عقلية تآمرية
واتهامات؟

تركي علي الربيعو (كاتب من سوريا)


يمكن القول إن "العقلية التآمرية " هذا المصطلح الذي جاء به خلدون حسن النقيب مع مطلع عقد الثمانينات,(1) هي طريقة في التفكيرا لانف لى, تغزو الحقل الثقافي لجماعة بشرية ( أمة, طائفة, قبيلة, حزب...الخ) وتسيطر عليه, وتدفع الى حالة من الشلل تلقي بظلالها على مجمل نتاجات هذا الحقل وابداعاته إن وجدت, وهي طريقة فعالة في "اغتيال العقل "(2). وذلك عندما تتمفصل مع ضرب من العقلية السجالية, التي تتميز بدورها بنمط من التفكير الانفعالى, من سماته تغليب الجزء على الكل, وغياب النقد الذاتي، وحجب الواقع, وغياب أية أرضية للحوار وسيادة حوار الطرشان والذي يظل شاهدا على تغلغل هذه العقلية في خطابنا النقدي المعاصر وتمفصلها مع كل أشكال الانغلاق ( تعصب, تمركز، عنف, ارادة نفي تكشف عن ميل الى اتهام الآخر بهدف طرده وابعاده... الخ). فالمختلف منفي ومطرود ومطارد، والآخر هو الجحيم كما قال جان بول سارتر ذات مرة, وهو العدو حتى يعلن الشهادة بلسانه ويقلبه, ودارا لدنيا لا يرثها الا عباد الله الصالحون أو عباد الايديولوجيا الحديثة, انها دار حرب بين عباد الله وعباد الشيطان, تكتب فيها الغلبة مرة لهؤلاء ومرة لأولئك.

في هذه الدراسة, سوف أتابع تغلغل العقلية التآمرية في ثنايا خطاب اليسار العربي وعقله، بصورته أدق, سوف أتناول جملة خطابات ليساريين عرب كبار،. كي لا أقول متياسرين عرب كما يؤثر محمد عابد الجابري(3), عرفوا على الساحة الفكرية العربية بيساريتهم واشتهروا بموضوعيتهم وقدرتهم على التفكير الاستراتيجي في القضايا الحيوية والمستقبلية للأمة العربية, وذلك بغية الحكم على طبيعة العقل الذي ينتج هذه الخطابات, واذا ما كان يؤول الى ساحة العقلية التآمرية أم انه يمثل حالة من التجاوز لهذه العقلية, وبالتال يمثل انفتاحا على الآخر وتقبلا له

قبل القيام بقراءة وتحليل هذه الخطابات,سوف أحدد ما اعنيه بالعقلية التآمرية في صفوف اليساريين العرب.

تقوم هذه العقلية, على الاعتقاد  بوجود:

أولا: مؤامرة كبيرة تستهدف اليسار العربي ورسالته الخالدة, وهذه المؤامرة تحاك بشكل واع ومقصود؟

ثانيا: إن أطراف المؤامرة هي جهة معينة ومجهولة في آن, ويجري تحديدها تحديدا مترجرجا، فهي تضم قوى اليمين العربي الرجعي والامبريالية والصهيونية, والتي تجد تعبيرها أحيانا في خطابات بعض المثقفين العرب.

ثالثا: إن هذه المؤامرة تحاك في الخفاء، ويستدل عليها كون الفعاليات التآمرية تأخذ شكل الرموز والشواهد والمعميات والتي يجب فضحها حيثما تكشف ؟

رابعا: ان هذه المؤامرة تهدف في النهاية الى القضاء المبرح على اليسار العربي

ورسالته التاريخية الخالدة (4), والذي يضم (البعثيين والناصريين والقوميين العرب والشيوعيين بكل فرقهم وتشكيلاتهم) كما جرى تحديده في ندوة سويسرا التي عقدها مركز دراسات الوحدة العربية (5).

أعود للقول - والعود أحمد كما كانت تقول العرب - إنني في قراءتي للخطاب النقدي المعاصر, سوف أقف عند ثلاثة نماذج, عند اداورد سعيد وتهمة العمالة لقوى أجنبية ؟ وعند أنور عبدا لملك والمتهم بنفس التهمة ؟ وعند محمد عابد الجابري باعتباره الممثل الجديد للاستغراب الشرقي كما يرى خطابنا النقدي؟

النموذج الاول: ادوارد سعيد بين الاصولية وتهمة العمالة لقوة اجنبية؟

كان كتاب ادوارد سعيد الموسوم بـ" الاستشراق " الصادر بالانجليزية اواخر عقد السبعينات وبالعربية اوائل عقد الثمانينات, أشبه بفزاعة ؤ عالم الاستشراق, على حد تعبير المستشرق مكسيم ردونسون في كتيبه الذي أصدره بمناسبة صدور كتاب الاستشراق (6). كان هدف سعيد من خلال حفرياته في تاريخ وتاريخية الاستشراق, هو الكشف عن نظام الاستشراق, الذي ساهم في شرقنة الشرق. هذا النظام من وجهة نظر سعيد، كان قد شكل مكتبة صلدة, شكلت إطارا مرجعيا لجميع الذين فكروا بالشرق أو كتبوا عنه, ليس هذا فحسب, بل فرضت على الجميع أن يقعوا أسرى شرنقة الاستشراق ليساهموا في. شرقنة الشرق. فالاستشراق  كما يعرفه سعيد هو "معرفة بالشرق, تضع الشرقي في قاعة التدريس, في محكمة, في سجن, أو في دليل موجز لأغراض التحليل المدقق, والدراسة والمحاكمة, والتأديب, او الحكم ". ومن وجهة نظر سعيد، ان ورثة هذه المعرفة, الذين يمثلون الشرق الحديث, سواء كانوا من النخبة المثقفة, التي استوردت افكارها عن التحديث والتقدم من !لولايات المتحدة بصورة رئيسية, او من المفكرين الراديكاليين, الذين أخذوا ماركسيتهم بالجملة من نظرة ماركس التسلطية الى العالم الثالث, يساهمون ويشاركون في شرقنة الشرق؟ (7).

كانت نظرة ماركس التسلطية الى الشرق مأخوذة بالجملة من نظام الاستشراق كما يرى ادوادد سعيد، وقد خص المن لف هذه النظرة بأرهم صفحات من كتابه. فهذا النظرة الماركسية, مي احالة الى المعنى العميق للاستشراق,لنصل الى جوهره، الذي يقوم على التمييز بين الفوقية الغربية ونزعتها التدميرية والدونية الشرقية, وقد استشهد سعيد على ذلك برؤية ماركس للرسالة التبشيرية لانجلترا في الهند.

يقول ماركس: ان على انجلترا ان تحقق في الهند رسالة مزدوجة: الاولى تدميرية, والثانية احيائية تجديدية. افناء المجتمع الآسيوي، وارساء الاسس المادية للمجتمع الغربي في آسيا»..

بربطه بين نظام الاستشراق والماركسية في جوهرها التسلطي، يكون سعيد قد تجاسر على انتهاك حرمة التابو (الحرام)، وذهب بجسارته مذهبا بعيدا، فقد حرم الآخرين من متعة تطبيق الماركسية على الواقع العربي, والتي تدعو علنا الى احراق البجعة المحتضرة (المجتمع التقليدي العربي) كما دشنها الخطاب العربي التقدمي في اواسط السبعينات (9). وجاء ما هو منتظر وعلى جناح السرعة محمولا على أكتاف العقلية التآمرية التي تتحكم في رقاب هذا الخطاب. من هنا فاني سأتناول أربعة خطابات, ثلاثة منها صدرت عن ماركسيين عرب صريحين في نهايات وأوائل عقد الثمانينات, تستنكر بشدة وعبر بيان وقائي من أجل الماركسية ؟ أية محاولة للربط بين نظام الاستشراق والماركسية, أما الرابعة فقد صدرت متأخرة (في أواسط عقد التسعينات) وهي تندد بدورها، وعبر بيان وقائي من أجل السياحة بتلك الصلة الوثيقة بين الخمينية والسعيدية (نسبة الى ادوارد سعيد) والتي من شأنها أن تهدد مستقبل السياحة في المنطقة العربية. وسنفصل ذلك لاحقا.

كما أسلفت, فإن الخطابات الثلاثة. تستنكر بشدة وعب. بيان وقائي من أجل الماركسية, أية محاولة للربط به ن نظام الاستشر اق والماركسية, فالقول بأن نظام الاستشراق فرض على مفكر بمستوى ماركسي ان يمتح منه في سبيل ترضيه نظريته عن الشرق وإثبات صحة وسلامة نظريته الاجتصادية, هو قول يتميز بالجهل بالماركسية والفكر الماركسي بعامة, ولا يمكن أن يصدر الا عن عميل يعمل لخدمة مصالح الولايات المتحدة الامريكية, كما يظن صادق جلال العظم في كتابه "الاستشراق والاستشراق معكوسا"، أو عز ممثل جديد لتيار، بورجوازي كما يرو مهدي عامل, وفي أحسن الاحوال, فهو ممثل لتيار أصولي يدعو الى الرجوع الى الوجود التقليدي والتقوقع فيه، وارجاع مقاليد التعليم, والتثقيف, الى الطبقة التي لا تنتمي الى الجامعة, الى أئمة المساجد والكهنة.. هذا طبعا مع تطهيرها من جميع الذين حصلوا بينهم على درجة جامعية"(10).

وانطلاقا من أن مهمة الخطاب الماركسي العربي، تكمن في  محاربة كل أشكال الفكر الميتافيزيقي، الذي يقف عائقا في طريق تحرير الفكر العربي الثوري وتجنيبه المزالق, التي يضعها عملاء الولايات المتحدة وممثلوها، فقد تصدى ممثلو هذا الخطاب لمحاربة وجهة النظر التي تربط بين نظام الاستشراق والنزعة التسلطية لماركس، وذلك خرفا من ان ينجر القارىء العربي الى حيز كتابات من هذا النوع. ولذلك فقد حارب هذا الخطاب على جبهتين:

الأولى: تسفيه كل كتابة من هذا النوع. واتهامها باللاموضوعية واللاعلمية ورميها الى ساحة العقلية التآمرية.

الثانية: العمل على تبرير موقف ماركس التسلطي من الشرق, وذلك من خلال اتهام الطرف الآخر بأنه يجهل الماركسية. وليس ذلك فحسب, فالجهل سمة تميز الطرف الآخر، الذي ينبري لفهم الماركسية وموضعتها في سياقها التاريخي.

على صعيد الجبهة الاول, واذا سمحنا لأنفسنا بتجاوز الاتهامات المباشرة التي تصف ادوارد سعيد بأنه عميل للولايات المتحدة, ول كونه ادوارد وليس بـ"سعيد" كما يرى صادق جلال العظم, وفي كونه يبحث عن أفضل الاساليب لتمتين الاسس التي يمكن ان تستند اليها التوظيفات الامريكية في الشرق الاوسط, وأفضل الطرق لتحسين شروط علاقة التبعية "(11). فان الاتهامات الفكرية الموجهة اليه, ظلت تدور في اطار من العقلية السجالية المحكومة بإرادة عدم معرفة عل حد تعبير ميشيل فوكو وبارادة نفي للآخر، عقلية تحكم على الكل من خلال الجزء، وتدفع الى الغاء الحوار من خلال إلغاء المحاور نفسه, لنقرأ الاتهامات التي يوجهها نديم البيطار الى ادوارد سعيد.

أولا: "إن الهجوم على الاستشراق من قبل ادوارد سعيد، لا يرقى الى مستوى علمي يبرر الاهتمام بما كتبه ادوارد سعيد، وبالضجة التي أحدثها في الساحة العربية ".

ثانيا: غياب الموضوعية "فقد ركز سعيد على بعض الجوانب وأهمل بعضها الآخر".

ثالثا: "يتميز منهجه برؤية ميتافيزيقية ترى الامور بصورة مطلقة ".

رابعا: "هناك اعتباطية تحريفية تطال الكتاب الذي ألفه سعيد".

في اطار خطاب يعتمد التهكم والاتهام والتخوين, يكتب مهدي عامل (اسمه الحقيقي حسن حمدان بينما اسمه الحركي يحاط بهالة ميثولوجية كونه مهدي لم متضامنا مع ما كتبه صادق جلال العظم. يقول: يسعدني أن ألتقي مع الكاتب صادق جلال العظم في نقاط كثيرة من مقالته " وفي رأيه, أن منهج ادوارد سعيد هو منهج مثالي لا يحتكم الى الماركسية, ولا يؤمن بمبدأ التناقض, وبالتالي فهو عاجز عن فهم النص الماركسي. لهذا السبب وسواه كونه - اي ادوارد سعيد - ينطلق من أرضية تعتمد المنهج البنيوي المعادي للتاريخ وللماركسية كنظرية تاريخية, ظل سعيد يدور في حلقة مفرغة, غير قادرة على استيعاب النص الماركسي. ان اكتشاف مهدي عامل الخلفية الفكرية لادوارد سعيد، التي تحتكم الى البنيوية كمنهج معاد للتاريخ على حد تعبيرا، من شأنه أن يكشف الدور التأمري الذي يلعبا سعيد على الساحة الفكرية الحربية, في اطار المؤامرة الكبرى التي تستهدف فكر اليسار العربي كفكر تاريخي. هكذا تصبح البنيوية والامبريالية وادوارد سعيد في خندق المعادين والمتآمرين على مستقبل الثورة العربية, وحلقة الاتهام تتسع لتطال كل رموز البنيوية من ميشيل فوكو الى كودليفي ستروس الى ادوارد سعيد مع ان احدا من هؤلاء لم يصرح بأنه بنيوي.

أما على صعيد الجبهة الثانية, التي تهدف الى تبرير الماركسية في نظريتها التسلطية الى الشرق وفي صلتها بالاستشراق, فالعظم يكتب:

"اعتقد ان الصورة التي رسمها ادوارد لوجهات نظر ماركس حول الشرق ولمحاولاته تفسير الصيرورات التاريخية المعقدة التي اخذت مجتمعاته وثقافاته تخضع لها، لا تشكل اكثر من رسم كاريكاتوري ليس الا"( 13). وفي اطار من التبريرية يسوق العظم دفاعاته.

أولا: يقول العظم: ما من دارس جاد لماركس, في الشرق والغرب, نسب مصدر هذه الرؤيا الماركسية الى الاستشراق وعلومه باستثناء ادوارد سعيد" لكنه - اي العظم - يعترف بالمقابل بالدور الكبير للتراث السياسي الغربي، في صياغة فكر كاول ماركس. وهنا يقودنا العظم الى اشكالية تنسف المقدمات والنتائج التي يقودنا اليها.

 ثانيا: إن أطروحة كاول ماركس تشهد عل تماسك فكره النظري بصورة عامة من ناحية اول, وعلى واقعيته الحادة في تحليل ظرف تاريخي معين من ناحية ثانية, ومما يثبت ذلك, هو ان ماركس كان يميل دوما، وقبل ان يبدي أدنى اهتمام بالشرق وقبل ان يؤثر فيه أي استشراق, الى تفسير التحركات التاريخية الكبيرة من خلال القوى الصاعدة والصراعات الاجتماعية والتناطرات الطبقية والشخصيات القيادية, التي كان يضفي عليها عموما دورا مزدوجا، وهو دور ادوات التدمير وادوات الاحياء في الوقت نفسه.(15) وعبر هذا، يستنجد العظم بالبيان الشيوعي ليثبت وجهة نظر0بصورة مطلقة, لتساهم في تسفيه وجهة نظر ادوارد سعيد ونفيها وطردها. فالعظم لا يناقش جوهر اطروحة سعيد، ولا الكتاب ككل فهذا لا يأبه له. انه يناقش بضع صفحات من كتاب ادوارد سعيد. من الصفحة 170 - 173, ليحكم على الكل من خلال الجزء، وليقودنا الى النتيجة التالية: اذا كان ادوارد سعيد لم يستطع ان يفهم البنية المتماسكة في فكر كاول ماركس, فكيف يستطيع ان يفهم الاستشراق ؟ واذا كان منهج ادوارد سعيد يقوم على السلخ, ويغيب عنه التماسك المنهجي، فمن يخدم هذا المنهج اذن: والجواب من وجهة نظر صادق جلال العظم, انه يخدم مصالح الولايات المتحدة الامريكية.

من وجهة نظر نديم البيطار، وفي اطار دفاعه عن رؤية ماركس للشرق, ان هناك خطأين ارتكبهما ادوارد سعيد:

الاول: قيامه بسلخ رؤية ماركس عن الدور التدميري والاحيائي للرأسمالية عن المنهج الديالكتيكي، الذي يقول به ماركس.

الثاني: سلخ هذه الملاحظات الماركسية عن القانون العام حول دور الاحتكاك الثقافي بالخارج والتحديات والضغوط الخارجية, التي تشكل حافزا كبيرا لهذا التحول.(16)

ان الميل الى السلخ, والانتقائية, التي تتحكم في خطاب ادوارد سعيد، هما نتاج نزعة أصولية كما يرى البيطار، هكذا نجد أن النزعة الاصولية تمتد الى خارج التيار الاصول في الوطن العربي، لتصل الى فكر استاذ جامعي من أصل مسيحي ويدرس في برنستون, وتبني عشها في خطاب كاهن قبطي لانه ادان سلمان رشدي.( 17)

الاعتراضات التي يسوقها مهدي عامل عديدة, وذلك في اطار تبريره الرؤية الماركسية الى الشرق, منها:

أولا: ان النص السعيدي - تعبير التهكم له - يحكم على ماركس من زاوية اخلاقية, ويحكم على الاستشراق / الاستعمار من الزاوية نفسها.

ثانيا: ان النص السعيدي لا يراعي الاعتبارات الطبقية في انتاج الخطاب الاستشراقي، فالنص السعيدي لا يحدد طابع الثقافة التي انتجت الاستشراق.(18)

ثالثا: ان النص السعيدي لا يفرق بين فكر بورجوازي مسيطر وفكر ثوري بروليتاري.(19)

رابعا: وفي اطار من التبريرية التي يسوقها مهدي عامل لرؤية ماركس التسلطية, يحكم على رؤية سعيد بالنفي لانها محكومة بغير منطق الفكر المادي، بالاضافة الى ان منطقها هو "منطق الفكر القومي الشائع في الادبيات البورجوازية "(20)، و"ان منطق سعيد، هو منطق التأويل الذي يستبدل التناقض المادي في حركة التاريخ الموضوعية بتناقض شكلي في صيغة إما... وإما"(21).

من هنا، فان اعلان التضامن مع ما جاء به العظم, من تكفير وتخوين لادوارد سعيد، يصبح ضرورة تاريخية لنفي سعيد وتشريده كما يذهب الى ذلك مهدي عامل. وبذلك تكون هذه النخبة وورثتها قد اوصدت الابواب في وجه التجديد، وفي وجه الترحيب بفكر ادوارد سعيد، اذ يبدو مفهوما من السياق السابق الا يلقى ادوارد سعيد اي ترحيب من هذه النخب, وهذا مانعاه محمد عابد الجابري وعابه على هذه النخب التي بقيت أسيرة لسلفيتها(22).

أعود لوجهة النظر الرابعة والتي وصفتها بأنها بمثابة بيان وقائي من اجل مستقبل السياحة والصادرة في منتصف عقد التسعينات هذه. ففي كتابه الموسوم بـ" ثقافات الخمينية: موقف من الاستشراق ام حرب على طيف 1999" يلحظ مؤلفه حازم صدغية امورا هامة, سوف اشير الى اربعة منها أراها اساسية وتحكم الكتاب من مقدمته الى نهايته.

أولها: ان نقاد الاستشراق وفي مقدمتهم ادوارد سعيد، يقومون بتضخيم الجانب السلطوي من الاستشراق على حساب الجانب المعرفي, وهذا يعني ان سعيد لم يتفهم اطروحة ميشيل فوكو.(23)

ثانيا: ان نظرية الداخل (نحن)، في مواجهة الخارج (المستشرقون ومن ورائهم الغرب) لا يعقل الا ان تكون عنصرية.(24)

ثالثا: ثمة دلالة سوسيولوجية يصعب القفز من فوقها كما يرى صدغية, تتمثل في ان الناقدين الابرز للاستشراق, انور عبدا لملك وادوارد سعيد، مسيحيان عربيان, الاول قبطي مصري، والثاني بروتستانتي فلسطيني.(25)

رابعا: أغلب الظن ان التزامن بين كتاب سعيد وثورة الخميني كان له مغزى موضوعي هو المشاركة, من موقعين مختلفين, في اطلاق عملية التعرية التي تبلغ حاليا حدود التخلص من كل شيء "طارىء" على الجسد، وغالبا ما تتخذ اشكالا دموية بالغة البشاعة في بلد كالجزائر ومصر والسودان, بعد ايران ولبنان, فالسائح والصحفي والمستشرق, بل الغريب عموما، شخص غير مرغوب فيه (26)´ ويضيف صدغية في مكان آخر بقوله أدان ادوارد سعيد من ضمن حقله الخاص وجهوده الاكاديمية البارزة, يشاطر ثورة الخميني رد كل شي ء الى الغير، من دون اية استجابة ولو صمنية, لدلالات الاحداث الاخري، التي نسجتها  عناصر داخليه بحته "(27). هكذا اصبح الاستشراق خطرا على الاجانب والسياح ومحرضا على قتلهم, وبذلك يضر بحق بمستقبل السياحة ؟

النموذج الثاني: أنور عبدا لملك بين الاصولية وتهمة العمالة لقوى خارجية يابانية ؟

كان أنور عبدا لملك قد مارس نقدا للاستشراق, كاسلوب للسيطرة على الشرق واعادة امتلاكه, وذلك في وقت مبكر يعود الى بدايات عقد الستينات (1963)، وراح يتحدث عن أزمة الاستشراق الغربي، مبشرا في الوقت نفسه بالدور الفعال الذي يمكن للاستشراق السوفييتي آنذاك ان يلعبه على صعيد مجتمعات اسيا وافريقيا.(28)

اذا كان عصب الاستشراق سياسيا، فان النقد الذر مارسه عبدا لملك كان متعديا، بمعنى انه كان يهدف الى التحرر من السيطرة السياسية للغرب والطوق, الذي يفرضه على بلدان آسيا وافريقيا، والتطلع في آن الى الدور السياسي والحضاري الذي يمكن ان تلعبه الدول الاسلامية على الساحة الدولية بعد تحررها من الاستعمار، وهذا ما سماه عبدا لملك بـ"الاسلام السياسي " وقد وجدت هذه الدعوة طريقها مع بداية عقد السبعينات, وتكاملت مع بداية عقد الثمانينات.

إن جوهر أطروحة عبدا لملك, هو الدعوة الى تغيير النظام العالمي المستند آنذاك الى نموذج القطبية الثنائية بين المعسكرين الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفييتي سابقا، والرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الامريكية, وعبر هذا راح عبدا لملك يبشر بهبوب "ريح الشرق " وبامكانية انبعاث الحضارة العربية الاسلامية في اطار الفراغ الحضاري، الذي تعيشه دائرة الاسلام السياسي, او ما يسميها عبدا لملك بالدائرة الحضارية - الثقافية الاسلامية, التي لو قدر لها ان تتفاعل مع الدائرة الثانية اليابانية - الصينية وما حولها، والتي تبشر بامكانات واعدة, لفتحت الباب على مصراعيه لامكانية تغيير النظام العالمي، ولو ضعت الحد لعملية النهب التاريخي او ما يسميه عبدا لملك بفائض القيمة التاريخية, الذي يحرص الغرب عبر اساطيله العسكرية كما تشهد على ذلك الاحداث الاخيرة عل اقتطاعه عنوة. وبذلك يكون التخلف التاريخي لبعض الشعوب هو الوجه الآخر البشع والسافر لتقدم الآخر(29).

عبر خطاب مشوب بالهمز واللمز والسخرية والتخوين, راح فؤاد زكريا يناوش اطروحة عبدا لملك المتضمنة في كتابه الموسوم بـ"ريح الشرق ". فنصوص الكتاب, تكشف, كما يرى زكريا، عيوبا اساسية في المنهج الفكري، الذي يؤدي الى كل هذا القدر من النتائج اللامعقولة, هذا اولا وثانيا، فان رؤية عبدا لملك المتضمنة في كتابه السالف الذكر ما هي الا نموذج صارخ للرؤية المشوهة بالآمال الجوفاء التي تنتشر بيننا، خاصة في ازمنة الهزيمة والاحباط.(30)

كان فؤاد زكريا قد نذر نفسه للتصدي بقوة لمكافحة كافة الوان المخدرات الثقافية, على حد تعبيره, خصوصا ان الكتاب (ريح الشرق) واحد منها، بصورة أدق, يمثل اتجاها عريضا في حقل الثقافة العربية المعاصرة يريد ان يحمل الأخر لم الغرب, حقيقة تخلفنا، وهذا ما يرفضه زكريا ويسعى الى تفنيده:

اولا: منذ بداية الحوار، يضعنا فؤد زكريا في اطار العقلية التآمرية,، وهو يرفض العقلية التآمرية عند عبدا لملك, التي تفسر تخلفنا التاريخي على انه نتيجة مؤامرة كبيرة وتاريخية, يقودها الغرب. وتبدأ جذورها منذ الحروب الصليبية وحتى عصرنا الراهن. لكنه بالمقابل يوضح لنا ان اجتهادات عبدا لملك تصب في اطار العمالة لقوى خارجية, هذه المرة للسادة اليابانيين الجدد، الذين جاء وا للسيطرة عل النفط, يقول زكريا: ان التناقض والتحول والتذبذب في تحديد نوع الروابط التي يدعو الكاتب حركة التحرر العربي الى اقامتها، أمر لا يمكن ايجاد تفسير عقلي موضوعي له. وفي غياب مثل هذا التفسير الموضوعي يضطر المرء الى اللجوء ال تفسيرات ذاتية, وبخاصة حين يجد ان ادخال اليابان ضمن اطار تحالفاتنا قد ظهر في الوقت نفسه, الذي بدأ فيه ارتباط مؤلف هذا الكتاب بجامعة الامم المتحدة. ويأسف المرء حين يضطر الى القول بأن هذا الهدف من هذا التحالف الجديد ليس الا طمانة اليابان على امدادات البترول العربية, التي تعتمد عليها الصناعة اليابانية اعتمادا اساسيا، اما المشاركة والتعاون بين التكنولوجيا اليابانية والقوى البشرية الصينية وحركة التحرر العربية في اطار واحد. تحت عظة"روح باندونج "فليس الا غطاء فكريا وهميا يدغدغ آمالنا بوعد مستحيل, في مقابل بترولنا الذي لا غنى عنه للسيد الجديد!"(31)

ثانيا: ليس غريبا هذا اللقاء الحميم كما يرى زكريا بين نقاد الاستشراق, بين عبدا لملك وادوارد سعيد، وهذا ما يثير استغراب حازم صدغية ايضا في المصدر الذي سبق ذكره. فالأول انتقد الاستشراق, والثاني دفع بالنقد الى ذروته, وقام كلاهما بتثبيت صورة الشرق والغرب معا وتجميدها، وبذلك ساهما بقلب العبارة المشهورة التي قالها كبلنج "الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا" بصورة أقوى من لهجة كبلنج ذاته كما يقول زكريا. وهذا ليس غريبا، فتجميد صورة الغرب تلقاء صورة الشرق, هو هدف

العملاء الجدد للسادة الجدد من امريكيين ويابانيين. فهذا على الاقل ما قادنا اليه ناقدو ادوارد سعيد مثلما رأينا، وهو ما يقوله صراحة نقد فؤاد زكريا.

ثالثا: ان العقلية التآمرية في فكر عبدا لملك, التي يسعى زكريا الى تفنيدها، سرعان ما نجدها تقدم اغواء الى زكريا لايقاعه في حبائلها، ففكرة الاسلام السياسي التي تتردد كثيرا في طروحات عبدالملك, تظهر كما يرى زكريا على أنها جزء مهم ومكون اساسي من مكونات مؤامرة كبيرة يقودها قادة البنتاجون, وتهدف الى محاربة الماركسية وتفكيك وحدة الاتحاد السوفييتي؟: يقول زكريا: ان هذه الفكرة لها دور مهم في فكر المخططين الاستراتيجيين الامريكيين, الذين يحكم بعضهم منذ الآن, بأن يستغلوا الاسلام في ايران وفي أفغانستان وفي آسيا السوفييتية من اجل تفكيك وحدة الاتحاد السوفييتي من الداخل ومن الواضح ان الفكر الاستراتيجي للكاتب - يقصد عبدا لملك - يتلاقى بقوة مع هذا الاتجاه "(32) بالاضافة الى ذلك, فثمة اتجاه في حقل الثقافة العربية المعاصرة, يربط كل حديث عن الاسلام والحركات الاسلامية المعاصرة, بحيث يصبح كل تصرف لهذه الحركات على منظري فكرة الاسلام الحضاري يتساءل زكريا عن سر الغشاوة التي تتحكم في رؤية عبدا لملك ومن يماثله في الرؤية, بقوله: لماذا لم يلتفت الكاتب الى العالم الاسلامي المعاصر، ويتأمل سمات الظاهرة المسمدة بـ"لصحوة الاسلامية "، قبل ان يطلق أمثال هذه العبارات "(33). هذه الغشاوة التي لا يفسرها الا الضلوع في مؤامرة كبرى تستهدف قوى اليسار العربي ورموزه.

رابعا 0 إن ما يميز فكر عبدا لملك هو السطحية والسذاجة. ويعد هذا النموذج من الفكر نموذجا صارخا للرؤية المشوهة الجوفاء. إن لم يكن تعبيرا حيا عن عقدة نقص مزمنة مستعصية عل الشفاء. هذا ما يحيلنا اليه زكريا، وهو بهذا الحكم على هذا النموذج, إنما يسعى الى تعميمه على تيار بأكمله, تيار عريض يملأ الساحة الفكرية صخبا وضجيجا وزبدا، وأما الزبد فيذهب جفاء. هكذا يتم الحكم على الآخر المختلف بالنفي والطرد والجفاء دون الوصول الى لحظة اقتناع مشترك ؟

محمد عابد الجابري: الممثل الجديد للاستغراب الشرقي والانعزالية الجديدة ؟

الخطاب العربي المعاصر، هو خطاب محكوم بسلف, والمطلوب تحريره من ربقة السلف, هذا ما قادنا اليه الجابري مع مطلع عقد الثمانينات في كتابه الموسوم بـ"الخطاب العربي المعاصر" في بحثه عن سلفية الخطاب العربي المعاصر آثر

الجابري العودة الى الجذور الأولى, ليبحث عن كيفية تشكل العقل العربي وتكوينه. وقد صدر الجزء الاول من كتابه "تك