|
|||
|
ربما
يوقعنا مصطلح "التوثيق
الشعري" في تناقض بين عنصرين
متنافرين، العلاقة بينهما
ضدية، وقائمة على مبدأ
الالغاء، كل منهما يلغي
لآخر، وهناك ارث كبير من
الشعر الذي "يوثق " وقائع
واحداثا ومناسبات، ولكن لا
قيمة فنية حقيقية له، ويفيد
في معاينته كشاهد او وثيقة
تاريخية او لغوية (1). غير اننا
يجب ان نميز بين النظم
الوثائقي، وهو نظم غايته
تأطير الوقائع وتوثيقها
تاريخيا لا اكثر وبين "التوثيق
الشعري"، وهو بنية معرفية
عقلية، يجري تأطيرها جماليا
ضمن بنية شعرية اشمل،
غديتها الامتاع الفني
والجمال وتحقيق مستوى أعلى
من "الشعرية ". والتوثيق
الشعري معطى تجريبي ينشأ عن
الحاجة الى المواءمة بين
التاريخي والشعري، فثمة
سؤال يطرح نفسه هنا هو: هل
يمكن للقصيدة ان تمدنا
بمعلومات حول موضوعها دون
الاخلال ببنيتها الجمالية
الفنية ؟ وهذا السؤال يقود
بالضرورة الى اسئلة أخرى
مثل كيف تتموضع علاقة
العقلي بالجمال في القصيدة
؟ والى اي حد يمكن ان ندمج بين
الشعري والتوثيقي؟ هذه الاسئلة ليست مطروحة على
الصعيد النظري فحسب، ولكنها
مستمدة من واقع ازدياد
النصوص الشعرية التي تتعامل
مع المتغير التاريخي الذاتي
او العام على اساس تجريبي(2)
ويكشف هذا الازدياد ان "التوثيق
الشعري" يعتبر انجازا حدا
ثويا هاما يجري اختباره
وترسيخه. ولعل
من الاهمية بمكان ان نقف
امام نص تجريبي، يتعاطى مع
التاريخ والوقائع المعاصرة
كبنية توثيقية شعرية،
لنستجلي جوانبها واهميتها
في البناء الشعري ككل. والنص
هو "قراءة في اوراق الجسد
العائد من الموت ". (3) للشاعر
الاستاذ الدكتور عبدالعزيز
المقالح. يتعاطى
النص مع حدث مأساوي كبير هو
اليمن في اواخر 1982م، هو
الزلزال الذي وقع في منطقة
ذمار، واحدث خسائر مروعة
آنذاك وامتد تأثيره الى
مناطق بعيدة. يعي
الشاعر هنا خطورة المهمة
الناهض بعبئها ويدرك أنها
مليئة بمنزلقات وعثرات قد
تودي بنصه اذا لم يتبصر
موطىء قدمه، ولكنه انطلاقا
من حدس شعري سليم ومن تجربة
شعرية عريضة. يفتح نصه على
مغامرة شعرية محسوبة يحتمها
السياق، وتعتمد "التوثيق
الشعري" للمواءمة بين
الشعري والتاريخي، بهدف
احتواء الحدث الكبير
والحيلولة دون ان يحتويه
الحدث. استراتيجية
العنوان منذ
العنوان يلعب الشاعر لعبة "التوثيق
" فهو يطرح منذ البداية ان ما
يقوم به هو "قراءة " وهذه
اللفظة تقود الى عدد من
الاحالات:- 1-
انها تفترض "قارئا يقوم بالـ
"قراءة " و"مقروءا" تكون الـ"قراءة
" فيه. 2- "القارىء".
خارج "المقروء"، وثمة مسافة
زمنية او مكانية او نفسية
بينهما. 3-"
القارىء" موضوعي ومستقل
بارادته ووعيه. 4- "المقروء"
شي ء ناجز ومكتمل بذاته. وهذه
الاحالات تنكىء عن المعرفي
التوثيقي، وفعل الـ "قراءة"
هو اقامة علاقة ما بين
القاريء والمقروء، فالأول
يسعى الى امتلاك الثاني
والاكتناز به، والثاني يعمل
على "ابتلاع " الاول وادماجه
ضمن احداثياته، وهي علاقة
جدلية بالمعنى الفلسفي
ترتكز على قانون "نفي النفي"،
فالقاريء بعد القراءة غيره
قبلها، والمقروء بعد
القراءة غيره قبلها، فقد انضاف المقروء
الى القاريء، وانضاف
القاريء الى المقروء. اذن
من هو القارىء وما هو
المقروء في هذا النص ؟ في
العنوان نرى لفظة "قراءة "
غير معرفة بـ"ال" او
بالاضافة وغير موصوفة بأي
نعت، مما يجعلها قابلة
للتشكل وفق طبيعة القارىء
الذي يقوم بها، كما يجعلها
مفتوحة على كل الاحتمالات
وغير مقيدة بزمان او مكان او
بقارىء محدد، بمعنى انها "قراءة"
القارىء، اي قارىء، في لحظة
اتصاله بالمقروء. اما
المقروء فقد تضمنه العنوان "قراءة
في اوراق..." لفظة "اوراق " هنا
تؤكد على السياق المعرفي -التوثيقي
للنص لتوصله الى حد
الهيمنة، بل وتكاد تفسد
ايحاء لفظة "قراءة "المتضمنة
فلفظة اوراق، فالقراءة لا
تكون الا في اوراق او ما
شابه، والشاعر يدرك مدى ما
يمكن ان تحدثه اللفظة من
فساد في السياق فيلحقها
بلفظة "الجسد" ليصبح
المقروء "اوراق الجسد"
محدثة بذلك "فجوة / مسافة
توتر"(4). فلفظة الجسد "نقلت
السياق الى الشعري/ الجمالي
مباشرة لتكسر النسق المعرفي
- التوثيقي، ومكتنزة به في
الآن نفسه، لتكسب لفظة "قراءة
" طاقات ايمائية اكبر
ودلالات أعمق لأن الـ"قراءة
في أوراق الجسد" غير أية
قراءة أخرى فهي قراءة
استثنائية لأوراق
استثنائية تنفتح على
البايلوجي والانثروبولوجي
والايديولوجي، على الطقسي
والمقدس والتابو، على
الجمالي والمعرفي، على
الحسي والمجرد، على
التاريخي والسياسي
والاجتماعي والحضاري، على
السري والمنتهك، على الحياة
والموت، على الآني والازل،
وبين كل هذه الاحتمالات
وغيرها، اختارت "القراءة "
ان تتخذ وجهة ما لمسعاها لكي
تتسق عنوانا لما سيأتي، ومن
هنا جاء ترصيف الجسد بـ"العائد"،
فيكون السياق "قراءة في
اوراق الجسد العائد". و"
العودة " لها احالاتها
وتداعياتها، وهي حركة في
الزمان والمكان، تتضمن
نقيضها الذي تنفيه، فكل "عودة
" يسبقها "نزوح " او "خروج " او
"اقتلاع" - قسري او اختياري-. عملية
الترصيف وتوجيه الدلالة هنا
جزء من التناغم بين
التوثيقي والشعري، حيث
يناغم السياقان في سياق
واحد منذ حدوث «الفجوة / مسافة
التوتر» في تعبير اوراق
الجسد ويستمر معنا حتى
النهاية. وحتى
لا تحيلنا لفظة "العائد" على
احتمالاتها المتعددة،وحتى
يكتمل السياق التوثيقي
الشعري، فان كينونة " العودة
" تتحدد بانها عودة من
الموت، هنا يكتمل السياق
وتتحدد المسارات الاساسية
للنص، وهنا ايضا تحدث هزة او
توتر بالتقابل بين لفظتي (الموت
) و(الجسد) الذي يصبح هنا
مرادفا للحياة فتتسع
دلالاته، ويكتسب بعدا
اسطوريا يحيلنا على
الميثولوجيا الاغريقية،
هرقل واوروفيوس (5). انوا
قراءة للجسد في لحظةالـ"
اسطرة "، في لحظة اكمال
معاينة تجربة الموت، في
لحظة العودة، ذلك ما يجسده
استخدام اسم الفاعل "العائد"
مما يعطي الـ"قراءة " طابع
الاستمرارية، ويبين اهمية
توثيقها شعريا، فالجسد
تجاوز الموت هنا، ليتاح
للقراءة ان تحيط بالتجربة
من لحظة وقوعها حتى لحظة
العودة منها، وفي لحظة
العودة مازالت علائم النزوح
المأساوي بادية على تضاريس
الجسد وفي تلافيفه لتصل الى
اعماقه. كان
يمكن للشاعر ان يستغني عن
لفظة "اوراق " في العنوان،
لانها تبدو نافلة للوهلة
الاول، ولكن بالترابط بين
العنوان والنص نتبين
اهميتها في السياق، حيث جاء
النص - الجسد بشكل مقاطع،
يمكن ان يمثل كل مقطع ورقة،
وهي اوراق متناثرة متداخلة
تجسد عنف التجربة وهولها،
حيث يبدو الشاعر، او يوهمنا
بذلك، وكأنه يعتني بتدوين
كل خلجة من خلجات الجسد،
ويعني بتقديمها للقارىء
بطزاجتها وحرارتها، اكثر من
اعتنائه بـ"تنسيق " و" تبويب
"اوراقه، ولكننا نتبين انه
يعتني بالاثنين معا بنفس
الدرجة. هكذا
يتسق شكل النص مع عنوانه مع
التجربة المعنية. طبوغرافية
النص اختار
الشاعر بحنكة موقف "القراءة
" ليقف خارج "الحدث " من اجل
الاحاطة به والنظر اليه
بشمولية، فتتسع الى أقصى حد
ممكن حريته وامكانيته في
اختيار زاوية او زوايا
تعاطيه مع "الحدث " وفي تحديد
طبوغرافية النص. ولان
الشاعر غير المؤرخ الذي
يقوم بتسجل كل المعلومات
والمعطيات المتاحة، فانه
بعد عملية مراكمة المعلومات
والملاحظات وهي لا تحصى حول
حدث كبير مثل الزلزال، يقوم
بعملية غربلة وفرز وانتقاء
وتوزيع لها، وهنا تبرز
ذاتية الشاعر بما يخدم
رؤيته او غرضه الجمالي. يتكون
النص من مقطع استهلالي،
وستة مقاطع مرقمة، وبعبارة
أخرى من ورقة استهلالية وست
أوراق مرقمة من 1-6من "اوراق
الجسد" بحسب العنوان،
وعلينا ان نلاحظ هنا اننا
امام سبعة مقاطع او سبع
اوراق. ويتكون
النص ايضا من مقاطع موزونة
ومقاطع منثورة، وثمة فواصل
بينها حيث تأتي الاخيرة
مؤطرة داخل اقواس، وهنا
يتساوى عدد المقاطع
الموزونة والمقاطع
المنثورة، سبعة مقاطع لكل
منهما، هذا التأكيد على
الرقم سبعة يحيلنا الى
طقسيته، الى قصة الخلق،
الايام السبعة، كما تضمنتها
الكتب السماوية، والتي يأتي
الزلزال، كيوم الهول، نفيا
لها، هكذا يبني شاعرنا نصا
ميثولوجيا يرتفع بالزلزال
الى مستوى القيامة. والشاعر
لا يطرح العلاقة مع الرقم
سبعة بهذا الوضوح، سوى مرة
واحدة عندما يشير الى قوة
الزلزال (سبع درجات بمقياس
ريختر). بل يلجأ الى حيلة فنية
بارعة، يلجأ الى التمويه،
تاركا لنا متعة البحث
والاكتشاف عن بقية مواقع
الرقم "7"، ودلالاتها. فالنص،
طبوغرافيا، ينقسم الى ورقة
استهلالية وست اوراق مرقمة
من 1-6كما اسلفت الورقة
الاستهلالية نثرية، بينما
تتوزع كل ورقة من الاوراق
المرقمة من 1-5الى قسمين،
الاول موزون والثاني نثري،
اما الورقة السادسة فان
المقطع النثري يتوسط مقطعين
موزونين، والعلاقة بين
المقاطع النثرية والمقاطع
الموزونة علاقة تواز، او
تعاقب مقطع نثري يوازيه او
يليه مقطع موزون. وتتضمن
المقاطع النثرية معطيات
توثيقية مثل الارقام فى
التواريخ والتواقيت وتحديد
الامكنة والمواقع والسرد
والوقائع والاخبار
والريبورتاج والتسجيل
والمعلومات وغير ذلك. اما
المقاطع الموزونة فتعتمد
بحر المتدارك، وهو من
البخور الصافية، والتفعيلة
فيه تتراوح بين "فعلن " و"
فاعلن ". غير
ان الشاعر يبدأ نصا الموزون
من المتقارب في السطر الاول
لينتقل مباشرة الى المتدارك
ابتداء من السطر الثاني،
وهذه حالة خاصة لا تتكرر في
القصيدة، حيث يقول: "
اذا زلت... وبكى
جسد الارض -
ايتها النخلة اليمنية -
امرأة البن كيف
يباغتك الاصفر - الموت والاسود
- الحزن(6) ويمكن
للشاعر ان يتخلص من التداخل
بين البحرين باضافة حرف "واو"
قبل الاقتباس القرآني الانف
الذكر، ولكن خبرة الشاعر
تتدخل لاضفاء مزيد من
الشعرية على المقطع،
فالإضافة المذكورة، تفقد
الاقتباس عنصر المفاجأة
وتجعله معطوفا على كلام
سابق، وملحقا به. كما
ان الشاعر من ناحية أخرى
يحافظ على مصداقية "الاقتباس
/ التضمين " بايراده، كما هو
دون تدخل او اضافة لانه عنصر
توثيقي هام، وهو يحيلنا الى
صورة قرانية (7) جليلة لاقصي
درجات الهول، وهذا ما سنشير
اليه لاحقا. عناصر
التوثيق الشعري في النص لا
يكتفي الشاعر باستخدام
عناصر توثيقية في النص مثل
التوثيق الزماني والمكاني،
والتسجيلي، والتضمين،
والقصدية، والسردي والرقمي...الخ،
ولكنه يعمد الى استحداث بنى
توثيقية كاملة في النص
قائمة بذاتها، ومستقلة عن
البنى الموزونة، كما مر بنا. واذا
استبعدت البنى التوثيقية،
انتظمت البنى الموزونة
المختلفة في بنية شعرية
واحدة متصلة دون انقطاع،
رتيبة ايقاعيا، رثائية،
غنائية، احادية البعد. غير
ان ادخال البنى التوثيقية،
يحطم النسق الرثائي الرتيب،
ويلبس النص حلة زلزالية
تقوم بخلخلة الذائقة الفنية
السائدة، او تربكها على
الاقل، لتعيد تنظيم نفسها
وفق معطيات جمالية مغايرة،
ولتتماهى مع او تنفي
الزلزال الواقعي لتفرض
زلزالها الجمالي الاكثر
شمولية وتجاوزا. وفي
الحقيقة ليس هناك تقسيم او
تحديد مسبق للعناصر
التوثيقية يمكن الاتكاء
عليها ربما لان هذه الدراسة
هي الأولى في هذا المضمار،
وبالتالي فهي تؤسس لاستنباط
بعض العناصر على ضوء النص،
بل لعل لكل نص يتعاطى مع
التوثيق الشعري عناصره
التوثيقية الخاصة به، اذن
ما هي العناصر التوثيقية
المستنبطة من نصنا هذا؟ اولا:
التوثيق الزماني والمكاني: في
الورقة الاستهلالية تصدم
اعيننا منذ البداية جهامة
التوثيق في اكثر صوره جفافا: (صنعاء:
الشارع الدائري الزمن:
13 ديسمبر 1982م الوقت:
الثانية عشرة و13دقيقة ظهرا..) هل
نحن هنا ازاء مذكرات ام محضر
ما ام رسالة ام....؟ اية وثيقة
تنتظرنا بعد هذا التحديد
الصارم ؟. ان الشاعر يطرحنا
امام ثلاثة معطيات توثيقية
اولها التحديد المكاني (صنعاء:
الشارع الدائري) وثانيها
التزمين بشقيه التأريخ (13
ديسمبر 1982م ) والتوقيت: (الثانية
عشرة...الخ ) وثالثها الكتابة
الرقمية (13، 1982م، 13). وهذه
المعطيات تربك النص الشعري
عادة، وتفقده شعريته، غير
انها هنا تعمق اللحظة
الشعرية وتعكس المدى الذي
حفر فيه الحدث (الزلزال ) وعي
الشاعر ليغرس نفسه، ان
اللحظة توثق نفسها بقوة
الزلزال وفجائيته، فالشاعر
لم يبدأ من مركز الزلزال (ضوران
) وانما بدأ من صدمته هو، من
الصدمة الزلزالية التي ضربت
محيطه، وهذا بداية تلقائية. إننا
نلتقي هذا العنصر في مطالع
المقاطع النثرية الثلاثة
اللاحقة وبالذات معطى
التحديد المكاني على النحو
التالي:- -
في المقطع النثري الثاني "جيبوتي:
محطة الارصاد الأولى "(9) -
في المقطع النثري الثالث: "ضوران:
الجامع الكبير"(10) -
في المقطع النثري الرابع: "ضوران:
المدرسة الابتدائية "(11) في
التحديدين المكانيين
الاولين (صنعاء، جيبوتي) نقف
على امتدادات الزلزال
وانعكاساته، وفي التحديدين
الثالث والرابع نقف في مركز
الزلزال وتأثيراته المهولة. لاحظنا
ان الشاعر اكتفى بالتزمين
في المقطع الاول فقط، ولم
يقم بذلك في بقية المقاطع،
فالنص يؤبد لحظة تاريخية
معينة، وهي (الساعة الثانية
عشرة و13دقيقة ظهرا) من تاريخ (3اديسمبر
1982م ) وانها اللحظة التي ينبني
فيها النص ويهدم "الجسد"
وعلى اساسها تقوم القراءة.
وهذه اللحظة تشد لحمة النص،
بعضه الى بعض، وتتيح
للقارىء/ الشاعر أن يلعب
لعبة "التزامن " بين
التحديدات المكانية
الاربعة المذكورة على النحو
التالي:- |