مرجعية شعر المرأة العربية
تقاليد الرثاء في القصيدة النسوية

فاطمة المحسن (ناقدة عربية تقيم في لندن)


تثير تسمية الأدب الذي تكتبه النساء بـ( الأدب النسوي)، الكثير من الخلافات بين الاديبات العربيات وبين المشتغلين في هذا الحقل هن الرجال. وما كان لهذا التعبيران يشطرا لآراء حوله بين عاصر ومستنكر لولا اشكالية وضع المرأة العربية أصلا. فالأجراء الأدبي في دراسة ظاهرة معينة يأخذ في وجه من وجوهه الشرط الاثني والفئوي في تصنيف أساليب التعبير حسب العصور والامكنة والاجناس. ذلك لان الاداء التعبيري يصدر في العادة عن تكوين روحي وفسيولوجي وبيئي يمايزالناس عن بعضها، فضلا عن تمايزا لموهبة الابداعية التي لا يستوي فيها أفراد الفئة او الفصيلة او الجنس. ان ردود الفعل القاطعة التي تقسم المجتمع الثقافي العربي الى متحمس لتسمية الادب الذي تكتبه النساء ( أدبا نسويا)، والآخر الذي يرى في هذه التسمية تنكرا لادبية هذا الادب، تبدو وكأنها نتاج حيرة وجدانية وسؤال وجودي لايدرك اجابته من يعيش في مجتمعات مضطربة مثل مجتمعاتنا، حيث تتساكن اليوم على مضض افكارا لعودة السلفية الى الماضي بأشد الاشكال تخلفا، مع صيغ الاخذ بأحدث افكار النسوية الغربية. ففي مصر على سبيل المثال نجد ظاهرتي نوال السعداوي والشيخ شعراوي في سياق متزامن يشير الى توتر واضح في بنية التركيبة الاجتماعية المصرية وتعبيراتها الشعبوية والنخبوية معا. ولعلنا لا نمضي بعيدا ان وجدنا في خطاب الناقد السعودي عبدالله الغذامي ونقيضه السلفي، اشارة واضحة الى حدة الحراك الاجتماعي في بلد يبد وللناظر على درجة من السكون والانغلاق فيما يخص موضوعة المرأة على وجه التحديد.

هل هناك أدب نسوي عربي؟ هذا السؤال المؤرق تجيب عنه الناقدة خالدة سعيد بسؤال مضاد في كتابها (المرأة، التحرر، الابداع): (اليس تقليب الهوية الجنسية (رجولية او نسائية لم على العمل الابداعي تغيبا للانساني العام والثقافي القومي من جهة وللتجربة الشخصية والوعي بها من جهة ثانية وللخصوصية والمستوى الفني من جهة ثالثة ؟)(1).

ولكن خالدة سعيد ترى في موقع آخر من الكتاب ذاته، ان الاختلاف بين الرجال والنساء لا يقتصر عل الفوارق البيولوجية والنفسية،، بل يتعداه الى الارث التاريخي والثقافي، الامر الذي يجعل من فعل الكتابة النسوية عملية تحرر من حيث انها وعي وموضعة وكشف لتجارب. غير ان المهم في قراءة خالدة سعيد لاعمال بعض الاديبات العربيات ان خطوتها هذه تبدأ من حيث انتهى اليه هذا الادب من وعي بقضيته النسوية، اي بتقليب الهوية الجنسية في رصده الواقع المتلبس اشكالات انسانية مختلفة ومنها الاشكال الحضاري والسياسي والاجتماعي عموما. ان خياراتها كناقدة لقراءة البعد النسوي في اعمال بعض الاديبات في كتابها هذا، ينقض مفهومها حول تغييب الجوانب الاخري عند تقليب الهوية الجنسية، فهي بالضرورة اقرار بالطبيعة الانثوية التي تكمن وراء طرق الابلاغ ووجهات النظر وزوايا الطرح. وهذا مثال واحد يدل على الحيرة في تصنيف الادب الذي تكتبه المرأة، ان لم تكن الكتابة حول الموضوعة النسوية في هذا الادب تثير الحرج لدى الكاتبات العربيات انفسهن باعتبارها اقل شأنا من المواضيع الاخري، عدا عن ان تقاليد الكتابة فيها تلبست المشكلات التي واجهت مبحث النسوية سوسيولوجيا وفكريا. فهو موضوع حساس يقرب من تخوم المفاهيم التي يسهل تبسيطها وادلجتها، سواء في استخداماته الادبية التطبيقية في القصة والشعر والرواية التي تكتبها المرأة لدعم قضيتها، او في مبحثا النظري المجرد او في القراءة النقدية للنتاجات.

ان استيقاظ الوعي بالقضية النسوية لدى الشاعرات وكاتبات القصة والرواية في السنوات الاخيرة، على سبيل المثال، جعل خطابهن يدور حول محور يكاد يكون فقيرا لفرط ما يحصر مخيلة الكاتبة عند تخومه التي تتكرر من خلالها مشكلات المرأة ومعاناتها، ليصبح التمايز بين القضية التي تطرحها الكاتبة وفنية التعبير عنها صعب التحقق.

يجدر التوتر في الافكار والمواقف من أدب المرأة اليوم تعبيراته المتطرفة، بين مغالاة في رعاية لبعض النماذج من هذا الادب، او انكار واهمال وتمييز وانتقاص نجده في المفاصل الحساسة التي تحدد موقع المرأة الادبي وعلى وجه الخصوص بين زملائها واندادها الاقرب. فالحلقة الاضيق أصدق تعبيرا عن روح الجماعة في ممارستها اليومية دون حجب نظرية وتعميم. كما ان التنافر في القبول والرفض لهذه التسمية بين الاديبات انفسهن يخضع الى اشكالية مفهومية يمليها عموض المصطلح نفسه، فحقل النسوية في الكتابة العربية لم يزل جنينا. وكما حصل مع الكثير من المفاهيم والافكارا لجديدة، جرى استنساخ بعض صيغه من الغرب بتبسيط شديد، وخضع الى اجتهادات واتهامات وصف نتيجتها بين ما وصف بانه من خلق مؤامرة غربية لتخريب المجتمعات العربية. وهذا القول لم يصدر عن المتطرفات والسلفيات، بل عن أديبات يعتبرن أنفسهن من داعيات حرية المرأة.

في ظل هذه التوترات تكتب المرأة اليوم الشعر مثلما تجد مكانتها اللائقة في عالم القصة والرواية ولعل الشاعرات في بعض البلدان العربية يتفوقن في العدد على الشعراء كما الحال في البحرين وبعض دول الخليج. بيد ان التثبت من حضورهن الواثق في حقل المنافسة الشدية ظل، موضع شك وريبة نقديا. ولم تنافس الرجال في التاريخ المعاصر،سوى امرأة واحدة هي نازك الملائكة التي لا تصمد قصيدتها في المحاججة الجمالية امام شعر السياب وصحبه، عكس مباحثها الأدبية التي بكرت بدراسة الظاهرة الشعرية الجديدة، فتفوقت بذلك على اندادها ثقافة وعقلا ديناميكيا. لعل هذا التصور يدفعنا الى السؤال عن سر تخلف المرأة العربية شعريا عن الرجل. وهل لتقادم كبح مشاعرها من تأثير على تحجيم دورها في هذا الميدان، حتى ولو كانت الفرصة سانحة امامها لتقول ما تشاء؟ او هل ان مخيلة المرأة قاصرة عن ان تكون بمستوى تمثل النتاج الشعري الذي خلفته امة تفاخرت بشعرها على بقية الامم ؟

مرجعيات شعر المرأة

في الميدان الاكثر وعورة في تلمس المسيرة الادبية للمرأة العربية، سنجد صعوبة في ان نتحدث عن تراث تملكه النساء، سوى تراث الاغاني او ألفلكلور الشعبي الذي لا ينسب الى صاحباته باسمائهن، بل الى نساء القبيلة او المجموعة القبلية. والى يومنا هذا نجد ان هذا الشعر يعامل المعاملة ذاتها بين القبائل كما تدلل الدراسات الانثربولوجية المعاصرة(2).

فالمرأة تبدو للذي يبحث عن ملامح تميز كتابتها، دون ميراث شعري على ما قيل في شعر الخنساء وليلى الاخيلية وولادة بنت المستكفي، وما يورده المؤرخون وصاحب الاغاني من اشعار الجواري والقيان. فمراثي الخنساء ووجودها اليتيم ضمن المسيرة الشعرية العربية التي تحفل بالخصب، يدل على استثناء صوت المرأة من حق ممارسة الفنون الادبية، الا ما يتعلق بقضايا غير محرمة ومنها ندب الموتى والفخر بالقبيلة. وفي الظن ان هذا المبحث سيعود بنا الى ما قيل بخصوص رواية الشعر الجاهلي ومدى صحتها وما دخلها من انتحال وتزوير.

وسيقودنا بالضرورة الى معرفة التضاريس الاجتماعية التي نشأت من خلالها وتبلورت فكرة السلطة الادبية في المجتمع العربي، وهي شديدة الصلة بالسلطة السياسية. فامجاد العرب لم يحفظ منها إلا ما سجل في القصائد، والقبيلة التي يظهر فيها ابرع الشعراء تسيطر على القبائل الاخري، الى حد ما،كما يذكر مرجليوث عند استشهاده بحماسة ابي تمام(3)..

ومن المفيد ان ندرك قبل كل شيء، بعض التواريخ التي تدلنا على اصول الشعر العربي. فما وصلنا منه لا يشير الا الى مرحلة اكتماله، وبين تلك المرحلة وما يسبقها تقف احداث سياسية واجتماعية غيرت ليس فقط تضاريس الجزيرة العربية انما ادت الى امتداد بيئة هذا الشعر الى تخوم بعيدة.. "استيقظ الاهتمام بتاريخ الشعر بعد انتهاء اربعة الى ستة اجيال منذ ان سكت لسان شعراء الجاهلية، وورثت عشيرتهم تراثهم الشعري. وبين قوم الشاعر عاش الكثير من قصائده، وانتقلت ابياته من فم الى فم ومن جماعة الى اخري، على الرغم من ان مناسبتها، واحيانا اسم الشاعر نفسه قد نسي او اختلط او تشوش » كما يقول المستشرق الالماني هـ.الفرت الذي نشر مقالة حول امر انتحال الشعر الجاهلي في القرن التاسع عشر اي قبل انتباهة الكثير من المستشرقين ومحاججات طه حسين المشهورة (4).

وبين الاجناس الادبية يرتبط الشعر بتاريخ الكهانة، والكهانة عند العرب قديما ارقي المعارف الغيبية، بل هي السلطة الروحية التي تاتي بعد سلطة رئيس القبيلة، السلطة التي ورثها شاعر القبيلة لاحقا لان الكهانة هي الشكل المبكر للشعر كما هو متعارف عند كل الشعوب. ويؤكد بروكلمان على ان الوجز هو الحلقة الموصلة بين سجع الكهان والشعر المقفى الموزون ..(5)

ويمكننا ان نقول ان اللغة التجريدية والرمزية في الشعر من بين تعبيرات الحضارات القديمة، حيث استخدم الكهان لغة رمزية تعتمد على ما اعتمد عليه الشعر لاحقا من عناصر: الايحاء، الايقاع، الموسيقى،. فضلا عن ارتباط الكاهن او الكاهنة، حسبما يشير الجاحظ في البيان والتبيين، بجني او شيطان يسمونه رئيا، اي تابعا، يأخذ من الملائكة ما يوحي به الى الكاهن، وهو القول الذي تردد عن مصدر الايحاء الشعري الى فترة متأخرة من التاريخ الشعري العربي. ويؤكد المؤرخون ان الكواهن او الكاهنات كن اكثر عددا من الكهان، ويعزون السبب الى ان نفوسهن الطف وحسهن في تقصي الاخبار أدق (6).

وفي الفترة الفاصلة بين مرحلة تدوين الشعر الجاهلي في نهاية العصر الاموي- اي بعد ان استوت الدولة الاسلامية كيانا راسخا، وتوضحت معالم مجتمعها الجديد ومكونات أدبه -وبين المراحل التي تسبقها، تبرز لدينا فجوة تاريخية انقطعت فيها اسباب الصلة بين بواكير هذا الشعر ونضجه ويؤكد شوقي ضيف على ان «ليس بين ايدينا اشعار تصور اطواره الأولى، انما بين ايدينا هذه الصورة التامة لقصائده بتقاليدها الفنية المعقدة، وهي تقاليد تلقى ستارا صفيقا بيننا وبين طفولة هذا الشعر".

ان تعريف وظيفة الشعر عند العرب تؤكد صلته الوثيقة بالكهانة، فهو ديوان العرب الذي يتناقلون بواسطته انسابهم واخبارهم وحكمهم وعلومهم. فان كانت الكاهنة تفوق الكاهن في قدرتها على نقل الاخبار والانساب بدقة اكبر، اضافة الى ما تملكه من لطافة طبع تؤهلها للخوض في المواضيع الوجدانية، فهي والحالة هذه الاجدر بان تكون بين ممارسي الوظيفة ذاتها عندما تحول سجع الكهان الى الشعر الموزون المقفى أي البنية المنطقية والاقيسة البلاغية المتطورة. او في الاقل كان العدد الاكبر من الكاهنات اكثر استعدادا للتحول الى مرحلة التوسط الشعري بين الطفولة والنضوج، ولعل الاشارات القليلة التي تصدر في كتب التصنيف عن وجود تلك الشاعرات ما يدل على هذا الامر(8). والحال ان ما جمع من شعر في نهاية الفترة الاموية قد خضع الى تشذيب في خياراته ونوعه ولابد ان يخضع الى منطق المرحلة التي دون فيها هذا الشعر. فالمجتمع الجاهلي كان يحوي من البنى الاجتماعية التي تتناقض في الموقف من المرأة، واحتفظت بعض قبائله بقيم الماضي الى فترة متأخرة، وكانت للمرأة فيها مكانة مرموقة، مثلما كانت بعض القبائل تند بناتها، فلم يكن النسيج الاجتماعي متجانسا. ويتحدث جواد علي في كتابه "المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام "، عن المرأة التي تنصب خيمتها في خلاء قبيلة زوجها، ثم تعود الى قبيلتها ان لم يعجبها الزوج فينسب اطفالها اليها، وتكون رابطتهم مع احوالهم كأقرباء من الدرجة الاول من دون صلة تذكر بالآباء الطبيعيين (9). كان الاسلام، دون شك، مرحلة متقدمة على الجاهلية في تشريعاته لصالح النساء. فلم يكن لهن حق الميراث، كما تصبح المرأة الجاهلية بعد وفاة زوجها ملكا لابنائه. غير ان الاسلام سن القانون الاسري ونظم حياة العائلة بصيغتها المستقرة. بيد ان التطور الحضري جلب عواقبه على موقع المرأة البدوية التي كانت اكثر حرية ومكانة بين قبيلتها، فما كانت ترتدي الحجاب بأشكاله اللاحقة، كما كان لها احقية استقبال الرجال بغياب زوجها وحرية التحادث معهم واستضافتهم دون تشكيك بنواياها.

سيقود البحث في امر اسهام النساء في الشعر الجاهلي الى واقع ان الاشارة الى هذا الشعر كانت موضع تردد بين المصنفين انفسهم، وكان فحص شاعرية الخنساء، وهي اول من ذكر من الشاعرات، يخضع الى موقف يختلف بين جامعي الشعر انفسهم. فابن سلام الجمحي لم يذكرها بين الشعراء الذين صنفهم في طبقات فحول الجاهلية العشرة، وورد ذكرها في كتابه بشكل عابر بين شعراء المراثي مفضلا عليها المتمم بن نويرة (10). والخنساء في الواقع، لا يمكن ان تصنف بين الذين يجري تقويم شعرهم وفق موهبة الفحولة تلك التي صاغت لشعر المعلقات اسطورة قاسيته وتفوقه بكتابته بماء الذهب وتعليقه على امتار الكعبة، حسب الرواية التي تناقلها العرب على ما حوته من مبالغة لا تصمد بوجه المحاججة. فان كان وجود الخنساء حقيقة غير مشكوك فيها. فان دورها ينبغي ان يكون متواريا خلف السلطة الادبية التي حددت معالمها عقلية الفترة التي دون فيها هذا الشعر اي نهاية العصر الاموي. ومنجد ان امريء القيس وهو الشاعر الذي يأتي من نسله الشعر العربي على اكمل صورة، امير وابن ملك من ملوك كندة، وان حكيم هذا الشعر وناقدا وموزع المواهب فيه نابغة من ذبيان، وهو الذي يفتي لصالح الخنساء امام شاعرية حسان بن ثابت من دون كل الشعراء، ليضعها في مقام أعلى منه.

ويستطرد صاحب الاغاني في اكمال الحكاية حين يتحدث عن سيرة حسان بن ثابت على لسانه حيث يبلغه النابغة (انك لشاعر وان اخت بني سليم لبكاءة)(11). لدينا اذن روايتان عن احكام النابغة الذبياني حول الخنساء، تأتي الثانية فيهما من باب ما يسمى اختراقات النص، اي الزيادات والحواشي والمتون التي تتوسع فيها الرواية التي دونت عن نقل شفاهي، ان لم يسهم المؤلف في تلك الاختراقات باضافة تستهدف تعزيز كلامه او اعلاء شأن من يقدمهم في عادته، كما هي عادة الاصبهاني في اغانيه. بيد ان من المهم ان نلحظ ان الروايتين لا  ينقضان بعضهما في البعد الحقيقي لطبيعة الاحكام التقويمية في قصص الرواة. فالمرأة حتى لو تفوقت على الرجل فهي في كل الاحوال لا تتعدى دورها المعد لها كبكاءة ندابة وهذا واقع شعر الخنساء وحجمه الحقيقي، حتى ولو قال فيه الذبياني غير هذا في مكان آخر.

يدون ابن قتيبة في كتابه (الشعر والشعراء) سيرة الخنساء على هيئة حكايات كل واحدة تحمل دلالة واضحة او رسالة اخلاقية. كذلك يذكرها بقية النقاد والمصنفين بمن فيهم صاحب كتاب (الاغاني). ولعل ابرزها هذه الحكاية "كان اخوها صخر بن عمرو شريفا في بني سليم وخرج في غزوة فقاتل فيها قتالا شديدا واصابه جرح وغيب فمرض فطال مرضه وعادته قومه فكانوا اذا سألوا امراته سلمى عنه قالت لا هو حي فيرجى ولا ميت فينسى، وصخر يسمع كلامها فشق عليه، واذا قالوا لأمه كيف صخر اليوم، قالت اصبح صالحا بنعمة الله فلما أفاق من علته بعض الافاقة، عمد الى امراته سلمي فعلقها بعمود الفسطاط حتي ماتت. وتستمر الحكاية لتقول: ثم نكس فما زالت أخته

ترثيه ولم تزل تبكيه حتى عميت "(12). في هذه الرواية نتعرف على ثلاث شخصيات نسائية ورجل واحد يقدمون لنا امثولة اسرية: المرأة الاول تعظها الزوجة الجاحدة التي استحقت القتل لانها لم تصف علة زوجها بما يرغب، والام الوفية التي بعثت فيه امل الشفاء، ثم الاخت المضحية التي ترثي الاخ حتى العمى. ليستطرد الرواية (ابن قتيبة) في قصة جديدة تؤكد بقاء الخنساء في صدار من شعر يرتديه المتصوفة تعذيبا لاجسادهم، الامر الذي ضايق عائشة ام المؤمنين عندما دخلت عليها في مجلس من مجالسها، ولكننا نكتشف في رواية أخرى ان صخرا الاخ غير الشقيق لتماضر بنت عمرو بن الشريد السلمي الملقبة بالخنساء، تنبأ بهذا المصير لاخته في حالة وفاته عندما قال:

والله  لا امنحها شرارها          وهي حصان قد كفتني عارها

ولو هلكت مزقت خمارها         واتخذت من شعرها صدرها

فهذه المرأة التي هلك اخوها سترتدي مدار الشعر طوال عمرها حزنا عليه، هي ذاتها التي كفت الاخ عارها، لانها امرأة حصان تقول عنها الروايات انها رفضت دريد بن الصمة سيد بني جشم وفارسهم وقائدهم الذي كان مظفرا ميمون النقيبة كما يقول عنه صاحب (الاغاني). رفضته لانها لا تود الزواج من خارج قبيلتها. وعندما يكلمها والدها عن امر خطبته تجيب "يا ابت، اتراني تاركة بني عمي مثل عوالي الرماح، وناكحة بني جشم، هامة اليوم او غد؟!" وفي موقع آخر تقول الرد في بيت شعري:

أتخطبني، هبلت، على دريد       وقد اطردت سيد آل بدر

لعل في هذه الحكاية صدقا كثيرا او قليلا، غير ان المهم محمولات وظيفتها، فالخنساء اولا امرأة مرغوبة، غير انها ترفض ان تكون ضحية رغبتها، وهي شخصية تقرب من شخصية الرجال في قوتها كما تتخيلها بنت الشاطىء(13)، لكي تتكافأ معهم في قول الشعر. بيد ان المهم في كل هذا انها قادرة على ان تكون وفية في سيرتها الشخصية لاكثر تقاليد القبيلة تعصبا وهي الزواج بأولاد العم لا الغرباء، والزواج من ابن العم "واقع بنيوي لعب دورا خطيرا في الحفاظ على هوية المتحدات الاجتماعية العربية، وضمن للعائلة نوعا من الاستقلال البيولوجي- الاقتصادي"(14).

ان الذي اضاع اسهامة المرأة الحقيقية شعريا في الفترة الجاهلية لابد ان ينطلق من اسباب وجيهة، وليس التفرقة بين الذكر والانثى وحدها تدفع الى محاولة تكبيل دورها بقيود مبهظة، بل ان هناك امرا اكثر اهمية وهو الكيفية التي يكتب فيها التاريخ كأمثولة. والتاريخ لم يكتب قط الا على هذا المبدأ، والشعر عند العرب رديف تاريخهم، وما كان امام النقاد ومصنفي الشعر في عهد التدوين الاموي سوى ان يخلقوا من الخنساء وشعرها نموذجا اخلاقيا، عبرة تاريخية للنساء من بعدها، انها تكسب احترامها من فكرة كونها بطلة قصة ميلودرامية تثبت ركنا من اركان الفضيلة الاجتماعية. بيد ان اللافت في الامر ان اغراض هذا الشعر ومضامينه لا تدل على انه شعر نسائي، فهو فقير الى الشأن الشخصي والحميمي الذي يميز شعر المرأة على أمتداد العصور. ولو تتبعنا الشعر الذي تكتبه نساء القبيلة وتردده الاغاني او يتناقل في مجالس السمر، فسنجد فيه بالاضافة الى موضوع الحب، ما يمكن ان نسميه المواضيع والشؤون الحميمية للمرأة ومن بينها الامومة، الزواج، العائلة. وشعر الخنساء يفتقد الى هذا الجانب، فهي لا تذكر كلمة رثاء في اولادها الاربعة بعد ان استشهدوا في سبيل الاسلام كما تقول الروايات، كما لا تشير الى ابنتها عميرة التي قيل انها ورثت شعر الرثاء عن امها. وهذا ما تنبه اليه بنت الشاطىء في كتابها عن الخنساء مشيرة الى ان الخنساء لا تذكر شيئا عن حياتها مع زوجها، وليس لديها سوى قصيدة رثاء واحدة في زوجها الاول. غير أن اللافت في سيرة الخنساء اهمال الروايات ذكر موقف زوجها بعد ان دخلت مس حلة معاقبة جسدها وفاء لذكرى اخويها صخر ومعاوية، ولكن الروايات ذاتها تذكره بجريرة اخلاقية تبرر ذلك الزهد بحقه في ان تكون له امرأة طبيعية. فهو مقامر يخسر ماله ليتول الاخ صخر تعويض العائلة عن تلك الخسارة، لذا كان مديح الخنساء يدور حول كرم اخوتها، والهبات التي تلقتها من صخر والتي تفتقدها بعد رحيله. وتقول بنت الشاطىء: "وبدت او شاء لها مؤرخوها ان تبدو، كما لو لم يروعها سوى الخسارة المادية، اما المحنة النفسية بموت الاخ، اما المصاب الروحي بتصدع شطر من كيانها، اما الجرح القلبي بتمزق الشمل المؤتلف وبعثرة الجمع الملتئم، اما هذا كله، فلم يدخل في نطاق الراثية المفجوعة، ولا كاد له عندها كبير شأن او حساب"(15) وفي غمرة بحثها في مضامين شعر الخنساء ومواضيعها، تعرب بنت الشاطىء عن استغرابها لافتقاد شعرها قدرة التعبير عن عاطفة الامومة: "وحين أذكر هذا، يلفتني ان عواطف الامومة عند الخنساء باهتة لا تكاد تلمح، وهذا ديوانها بين يدي احاول ان اعثر فيه على اثر من صورة الام في تجربتها العظمي، ولا اثر. كما احاول عبثا ان اجد فيه صدى- اي. صدى!- للحزن الاكبر الذي تذوقه الثكلى » (16).

لا ريب ان المراثي النسوية تنم عن طبع عاطفي، وان من المناسب والحالة هذه ان تتناقل نسوة القبيلة لا رجالها تلك المراثي، بيد ان راوي شعر الخنساء كما تؤكد المصنفات هو ابن اختها "اشجع السلمي" ورجال قبيلتها، لذا نجد شعرها يمتليء بالفخر بالرجال، وما رواه رجال قبيلتها من مراثيها التي تعتمد في الاساس ابراز المناقب، مكنت تلك القبيلة من تبوء مكانة راسخة بين القبائل.

غير ان من المهم ان نتذكر ان نظام الخنساء اللغوي في عدد من القصائد، يختلف عن النظام اللغوي لشعر رجال مرحلتها، اننا نستطيع ان نلمس ترفا في اختيار اللغة وبساطة وسلاسة طبع وانسيابية في طريقة التحكم بالاستعارة والتشبيه اضافة الى رقة معاني هذا الشعر وانوثتها، فهي تقول:

نعم الفتى كنت اذ حنت مرفرفة     هوج الرياح  حنين الوله لحور

والخيل تعثر بالابطال عابسة       مثل السراحين من كاب ومعقور

ان طريقة ابلاغها في مطالع الكثير من القصائد تدل على طبع نسائي، سرعان ما يتغير بعد الابيات الأولى، ولعل السبب مكمن في ان تلك المطالع مأخوذة من مراث نسوية او من مراثي الخنساء الاصلية، لتؤلف على منوالها القصيدة اللاحقة وهي في الفخر عادة بكل ما يحتاجه هذا الميدان من مخيلة فحولية. وتتميز قصيدة الخنساء بقصرها قياسا على شعر الرجال، غير ان اكثر هذا الشعر يدلل على امرين: ضعف شعر المرأة ازاء قوة ورسوخ وخصب الشعر الجاهلي الذي قاله الرجال في المرحلة التي سبقتها وعاصرتها، وكل الروايات التي تتحدث عن قوة هذا الشعر لا تخضع الى المحاججة الجمالية، بل تبدو ان اردنا ان نقرأها بطريقة منتبه، جزءا اساسيا من خطاب اقصاء المرأة عن ميدان القول الشعري "كان بشار بن برد يقول: لم تقل امرأة شعرا قط الا تبين الضعف فيه. فقيل له: او كذلك الخنساء؟ فقال: تلك كانت لها اربع خصى!"(17) والامر الثاني: عدم استطاعة المرأة الخروج عن غرض اعدته لها الطبيعة والاعراف، وهو غرض الرثاء،وما قيل في مديح النقاد والشعراء من معاصريها محض تضخيم لدور لم تقم به في الواقع، حسب ما وصلنا من شعرها. حتى ان أبا العلاء المعري في رسالة الغفران سخر من البيت الذي توج الخنساء شاعرة مرموقة، لانه تخيلها في أقصى الجنة قريبة من المطلع الى النار، تقول للراوية الذي يسأل عن هويتها وموقعها، انها احبت ان تنظر الى صخر فرأته كالجبل الشامخ والنار تضطرم في رأسه، فيجيبها: لقد صح مزعمك ! في قولك:

وان صخرا لتاتم الهداة به         كأنه علم في رأسه نار(18)

ولا نعرف هل يشط بنا المقال عندما نرجح ان يكون شعر الخنساء عبارة عن نثار لمجموعة من اقوال الراشيات في المرحلة الجاهلية وربما يكون للخنساء الحقيقية حصة من هذه الاقوال غير ان المؤكد ان رجال قبيلتها، بل رواة هذا الشعر في المرحلة الاموية المتأخرة، فتحوا باب الرثاء امام المرأة ومنعوه عنها في الاغراض الاخري، لان الثقافة الشفاهية في