخوارج,
من خلال ما وصلنا من أشعارهم
وخطبهم
ورسائلهم, بمثابة زهاد في
حال من النفرة والتوحش, وهو
أمر يناسب ما اتصفوا به من
خشونة العيش, ونفورهم
الدائم من المجتمع, وتحاشي
تنكب السلطة, على الرغم من
قتالهم الشرس والمتواصل
لاسقاط سلطة الحكام
الأمويين. ولعل تشر ذمهم
السياسي بهذا المعنى كان
سلبيا , أي كانت لديهم
محاولات لاسقاط الحكم, ولم
يمتلكوا تصورا أو مخططا
للامساك بالسلطة. فهم في هذه
الناحية بمثابة زهاد في
السلطة. وتنسيب
شعرهم الى الزهد، أقرب الى
جوهر هذا الشعر ومحتواه. فهو
شعر مشبع بالموت, بل مؤسس
عليه وعلى طلابه. يقول قطري
بن الفجاءة, وهو شاعر فارس من
فرسانهم, مقاتل طويل النفس
خرج في أيام مصعب بن الزبير
في. العراق,
وقاد الخوارج في فارس (6)، في
قصيدة مشهورة تعتبر من أهم
قصائدهم: "
أقول لها وقد طارت شعاعا من
الأبطال ويحك لا تراعي سيبل
الموت غاية كل حي فداعية
لأهل الأرض داعي"(7) وهو
في أحدى اراجيزه, يتحسر لأن
الموت أخطأه, ويدعو ربه
مزيدا من الزهد الحياة: "حتى
متى تخطئني الشهادة والموت
في أعناقنا قلادة ليس
الفرار في الوغى بعادة يا
رب زدني في التقى عبادة وفي
الحياة بعدها زهادة"(8) فالموت
غاية ومطلب الخارجي، فهم
باعوا الاله نفوسهم, بأن لهم
الجنة. يقول قطري بن الفجاءة
من قصيدة له في يوم دولاب: "رأت
فتية باعوا الاله نفوسهم بجنات
عدن عندهم ونعيم "(9) والرغبة
في الموت يصكها البهلول بن
بشر الشيباني بقوله: "من
كان يكره أن يلقي منيته فالموت
أشهى الى قلبي من العسل
"(10) وتمثل
أم
حكيم, في
أرجوزة لها، السأم من
الحياة, ومن حمل رأسها بين
كتفيها، والعناية بغسله
ودهنه, ثم تطرح سؤالا فيه من
الطرافة, بمقدار ما فيه من
ضجر العيش تقول: "أحمل
رأس قد سئمت حمله وقد
مللت دهنه وغسله ألا
فتى يحمل
عني ثقله"(11) هذه
الرغبة في الموت لدى
الخوارج هي عامة, يستثنى
منها ما ورد في شعر الطرماح
بن حكيم من تلجلج بين الزهد
وقطف متعة الحياة, وهذا
الشغف العارم الذي نجده في
شعر الطرماح, وتوهج حب
الحياة في قصائده, لعله يعزى
الى تعلقه بزوجه وأولاده,
فهذا الحب حبب اليه الحياة
بذاتها, وقد يكون ترك
حمل السلاح,
وعد من القعدة, تبعا لذلك
(12). ولكن
ثمة خيطا لابد من الامساك به
في هذه المسالة. فزهد
الخوارج في العيش, وزهدهم في
المتعة والسلطة, لم يكن
انسحابا من ساحة الحياة
انسحاب العدميين
والانتحاريين, بل شكل لديهم
ذلك حافزا على خوض المعارك
الطاحنة والقتال المستمر,
من أجل تصويب وضع سياسي
أصابه الخلل في مركز السلطة,
فهذا الزهد أورثهم الشجاعة
ولم يورثهم الخوف أو
الانسحاب. يقول الطرماح في
أحدى قصائده (على الرغم من
غلبة القعود عليه
). "واني
لمقتاد جوادي وقاذف به
وبنفسي اليوم احدى االمقاذف
" لذلك
فإن قصر أعمار الخوارج, على
قول أبي العيزار, كان بسبب
اعتبارهم الموت باب الحياة,
من جهة, ولرغبتهم في أن يموت
الواحد منهم حتى آخر الموت.
لأن الموت عينه سيميته
الموت في النهاية, فكل شيء
فان وموت
الموت معنى سبق اليه شاعرهم
عمران بن حطان في قوله "
لا يعجز
الموت شيء دون خالقه والموت
فان إذا ما ناله الأجل "(14) لقد
سبق بهذا المعنى المبتكر
المتنبي، الذي يورد في أحدى
قصائده موت الموت, وذعر
الذعر، كما سبق له الشاعر
الانجليزي Donne, حين
صرخ: "أيها الموت, إنك ميت لا
محالة ». "death, Thou Shalt Die' » والموت
المرتجى للخارجي ليس في كل
حال, موت الفراش أو موت
القعدة, بل هو الموت الملحمي,
وهو ما منحهم الشجاعة في
الحروب. ولعل ثمة صورة تلج
على الكثير من اشعارهم, هي
صورة قبر الخارجي على أنه
بطن الطير أو النسر. يقول
عمران بن حطان: "أكرم
بقوم بطون الطير قبرهم
" ويقول
الطرماح: «ويصبح قبري بطن نسر
مقيله "(17) فمقولة
الموت, مقولة أساسية في شعر
الخوارج, وهي سدي ولحمة
الكثير من هذه الأشعار,
وتحمل دلالة من دلالاتهم
الاعتقادية. كما تحمل دلالة
أخرى على شجاعتهم في القتال
والمواجهة. يضاف
الى ذلك, هذا الجمع الفذ بين
حدي الزهد من جهة
والشجاعة
الملحمية في الحرب من جهة
وقد سبقهم الى هذا الجمع
خصمهم الأول الامام علي بن
أبي طالب, فهو زاهد مقاتل, وهي
من المفارقات التي تستدعي
الانتباه. لذلك كان رأي علي
فيهم متوازنا, على الرغم من
أنهم الد أعدائه. فقد
اعتبرهم فئة طلبت الحق
فأخطأته, وهم يختلفون بنظره,
عن فئة أخرى طلبت الباطل
فوقعت عليه لذلك نصح أصحابه
الا يحاربوا الخوارج من
بعده أبدا. وقد
اشتهر من بينهم في الزهد
والعبادة عدد كبير. من بينهم
عروة بن حدير أحد بنى ربيعة
بن حنظلة. وكان كثير العبادة
جريئا في الحق. كفر زيادا في
وجهه فأمر به فصلب
( 18)ومنهم صالح
بن مسرح, كان ناسكا، لكنه لم
يدع للقعود، بل خرج بنفسه
بعد اتفاق بينه وبين شبيب,
عاد فانفصل عنه وله في نفوس
الخوارج مقام كبير ومنهم
مرداس بن أدية, وهو يعتبر من
قيادييهم الفرسان الأكثر
تقي واستقامة, وأدى مقتله
عام61هـ، الى فزع في قلوبهم
وحزن كبير عليه, انعكس في
أشعارهم(19 ). وأشعارهم تعكس هذه
الناحية التعبدية فيهم يقول
عمرو القنا بن عميرة
العنبري, واصفا أصحابه منهم: "معي
كل أواه برى الصوم جسمه ففي
الوجه منه نهكة وشحوب
(20) ويقول
قيس بن الأصم الضبي: "صلى
الاله على قوم شهدتهم كانوا
إذا ذكروا أو ذكروا شهقوا"(21)
أما
السمة الثالثة من سمات شعر
الخوارج, وهي سمة ذات قيمة
تسجيلية وتاريخية, تسمح لنا
باعتبار الكثير من اشعارهم
بمثابة وثائق تاريخية دالة
على حروبهم وأحوالهم, فهي
تسجيلهم لهذه الأيام
والمعارك في قصائدهم,
وذكرهم لأسماء القواد
والمحاربين, ولبعض ما جرى في
تلك المعارك. حتى أن بعض
شعرهم يذكر لنا عدد
المقاتلين من كل فريق, في
المعركة. فنحن نعرف, من بيت
لعيسى بن عاتك الخطي في يوم
آسك, وقد انتصر فيه الخوارج
على جيش أموي كبير، أن عدد
الخوارج كان أر بعين, وعدد
جيش العدو كان ألفين, وذلك من
خلال قولة: "
أألفا مؤمن فيما زعمتم
ويهزمهم بآسك أربعونا كذبتم ليس ذاك كما زعمتم
ولكن الخوارج مؤمنونا(22) ونحن
نعرف من شعرهم ما جرى في يوم
دولاب, وما كان من مقتل نافع
بن الأزرق الحنفي زعيم
الأزارقة فيه,
وما جرى في يوم سولاف (22)، حيث
سجلوا نصرا على المهلب بن
أبي صفرة الى يوم جيرفت, ويوم
دقوقاء، وهما يومان انتصر
فيهما الحجاج وشتت شملهم من
بعد ذلك, ويوم قوس وهو اليوم
الذي قتل فيه عبيدة بن هلال
اليشكري, ويوم خساف الذي
انتصر فيه الضحاك بن قيس
الشيباني, ويوم كفرتوتى حيث
قتل الضحاك,
ويوم قديد, وهو يوم انتصار
أبي حمزة الخارجي، ودخوله
المدينة منتصرا (سنة 130هـ)
وخطبته المشهورة فيها
(24). ولهم
أبيات وقصائد في معارك سلى
وسلبرى (25)، وعين الجوسق (26)، وهي
بمثابة سجل لمعاركهم ووقائع
أيامهم. ولم
يكن أحد من شعراء الخوارج
ليحترف الشعر أو يتكسب به,
على عكس ما اتصف به شعراء
البيت الأموي السياسيون,
فقد اتخذوا من الشعر حرفة
وتكسبا. وكان الخوارج
ينفرون من التكسب بالشعر،
ويعتبرونه منقصة. فقد انتقد
عمران بن خطان الفرزدق, حين
سمعه ينشد شعره متكسبا,
ونصحه بالا يطلب شيئا إلا من
رب العباد وأبياته في ذلك
مشهورة, وهي: "أيها
المادح العباد لتعطي إن لله
ما بأيدي العباد فاسال
الله ما طلبت إليهم وارج
فضل المقسم العواد لا
تقل في الجواد ما ليس فيه
وتسمي البخيل باسم الجواد
"(27) وهذا
الشعر يتمتع بخصائص تكاد
تكون متشابهة, فهو "يقدس
الانسان الخارجي تقديسا
عميقا"(28)
كما يقول
احسان عباس, ويعتبر العصبة
الخارجية العصبة المثالية
ويعكس حدتهم العقائدية في
أسلوبهم الكتابي، الذي جاء
متوترا، وجاءت أبياتهم
وكأنها معدة لرجز المعارك.
وقد استخدم كثير منهم الرجز,
لهم أراجيز كثيرة في حربهم
مع المهلب. منها: "حتى
متى يتبعنا المهلب ليس
لنا في الارض منه مهرب ولا
السماء...أين.أين المذهب.
؟"(29) كما
اشتهر منهم بين الخوارج
نساء مقاتلات وشاعرات, منهن
أم حكيم وهي التي شبب بها
قطري بن الفجاءة, وقد حاربة
معه, وكانت "جميلة " الوجه,
شجاعة, متمسكة بعقيدتها.
ولها مقام كبير في نفوس
الخوارج (30). وتذكر
مريم الجعيداء, امرأة أبي
حمزة. قالت مرتجزة وهي تقاتل: "من
سال عن اسمي فاسمي مريم بعت
سواري بسيف مخذم "(31) وهذه
الأشعار وسراها تظهرهم
وكانهم يقولون الشعر
بلسان واحد
(32). وهي
أشعار تنطوي بمجملها على
ضعف فني وبلاغي بين. فهي لهذه
الناحية لا تستحق الاهتمام
من مؤرخي الأدب, ولكنها
تنطوي على قيمة تسجيلية كما
سبقت الاشارة. وذلك لشدة
تطابقها مع حياة الخوارج.
وفي هذه النقطة بالذات, يكمن
"سر قوة الشعر الخارجي وضعفه
في آن » (33). وهو مأزق كل
شعر ملتزم
على العموم. إن ذلك لا يعني أن
جميع ما وصلنا من شعر
الخوارج, مشمول بحكم واحد.
فإن الثلاثة الكبار من
بينهم, وهم عمران بن حطان (34)
والطرماح بن حكيم (35), وقطري بن
الفجاءة (36)، يمتازون بخصائص
إبداعيه عالية، سيما
الطرماح من بينهم, حيث يعده
اخباريو الأدب, خاصة علماء
اللغة منهم, كأبى عبيدة
والأصمعي, في الطبقة الأولى
من الشعراء (37). ومعظم شعر
الطرماح في العصبيه
القحطانيه (38).
كان له اهتمام بالغريب من
اللغة, حتى قيل إن ابن
الاعرابي عجز عن تفسير
ثماني عشرة مسألة من غريب
شعره (39). ولعله أخذ ذلك عن رؤبة
بن العجاج (40). يقول في أصحابه
الشراة: "لله
در الشراة.فهم إنهم إذا
الكرى مال بالطلى أرقوا يرجعون
الحنين آونة وإن عاد ساعة بهم
شهقوا خوفا
تبيت القلوب واجفة تكاد
عنها الصدور تنفق كيف
أرجى الحياة بعدهم وقد مضى
مؤنسي فانطلقوا"(41) اما
بنيته اللغوية فتتصف
بالملحمية الموسيقية(42). وكان
الأصمعي يستجيد قوله في وصف
الثور: "يبدو
وتضمره البلاد كأنه سيف على
شرف يسل ويغمد(43) أما
قطري بن الفجاءة فهو شاعر
وفارس. ومقاتل طويل النفس,
خرج في أيام مصعب في العراق,
وقاد الخوارج في فارس (44)، سلمت
عليه الخوارج بإمارة
المؤمنين لمدة عشرين سنة.
ذكر في شعره الأيام التي
خاضها ضد السلطة الأموية,
منها قصيدة أوردها المبرد
له و الكامل, في يوم دولاب (45). كما أورد
مراسلات جرت بينه وبين
الحجاج (46). ويعتبر
عمران بن خطان شاعرا وخطيبا
وفقيها من أهم رجالات
الخوارج (47
). كان قبل انضمامه اليهم
مشتهرا بطلب العلم
والحديث (48)
البصرة, ثم التقى بابنه عمه
جمرة وكانت على مذهبهم
فأحبها وتزوجها فجذبته الى
مذهبها، ولكن حبه
لها ولبناته, حبب اليه
الحياة, فجاء
شعره قلقا, صادقا, تخترق
جمود العقيدة فيه خيوط من
حرارة الحياة نفسها
وتناقضاتها. وحين
اشتهر أمر عمران بن حطان,
طلبه الحجاج وطارده من بلد
لآخر، فأقام فترة في الشام
متخفيا لدى روح بن زنباع
الجذامي, وانتسب الى الأزد,
ثم اكتشف أمره ففر، وترك
لابن زنباع, قصيدة يعتذر
اليه فيها، ومنها: "يا
روح كم من أخي مثوى نزلت به قد
ظن ظنك من
لخم وغسان لو
كنت مستغفرا يوما
لطاغية كنت
اقدم في سري
وإعلانى "(49) ووصل
الى الجزيرة, فنزل على زفر بن
الحارث الكلابي زعيم
قرقيسيا, وادعى بأنه أوزاعي,
ثم حين اكتشف أمره فر من عنده
وقال: "إن
التي أصبحت يعيي بها زفر
أعيت عياء
على روح بن زنباع"(50) ثم
ارتحل الى عمان, وكانوا
يعظموا أمر أبي بلال, واستقر
أخيرا في
الكوفة, ونزل على قوم من
الأزد لم يسألوه عن نسبه (51)
وبقي هناك حتى مات (52)
وشعره معرض لهذا
التنقل,
والقلق بين الحب والحرب, وهو
شعر مشبوب العاطفة,
صادق
العقيدة, متين السبك حتى
ليقترب فيه صاحبه من
مذاهب البدو
القدماء(53). شعر
الشيعة. ما
وصل الينا من شعر الشيعة في
العصر الأموي, وهو قليل, وصل
متسللا في ثنايا الأخبار
والكتب, نظرا لما كان يحاط به
هذا الشعر من حصار، وما
يتحمله اصحابه من ملاحقة
وتعقب. إنه شعر آت من منطقة
حصار سياسي وعقائدي إذا صح
التعبير, بل لعل شأنه كان
شبيها بالبيانات السرية,
التي يتم تداولها في الخفاء
بين أهل العقيدة, إن كثيرا من
القصائد, قيلت, ثم استترت في
هذا العصر، لهذا السبب,
وظهرت فيما بعد، في مدونات
العصر العباسي التاريخية
والأدبية, مع التحفظ عينه
تجاه أهل البيت العلوي، من
حيث أنهم شكلوا في العصرين
معا، منطقة نبذ تاريخي، أو
تنكيل.. فجاء شعرهم مبتسرا،
ولم يصل منه سوى القليل. فقد
استترت في العصر الأموي،
قصيدة قالها عوف بن
عبدالله بن
الأحمر الأزدي، يرثي فيها
الحسين (ع ) ويذكر فيها
دعوة أهل
الكوفة له, ثم نقضهم للعهد من
بعد ذلك, ويورد فيها
ما تعارف
عليه الشيعة فيما بعد، من
امنية في مصاحبته يوم
الطف للفوز
معه بالشهادة, والتي
تختصرها العبارة التالية
"يا ليتنا
كنا معك فنفوز فوزا عظيما»،
فهو يقول في هذه القصيدة: فيا
ليتني إذ
كان كنت شهدته فضاربت عنه
الشائنين الأعاديا ودافعت
عنه ما استطعت مجاهدا
وأعملت سيفي فيهم وسنانيا(54) ويذكر
عوف أنه شهد مع الامام علي
معركة صفين, ثم يحرض
على الثأر للحسين, فيقول: "ونحن
سمونا لابن هند بمحفل كرجل
الدبا يزجي إليه الدواهيا فلما
التقينا بين الضرب
أينا
بصفين كان
الأضرع المتوانيا لبيك
حسينا كلما
ذر شارق وعند غسوق الليل من
كان باكيا لي
الله قوما أشخصوهم وعردوا
فلم ير يوم البأس منهم
محاميا ولا
موفيا بالعهد
إذ حمس الوغي ولا زاجرا عنه
المضلين ناهيا"(55) وكان
من الطبيعي أن تستتر هذه
القصيدة في العصر الأموي،
كما ذكر ذلك الأمدي في خبر عن
ابن الكلبي (56)،
فهي بمثابة
بيان خطير ضد معاوية وابنه
يزيد، واعلان موقف
سياسي مؤيد
لعلي وابنه الحسين. ولم
يصلنا من عوف بن عبدالله بن
الأحمر الأزدي شعر كثير.
إنما هي قطع تتسرب تسربا من
مناطق الحصار. وقل الأمر
عينه بالنسبة لشعراء آخرين
أعلنوا ولاءهم للبيت العلوي.
واللافت أن من بينهم اثنين
يعودان بنسبهما الى البيت
الأموي بالذات, ويرجعان الى
عبد شمس بن عبد مناف. إلا
أنهما كانا علويي الولاء،
وهما العبلي (57)
وعبدالرحمن بن الحكم.
ولكليهما اشعار قليلة في
مديح آل البيت, والتحسر على
الحسين بن علي يروي أن
عبدالرحمن بن الحكم كان
موجودا في بلاط يزيد، حين
ورود رأس الحسين عليه. ووضعه
أمامه في طشت. فبكى
عبدالرحمن من هذا المشهد،
فنهره يزيد (58).
واليه ينسب بيت الشعر
التالي: »سمية
أمسى نسو عدد الحصى وبنت
رسول الله ليس لها نسل " وقال
حين ادعى معاوية زيادا
ومنحه نسبه: "ألا | |||||