سينما المخرج اليوناني
ثيوانجيلوبولوس

ترجمة: أمين صالح (ناقد وكاتب من البحرين)


في السبعينات، انبثق اليوناني ثيوانجيلومبولوس كواحد من أكثر الأصوات أصالة وجدة في عالم السينما، انه واحد من المخرجين القلائل في القرن الأول للسينما الذين سيجبروننا على إعادة تحديد ماهية السينما وما يمكن أن تكونه. ليس هذا فحسب، فأفلامه تجعلنا ننفتح على سؤال أكبر أعمق، والذي يغدو شخصيا بالنسبة لكل منا: كيف نرى العالم بداخلنا وحولنا؟

أفلامه تمتلك الجرأة على عبور عدد من التخوم: بين الأمم، بين التاريخ والأسطورة، الماضي والحاضر، السفر والبقاء، والانتماء والخيانة المصادفة والقدر، الواقعية والسوريالية، الصمت والصوت،المرئي واللامرئي (أو المكبوح)، بين ما هو يوناني وما هو غير يوناني. أفلام انجيلوبولوس لا تزعم بأنها تقول الحقيقة المطلقة، أو توجد حلولا للقضايا والمشاكل أو توجه رسائل مباشرة، لكنها تقترح الرغبة في التجاوز. التاريخ والأسطورة، اللحظات الوثائقية والغنائية، تجاور الحقيقي والوهمي، الواقعي والدرامي.. كل هذا يرغم المتفرج على إعادة صياغة كل ما رآه (أو سمعه) في ضوء جديد.

قبل نهاية فيلم "منظر في السديم"، في ميناء ثيسالونيكي، فجرا، الفتاة الصغيرة وشقيقها وممثل سابق يقفون جامدين فيما ترتفع من البحر يد رخامية هائلة بلا سبابة. في البداية ظهور اليد يبدو أشبه بشيء خارق، أشبه بالمعجزة، لكن فيما بعد نراها تنقل بواسطة هيليكوبتر عسكرية الى جهة مجهولة.

ما هي اليد؟ من أين جاءت؟ الى أين ستذهب؟ ما الذي تعنيه؟ بعض النقاد قالوا بأن هذا يمثل الماضي الكلاسيكي الذي لم يعد "يتصل" بالحاضر اليوناني. مع ذلك، فإن تجربة مشاهدة اليد، وهي تنبثق وترتفع، تخلق إحساسا بالرهبة، باللغز والغموض، بالكامن أو المحتمل.

يقول كيروساوا: "انجيلوبولوس يراقب الأشياء بهدوء ورصانة من خلال العدسات. ان ثقل رصانته وحدة نظرته الثابتة هي التي تمنح أفلامه قوتها."

في سينما انجيلوبولوس، التوتر بين شكل (وتكنولوجيا) صنع الفيلم ومحتواه الثقافي هو حاد جدا. بالتالي هناك الالحاح على تخطي الفجوة والبحث عما يسميه انجيلوبولوس "نزوع انساني جديد، طريق جديد".

إنه يقول: "العالم الآن يحتاج الى السينما أكثر من أي وقت مضى. ربما هي الشكل الهام الأخير من أشكال المقاومة ضد العالم المتفسخ الذي نعيش فيه. بالتعامل مع التخوم وتمازج اللغات والثقافات في يومنا، أحاول أن أبحث عن نزوع إنساني جديد، عن طريق جديد".

بطريقة أو بأخرى، يمكن اعتبار أفلام انجيلوبولوس "محاولات" لخلق أفلام، لصياغة نوع من الاتصال، لاعادة بناء الواقع والمخيلة والتاريخ والأسطورة.

الروائي ميلان كونديرا في كتابه "فن الرواية" يشعر بأن غاية الرواية هي "أن تكتشف ما تستطيع الرواية وحدها أن تكتشفه". أفلام انجيلوبولوس تعمل بطريقة مماثلة: انها تكتشف لنا ما تستطيع السينما وحدها أن تكتشفه (مع انها نادرا ما تفعل ذلك). مثل هذه الاكتشافات غالبا ما تكون مربكة، خاصة لجمهور اعتاد على الايقاع السريع والحبكات الهوليوودية الموجهة.

لم يجد انجيلوبولوس في بلده، اليونان، الحفاوة التي تضاهي تلك التي يتمتع بها خارج البلاد، في أوروبا بالتحديد.. إذ غالبا ما يجابه باللامبالاة والمعارضة.. وهو يعلق مبتسما: "أعيش وضعا غريبا في اليونان.. لدي أنصار متعصبون وأعداء متعصبون".

ذلك لأنه يكشف الزوايا الأكثر إعتاما من التجربة اليونانية وأيضا بسبب صعوبة أفلامه، وتحطيمها لكل ما هو مألوف ومعتاد في السينما، وخلوها من عناصر الترفيه والتسلية التي يطلبها الجمهور، أفلامه تستدعي تركيزا مكثفا ومرهقا.

أنجيلوبولوس - حسب تعبير مايكل ويلمنجتون - هو "أحد ألغاز السينما.. المستعصية على الحل".

يتحدث بيتر بروك، في كتابه "النقطة المتحولة"، عن وجود ثلاث "ثقافات" رئيسية في حياة الفرد. الأولى هي "ثقافة الدولة" حيث الثقافة تكون مفروضة علينا. الثانية هي "ثقافة الفرد" التي تتصل بالعالم الذي نخلقه فيما نرتد داخل ذواتنا أو نحاول الوصول الى الآخرين. الثالثة هي "ثقافة الصلات": انها القوة التي تستطيع أن توازن تشظية عالمنا. إنها تتصل باكتشاف العلاقات، حيث مثل هذه العلاقات تصبح محجوبة ومفقودة - بين الانسان والمجتمع، بين عرق ما وآخر، بين العالم والكون، بين البشر والآلات، بين المرئي والخفي - وسط الطبقات واللغات والأنواع.

سينما أنجيلوبولوس هي السينما التي تعبر حدود المجالين الأوليين من الثقافة - الدولة والفرد - لارتياد واستكشاف "ثقافة الصلات". أفلامه تظهر لنا مثل هذه التنويعة من الشظايا:

ثمة يد تنبثق من البحر، أداء درامي متروك دون اكتمال، رحلات غير منجزة أو لا تصل الى أي مكان، خطوات معلقة أو مؤجلة دون أن تتحقق على الاطلاق.

إن فكرة وأسلوب وبنية وتشكيل ونسيج أفلامه هي التي توفر لنا الوسائل لتجاوز التشظي ومن ثم الدخول في ثقافة الصلات. ومع ذلك فإن جزءا مما هو متميز واستثنائي بشأن سينما انجيلوبولوس هو أنه يدع لنا فعل خلق هذه الصلات.

ما الذي يعنيه انبثاق اليد من البحر؟ ما الذي نستنتجه من تصفيق الأهل والأصدقاء، في استحسان، فيما يقفون حول القبر؟ أي ضرب من الزفاف ذلك الذي يتم عبر نهر يمثل التخم بين بلدين يضمران العداء لبعضهما؟ ما الذي نفهمه من لقطة طويلة ممتدة، لمئات من اللاجئين الصامتين الأشبه بالتماثيل والذين يقفون جامدين في أرض ألبانية فيما هم ينوون دخول اليونان مرة أخرى بصورة غير شرعية:

الفيلم يمكن أن ينتهي بالتوكيد على عزلة الشخصية، كما في أفلام شارلي شابلن حيث يمضي في اتجاه الطريق العام هائما وحده، أو يمكن للنهاية أن تقترح، بشكل أو بآخر، اعتناقا، وبالتالي، احساسا بالتجربة المشتركة، ومحاولة لخلق وحدة جماعية.

إن نهايات انجيلوبولوس تنتمي الى الفئة الثانية. ومن الجلي أن أفلامه تعبر الحدود لتؤسس صلات تحقق قبولا بالشظايا التي تفضي الى الاحساس بالجماعة.

حتى في فيلمه "تحديقة يوليسيس"، بالرغم من رعب الحرب البوسنية الدائرة والفقد الشخصي الذي يشعره البطل، فإنه لا يكون وحيدا. نحن نتركه متحدا مع الفيلم الذي كان يبحث عنه، ومن ثم، مع التراث الكلي للتاريخ والثقافة اللذين لا يتصلان بهذا القرن فحسب، بل تمتد جذورهما الى آلاف السنين في الماضي.. الى زمن هوميروس وما قبله.

أنجيلوبولوس صوت فذ ومتميز في السينما. أسفاره "الأوديسية" الداخلية المعروضة على الفيلم تذكرنا، ونحن نشرف على نهاية القرن، بما كتبه شاعره المفضل جورج سيفيريس قبل سنوات:

" لا أريد أكثر من أن أتحدث ببساطة،

أن أكون موهوبا بهذه النعمة الالهية.

لأننا أرهقنا الأغنية بالكثير من الموسيقى

الى حد أنها تغرق تدريجيا

وزخرفنا فننا كثيرا

الى حد أن معالمه تآكلت بفعل الذهب

فقد حان الوقت لنقول كلماتنا القليلة

ففي الغد سوف تقلع الروح.

أفلام ثيو أنجيلوبولوس تندرج ضمن سينما التأمل. إن محاولته المدروسة للتحليق بعيدا عن الشكل والسرد التقليديين، ترغم المتفرج على انتحال دور المشارك في التأليف والمشارك في رحلة الشخصيات على حد سواء، إذ يتعين عليه أن يتأمل الصور او الأحداث التي تتجلى على الشاشة، بالتالي يتوجب عليه أن يتوسط بين مستويات الواقع والعرض وهذه المستويات ليست مغلقة ولا منظمة كليا.

بخلاف أفلام هوليوود السائدة التي تعتمد على الحركة (Action) والزاخرة بالأحداث، فإن في انجيلوبولوس لا نجد القليل من الأحداث. إنه يعتمد على التوتر الاستثنائي المتولد بين ما هو معروض في الصور الممتدة التي نشاهدها وتلك الصور الغائبة عن الشاشة.

كل ما يعتبر دراميا أو حدثا مهما في القصة يحدث خارج الشاشة: في فيلم "اعادة بناء" تقع الجريمة داخل البيت فيما الكاميرا مركزة على خارج البيت، اغتيال السجين السياسي في فيلم "أيام 36" يحدث خارج الشاشة فيما الكاميرا مركزة على نافذة الزنزانة حيث يقع الاغتيال، حادثة الاغتصاب في فيلم "منظر في السديم" غير مرئية وغير مسموعة، إنما نرى النتيجة فحسب حيث تتحرك الكاميرا نحو الفتاة الصغيرة التي تحدق في يدها الملطخة بالدم.

إن مثل هذه الأحداث نراها - نحن المتفرجين - بمخيلتنا فقط، وهذا نابع أيضا من تأثر انجيلوبولوس بالتراجيديا اليونانية التي كانت تخفي الكثير من مشاهد العنف خارج المسرح بحيث يتمكن الجمهور من التركيز على النتائج وليس الأفعال، والشي ء نفسا ينطبق على المسرحين الصيني والياباني.

بترك الأشياء / الأحداث خارج الشاشة فلا نواها ولا نسمعها، فإن انجيلوبولوس يغذي مخيلتنا وينشط أذهاننا ويرغمنا على أن نكون مشاركين بفعالية في عملية "قراءة" الصور التي تفيض أمامنا. إنه يجعل أفلامه مكشوفة ومباحة أمامنا لنكملها في أذهاننا، وبذلك نختبر الموضوعات والقضايا والشخصيات والحكايات من منظور جديد، هذا يعكس الافلام التقليدية التي تقدم لنا كما هائلا من المعلومات عن الشخصيات والأحداث بحيث نشعر، عند انتهاء الفيلم، بأننا نعرف كل شيء. الدراما، حسب المفهوم المسرحي الغربي، بالكاد توجد في أفلامه، وفي بعض المشاهد لا توجد على الاطلاق.. لا كلام، لا حركة (أو القليل من الحركة). مثل هذه المشاهد السكونية، الصامتة، تحرك المخيلة، وتدفعنا الى التأمل والسبر والتأويل.

إن انجيلوبولوس يأمل، من خلال أفلامه، أن يخلق نوعا جديدا من الجمهور "ليس المستهلك الذي يستخدم عواطفه ومشاعره فقط، لكن الذي يستخدم عقله.. المتفرج الذي كان بريخت يتوق الى العثور عليه".

غالبا ما يشير انجيلوبولوس الى بريشت ضرورة أن يفكر الجمهور ويشعر في المسرح والسينما. مع ذلك، فإننا لا نختبر شيئا قريبا مما يمكن تسميته بتأثير "التغريب" بالمعنى البريختي. على العكس تماما، إن دمج الواقعي بالمسرحي في أفلامه غالبا ما يقودنا نحو اتصال عاطفي أعمق وأكمل مع الفيلم.. هذا الاتصال الذي يعانق عقولنا المفكرة أيضا.

في أفلامه نجد ذلك التزامن والتداخل بين الواقعي والتخيلي، بين الواقعي والمسرحي (السينمائي): فيلم "الممثلون الجوالون" يبدأ بستارة مسرح مغلقة وعندما تنفتح ندخل في السرد وفي الحياة "الحقيقية" للممثلين، فيلمه "رحلة الى كيثيرا" يبدأ فيما يحاول مخرج سينمائي أن ينجز فيلما عن رجل عجوز يشبه والده، وسرعان ما يتداخل الواقع والفيلم على نحو غامض، فيلمه "تحديقة يوليسيس" يتعرض لعدد من الأزمات الواهنة في دول البلقان لكنه يتمحور حول البحث عزر فيلم صفق د يقال أنه أول فيلم أنجز في البلقان، وحتى في فيلم "منظر في السديم"، الذي يتسم بالواقعية، ثمة العديد من المشاهد التي تشير الى "المسوحي" أو "اللاواقعي".

انجيلوبولوس مسكون بماضي القرية اليونانية وحاضرها ومستقبلها المحتمل، واذا علمنا بأن نصف سكان اليونان تقريبا يقطنون في مدينة واحدة هي العاصمة أثينا، فإنه يمكن النظر الى اليونان باعتبارها بلدين مختلفين. أثينا في جهة، والمدن والقرى الأخرى في جهة ثانية ومن المهم الادراك بأن الفجوة بينهما كبيرة وتتسع مع كل عام، مع كل اختراق تكنولوجي، مع كل ما يظهر في الأفق من خلل أو مشكلة مدينية معاصرة: التلوث، الجريمة.. وما شابه.

هكذا أدار انجيلوبولوس ظهره، بوعي، الى المدينة (التي ولد فيها) والثقافة (التي تربى عليها). ونظرا لأنه ليس من الشمال ولا من القرية، فإنه بهذا المعنى يكون دائما ذلك اللامنتمي، الغريب الأجنبي داخل بلده، الباحث عما لا يستطيع أن يجده في أثينا أو في الثقافة التي كان يعرفها.

انجيلوبولوس الذي يتباهى بأنه قد زار لحل قرية في اليونان، قال ذات مقابلة: "القرية هي عالم كامل في صورة مصفرة. للقرى اليونانية القديمة روح وحياة، إنها مليئة بالعمل واللعب والأعياد... نحن بحاجة الى العودة الى تلك الأماكن لنجد الكثير مما لا يزال أصيلا وصادقا ومهما لحياتنا".

اليونان المرئية في أفلامه تختلف عن اليونان التي نجدها في أفلام الآخرين حيث المواقع السياحية الجميلة والصور المتألقة والأنماط الرومانسية. إنه يقدم اليونان من منظور وبؤرة وزاوية مختلفة تماما. إنه يصور "اليونان الأخرى" تلك التي كانت مهملة مكبوحة، منبوذة، ومحجوبة. إنها يونان الفضاءات القروية، المساحات الصامتة، الأصداء الميثولوجية، الاتصالات المفقودة، المناظر الطبيعية الشتوية، الجوالين الهائمين، اللاجئين، المسكين بلا خشبة مسرح ولا جمهور، الطرقات الوحيدة في الليل، القرى المأهولة المقاهي الرخيصة، غرف الفندق المتصدع.

إنها ليست يرنان الملصقات السياحية أو المواقع الأثرية. اليونان، لحما تظهر في أفلام انجيلوبولوس، هي "في مكان أخر"، في مكان غير أثينا ومراكز السياحة. فضلا عن ذلك، فإن هذه "اليونان الأخرى" هي الحياة الأخرى التي يفضل كل واحد منا أن يكنسها تحت البساط، أو يحبسها أو يتجاهلها ويستهين بها.

إن انجيلوبولوس لا يلجأ الى الايهام بالواقع. عندما يحقق أفلاما عن "اليونان الأخرى" فإنه يصور في "اليونان الأخرى".. في القرى النائية المعزولة والمهملة والمنسية. الموقع يصبح شريكا مساويا تقريبا للقمة والشخصيات.

منذ أول أفلامه، صمم على أن يواجه هذه اليونان الأخرى.. يقول: "لقد كان ذلك اكتشافا ليونان أخرى لم أكن أعرفها. لقد التقيت مصادفة بالفضاء الداخلي الذي كان مجهولا بالنسبة لي ولأغلب أبناء جيلي.. أعني أولئك الذين ولدوا ونشأوا في المدينة، وتجاهلوا أو حتى استخفوا بهذا الواقع الأخر. لقد كان ذلك اكتشافا حقيقيا بالنسبة لي".

قبل تصوير فيلمه "الممثلون الجوالون" أمضى شهورا وهو يبحث عن المواقع النائية والتي ظلت كما هي دون أي تغيير والتي يمكن أن تتلاءم مع المراحل التاريخية المتعددة التي يقتضيها الفيلم. لقد زار تقريبا كل قرية وبلدة في اليونان، والتقط أكثر من ألفي صورة فوتوغرافية، ثم قام برحلتين حول اليونان مع مصوره السينمائي أرفانيتيس.

إن حس انجيلوبولوس بالتاريخ يتضمن الرغبة العارمة في إعطاء مصداقية للموقع الذي يصور فيه المشهد، لقد أصر على تصوير أغلب مشاهد فيلمه "الاسكندر الأكبر" في الشتاء، وفي قرية نائية، وقد استغرق بحثه عن هذه القرية عاما كاملا.

واذا كانت هوليوود تجترع المعجزات في محاولة إقناعنا بمصداقية المواقع حيث تحول سهول اسبانية الى سهوب روسية مغطاة بالثلوج (كما في فيلم "دكتور زيفاجو")، فإن انجيلوبولوس يرفض مثل هذا التلاعب والتحايل، وينظر الى الموقع بوصفه شخصية وحبكة.

وقيما يتعلق بـ "تحديقة يوليسيس"، فقد كان انجيلوبولوس يرغب في تصوير مشاهد سراييفو في المدينة نفسها، رغم أن الحرب كانت زائرة آنذاك. وقد سعي لمدة عامين كي يحصل على ترخيص بالتصوير هناك لكن دون جدوى، وذلك خوفا على حياته وحياة العاملين معه. وعندما سئل لماذا يجازف بالتصوير في المواقع الحقيقية رغم المخاطر والصعوبات أجاب انجيلوبولوس:

"أعتقد أن شيئا استثنائيا: وغير اعتيادي يحدث في الموقع، في المكان الواقعي. وأنا لا أعني فقط القدرة على تصوير الديكور أو المنظر الطبيعي فعندما أكون في المكان الذي أعين فيه الفيلم تكون كل حواسي الخمس متأهبة وفعالة. أصبح أكثر وعيا. بالتالي أشعر أنني أعيش التجارب التي أريد أن أصورها".

أفلام ثيو انجيلوبولوس تتعامل مع التخوم والحدود والحواجز: الذاتية والقومية، المعاصرة والغابرة.

وهو بشكل خاص، يبدي اهتماما عميقا بماضي وحاضر دول البلقان بوصفها أقاليم جغرافية، ثقافية،روحية. إنه واع، على نحو موجع، بأن الحدود كانت دائما متغيرة ومتحولة في البلقان.

"كم تخم علينا أن نعبر حتى نصل الى البيت ؟.. هكذا تساءل أحدى الشخصيات في فيلم "خطوة اللقلق المؤجلة". والتساؤل نفسه يتكرر في فيلمه "تحديقة يوليسيس".

إن انجيلوبولوس يدرك بوضوح أن جميع البلدان التي تشكل البلقان تتقاسم الكثير من الماضي نفسه، وبالأخص في وقوعها تحت الهيمنة التركية لمئات من السنين.

يقول انجيلوبولوس:

"يستحيل علينا أن نفهم لماذا، في نهاية القرن العشرين، يقتل بعضنا البعض. هل يهتم السياسيون المحترفون في أي مكان ؟ العديد من الأمم، ومن بينها اليونان، تتسلق على أجساد القتلى من الابرياء.. إني أشير الى ذبح الألبان الراغبين في ترك وطنهم، هنا في اليونان، من أجل مصالح سياسية معينة إني أرغب في سياسة جديدة في العالم ذات رؤية، وهذه لن تكون مسألة توازن اقتصادي وعسكري، بل لابد أن تكون شكلا جديدا من أشكال الاتصال بين الشعوب".

يتعرض انجيلوبولوس في أفلامه الى سوء استعمال السلطة، بكافة أشكالها، وما ينجم عن هذا الفعل من عنف ومعاناة. كما يتعرض الى النظرة الأحادية، المتعصبة العدائية، الموجهة نحو الآخر، المختلف والذي يعتبر عدوا لمجرد اختلافه في المعتقد أو الموقف أو السلوك، إنه يظهر حجم المعاناة عند الأخوين التي يسببها اخفاقنا في قبول أو محاولة فهم الآخر المختلف.

وحتى عندما يتناول أشكال الفاشية فإنه لا يلجأ الى الأنماط المعروفة والنماذج المبسطة، ولا يطرح الأحكام المسبقة النابهة من موقف ايديولوجي ما. انه بالأحرى يجعلنا نعي جذور وطبيعة الفاشية، وندرك بأن هؤلاء الذين اعتنقوا الفاشية ليسوا بالضرورة مستبدين وقساة وأشرارا بالفطرة بل هم جوهريا أسرى إغواء لا يقاوم: المال، البزة العسكرية، القوة، النفوذ.. مثل هذه الاغواءات كافية لأن تجتذب الآلاف أو الملايين من الشباب.

من خلال أفلامه يتساءل انجيلوبولوس. كيف يمكننا أن نؤسس مجتمعا يزدهر فيه الفرد بلا خوف ولا قمع ؟ كيف يمكن تأسيس نوع مختلف من التجمع البشري؟ كيف يمكن إذابة التعارض بين الفرد والجماعة ؟

السفر والحاجة الى وطن - شخصي، سياسي، جمالي، تاريخي، جغرافي - محور كل فيلم حققه انجيلوبولوس.

للرحلة امتداد في الميثولوجيا اليونانية: لنأخذ حكاية أجاممنون ويوليسيس، كلاهما يعود من الحرب باحثا عن الوطن، عن البيت. الأول يعود من طروادة ليلقي مصرعه على يد زوجته، والثاني يقوم برحلة تدوم سنوات.

لكن الرحلة في أفلام انجيلوبولوس لا تنتهي نهاية سعيدة. الشخصيات إما أن تظل في حالة تجوال دائم (الممثلون الجوالون) أو لا تصل أبدا الى المكان الذي تريده (رحلة الى كيثيرا) أو أنها تعود لكنها تجد نفسها منبوذة ومرغمة على العودة الى المنفى (رحلة الى كيثيرا) أو تواجه الموت (مربى النحل). كل سفر هو بحث.. بحث شائك محفوف بالرجع: بحث عن الوطن، عن البيت، عن الأب، عن الهوية.

"التاريخ لم يمت، إنه يأخذ غفوة فحسب". يقول انجيلوبولوس. طوال سيرته الفنية كان مفتونا كليا بالتاريخ.. التاريخ اليوناني بالتحديد. وعلى الرغم من أنه يتناول أحداثا حقيقية - الاحتلال الألماني مثلا - إلا أنه في استخدامه أو تمثيله لأحداث كهذه، يتجنب أي تصوير مبسط أو تقليدي للتاريخ.. ذلك لأن أفلامه تقودنا الى استجواب ماهية التاريخ نفسه، وماذا يعني أن تكون يونانيا أو، بالأحرى، فردا داخل أية دولة.

إنه يرغمنا على إعادة النظر في مفهوم التاريخ وذلك حين يستحضر على الشاشة التاريخ المنسي والمسكون عنه (الحرب الأهلية، مثلا). وهو في أعماله يستفيد من الحكايات الشعبية والأساطير والأحداث الواقعية، ويقدمها معا بحيث يدفعنا الى تجاوز الأحداث نفسها لنسأل أنفسنا عن أهميتها ومعناها.

إنه ليس مؤرخا يصنع فيلما بل هو فنان يتعامل مع التاريخ انطلاقا من رؤية خاصة ومنظور مختلف. وبخلاف

المؤرخين هو لا يحاول استنباط أو تقديم نتائج أو أحكام نهائية. إنه معني أكثر بأسر شيء من الفيض المتحرك للصور تاركا تقرير المعاني للمتفرجين. من خلال تقاطع التاريخ مع عناصر ثقافية أخرى، لا يسعى انجيلوبولوس الى تقديم التاريخ المسكوت عنه فحسب، بل يريد أيضا أن يحذر من خطورة السعي الى استنباط استنتاجات بسيطة وساذجة من المدى الضيق للتاريخ.

في أحد مشاهد فيلم "الممثلون الجوالون" نرى مجموعة من الممثلين يسيرون عبر بلدة في شمال اليونان. المشهد يستغرق عشر دقائق على الشاشة، ومصور بلقطة مصاحبة Tracking دون قطع. في بداية المشهد نقرأ التاريخ (1952) وعندما تصل المجموعة الى حانة البلدة، يصبح التاريخ 1939.. كما لو أن كل دقيقة من الزمن السينمائي تعود بهم سنة الى الوراء.

هذا المشهد لا يشير فحسب الى تجريبية انجيلوبولوس مع اللفة السينمائية، بل أيضا الى اهتمامه العميق بالتاريخ بشكل عام، والتاريخ اليوناني بشكل خاص. المرئي من خلال المصائر الفردية. التاريخ نفسه يصبح شخصية رئيسية.

إن أفلام انجيلوبولوس