الرؤية النقدية في الاختيارات الشعرية

طراد الكبيسي (ناقد من العراق)


تتنظم الاختيارات الشعرية (وهكذا القصصية، والمقالات النقدية والفكرية..) على أسس مختلفة، ولغايات معينة: - فهناك الاختيارات من شعر شاعر بعينه، قد يقوم بها الشاعر نفسه او شخص آخر. مثل (أحلى قصائدي) لنزار قباني، واختيارات ادونيس للسياب والمتنبي، و)حماسة  ( شميم الحلي *:، واختيارات الا علم الشنتمري): الشعراء الستة الجاهليين). - اختيارات على أساس مرحلة تاريخية محددة، مثلا: العصر الجاهلي. او الاموي، اوالاندلسي، او مثل: الشعر في القرن العشرين، او ديوان الشعر العربي لا دونيس. - اختيارات على أساس موضوع محدد، مثلا: المديح، الهجاء، الغزل، الحرب، الخمرة، وصف الطلل.. او اي موضوع آخر: سياسي او ايديولوجي. - اختيارات على أسس الجنس، مثلا، اختيارات من اشعارا لنساء: ( نزهة الجلساء في أشعار النساء) للسيوطي. - اختيارات لقصائد نشرت في مجلة ما.. لفترة محددة، مثل: ( ديوان الاقلام -. (اختيارات جهوية، مثلا: المحتار من شعر أهل الاندلس والغرب.. او أي قطر آخر. - اختيارات على أسس لغوية، مثل: اختيارات للشعراء الناطقين بالانجليزية، او الفرنسية، او الاسبانية، او البرتغالية.. ومن قوميات، وأ قطار مختلفة ( فرانكوفونية). - اختيارات يقصد منها المتعة: ( أغزل الغزل..) أو: المتعة والفائدة: ( نزهة الا بصار في محاسن الاشعار). - اختيارات معنوية، أي ابراز المعاني المتداولة في الشعر وافضل من عبر عنها، مثلا: (ديوان المعاني) لأبي هلال العسكري، و(مجموعة المعاني) لعبدالسلام هارون. « اختيارات تقع في اطارات المماثلة او المناظرة (الأشباه والنظائر) للخالديين - في المماثلة والمناظرة بين المعا ني المتداولة بين الشعراء.

وعلى العموم، الاختيارات، معروفة ومألوفة في مختلف آداب العالم: قديما وحديثا. وحسب علمنا- وفوق كل ذي علم عليم !- أن اقدم المختارات. (كتاب الاغاني- الشي جنج) لكنفوشيوس حيث ضدء معظم ما كتب من الشعر قبله، واكثر ما بقي منه هو ما اختاره هذا الفيلسوف من نماذج كلها جد وصرامة.. وقيلت في فترة تزيد على ألف عام تمتد من أيام الشعر القديم الذي قيل في أيام أسرة (شانج) الى الشعر ذي الصيغة الحديثة الذي قيل في زمن معاصر لفيثاغورس، وتبلغ عدة هذه القصائد الباقية ( 305) قصائد (1) أما فى العربية، فيحسن أن نبدأ بـ:

المعلقات: التي تعد من أقدم الاختيارات الشعرية. وحولها. ثمة اتفاق في أن حماد الراوية (2): هو من قام باختيارها. وان الجاهليين لا صلة لهم مطلقا بهذه التسمية. أما الاختلاف فحول عددها. وقضية التعليق، والتسمية.

أما العدد، فهو سبع. وهو اختيار حماد، وشعراؤها هم:امرؤ القيس، طرفة،زهير، لبيد، عمرو بن كلثوم. عنترة، الحارث بن حلزة.. لكن هناك من جاء فيما بعد. فأوصى العدد الى عشرة، باضافة الشعراء: النابغة الذبياني، والاعشي، وعبيد بن الابرص (3).

لكن الخلاف يشتد حول التسمية والتعليق حيث بالاضافة الى تسميتها بالمعلقات. اشتهرت هذا القصائد بأسماء عدة. منها المذهبات، السموط، والطوال. والمشهورات، والسبعيات، والمختارة،أما بالنسبة للتسمية بالمعلقات، فقد قالوا: أن العرب كلفت بقصائد من الشعر الجاهلي وفضلتها على غيرها، وعمدت الى سبع قصائد تخيرتها، فكتبتها بماء الذهب في القباطي، وعلقتها على أستار الكعبة. ولذلك يقال أيضا: مذهبة امرىء القيس، ومذهبة زهير... الخ (4). وحول هذه المسألة، انقسم المحدثون، مثلما انقسم القدماء، بين مؤيد لقصة التعليق وبين رافض لها. فمن القدماء، قال ابن النحاس: لم يثبت ما ذكره الناس من أنها كانت معلقة على الكعبة، وهكذا عدد من علماء الادب والشعر لم يؤثر عنهم ان استخدموا هذه التسمية كالجاحظ والمبرد والقرشي صاحب الجمهرة، وصاحب الاغاني، وهو دليل على شكهم في التعليق.

فضلا عن أن بعض الشراح المشهورين لم يذكروا أنها معلقات مكر الانباري والنحاس والزورني والتبريزي.(5)

أما من المحدثين الذين أيدوا مسألة التعليق فهم: جرجي زيدان، وأحمد حسن الزيات، وناصر الدين الاسد، وبدوي طبانة.. والذين رفضوا القصة، هم: طه حسين، الرافعي، د. جواد علي، وبروكلمان، وذهب نيكلسون الى ان المعلقات، (مشتقة في الغالب من كلمة: علق أي ثمين نفيس)، وقد يكون المقصود، أن الانسان يعلق بها، او انها تعلق في مكان الشرف أو مكان أمين / الخزانة. وذهب نو لدكه الى: ان المعلقات معناها المنتخبات.(6) ورأى د. جواد علي، أن الذي أوحى الى اهل الاخبار بفكرة المعلقات السبع، هو ما جاء في القرآن الكريم: (ولقا آتينان سبعا من المثاني والقرآن الكريم). وما جاء في الحديث):أوتيت سبع الطوال) من سور القران..(7).

وبينما يقول د. جواد علي: لا نعلم اسم أول من أطلق مصطلح (المعلقات السبع) على هذه القصائد( 8) يذهب بروكلمان الى ان حماد الراوية جمع هذه الاختيارات وسماها: السموط، والمعلقات. وأراد من هاتين التسميتين، الدلالة على نفاسة ما اختاره، والافتخار بخالص اختياره.. لكنه يضيف قائلا: وزعم المتأخرون أنها سميت بذلك لانها كانت معلقات، على الكعبة  لعلو قيمتها.(9) وكا أنه يشك بمسألة التعليق.

إذن ورغم خلاف القدماء حول التسمية (المعلقات، السموط، الطوال، المشهورات... الخ) ومسألة التعليق على الكعبة، فان اختيار حماد لها، رغم انه لم يكن موثوقا به (10) لم يثر اختياره للشعراء وقصائدهم، اعتراض أحد من القدماء، ولا قدم أحد من القدماء، ولا حماد نفسه، المسوغ الذاتي او الموضوعي (رؤيته النقدية) لاختياره هؤلاء الشعراء السبعة وقصائدهم بعينها. وهذا يدل - في رأينا- أن حمادا، أخذ باجماع العرب على أسماء الشعراء وقصائدهم، على نحو ما ذكره، ابن عبد ربه وغيره، من: (أن العرب كلفت بقصائد من الشعر الجاهلي وفضلتها على غيرها، وعمدت الى سبع قصائد تخيرتها فكتبتها بماء الذهب... الخ، الخبر).

بل حتى المتأخرين بلغ كلفهم، بها حد أن شروحهم لها تجاوزت العشرين شرحا، كما ذكر ذلك بروكلمان.

لكن ابن طيفور في كتابه (المنظوم والمنثور) يتفرد في أنه حاول تبين الاسس النقدية في اختيار المعلقات او القصائد السبع الطوال التي نالت الاجماع بـ:( 1) اشتمال القصيدة على معان كثيرة لا مثل لها، مثل قصيدتي امريء القيس وزهير. (2) وانفرادها بمحاسن لم تجيء في غيرها، واطلاق خاتمة بليغة فيها كقصيدة طرفة. (3) وانفرادها في الوزن والعروض كقصيدة عبيد بن الابرص. وقال عن قصيذة لبيد: (انها عين شعر صاحبها).)11)

الاختيارات القديمة.

أقدم ما وصلنا من الاختيارات هو: القصائد المفضليات التي صنعها المفضل الضبي، ثم الاصمعيات، وجمهرة اشعار العرب، (ومختارات شعراء العرب) لابن الشجري، و(كتاب الاختيارين) للاخفش الاصغر، والمختار من (أشعار الشعراء الستة الجاهليين) للاعلم الشنتمري. وهناك اختيارات أخرى سنأتي على ذكرها.

اما المفضليات فهي اختيار لقصائد طويلة من عيون الشعر وهو اختيار الذوق الادبى والجزالة اللغوية فيما تراءى له في ذلك العصر. (12) وتحتوي على 126 قصيدة - أضيف اليها اربع قصائد وجدت في أحدى النسخ، لسبعة وستين شاعرا، منهم ستة شعراء اسلاميون، وأربعة مخضرمون، والباقون (47) جاهليون لم يدركوا الاسلام. ولم يشرح المفضل، هذه المختارات، ولا بين أسس الاختيار، غير ما ذكر أن أبا جعفر المنصور قال للمفضل: (لو عمدت الى أشعار الشعراء المقلين واخترت لفتاك (المهدي) لكل شاعر أجود ما قال. لكان ذلك صوابا؟) ففعل المفضل (13).

لكن التبريزي، شارح المفضليات، قال، بعد أن سألوه شرح المفضليات بعد شرحه (الحماسة): "لاتفاق الناس على أنه ليس فيما اختير من المقصدات، أحسن ما اختاره المفضل بن محمد الضبي، كما انه ليس في المقطعات أحسن من اختيار أبي تمام في الحماسة..)(14)

وهذا يعني، كما ذهب د. احسان عباس، الى أن المفضل الضبي الاصمعي، انما عمدا في اختيارهما الى القصيدة، معتمدين على ما كانت الرواة قد استخرجته ونومت به من شعر المقلين..(15)

لكن بروكلمان يرى أن الاصمعي لم يجد سوى نخبة متواضعة من القصائد حين اراد جمع اختياراته.. ولذا فهي لم لحق ما لقيته المفضليات وغيرها من الانتشار والقبول لانها أقل اشتمالا على غريب اللغة.(16) ولهذا قيل: الاصمعيات التي أخلت بها المفضليات، اي أدخلت في خلالها.

وقام الاخفش الاصغر بجمع المفضليات والاصمعيات في كتاب واحد، شرحه وعلق وفسر بعض الغريب، ووضح بعض المعاني البعيدة، فكان ماسمي بـ(الاختيارين). وفيه) 58 (قصيدة ليس فيما عرف من روايات المفضل والاصمعي. وقد صنف الكتاب هذا على غير نسق واضح، فتداخلت اختيارات المفضل واختيارات الاصمعي.. ولم يكن فيه أسانيد.. ولا يوجد أي مقياس للاختيار او على أي رأي00(17)

أما (جمهرة أشعار العرب) للقرشي، فقد قسم ما فيها من الشعر، سبعة أقسام، هي: المعلقات (السموط)، المجمهرات، المنتقيات، المذهبات، المراثي، المشوبات، الملحمات.. كل قسم يضم سبع قصائد، باستثناء (المعلقات) ثماني قصائد، والمجمهرات ست قصائد.. قال المفضل الضبي: (فهذه التسع والاربعون قصيدة، عيون أشعار العرب في الجاهلية والاسلام، ونفس شعر كل رجل منهم).

أما القرشي نفسه فقال موضحا رأيه في الاختيار: "انه لما لم يوجد أحد من الشعراء بعدهم الا مضطرا الى الاختلاس من محاسن ألفاظهم وهم اذ ذاك مكتفون عن سواهم بمعرفتهم. وبعد، فهم فحول الشعراء الذين خاضوا بحره، وبعد فيه شأوهم، واتخذوا له ديوانا كثرت فيه الفوائد عليهم. ولولا ان الكلام مشترك لكانوا قد حازوه دون غيرهم، فأخذنا من أشعارهم اذا كانوا هم الاصل، غررا هي العيون من اشعارهم وزمام ديوانهم.."(18).

وهكذا في ابن الشجري في (مختارات شعراء العرب): (انتقى فيه عيون القصائد العربية وشرحها شرحا لغويا وأدبيا.. وانفرد برواية بعض القصائد.. وقسمه الى ثلاثة أقسام: الاول: (12 قصيدة) والثاني: (ه2قصيدة) والثالث: مختار من شعر الحطيئة (13اقصيدة، سوى المقطعات).(19)

أما اختيارات الاعلم الشنتمري: ( أشعار الشعراء الستة الجاهليين) فهي اختيارات لاشهر الشعراء الجاهليين وهم: امرؤ القيس، علقمة الفحل، النابغة الذبياني، زهير بن ابي سلمى طرفة بن العبد، عنترة بن شداد.. وتشتمل هذه المختارات على 136 قصيدة، تحتوي على 2548 بيتا من الشعر ولم يذكر الشنتمري أي مقياس اعتمد في الاختيار.(20)

هذا ولم تقف الاختيارات عند هذا، فهناك: (مختارات عبدا لقاهر الجرجاني) من دواوين المتنبي والبحتري وابي تمام. وللمبرد (الروضة) اختيار من شعر المحدثين، و(البارع) لابي عبدالله هارون بن علي، اختيار من شعر المحدثين. وله ايضا كتاب اختيار الشعراء الكبير. من شعر بشار وأبي العتاهية وابي نواس. ولابن طيفور عدد من كتب الاختيار منها: شعر بكر بن النطاح، ودعبل، ومسلم بن الوليد، والعتابي، ومنصور النمري، وأبي العتاهية، وبشار وغيرهم.. على ان اختيارات ابن طيفور في (المنظوم والمنثور) لم تقتصر على الشعر فحسب، بل شملت النثر ايضا.. والقاعدة في اختياره هي تمييز النظم والنثر على درجتين: ( 1) المفرد في الاحسان، (2 (المشارك بعضه بعضا في الاحسان. فالمفرد قصيدة كان أم مقطوعة أم بيتا هو هدف ابن طيفور في اختياره ولهذا اخذ يورد المفردات مثل قصيدة جرأن العود النمري:

ذكرت الصبا فانلهت العين تذرف

وراجعك الشوق الذي كنت تعرف

قائلا "انها من الشعر المقدم في الغزل الذي لا يعرف له مثيلا..في  جاهلية  ولا اسلام ".

الحماسات:

قال بروكلمان: حينما انتشرت نزعة التجديد في الشعر في عهد العباسيين، تغير ايضا ذوق الادباء، ولم يعد أحد يطيق الصبر على قراءة القصائد الطوال، بل اكتفوا بتذوق القطع المختارة، وظهرت اختيارات كثيرة لتلبية هذه الرغبة مرتبة على معاني الشعر. واقدم هذه الاختيارات ما جمعه أبو تمام في فتاب (الحماسة). وهو عنوان غلب على هذا الكتاب تسمية له بأول أبوابه: (الحماسة). ويليه: باب المراثي، الادب، النسيب، الهجاء، الاضياف والمديح، الصفات، الملح، مذمة النساء. وهذه الابواب أقل مادة من الباب الاول، وقصر ابو تمام اختياره على شعراء الجاهليه وصدر الاسلام.(22)

ويلاحظ د. احسان عباس، أن ابا تمام خالف في تأليفه كتاب (الحماسة) الروح المتجهة نحو الشعر المحدث، لان ما اورده في كتابه من شعر المحدثين، قليل.. حيث عمد الى الشعر القديم يستخرج منه المقطعات التي يحتاج اثباتها الى تذوق أصيل.. وقد دلت مختاراته على أنه يستطيع ان يتجاوز طريقته الشعرية وما فيها من طلب للصور، ومن اغراب في توليد المعاني، واستغلال للذكاء الواعي الى شعر مشمول بالبساطة وشيء غير قليل من العفوية والصدق العاطفي المباشر.. ولم يعمد الى المشهورين حسب، بل والى اناس مغمورين من شعراء الجاهليه  والاسلام (23).

وهذا أيضا ما ذهب اليه المرزوقي في شرحه ديوان (الحماسة) اذ قال: (ومعلوم أن طبع كل امريء- اذا ملك زمام الاختيار، يجذبه الى ما يستلذه ويهواه ويصرفه عما ينفر منه ولا يرضاه.. وكان أبو تمام يختار ما يختار لجودته لا غير، ويقول ما يقوله من الشعر بشهرته..) (.. ولأن اختيار الناقد الحاذق قد يتفق فيه ما لو سئل عن سبب اختياره إياه، وعن الدلالة عليه، لم يمكنه في الجواب الا أن يقول: هكذا قضيه طبعي).24)

أي أن أبا تمام: (صب ذوقه الفني على ما وصل اليه من أشعار العرب، فاختار لكل باب من أبواب الحماسة ما ارتضاه ذوقه..).(25) لا ما يشتهي قوله في شعره. ولذا لا مكان لقول التبريري: (أبو تمام في اختياره أشعر منه في شعر).

وقد نسج الأدباء على منوال أبي تمام في حماسته كالبحتري، والديمرتي، وابن فارس، والخالديين، وابي هلال العسكري، والاعلم الشنتمري، والتادلي، والكوراني... الخ (26) كما كلف بها الشراع حتى تجاوزت شروحها الثلاثين شرحا.

وبالرغم من أن أبا تمام لم يوضح منظوره أو تذوقه النقدي في اختياراته، الا ان الاختيارات الشعرية نفسها تكشف عن نزوعه. ففي الوقت الذي غلبت - مثلا- النزعة الاخلاقية على اختيارات البحتري، كان المحمل الضمني عند أبي تمام، جماليا، وفي هذا لا تمثل حماسة البحتري ازاء طريقته في الشعر (تكامل) التشابه او التناظر، بينما تكون حماسة أبى تمام وطريقته (تكامل) التوازي  بين شعره واشعار الحماسيين.. (27)

وتعتمد الحماسات الاخري في اغلبها، على ذوق صاحبها، وذوقه يرتد، في الغالب، الى "مسبقات " ضمنية توجهه في اخذ ما يثبته وترك ما ينفيه.. (28) ومصداق هذا ما ذهب اليه صاحب (الحماسة البصرية) قال:

"وبعد. فانه لما كانت المجاميع الشعرية صقال الاذهان، ولأنواع المعاني كالترجمان.. توخيت في تحرير مجموع محتو على قلائد أشعارهم (يقصد أشعار العرب) وغرر أخبارهم، مجتنبا للاطالة والاطناب، بما تضمنته أبواب الكتاب، كأمالي العلماء وخماسات الأدباء، ودواوين الشعراء من فحول القدماء والمحدثين ومختارات الفضلاء كأشباه الخالديين المحتوية على دور النظام جواهر الكلام ".(29)

والى هذا نهج صاحب (الحماسة المغربية) حيث كان اختياره في الاغلب الاعم، يقع على المتميز من قصائد الشعراء، وفي المشهورين كانت النصوص من المشهور من شعرهم.. (30)

مؤلفات أخري.

هناك مؤلفات أخرى، وان لم تسم، ولا عدت من (الاختيارات) لكننا نرى أنها تقع في هذا الذي يسميه د. احسان عباس (بالنقد الضمني) مثل كتاب (طبقات فحول الشعراء) لابن سلام، و(زهر الآداب وثمر الالباب) للحصري،و(نزهة الابصار في محاسن الاشعار) لشهاب الدين أبي العباس العنابي، و(ديوان المعاني) لأبي هلال العسكري، و(الاشباه والنظائر) للخالديين، و(المنتخب والمختار في النوادر والاشعار) لابن منظور صاحب لسان العرب.

أما ابن سلام في (طبقات فحول الشعراء) فقد بنى كتابه على فكرة (الطبقات) من شعراء الجاهلية والاسلام والمخضرمين.. (فنزلناهم منازلهم، واحتججنا لكل شاعر بما وجدنا له من حجة، وما قال فيه العلماء.. فاقتصرنا من الفحول المشهورين على اربعين شاعرا.. فألفنا من تشابه شعره منهم الى نظرائة.. فوجدناهم عشر طبقات، أربعة رهط كل طبقة، متكافئين معتدلين)(31).

أما الاسس التي اقام عليها ابن سلام هذا التمييز والتدريج في الطبقات فهي: (أولا): الفحولة. فكل من ذكرهم هم من الشعراء الفحول. (ثانيا) تقارب كل اصحاب طبقة في اشعارهم، اي التشابه والتناظر. (ثالثا) اعتبار (الكم(  في الحاق الشاعر بالفحول. أي أن يكون للشاعر، شعر كثير، حتى وان ضاع أكثره. فالضياع لا يحرمه من التقديم. (32) وبالطبع، الشهرة هي، أيضا ما يفرض ذلك قال: (فاقتصرنا من ذلك على ما لا يجهله عالم. ولا يستغني عن علمه ناظر في أمر العرب ((33).

أما (زهر الآداب وثمر الالباب) فهو: (.. كتاب اخترت فيه قطعة كاملة من البلاغات في الشعر والخبر. والفصول والفقر، مما حسن لفظه ومعناه، واستدل بفحواه على مغزاه، ولم يكن شاردا حوشيا، ولا ساقطا سوقيا: ولم أذهب في هذا الاختيار الى مطولات الاخبار).

وقال المؤلف أيضا: (وليس لي في تأليفه من الافتخار، أكثر من حسن الاختيار.. واختيار المرء قطعة من عقله، تدل على تخلفه او

فضله..)(34)

وهذا كلام يغني عن أي تعليق في مسألة الاختيار، ومنظورا لمؤلف في الاختيار.

وهكذا يمكن القول في كتاب (نزهة الابصار في محاسن الاشعار) حيث تم تأليفه استجابة لامر من الامير شجاع الدين.. في (تأليف كتاب لطيف يحتوي على جيد الشعر ومحكمه. وأمثاله وحكما.. وجمعت في هذا الكتاب من مقطعات الآداب في الملح الغريبة، واللمح العجيبة، وطرائف اللطائف، وجواهر النوادر، وقلائد الفرائد، وشوارد الفوائد..) وتجنب المؤلف التطويل، وجعله مختصرا في سبعة أبواب، كل باب فصول، وفروع وأصول.. في المدح ومكارم الاخلاق، والاخوانيات والحكم والغزل والنسيب وأوصاف الازهار والثمار... الخ. (35)

فهو اذن، اختيار من منظور المؤلف في الملح والفوائد، والجواهر والفرائد.

والاتجاه نفسه يبرز في (كتاب الاشباه والنظائر من أشعار المتقدمين والجاهلية والمخضرمين). قال الخالديان في ختام الجزء الثاني: (قد اخترنا في هذا الكتاب من أشعار العرب وبديع معانيهم وطريف استعاراتهم وتشبيهاتهم ما وقع في جملة من الورق كثيرة وضمنه عدة اجزاء.. الا أننا ملنا الى الاختصار، وتجنبنا الاكثار.. ولعل غيرنا ممن يقرأ هذا الكتاب يرذل شيئا مما اخترناه، ويهجن شيئا نقلناه، وهذا غير مزر لنا، ولا ناقص لنا، لان لكل انسان اختيارا..)(36)

وقال المحقق: (وهذا الكتاب ليس مجموع شعر القبائل ولا مجموع قصائد طوال. ولا مجموع قصائد طوال ولا مجموع قطعات مختارة مبوبة على طراز حماستي أبي تمام، والبحتري، بل مجموع قطعات من شعر المتقدمين والمخضرمين ونظائرها من شعرهم هم (الخالديين) ومن شعر المحدثين، مع ملاحظة ان تلك القطعات اختيرت ورتبت من غير تبويب لابراز فكرة معينة.. ولعل الكتاب هذا بما يحتوي عليه من اخبار الشعراء وآراء أدبية متناثرة أقوى شبها بكتاب الاغاني).(37)

ولما طالع عماد الدين الاصبهاني، كتابي (يتيمة الدهر) و(دمية القصر) للشالبي والباخرزي في محاسن أهل عصريهما، الشعراء.. آثر هو ايضا ان يصنف كتابا في أهل عصره، وأهل عصر آبائه واعمامه.. يخلد آثارهم، ويحدد منارهم، خاصة وانه وجد المعاصرين لعمه الصدر الشهيد عزيز الدين أبي نصر احمد بن حامد، من الشعراء.. ما فيهم الا من أم قصده. وطلب رفده بمدحه.. فأحب ان يحيي ذكرهم، ويقابل بالمجازاة شكرهم.. فصنف هذا الكتاب وألفه: (ورقمت هذا الوشي وفوفته وسميته "خريدة القصر وجريدة العصر"، لانها حسناء ذات حلي وحلل، غانية تغبطها على الحسن، أقمار الكلل. فهذا الكتاب كالروض الآنف يجمع أنواع الزهر، وكالبحر تضمن على انواع الدور.. ولم اقتصر على المنتقى المنتقد، والتنخل المنتخب، بل ذكرت لكل شاعر ما وقع الي من شعره، واثبته: إما نعني غريب، او لفظ مستحسن، او اسلوب رائق، او حديث بحال من الاحوال رائق..(38)

اذن. فهو كتاب يقع بين تاريخ الأدب والاختيار بما هو نقد ضمني، للادب.

أما ما فعله ابن منظور في (المنتخب والمختار في النوادر والاشعار) فيقع فيما يمكن أن نسميه: اختيار الاختيار. فقد عمد الى كتاب التذكرة للشيخ الامام أبي عبدالله محمد بن الحسن بن محمد بن حمد ون. وقد اعجبه في ترتيبه وجمعه لفنون المحاسن وتبويبه، فاختار منه ما هو الاحسن. وهذا اختيار بدوره، اذ (حذفت ما لا حاجة اليه من زوائده وفضوله) ورتبه في خمسين بابا (كل باب في فن، يجمع فصولا متقاربة ومعاني متناسبة..) في المواعظ والآداب الدينية، والسياسة الدنيوية، وفي محاسن الاخلاق ومساوئها، وفي السخاء والجود... الخ.(39)

وهو ايضا، اختيار يقع في باب الاشباه والنظائر من المعاني في الشعر. وهو ما يقربنا من (ديوان المعاني) لأبي هلال العسكري الذي جمع في هذا الكتاب: (أبلغ ما جاء في كل فن وأبدع ما روي في كل نوع من اعلام المعاني واعيانها الى عواديها وشذاذها. وتخيرت من ذلك ما كان جيد النظم، محكم الوصف غير مهلهل رخو. ولا متجعد فج..).

أما الذي دعاه الى جمع هذا النوع، هو انه لم يجد فيه كتابا مؤلفا يجمع فنونه ويحوي ضوربه.. فجمع ما تناثر في الكتب وتضاعيف الصحف، واضاف الى كل نوع منه ما يقاربه من أمثاله. وجعله نظما ونثرا، وخبرا وشعرا، ليبعث به نشاط الناظر، ويجلي صداه الخاطر.. فكان في اثني عشر بابا، في: التهاني والمديح والافتخار، وفي المعاتبات والهجاء والاعتذار، والغزل واوصاف الحسان... الخ (40)

الاختيارات الشعرية المعاصرة:

وتواصلت الاختيارات الشعرية في العصر الحديث حتى بات من الصعب حصرها لكثرتها وتنوعها بدواعيها وأسس الاختيار. وهي في العموم تقع في ثلاثة أصناف:( 1) اختيارات من الشعر القديم فحسب. مثل (ديوان الشعر العربي) لادونيس، ومختارات الجواهري من العهدين: الجاهلي، والاسلامي والاموي. (2) اختيارات مخططة من القديم والحديث، مثل: (مختارات البارودي) من العصر العباسي حتى يومه. و(حب وبطولة) لسليما