|
|||||
|
كيف
يتسنى لشاعر ينتسب للغة
ولعالم عربي ما قبل حداثيين
إن يكتب قصيدة "حداثية "، أو"
ما بعد حداثية "؟!. الحجة
التي تقول ان الشعر لا يعكس
الواقع بل يسبقه، ويستشرف
المستقبل، تبدو حجة مستساغة
في الظاهر.. ولكنها مخاتلة
غامضة وحمالة اوجه. فنحن حين
نقول ان القصيدة الحديثة
انما هي كذلك، لانها تنتسب
لعالم "حديث "، انما نقرر
صفة، ولا نضع معيار قيمة.
تماما كما نقول ان هذه
القصيدة "كلاسيكية " او "رومانتيكية
".. بل العكس صحيح ما يشرف
القصيدة "الحديثة " و"
الرومانتيكية " ان تكون
عظيمة. لاننا نعرف ان هناك
شعرا جيدا وشعرا رديئا، في
كل مراحل التاريخ الانساني.
وان كل صفة - غير هاتين
الصفتين - لا تعني باعطاء
قيمة. بل هي صفة انتساب
لمرحلة او مدرسة. ولهذه
الاخيرة تعود صفة "حديث " و"حداثي"،
و"ما قبل حديث " و"ما بعد حديث
". إن
كتابة قصيدة "غير حداثية "-
اذا اخذنا المصطلح الغربي
معيارا لا سبيل الى اغفاله -
تبدو، بالقياس المنطقي،
اكثر ملاءمة وتطابقا مع
كياني، كشاعر عربي، ومع
المرحلة التي انتسب اليها،
خاصة وان صفة الشعر الجيد
والشعر الرديء لن تعكر صفو
رغبتي في انجاز خبرة شعرية
نموذجية. إن
اوسع القواميس العربية
المعتمدة وضع، منذ بضعة
قرون، ليكون قاعدة مرجعية
لم تمنحها الظروف قدرة على
الاجتهاد. وحتى الاجتهادات
التالية ظلت حبيسة مؤسساتها
العلمية النائية عن تيار
الحياة الثقافية اليومي.
وانا اعرف دون خداع نفس، ان
شعري الذي اكتبه هو وليد هذه
اللغة، في اكثر مراحلها
حرجا وقلقا وتمزقا. ولي خيار
بين أن أرفق بها، أدفعها
بحنو الى الامام. دون ان
اقحمها، مرغمة، في مزيد من
الحرج والقلق والتمزق. وبين
أن احتال عليها، فأمنحها،
مرغمة، قناع المهرج. ولا
أحسب ان لدي خيارا ثالثا. ولا
أحسب أن حظ الحياة العربية
أوفر هن حظ اللغة العربية في
الانجاز بالاتجاه السليم.
فنحن باتفاق الشواهد واتفاق
اصحاب الاقلام، نتراجع
ونتخلف، فنهضتنا الفكرية
والروحية أصبحت بعد هذه
العقود الخمسة الاخيرة في
خبر كان وحياتنا السياسية
لم تعد تليق بأية لغة سليمة
معافاة. وحياتنا الاجتماعية
والاقتصادية تأخذ بخناقنا
جميعا. وما من مخرج. هناك
من يجد في شعره "الحديث "
مخرجا، او المخرج الوحيد.
ولم لا؟! يكتب شاعر طليعي
واسع التأثير والشهرة ان "كل
واقع نتجاوزه يوصلنا الى
واقع آخر
أغنى وأسمى"، وبهذه الرؤيا،
يحاول الشعر العربي الجديد
أن يقودنا صوب عالم جديد،
صوب انسانية جديدة بآفاق
وقيم جديدة. وحياتنا
اليوم يجب ان تكون في مستوى
هذا الشعر. فحارب الراحة
والكسل والعادة والارتخاء
والاستسلام والخوف من
المجهول. ونفلت قوى النفس
والخيال والحلم والمغامرة
والابداع. ذلك ان شعر
المستقبل لن يكون شكلا او
قاعدة. وانما سيكون طاقة
وينبوعا. الشعر
الجديد يستطيع هنا، بعصا
الساحر، ان يقود أمة تتراجع.
متداعية الى الخلف، صوب
عالم جديد. تماما كما استطاع
صوت أم كلثوم أن يقود أمة
شجاعة، بعصا الساحر، الى
هزيمة حزيران !! وجهان لمنطق
سحري واحد. فصوت ام كثوم
الفاتن وأغانيها المطربة
خدرت الشعب وقيادته عن
انجاز مهمته المقدسة. كان
هذا الرأي على لسان واقلام
كثير من منتقدي ثقافتنا
الادبية. كذلك الرأي الذي
يرو في "الشعر الجديد" هذه
القدرة السحرية على قيادتنا
"صوب عالم جديد" تجده اليوم
في اكثر من كتابة طليعية. غنائية
لفظية كهذه قادرة على
التوهم، تعكس عقلية لفظية
وفكرا لفظيا.. ولا تتوافر إلا
في لغة صحية. او لغة مسحوقة.
تستبدل الواقع بالحلم. او
تجرد الواقع من ملموسيته،
وتحيله الى صياغات مجردة
مفرغة من الدلالة. لغة هرسها
ومرغ كرامتها الاعلام
واليقين الايديولوجي. ولذلك
لا ترطب دعواها لمسة من شك.
ولا تلوث صفاءها شوائب
الحيرات. وأنا
في أغفل حقيقة أن الغنائية
اللفظية، وهي تتغذى من "الهوة
" التي تفصلها عن الواقي
الحي، قادرة على اللعب
الآسر. فهي تملك كل الالفاظ (على
هيئة أفكار ومواقف ومجازات
تعبيرية ) المترادفة
والمتناقضة ولا يعنيها من
هذا الترادف والتناقض الا
السحر الوليد فهي مثلا، لا
تتحرج من الهوس بفكرة "الحرية
".وفي ذات الوقت تندب حظ واقع
منحوس يفتقد لأي وعي
بالقانون او احترام له ولا
تتحرج من تهيامها بفكرة "الجنون
"- قرين الحرية:- في حياة عربية
فالتة من عقالها. وتحتاج الى
لمسة العقل الباردة. وتدعو،
مأخوذة بسحر الكلمة لا غير،
الى تحطيم المؤسسة، والخروج
عن عبوديتها، وهي تبكي، في
ذات الوقت، من غياب الوعي
بالنظام. وتحنو على "الأنا"
النبوية المتضخمة دون حياء،
في مجتمع مجموع ابنائه
أنوية نبوية تتزاحم وتتخانق. هذا
التناقض ليس حالة مرضية. لأن
الجانب الأول منه مفتعل
ومستعار. وهمي وكاذب. مأخوذ
بسحر الكلمة وحدها. جاعلا "الأدب
"عالم مفردات واساليب
خيالية لا علاقة له بخبرة
الفرد الروحية ولا بالحياة
جملة. فالداعي الى "الحرية "
الجامحة قد تراد عقائديا
يحاصر وجوده، عن ارادة،
بجملة مفاهيم لا يعرف أحد
مقدار صحتها. والمأخوذ "بالجنون
"- قرين الحرية !- قد ترده يشغل
ساعاته بالحساب الدقيق حول
مصالحه: مصالح العمل والجاه
والشهرة. والصارخ في وجه
العالم ضد المؤسسة قد تراه
يكتب قصيدته وانشاءه على
مكاتبها، مثابرا، شأن
الموظف المسلكي، لجعل
المؤسسة بابا مشرعا لكل
طموحاته... إن
المفارقة تحصل هنا بين
الحياة البائسة وبين
الالفاظ التي لا تفصح عنها
الألفاظ الوهمية المستعارة
ذات البريق. فهذه العزلة بين
الكاتب وبين ما يكتب. بين
الانسان وبين الأدب هي واحدة
من اكثر العزلات وحشة
وظلاما. (2) هناك
هوة تفصل بين الفصحى
والعامية، هوة تسكن كل شاعر
بالضرورة. وكل مبدع في مجال
الكلمة. شدت على خناق شاعر
مثل يوسف الخال فاخلق عزاء
فرديا مؤقتا في لغة محكية.
ومحاولته تنم عن حساسية
أخلاقية وابداعية في آن.
فالرجل مسكون بالثقافة
الغربية. ولكي يوحد بين
أفقها الحداثي الجديد وبين
قدرات عربيته التي ينتسب
اليها كشاعر حاول أمرا
مستحيلا حتى أن مقاربته بين
دعوته للغته المحكية، وهي
لبنانية، وبين دعوة "تي.إس
اليوت " للانتفاع من اللغة
المحكية التي لم تبتعد
كثيرا عن اللغة المكتوبة،
تبدو غير سليمة. هادي
العلوي اجتهد، مأخوذا بذات
المأزق، بتعطيل فاعلية
حركات الاعراب ولكنه استثنى
الشعر. لان الشعر لا يستقيم
ايقاعا دونها. ولكن هذا
الاستثناء ينطوي على معنى
أبعد من مقاصد العلوي. ان
مشروعه لا يختلف، من حيث
الدوافع، عن مشروع الخال.
فكلاهما يحاول بعث الحياة
في العربية التي بدت الهوة
بينها وبين لغة الناس
والحياة تزداد اتساعا وعمقا.
فما هو المعنى الأبعد الذي
خفي عن مقاصد العلوي ان لم
تكن تلك القناعة اللاواعية
بأن الشعر العربي يملك شيئا
من قابلية العزلة عن الحياة
وعن لغتها، يملك قابلية
دفينة: نمت لديه بفعل العرف
والموروث الطويل ؟ يملك
شيئا من الاستقلال حتى عن
الخبرة الروحية للشاعر الذي
يكتبه ؟ وإلا لم يستثني
الشعر ولغته من هذه المهمة
الباعثة على الحياة ؟! هناك
في موضوعة الشعر، هوة أعمق
من الهوة التي تفصل اللغة
الفصحى عن اللغة العامية.
هوة تتبطن الموروث الشعري
العربي منذ مراحله الجاهلية
الاول حتى اليوم هوة بين
الشعر كصناعة أدبية وبين
خبرة الشاعر الروحية، هوة
تكشف عن ضرب من استقلال النص
الشعور، بحكم ارتباطه بفنون
"الاغراض " الشعرية. هذه "الاغراض"
التي تنتسب لعرف جماعي عام
لا يدخل الشاعر فيه الا طرفا
منفذا بفعل قدرته اللغوية
والخيالية. طرفا اعلاميا. "المدح
" و"الهجاء"، وهما أقوى
محورين تجاذبا في الشعر
العربي. عطلا "فردية " الخبرة
الروحية لدى الشاعر، وهما
ينبوع من ينابيع "الثقافة "
العامة، افرغاها من هذه
الفاعلية وعبآها بفاعلية "الاعلام
" و"العقيدة ". فأصبح الشاعر
لسان حال العرف العام قبيلة
كان مصدر
هذا العرف او دينا او مذهبا
او سلطة مؤسسة. واستجابت
العربية، ذات المسحة
المقدسة، لهذا المنحى.
فأصبحت قواها اللفظية طبعا
فيها. اصبح سحر البيان يحلق
بالنص بعيدا لا عن الحياة
المعاشة الملموسة وحدها، بل
عن شاعرها ايضا. حين
ترجمت أحدى مدائح "الاعشى"
وهو صناجة العرب، الى ملك
الفرس، وجدها الاخير على شي
ء كثير من السخف. فقد تقشر
عنها سحر البيان. وبقيت حفنة
من معان مصنوعة تنتسب
لمخيلة لم تصدر عن قلب
الشاعر ووجدانه، بل عن ذهنه. هذه
"الاغراض" خلقت سياقا عاما
أولى خصائصه الاستقلال
اللفظي من خبرة الشاعر
الفردية والروحية. فالقصيدة
فيه ضرب من المهارة اللغوية
والخيالية عمادها الذكاء.
وامتد هذا السياق بأقنعة
تأخذ أصباغ كل مرحلة تحتال
عليها، وتنسبها لطبعها
الدفين، حتى يومنا هذا الذي
اتخذ فيه السياق الشعري
العام قناع "الحداثة "
الغربية بألوانها الكثيرة
الآسرة. ونحن بتركيبتها
الاكثر تعقيدا هذه المرة. الى
جانب هذا السياق العام هناك
تيار استثنائي بالضرورة.
فما من لغة عظيمة تخلو من شعر
عظيم. وهذا التيار هو الذي لم
تنتهبه "الاغراض ". ولم يغفل
خبرة "الفرد" الروحية داخل
الشاعر. ولم يأسره سحر
البيان وقواه اللفظية. ولا
سحر المخيلة وليدة الذكاء
والفطنة. بل سحر المخيلة
المفعمة بالذاكرة. وليدة
الوجدان المفعم بالخيرات. هذا
التيار الاستثنائي واضح
المعالم، يعرف ان الشعر في
كل العصور تتقاسمه جودة
ورداءة لا غير. وهو يحذر من
التصابيات الشكلية
واللفظية المنتسبة الى
مخيلة "الذكاء" وحده.
والتجديد لديه وعي للدلالة
لا للشكل، لان "الشكل" انما
هو "تشكل " المعاني الغامضة
التي تتطلع الى النوم. ان
انفعال الجسد لا يعرف أي شكل
ستأخذ حركته لحظة الرقص. وما
إن يتجسد الانفعال في
الحركة، حتى تصبح هذه، بفعل
التكرار، تقليدا. ومن هنا
تأتي طلاقة وحرية "الشكل ".
مشربة بضوابطه وقيوده.
تماما كما تخيل الشاعر
الصيني "ليوتشي " الشاعر وهو«
يقنص السماء والارض في قفص
الشكل ". ان الخبرة الروحية
لدى شاعر الكلمات هي التي
تولد شكها. وهذا الشكل يأسر،
بدوره الخبرة ويحيطها
باضلاعه كما يحيط القفص
بالطائر. الشكل
حر بفعل حرية الخبرة
الروحية، في القلق والتشك،
وفي تمنعها عن أية قناعة
مذهبية مطلقة، ودعاوي
فكرية، تأخذ شكل العقيدة. هذا
التيار يمتد من "طرفة "
وامرىء القيس، واشباههما،
مرورا بعمر بن ابي ربيعة و"بشار"
و"ابي نواس "و" ابن الرومي" و"
ابي العلاء" حتى اصوات فردية
في شعرنا الحديث لعل "السياب
وصلاح عبدالصبور وسعدي يوسف
والبريكان " يمثلون اوضح
نماذجها. ومن
الواضح ايضا ان هذه المخيلة
التي تنتمي الى الوجدان، لم
تقتصر على هذا التيار،
وكأنها في عزلة، بل هي تتخفى
في طيات السياق العام. وتطل
لمساتها الوجدانية بين حين
وآخر بين هذه القصيدة او
تلك، ولهذا الشاعر او ذاك. فأنت
تقع احيانا في مضمار "ابي
تمام " المهموم بالصنعة
وتكلف المهارة اللفظية
مهارة المخيلة، تحت وطأة "الاغراض
" ("المدح" خاصة )، على زهرة
وجدانه تأتلق بخبرة الروح.
تماما كما تقع في مطحنة
ادونيس اللغوية البارعة وفي
توالي صوره الذهنية، وسطوة
ذكائه في صدم انتباهة
القارىء، على جذوة مفاجئة
ملهمة للروح، حيية، دافئة
ومتواضعة تخلف وراءها ركام "الأنا"
المتضخمة، وبغموضها
الوجداني تتعالى على غموض
الاستعارات اللفظي: "
التخيل انحنى والنهار
انحنى والمساء- انه
مقبل ء انه مثلنا: غير
ان اسماء رفعت باسمه سقفها
الممطرا ودنت
كي تدلي وجهه،
فوقنا، جرسا اخضرا.. (من "اغاني
مهيار الدمشقي") ان
اية مقارنة بين هذه القصيدة
وقصيدة أخرى من ذات الديوان
تقول: "يصعد
الموت في درج - كتفاه بجع
وامرأة ينزل
الموت في درج – قدماه شرر
وبقايا مدن
مطفأة،- والفضاء
الذي كان أجنحة، يتمادى تمادى.. تبدو
مقارنة نافعة، لانها تدلك
بالبديهة على أن الشاعر كان
متواضعا، مغنيا، صادقا في
الاولى. وفي الثانية كان
متعاليا، ذهنيا ومفتعلا،
ولك ان تنتقل من الستينات
الى ثمانينات ادونيس لتختار
قصيدة عن الموت ايضا، تقول: "
دمه يقطر الآن من وردة
الفضاء من
حروف النحاس ومن كلمات
الحديد، وموعظة
الكيمياء. ليس
موتا كموتي كموتك،هذا موت
أوهامنا، دمه
الآن سجادة للسماء.. " (من "كتاب
الحصار") ان
قراءة مقارنة تجعل احدنا
يزدحم بالاسئلة: لم تتجرد
التجربة الصادقة من تزاحم
الاستعارات ؟ لم تنتخب
مشهدا يكون المقبل فيه
غامضا تعجز قدرات الشاعر عن
البت بأمره ؟ لم يتداعي
الخيال بفعل قوة سحرية في
الموسيقى، حتى ليبدو الشاعر
حرا تماما، ويوشك على
الفناء؟ وأخيرا
لم تعزز كل هذه العناصر ثقة
القارىء بالشاعر وبنفسه،
فتجعله مجتهدا، في تأويل
النص وتفسيره على هواه ؟ وهذه
القراءة المقارنة تجعلنا
نتساءل ايضا، بشأن
القصيدتين الأخريين: لم
تزاحمت الاستعارات فجأة
واصبحت ذهنية: وردة الفضاء-
حروف النحاس - كلمات الحديد-
موعظة الكيمياء- موت الوهم -
سجادة للسماء. وكذلك شأن
القصيدة الاخري؟ لم هذه
اللغة اليقينية في التعامل
مع مشهد طبيعته لفظية
ومخيلته ذهنية ؟ (ولم لا تجرؤ
المخيلة على التعامل معه
كصور كاريكاتيرية مثيرة
للضحك ؟) لم اختفى الشاعر
تماما.وحلت محل صوته كتل
بيانية وحانها اكتفت بفكرة
متعالية ظاهرة عن ان تنشغل
بمشاعر كائن مستضعف يتأمل
موضوعة الموت ؟ واخيرا لم لا
يفقد القارىء ثقته بالشاعر
الذي لا يخاطبه من قلبه، بل
من عقله. ويفقد ثقته بنفسه
بفعل عجزه عن الاستجابة ؟ ان
جيل ادونيس استبدل القصيدة
القديمة بقصيدة جديدة. فعل
ذلك السياب ونازك والبياتي
وكل من جاء معهم وبعدهم. ولكن
نزعة التجديد هذه بدأت تؤصل
خلافا جذريا بين تيارين،
منذ الستينات: تيار يشكل
ادونيس محورا رئيسيا فيه.
والأخر ينفرد به السياب
وبضعة اصوات لا تشكل، في
داخل السياق السائد، الا
مجرى محدودا. ولكن على درجة
عالية من الصلابة والفردية.
ولانني لا اؤخذ بالشكل. ولا
اعني بالوجه الظاهر من
العرف الشعري، فسيبدو حديثي
محاولة قسرية لقلب المقاييس
واللعب عليها. ولا
انكر أن في جوهر محاولتي هذه
قلبا للمقاييس ولعبا عليها.
لا لرغبة في اللعب، بل لان
هذه المقاييس ذاتها لا تملك
الا وجها ظاهرا لا يكشف عن
حقيقة. إن
الوجه الظاهر للعرف الشعري
يقول: ان الحداثة التي ألفها
الناس لدى السياب ومجموح
شعراء جيله ليست من الحداثة
الشعرية "الغربية " في شيء.
فلقد ظل هؤلاء، بالرغم من
الانتقالة من وحدة البيث
الى وحدة التفعيلة، أسرى
الرؤيا الشعرية التقليدية.
ولم تكشف قصيدتهم عن اصداء
وبروق القصيدة الجديدة،
وليدة العصر الجديد. ولذلك
تعالى صوت من مركزية هذا
الوعي بالجديد، التي تجسدت
بصوت ادونيس والقاعدة التي
خلفها وراءه. واعني بها
قاعدة مجلة "شعر"، وما
شاكلها، تعال هذا الصوت
ليعلن رغبته بالتجاوز
وقدرته عليه. من اجل ان يحقق
مستوى يستحق ان يسمى قياسا
بالقصيدة الغربية، حديثا،
ومعانقا لعصره، وبدأ ادونيس
يضع اللمسات النظرية لهذا
الصوت الجديد، دون توقف،
ولم تكن محاولته النظرية
منفردة في ساحة صامتة، على
العكس، كانت هناك اصوات لا
تقل حماسة، تتسابق في
اجتهادها من اجل اعطاء تصور
أدق للقصيدة الجديدة. يوسف
الخال يذكر، دائما، بمحاولة
"اليوت " من اجل اللغة
اليومية. وجبرا ابراهيم
جبرا لا يقيم وزنا لمسطح "الشعر
الحر" الذي يطلق على قصيدة
الرواد بفعل سوء الفهم لان
الشعر الحر الذي يتوجب ان
تسعي اليه القصيدة لا يعتمد
اوزانا بعينها، بل فيه ظلال
وزن يقارب وزن النثر ثم
يستشهد بـ" اليوت " ايضا. ان
هذه "اليقظة " للتجديد بدأت
عمليا في الستينات. متوافقة
مع حركة جيل جديد
شديد الاندفاعة والحماس
باتجاه حداثته وطليعيته.
وبقدر ما عزز هذا الجيل من
خطوات ادونيس واشباهه،
تعزز، هو بدوره، بصوت
ادونيس، حتى صارت موجة
التجاوز تتسابق، فيما
بينها، في عرض مهاراتها من
اجل توفير اكبر عدد من الاد
لة على مقدار استيعابها
للحداثة وللنزعة الطليعية.
ولم يتوقف الامر على الشعر
وحده، بل شمل كل فنون الادب،
وتجاوزها الى الفنون جميعا.
فصارت القصيدة واللوحة
والعرض المسرحي والسينما
التجريبية تحاول ان تعكس
اصداء وبروق "عصرنا الحديث ".
في بيروت او في طنجة او في
البحرين لا فرق. ولم
يغفل احد ان الستينات
الغربية كانت سنوات مخاض
لميلاد موجات في كل الحقول،
على درجة عالية من التطرف
ورغبة التجاوز. وهي بالرغم
من محدوديتها الا انها
مصوتة وصاخبة ومهرجانية.
تنطوي على صوت احتجاج على
العقل وعلى حداثة العقلية
التي امتدت قرونا. وتحاول ان
تشكك بالمسلمات العلمية،
وبقدرة اللغة على الدلالة.
ولقد سميت هذه الموجات باسم
"ما بعد الحداثة ". وكانت
باريس كالعادة، حاضنة هذه
الموجات ومغذ يتها، وسرعان
ما ترددت اصداؤها في
الولايات المتحدة
الامريكية، ثم في بلدان
الغرب عامة.ولكن كثيرين منا
غفلوا عن حقيقة ان هذه
الاصداء والبروق التي ترددت
في نصوص طليعيينا، لم تكن من
قرون "الحداثة العقلية
الغربية" بل هي من
فيض "ما بعد الحداثة "
اللاعقلية الغربية. بالرغم
من ان فعاليات القوى
العقلية في التجديد الشكلي
كانت تردد ما جربته الحداثة
الغربية في سنوات شبابها
الاولى في العشرينات
والثلاثينات. ان
معظم المساهمين في عملية
الابداع، في الاجيال
المتتابعة، منذ جيل ادونيس،
لم يعد يلتفت، حين يتوجه
لثقافة الغرب المعاصرة، الى
نصوص الحداثة المعهودة
كمصدر للمعرفة. بل هو يفتش
بدأب عن النصوص الطيعية
التي تنتسب، بالضرورة، الى "ما
بعد حداثته ". لم يعد يشبع
طموحه وتطلعه صوت "اليوت "، "بيتس"
او "فاليري" دعك عن صوت "كوليرج
" و" جوته " و"دانتي". انه يشعر
بمضيعة الوقت مع كل نصوص
القرون الغربية السالفة.
ويريد ان يحقق توازنه مع
حاضره، ومع مستقبله ايضا! ولكن
الطليعي لا يحب ان يذكره احد
بالبؤس. ان يعود الى البديهة
ويتساءل عن حاضره ما هو؟ وعن
مستقبله ايضا. وما علاقة هذا
الحاضر، وهذا المستقبل
بحاضر الطليعي الغربي
ومستقبله، وما شأن "خراب
البصرة " بـ " ما بعد الحداثة
" الباريسية والامريكية ؟ لا
احب ان ابتعد عن الوجه
الظاهر للعرف الشعري:
فلأتابع الحديث الذي بدأته. إن
هذا التيار التجديدي الذي
يمثل الحداثة الشعرية
الحقيقية، اذن، هو محاولة
استيعاب دقيقة للتجديد،
المابعد حداثي، ولم يكن
السياب، بفعل تجديده
المحافظ والتقليدي، حتى
محاولة استيعاب دقيقة
للتجديد الحداثي. لقد صرف
انتباهته الشعرية للموروث
العربي. وانتفع من خبرات
القصيدة الحديثة
الاوروبية، قدر المستطاع،
ولكنه، عبر هذين اندفع،
بصورة استثنائية الى
الاستغراق في تجربته
الروحية، والفردية. هذا
الشيء الاستثنائي الذي حققه
السياب، ما كان ليتحقق، في
رأيي، لولا غفلته عن مفاتن
الهاجس الطليعي للحداثة
الغربية. فقد انصرف لتحقيق
توازنه مع حاضر. المتخلف هو،
ومع مستقبله الذي لا يبعث
على الطمأنينة، ولم يلتفت،
عن جهل او تغافل، الى "حاضر"
الزمن الغربي ومستقبل الزمن
الغربي. إن
العودة الى البديهة تتيح
فرصة للاجابة عن اسئلة
كثيرة، تبدو محيرة داخل افق
الثقافة التي لا تنتسب
لنفسها، الثقافة التي فرضت
عليها الظروف الشاذة طبيعة
انفصامية مرضية. ان
الشاعر العربي لا يستطيع
تحقيق توازن بين ذاته
وتجربة وجوده وبين
حاضر العصر الحديث او
المابعد حداثي، بل ان هذا
الشاعر لايحتاج، أصلا، الى
تحقيق هذا التوازن. لانه
ينتسب، بحكم البديهة، الى
حاضر آخر. ولا عيب في ان يكون
هذا الحاضر منفيا، او بعيدا
عن حاضر حداثة الغرب وما بعد
حداثته. العيب في ان يفتعل
الشاعر انتسابه الى حاضر
غير حاضره. او ان يفبرك وجودا
روحيا وعقليا لا قاعدة
تاريخية له. التيار
الطليعي الذي نضج في
الستينات، ويمثل ادونيس
اكثر اصواته تأثيرا، هو
التيار الذي احتل اوسع
قاعدة في حركة شعرنا
المعاصر. فهو مأخوذ بفكرة "الحديث"
و"الجديد" بجملته.
بغض النظر عن اختلاف
تجمعاته مع بعضها، او حتى
اختلاف شعرائه مع بعضهم
البعض. ولكن
كيف يصح ان ينفرد المجرى
المحدود الذي يمثله السياب
وبضعة أخرون بالصلابة
والفردية ؟ وما صلة هذين
بالحداثة والقصيدة الحديثة
او الجديدة:؟ اعترف
بانني لم افكر يوما
بالحداثة معيارا لصلاحية
القصيدة وجودتها. ولا حتى
بالجدة. كنت افكر بالحداثة
على انها صفة انتساب لعصر.
وليست كمعيار قيمة، معيار
القيمة لدي هو تفرد الشاعر
في انصرافه لتجربته الروحية.
وصدق وعمق هذه التجربة هما
اللذان يولدان الشكل الصادق
والعميق. والمشاعر هي التي
تتشكل شعريا. وهي، بجمالها،
تولد الشكل
الجميل، وبجدتها تولد الشكل
الجديد. وبحداثتها تولد
الشكل اللاحديث وبلا
حداثتها تولد الشكل
اللاحديث. ولا افضلية
لانتساب على انتساب..هناك
شعر عظيم وشعر وسط وشعر
رديء، وهناك ما هو دخيل على
الشعر ايضا. ان
فردية التجربة الروحية هي
التي تحقق ردم الهوة بين
تجربة الشاعر وبين نصه
الشعري المأمول. ولان الشعر
العربي عرف هذه الهوة، بل
كانت، عبر تاريخه كلا، أحدى
أهم خصائصه واعمدة بنيانه،
فان الشعر جملة الذي يسعى
لتعميق هذه الهوة هو شعر
يردد في اعماقه الخفية
طبيعة الشر التقليدي
المهووس بالقوة الشكلية
واللفظية وبالصنعة. | |||||