جونتر جراس: طبل الصفيح

الصـور المرافقة
الصور المرافقة

ترجمة: حسين الموزاني ( مترجم من العراق يقيم في المانيا)


الثوب الواسع

اعترف : بأنني نزيل إحدى مصحات العناية والعلاج، حيث يراقبني ممرضي، وبالكاد يصرف النظر عني، إذ أن ثمة عينا سحرية في الباب، بيد أن عيني ممرضي ذات لون بني غير قادر على رؤيتي، أنا الأزرق العينين. لذلك لا يمكن أن يكون ممرضي عدوا لي. لقد كسبت وده، وكنت أقص على الرقيب المتطلع خلف الباب، حالما يطأ غرفتي، وقائع من حياتي،، لكي يستطيع التعرف علي، على الرغم من العين السحرية التي كانت تعوقه، بدا أن هذا الرجل الطيب كان يحترم ما رويته عليه ويقدره، فكان يخرج لي، عندما أكذب عليه بعض الشيء، تطريزاته الجديدة، لكي يظهر نفسه عارفا. وقد استقبلت الصحافة معرض ابتكاراته استقبالا حسنا، وأغرت كذلك بعض المشترين كان يعقد بابتذال خيوط القنب التي يجمعها من غرف المرضى بعد انتهاء الزيارات ويفككها على هيئة أشباح متعددة الطبقات مرتبطة ببعضها، ثم ينقعها بالجبس ويتركها تجف، ليشكلها في دبابيس مثبتة بقواعد خشبية. وكثيرا ما كانت تراوده فكرة أن يبدع أعماله بالألوان، وكنت أنصحه بالعدول عن تلك الأفكار، مشيرا الى سريري المعدني المطلي بالدهان الأبيض، وأرجوه أن يتخيل هذا السرير المتكامل ملونا. فكان يصفع رأسه بيديه الحانيتين التضميديتين من شدة الهلع، ويحاول في الوقت ذاته أن يعبر من خلال وجهه المنكمش والمتصلب عن مخاوفه كلها، فيكف عن خططه اللونية.

وبهذا المعنى، فإن سريري المعدني ذا اللون الأبيض في هذه المصحة، يعتبر معيارا للقياس، بل إنه يعني أكثر من ذلك : فهو الهدف الذي تحقق أخيرا، وهو عزائي وسلواي، ويمكن أن يصبح عقيدتي وايماني إذا ما سمحت لي إدارة المصحة بإجراء بعض التعديلات عليه. كأن أرفع مثلا قضبان السرير المشبكة الى الأعلى حتى لا يقترب مني أحد. ويحدث أن تقطع الزيارة الأسبوعية سكينتي المنسوجة بين قضبان الحديد البيضاء، ثم يأتي أولئك الذين كانوا يريدون انقاذي، مستمتعين بحبهم لي، والذين رغبوا من خلالي في التعرف على أنفسهم وعلى مقدرتهم وعمق احترامهم، كم كانوا يبدون فاقدي البصيرة، ومتوترين، وبلا تربية، وهم يخدشون بقلامات أظافرهم قضباني المشبكة بيضاء الطلاء، ويخططون بأقلامهم الجافة أو زرقاء الحبر أشكالا وقحة على الشراشف، وكل مرة كان المحامي المكلف بالدفاع عني يقلب قبعته النايلون فوق القائمة اليسرى عند نهاية السرير بعدما يفجر الغرفة بتحيته العاجلة. وبقدر ما تستغرق زيارته من وقت - إن المحامين يتمتعون عادة بقابلية مندهشة على الحديث - فإنه يسلب مني بهذا العمل القاسي مرحي وتوازني.

وبعدما يضع زواري هداياهم فوق المنضدة البيضاء المكسوة بقماش من المشمع والمنتصبة أسفل اللوحة المائية لشقائق النعمان، بعد تمكنهم من استعراض محاولات الإنقاذ الجارية آنذاك، أو المزمع القيام بها، واقناعي، أنا الذي يسعون كلهم بلا كلل الى انقاذه، بذلك المستوى الراقي لحبهم للآخرين وغيرتهم عليهم، فإنهم يجدون لذة ومتعة في وجودهم ذاته.

حينئذ يدخل ممرضي لكي يهوي الغرفة ويجمع شرائط الهدايا، كان كثيرا ما يجد بعد التهوية وقتا للجلوس على حافة السرير ويفك عقد الشرائط، مشيعا جوا من السكينة في الغرفة، حتى أنني أطلقت اسم السكينة على برونو واسم برونو على السكينة.

لقد اشترى برونو مونستربيرغ - أعني ممرضي، لكي أتخلى عن اللعب بالكلمات - خمسمائة ورقة من ورق الكتابة على حسابي الخاص. وسيقصد برونو الأعزب، والذي ليس له أطفال والقادم من ناحية "زاورلاند"، في حالة أن يبدو احتياطي الورق غير كاف، يقصد مرة ثانية دكان اللوازم المدرسية، والذي يبيع لعب الأطفال أيضا، وسيوفي لي مكانا خاليا من الخطوط وضروريا لذاكرتي التي أتمنى أن تكون دقيقة.

إنني لم أكن قادرا على أن أطلب من المحامي. أو من صديقي كليب تقديم هذه الخدمة. وأحضر لي برونو ذلك الشيء الذي كان سيمتنع أصدقائي عن احضاره والتزاما بالحب الموصى به لي، أحضر الشيء الخطير الذي ينطوي عليه الورق الخالي من الكتابة، والذي من شأنه أن يتيح لي فرصة الاستفادة منه ولنفسي التواقة دوما الى إطلاق المقاطع الكلامية.

عندما قلت لبرونو "آه يا برونو، هل بإمكانك أن تشتري لي خمسمائة صفحة من الورق البريء"، أجابني وهو يتطلع الى سقف الغرفة، رافعا سبابته في الاتجاه ذاته، ناشدا المقارنة : "تقصد ورقا أبيض يا سيد أوسكار" لكنني كنت مصرا على كلمة بريء، وتوسلت به أن يلفظها أيضا في دكان القرطاسية. وحين عاد بحزمة الورق في المساء المتأخر أراد أن يظهره باعتباره برونو الذي تحركه الأفكار. كان قد ثبت بصره مرات عديدة في سقف الغرفة الذي كان يستلهم منه تأملاته وخواطره، ثم قال بعد فترة صمت طويلة : "انك نصحتني باستخدام المفردة الصحيحة فطلبت ورقا بريئا، لكن وجه البائعة اصطبغ بالحمرة قبل أن تجلب لي ما طلبت".

فشعرت بالأسف لأنني أطلقت صفة البراءة على الورق، خشية أن يلحق ذلك حديث مستطرد عن البائعات في محل القرطاسية والتزمت الهدوء، منتظرا أن يغادر برونو الغرفة، وفتحت بعد ذلك الحزمة ذات الخمسمائة ورقة. لم يكن كثيرا ذلك الوقت الذي صرفته في رفع الكتلة الورقية المتماسكة ووزنها، وأحصيت عشر أوراق واحتفظت بالكتلة في الخزانة الصغيرة، وعثرت على قلم حبر في القارورة الى جانب ألبوم الصور، كان القلم مليئا تماما بالحبر، لا نقص فيه لكن كيف سأبدأ؟

إن المرء يستطيع أن يبدأ القصة من الوسط، ثم يسير بها متقدما أو متراجعا، بجرأة مخلفا وراءه الحيرة والارتباك. ويمكن أن يبدو المرء معاصرا فيلفي الأزمان والمسافات كلها، ليعلن، أو يدع الآخرين يعلنون أنه قد حل معضلة المكان - الزمان، وكذلك يستطيع المرء أن يدعي منذ البداية بأن من المستحيل كتابة رواية في هذه الأيام، لكن يراعه سيجود فيما بعد، ومن خلف ظهره كما يقال بتسطير عمل لا مثيل له، وبتسجيل سبق أدبي، ثم يتوج نفسه في آخر المطاف باعتباره آخر من استطاع كتابة رواية. وقد قلت في نفسي، أنا أيضا، بأن من المناسب، من ناحية ودية متواضعة التأكيد منذ البداية على أن : لا وجود اليوم لأبطال الروايات، لأن ليس هناك شخصيات فردية، ولأن الفردانية قد اختفت، ولأن الانسان بات معزولا، بحيث أن كل انسان أصبح منفردا بالقدر ذاته، ومحروما من العزلة الفردية، ومشكلا كتلة فردية خالية من الأسماء والأبطال. ويمكن أن تكون الأمور كلها جارية على هذا المنوال ومحتفظة بمصداقية ما، لكن فيما يتعلق بي وبممرضي برونو، فإنني أود التأكيد على أننا بطلان مختلفان تماما، حيث كان برونو يقف وراء عدسة الباب السحرية بينما كنت أنا اضطجع أمامها، واذا ما فتح الباب فإننا لا نتحول بالضرورة الى كتلة بلا بطل ولا أسهم على الرغم من الصداقة والعزلة.

سأبتديء بنفسي من مسافة بعيدة إذ لا يجوز لأحد أن يعرض حياته ويسردها دون أزن يتحلى بالصبر، فيذكر على الأقل نصف أجداده قبل أن يؤرخ لوجوده الشخصي، إنني أقدم اليكم أنتم الذين توجب عليهم أن يعيشوا حياة مضطربة خارج مصحة العناية والعلاج التي أرقد فيها الآن. أنتم أيها الأصدقاء والزوار الأسبوعيين الذين لا علم لهم بمخزون ورقي، اليكم كلكم أقدم جدة أوسكار من ناحية الأم.

كانت جدتي أنا برونسكي تتربع بثيابها الكثيرة ذات أصيل من شهر أكتوبر على حافة حقل للبطاطس. وفي الضحى كان يمكن رؤية الجدة وهي تنضد الأعشاب الذابلة في باقات منتظمة وفي الظهيرة تناولت قطعة خبز محلاة بالدبس الأسود. كانت قد حرثت الحقل للمرة الأخيرة قبل أن تجلس أخيرا فوق طويات ثيابها بين سلتين ممتلئتين. وأمام فردتي حذائها المتخالفتين اللتين وضعتهما بشكل عمودي كانت تتصاعد أحيانا نيران أعشاب البطاطس، متأججة باختناق وتبعث دخانها الى قشرة الأرض الخفيفة الانحدار على نحو هاديء ومرتبك ومتكلف، لقد حدث ذلك في العام التاسع والتسعين، فكانت الجدة تجلس في منتصف "كاشوباي"، بالقرب من "بيساو" بل كانت أكثر قربا الى معمل القرميد، جلست الجدة آنذاك أمام "رامكاو"، خلف ناحية "فيراك"، في اتجاه الشارع المؤدي الى "برنتاو" ما بين "دير شاو" و"كارتهاوس"، جلست مخلفة غابة "غولد كروغ" وراء ظهرها، وتزحزح بطرف عود محترق من خشب البندق حبات البطاطس الى قلب الرماد المتوهج.

واذا ما كنت ذكرت للتو ثياب جدتي بشكل خاص، وأتمنى أنني قلت بوضوح كاف، لقد جلست بثيابها -نعم - إن الفصل يحمل عنوان "الثوب الواسع" فإنني على علم تام بما أدين به الى تلك القطعة من الملابس. لم تكن جدتي ترتدي ثوبا واحدا، بل أربعة فوق بعضها، وذلك ليس بمعنى أنها كانت ترتدي ثوبا واحدا ظاهرا وثلاثة ثياب داخلية مستترة إنما كانت ترتدي أربعة أثواب ظاهرة، أحدها يحمل الآخر تحته، ترتديها وفق نظام يتيح للأثواب التناوب متغيرة يوما بعد آخر. فما كان بالأمس ظاهرا أصبح اليوم مختفيا في الأسفل، وأصبح الثوب الثاني ثالثا. وما كان في الأمس في المرتبة الثانية بات اليوم لصيقة بجلدها. وكان الثوب الذي وقف يوم أمس في المرتبة الثانية يسفر بصورة جلية عن شكله ونقشته، أي أنه كان يسفر في الواقع عن انعدام شكله، لأن أثواب جدتي أنا برونسكي كانت تؤثر كلها لون البطاطس، فلابد أن يكون ذلك اللون يليق بها. وما عدا الطبيعة اللونية، كانت أثواب جدتي تتميز باسراف ملحوظ في استخدام القماش الكثير، وعندما تلامسها الريح فإنها سرعان ما تساير وتنفتح ثم تتراخى بعدما تظهر الريح نوعا من الاكتفاء وتظل ترفرف حين تسكن الريح تماما، وتتطاير أثوابها الأربعة إذا ما هبت عليها الريح من الخلف، وعندما تجلس، فإن الأثواب الأربعة تتحلق حولها.

وبالاضافة الى الأثواب الأربعة المنتفخة دائما، أو المعلقة والمطوية، أو المتصلبة الفارغة والمنتصبة الى جانب فراشها، فإن جدتي كانت تحتفظ بثوب خامس لا يختلف قط عن قطع الملابس الأخرى الرمادية اللون كالبطاطس. وكذلك لم يكن الثوب الخامس في الموضع الخامس دائما. بل إنه كان يخضع للتغيير، شأنه شأن أخوته -إذ أن الأثواب كلها كانت تتمتع بطبيعة رجولية - ويرتبط بالأثواب الأربعة الأخرى التي كانت الجدة ترتديها. وكان عليه أيضا أن ينقع في برميل الغسيل إذا ما حان وقته لينشر في يوم الجمعة الخامسة على حبل الغسيل أمام نافذة المطبخ، وبعد أن يجف تضعه الجدة على لوح المكواة.

واذا ما غطست الجدة قدميها في طشت الاستحمام في يوم كل أحد مخصص للتنظيف والخبز وغسل الملابس وكيها بعد علف البقرة وحلبها، مفضية ببعض من سرها الداخلي الى الماء المليء برغوة الصابون، قبل أن تغادر ماء الاستحمام، لتجلس على حافة السرير، فإن الأثواب الأربعة التي ارتدتها في ذلك اليوم، وكذلك الثوب الخامس المغسول توا تكون مفروشة أمامها على الأرضية الخشبية. حينئذ تسند الجفن الأسفل لعينها اليمنى بسبابتها اليمنى، رافضة أي مشورة تسدى لها حتى لو جاءت من شقيقها فنسنت لذلك فإنها كانت تتوصل الى قرار عاجل، وتقف منتصبة ثم تزيح جانبا بأطراف قدميها الحافية.

ذلك الثوب الذي فقد الكثير من طراوته وبريق لونه الرمادي مثل رماد البطاطس. في تلك اللحظة تحتل القطعة النظيفة المكان الذي فرغ للتو.

واحتفاء بعيسى المسيح الذي كانت جدتي تحمل عنه تصورات ثابتة محددة، فإن الثوب النظيف سيشهد خلال زيارة الكنيسة في "رمكاو" النور من جديد عبر نضارته وطراوته المتناوبة. وفي أي موقع كان جدتي ترتدي الثوب المغسول توا؟ إنها بلا شك لم تكن فقط امرأة مولعة بالنظافة، بل كانت أيضا مصابة بالغرور بعض الشيء، لذلك فإنها كانت ترتدي أجود القطع على نحو مرئي حين يكون الطقس جميلا ومشمسا.

بيد أن ذلك اليوم الذي قبعت فيه جدتي خلف موقد البطاطس كان مساء الاثنين، وقد بدا لها ثوب الأحد قريبا من يوم الاثنين، بينما بدت لها تلك القطعة التي التصقت دافئة فوق جلدها يوم الاحد معتمة وهي تنساب على ردفيها، وباهتة مثل يوم الاثنين نفسه، كانت الجدة تصفر على رسلها دون أن تعني لحنا معينا، ثم نكشت بعود البندق أول حبة بطاطس ناضجة وأزاحت الرماد بعيدا الى جانب كومة الأعشاب الكامنة اللهب، لكي تمسها الريح وتبردها. وبغصن مستدق الطرف شكت حبة البطاطس الباردة المنفلقة والمتيبسة الحواف، وقربتها من فمها الذي توقف عن الصفير وصار ينفخ الرماد والتراب عن القشرة عبر شفتين جافتين ومتشققتين بفعل الريح، وكانت تغمض عينيها أثناء النفخ. وحين تعتقد أنها نفخت بما فيه الكفاية فإنها كانت تفتح عينيها واحدة بعد الأخرى، ثم تقضم البطاطس بقواطعها التي تتيح النظر الى الداخل، والتي كانت سليمة تماما ما عدا الانفراج الخفيف في وسطها، وتحتفظ في فمها المفتوح بنصف حبة البطاطس الساخنة، العجينة الشكل والتي كان البخار يتصاعد منها، وتتطلع بنظرة دائرية عبر منخاريها المنتفخين اللذين كانا يتنسمان الدخان وهواء أكتوبر، تتطلع الى الحقل حتى الأفق القريب الذي توزعت فيه أعمدة التلغراف، وحيث أطل حوالي الثلث العلوي من مدخنة معمل القرميد. كان ثمة شيء ما يتحرك بين أعمدة التلغراف، فأغلقت جدتي فمها وزمت شفتيها الى الداخل وقلصت عينيها، ثم أخذت تلوك البطاطس. كان ثمة شيء يتحرك بين أعمدة التلغراف، شيء ما كان يقفز، وثمة ثلاثة رجال كانوا يتقافزون بين الأعمدة في اتجاه المدخنة، ومن ثم الى الأمام، وفيما بعد تراجع أحدهم، وانطلق من جديد، بدا ذلك المتراجع قصيرا وبدينا وقد وصل الى معمل القرميد، بينما كان الآخران الطويلان والنحيفان قد أوشكا على اللحاق به عند المعمل لكنهما أخذا من جديد يتقافزان بين الأعمدة وكان القصير قد خلفهما مسافة وراءه إذ أنه كان على عجلة من أمره أكثر من النحيفين الطويلين الوثابين اللذين توجب عليهما الرجوع ثانية الى المدخنة، لأن ذلك الثالث يطوف حولها، فاقترب الأخوان منه مسافة فترين، ثم انطلقا يعدوان مرة أخرى حيث اختفيا فجأة إذ لم تعد لهما رغبة في العدو، هكذا بدا الأمر، وكذلك كان الأمر مع القصير الذي سقط أثناء القفز في المدخنة خلف الأفق.

لبث الثلاثة فترة وجيزة على ذلك المنوال، أو أنهم كانوا استبدلوا ثيابهم في تلك الأثناء، أو لعلهم كانوا يضعون اللبن في قوالب القرميد ويتقاضون على ذلك العمل أجرا.

عندما أرادت جدتي استغلال فترة الاستراحة في التقاط حبة بطاطس ثانية أخطأت هدفها. وبعد حين تسلق ذلك الذي بدا قصيرا وبدينا الأفق بثيابه ذاتها، فأصبح الأفق من ورائه وكأنه سياج من خشب وبدا كما لو أنه خلف الرجلين القافزين خلف السياج أو بين القرميد، أو في الطريق العام المؤدي الى "برنتاو"، لكنه على الرغم من ذلك كان يحث الخطىء ويريد أن يكون أكثر سرعة من أعمدة التلغراف فأخذ يقفز قفزات واسعة بطيئة عبر الحقول المحروثة والقذارة تتطاير من نعليه وهو يقفز مبتعدا عن القذارة، وبقدر ما كان يقفز بخفة وسرعة، فإنه بات يخوض في الأوحال زاحفا بدأب وتجلد. وقد بدا في بعض الأحيان وكأنه غرز في الوحل، لكنه اعتدل واقفا في الهواء، حتى أنه وجد متسعا من الوقت ليجفف العرق من جبينه أثناء القفز قبل أن تتشبث قدمه القافزة في الأرض المحروثة حديثا والتي كانت أخاديدها تقود الى الطريق العام الموازي لحقل البطاطس الشاسع. لقد تمكن من الوصول الى الممر الضيق، وحالما اختفى القصير البدين في الممر الضيق تسلق الطويلان النحيفان اللذان يمكن أن يكونا قد قاما حينئذ بزيارة لمعمل القرميد، تسلقا الأفق، وأصبح هذان الطويلان النحيفان اللذان لم يبلغا مرحلة الضعف والهزال بعد، يحرران جزمتيهما من الوحل ويسحبانهما سحبا، فأصبحت جدتي غير قادرة على شك البطاطس واخراجها من الموقد لأن شيئا ما قد حدث في تلك اللحظة، شيء لم يكن يحدث كل يوم، إذ أن ثلاثة من الرجال البالغين المختلفي الحجم والبلوغ كانوا يتقافزون حول أعمدة التلغراف، حتى كادوا يهدمون مدخنة معمل القرميد، قبل أن يختفوا وهم يشبون في الممر الضيق، واحدا تلو الآخر، وكان القصير في المقدمة، وخلفه الطويلان النحيفان، بيد أن الثلاثة جميعهم كانوا قد بذلوا جهدا خارقا وصلابة كبيرة، وهم يجرجرون الأطيان في نعل جزمتيهما عبر الحقل الذي جنى فنسنت ثماره وأعاد ترتيبه قبل يومين.

وبعد ذلك توارى الرجال الثلاثة، فتجرأت الجدة على وخز حبة بطاطس أصبحت باردة الى حد ما، ونفخت عن قشرتها الرماد والتراب عن نحو عابر، ودستها كاملة في جوفها، وفكرت، هذا إذا كانت قد فكرت أصلا في شيء محدد: أن هؤلاء الرجال هم من معمل القرميد، ثم أخذت تلوك لقمتها بشكل دائري، الى أن قفز أحد ما من الممر الضيق فتطلعت بوحشية الى ذلك الرجل ذي الشارب الأسود والذي قطع مسافة الوثبتين التي كانت تفصله عن النار ليقف أمامها وخلفها ومن ثم الى جانب النار في آن واحد وهو يطلق الشتائم معبرا عن خوفه وقلقا ولم يكن يعرف في أي اتجاه عليه أن يمني، إذ أنه لم يعد يستطيع العودة من حيث أتى، ولأن النحيفين الطويلين لاحا في الخلف خارجين للتو من الممر الضيق، فقد قذف بنفسه على الأرض، ثم جثا على ركبتيه. لقد كانت له عينان في الرأس أوشكتا على الانفلات من محجريهما، وكذلك كان العرق يسح من جبينه. وسمح لنفسه أن يزحف مقتربا من الجدة أكثر فأكثر بشاربه المرتعش الى أن وصل أمام النعل، فزحف ملتصقا مباشرة بالجدة، ورمقها بنظرة وكأنه حيوان صغير ممتليء الجسد، حتى أنها قذفت بحسرة، ولم تعد قادرة على مضغ البطاطس، وتركت النعل ينقلب الى الأعلى، بل إنها لم تعد تفكر في معمل القرميد ولا في شواة القرميد، أو عمال القوالب، إنما رفعت ثوبها، كلا، لقد رفعت أثوابها الأربعة دفعة واحدة الى الأعلى بمقدار مناسب، لكي يستطيع القصير البدين الذي لم يكن يشتغل في معمل القرميد التوغل في الأسفل حتى اختفى بشاربه، بحيث أن مرآه لم يعد مثل مرأى حيوان، فضلا عن أنه لم يكن من أهالي "رامكاو"، أو "فيراك". لقد اختفى بهلعه رفوفا تحت الأثواب، غير مضطر الى الزحف على ركبتيه، ولم يعد قصيرا أو بدينا، إلا أنه مع ذلك احتل موقعه المناسب، ونسي اللهاث ورعشة الخوف، ووضع اليد على الركبة، كان هادئا كما لو أنه في يومه الأول، أو يومه الأخير، وثمة شيء من الريح كان يعبث بنيران الأعشاب، وكانت أعمدة التلغراف تحص نفسها بصمت، وظلت مدخنة المعمل منتصبة، فردت جدتي ثوبها الظاهر على الثوب الذي يليه بنعومة وتعقل، بحيث أنها لم تشعر بالرجل المختبيء تحت الثوب الرابع، ولم تفقه أبدا من خلال الثوب الثالث طبية ذلك الشيء الذي أراد أن يكون جديدا ومدهشا بالنسبة لجلدها. ولأن ذلك كان مدهشا، لكنه رقد من الأعلى بترو، وثانيا وثالثا أيضا لأن الجدة لم تفقه بعدما حدث، فقد نبشت حبتي بطاطس أو ثلاثا من الرماد ثم تناولت أربع حبات بطاطس نيئة من السلة المنتصبة تحت مرفقها اليمنى ودستها واحدة بعد الأخرى في الأعشاب المتوهجة، وغطتها بطبقة من الرماد، وصارت تقلبه حتى تصاعد منه الدخان - اذن ما الذي كان عليها أن تفعله سوى ذلك ؟ وحالما هدأت حركة أثواب جدتي، واستقام الدخان السائل المنبعث من نيران البطاطس والذي فقد اتجاهه بفعل خفقات الركبتين والنبش وتغيير المكان وصار يزحف من جديد بلونه الأصفر حسبما اشتهت الريح، متجها عبر الحقول صوب الجنوب الغربي، ظهر الطويلان النحيفان اللذان كانا يطاردان القصير البدين الذي هجع :لآن تحت الأثواب. لقد تكشف الأمر عن أن الطويلين النحيفين كانا من حيث الصنعة ينتسبون الى أولئك الذين يرتدون قيافات الجندرمة الميدانية. فتجاوزا جدتي هرولة، وقد قفز أحدهما فوق النار، إلا أنهما انحرفا فجأة وفي انحرافهما تجلى عقلهما، فتوقفا وأخذا يلتفتان ويدبكان بجزمتيهما، شاخصين وسط الدخان بالقيافة والجزمة العسكريتين، ثم سحبا قيافتهما الحربية وهما يسعلان، فسحبا الدخان معهما من كتلة الدخان نفسها وازدادت حدة سعالهما عندها خاطبا جدتي، لكي يعرفا فيما إذا كانت قد رأت كولياجك، إذ أنها لابد أن تكون لمحته طالما جلست هناك عند الممر الضيق، لأن كولياجك نفسه "فر للتو من الممر الضيق.

إلا أن جدتي لم تكن قد رأت كولياجك، لأنها لم تعرف أحدا بهذا الاسم، وأرادت أن تعرف فيما إذا كان كولياجك من معمل القرميد، لأنها لا تعرف إلا أولئك الذين يشتغلون في المعمل. غير أن صاحبي القيافتين الحربيتين وصفا لها كولياجك باعتباره شخصا قصير القامة بدينا، لا علاقة له بالعمل فتذكرت جدتي أنها رأت رجلا تنطبق عليه تلك الأوصاف كان قد مر على عجل، ثم أشارت بغصن رفيع، شكت فيه حبة بطاطس كانت تبعث بخارا، الى ناحية "بيساو" بما تطابق مع الهدف، وحسبما تقتضي البطاطس فلابد أن يكون الاتجاه يقع بين العمودين السادس والسابع من أعمدة التلغراف، إذا ما عدها المرء من ناحية مدخنة المعمل، نزولا الى ناحية اليمين، وفيما إذا كان ذلك العداء يدعي كولياجك فذلك أمر لا تعرفه الجدة، فاعتذرت لهما عن جهلها وانشغالها بالنار أمام نعلها. لقد كان لديها ما يكفي من المشاغل، إذ أن النار لم تنشب في الموقد الا على نحو خافت، متوسط القوة، لذلك فإنها لم تشغل نفسها بالآخرين الذين يمرقون من هناك، أو يقفون وسط الدخان، وأنها لم تهتم قط بالناس الذين لا تعرفهم، بل تعلم بدل ذلك، بأنها مكتفية بأولئك الناس المتواجدين في "بيساو" و"رامكاو" و"فيراك" ومعمل القرميد.

عندما نطقت جدتي بتلك العبارة أطلقت حسرة لكن بصوت عال لدرجة أن الرجلين المتلفعين بالقيافات الحربية أرادا أن يعرفا سبب تحسرها، فهزت رأسها للنار، بما يعني أنها تحسرت بسبب خفوت النار، وكذلك بسبب الناس الكثيرين المنتصبين وسط الدخان، ثم قضمت نصف حبة بطاطس بقواطعها المنفرجة انفراجا واسعا، وانهمكت تماما في المضغ، وغضت عينيها طرف الشمال.

لم يجد المتلفعان بقيافة الجندرمة في نظرة جدتي الساهمة ما يمكن الاستفادة منه، ولم يعرفا فيما اذا كان عليهما البحث عن "بيساو" خلف أعمدة الكفران، فطعنا بحربتيهما كومة الأعشاب التي لم تلتهمها النار بعد، واثر خاطرة إلهام مفاجئة قلب الرجلان في وقت واحد سلتي البطاطس المليئتين الى حد ما تحت مرفقي جدتي، وصعقا لأنهما لم يبصرا كولياجك يتدحرج من القفتين أمام جزمتيهما، إنما حبات البطاطس وحدها. وطافا بريبة حول أكوام البطاطس كما لو أن كولياجك دخل عليها أجيرا لاجئا لوقت قصير، ثم طعنا بتصويب دقيق، لكنهما على الرغم من ذلك افتقدا صراخ الهدف المطعون. وأخذ شكهما يتجه الى كل حرش مهمل والى كل جحر فأر إضافة الى  التلال الصغيرة التي كومها حيوان الخلد، ليعودا مرة أخرى &