أدونيس: الكلمة في تاريخنا العربي جرح

الصـور المرافقة
الصور المرافقة

اجرى الحوار: أمل جبوري (شاعرة من العراق تقيم في ألمانيا)
وستيفان فايدنر (شاعر ومستشرق من ألمانيا)


"قتلي أنقاض حروب ما أكثر ما يأخذني اليأس ولكن حين أوجه وجهي شطر الشعر، وأنظر، أشفى – لا ألمح في ظلمة يأس إلا نورا"

                                                        أدونيس

في كل ما قدم الشاعر العربي الكبير أدونيس للثقافة العربية سواء في شعره وبحوثه ومؤلفاته الأخرى "ظلت الديناميكية حية بين الماضي (التراث) والحاضر. ولكنه حينما يؤكد من خلال رؤيته على تجاوز ذلك (القديم)... وهدمه وامحائه فلأنه يريد تأكيده لاستعادته، لا استرداد ذلك الماضي بتحريره من ذاته التي دجنها الحاضر. وحولها الى قيم كسيحة في قطيع.

لهذا السبب فإن القاريء البسيط قالا يستوعب وصف أدونيس للتراث / بالكلمة الرجيمة / في هذا الحوار مثلما فعل بعض النقاد وكذلك المندسون في حياة الثقافة العربية على تصوير الشاعر. جاحدا، ناكرا إرثه قافزا عليه باسم مشروع الحداثة الذي يضر الشاعر كأحد أبرز رموزه في الشعر العربي الحديث.

لأن قاريء أدونيس لابد الا أن كون قارئا ذكيا والا وقع في فخ المعنى..

أن الشعر يفضح ما لا يقوله التاريخ أو الذي يتكتم عليه، من هنا جاءت ملحمته الشعرية الأخيرة كتاب "الكتاب" لتؤكد هذه الحقيقة فيكون الشاعر شاهدا على عصر تنازعته أطراف ومتناقضات عدة.

وحين أقدم الشاعر على هذا المشروع فلأنه أحس بالهلع من الشيخوخة التي بدت تدب في ذاكرة المجتمع العربي كذلك الاحباط.

إن الحوار الداخلي كان جوهر القصيدة التي تشي بالحكاية، أما وحدة النص فقد تشكلت على مدى مئات الصفحات في مقاطع تبدو مستقلة لكنها متصلة بالقناع الذي تشكل في شخص أدونيس -المتنبي، وفي صوت الحاكم والمحكوم الطاغية والضحية، القاتل والقتيل.

هذا على صعيد المعنى..

أما على صعيد الشكل، فقد لمس الشاعر حاجة القاريء للصحو من ركام النصوص في ساحة الشعر الى نص حاد يوازي حدة ذلك التاريخ الذي حمل من التعقيد ما شابه الدموية التيار تكبت بعد ذلك باسم "قدسيته – الماضوية".

كل هذا أحدث قطيعة مخيفة بين الانسان العربي وتراثه.. جفوة وشفقة.

الا أن ما أراده أدونيس في "الكتاب" هو كشف الغطاء والحجاب كما يقول هو.. مانحا مومياوات الماضي روح الحاضر مسائلا.. معاتبا... رافعا ما ذبل عن وجه التاريخ للارتقاء به الى معمار جديد - الى وعي الضد – الوعي الذي يلعن الظلمة لأنه يريد الخروج والى الأبد من هذا الظلام..

وحين يأتي القاريء الى مجمل نتاج أدونيس يلمس عصب الذاتية الذي يعتبره الاساس الراسخ لأدب العظيم، لقد أوجد تلك الوشاج اللغوية التي ابتعدت ولم تبتعد عن شخصه ومشاعره على نحو مبتكر جعله ينجح في خلق ذائقة شعرية خاصة أخرى للشعر اختلفت عن الذين سبقوه وعن مجايليه ومن خرج من عباءته.

أي بمعنى انه خلق للشعر ذاكرته الثقافية ومنح للكلمات هويتها – نعني - حريتها.

وفي هذا الحوار العميق - الهاديء - والجريء نصل الى حقائق أخري تضاف الى ما ذكرناه سابقا.

وهي أنه ما من شاعر قدم التراث العربي الشعري الى القاريء مثلما فعل هو، سواء من خلال مختاراته التي قدم بها شعراء الكلاسيكية العرب، أومن خلال اعادته اكتشاف النصوص القديمة وابداع الأولين عبر الغور في النص الحديث والاشتغال عليه بأدوات وطرائق غريبة عن جسد القصيدة الكلاسيكية - بعيدة عن قصيدة الرواد.

إنها قصيدة الانسان المفتوحة على أفقها الكوني وهو بذلك يطلق صهيل الذاكرة وكأنها كانت من قبل خيولا مكممة تحاول الهرب من سوط التاريخ.. لكنها استعادت عنانها - بهاءها - من خلال عودتها الى الحاضر.. وهذا مجد اللغة حينما تستعيد علاقتها بأرضها البكر - لتشرع بعد ذلك بالتجاوز والتجاوب والتحليق في حقول جديدة حيث قدر الشاعر الذي أراد للانسان أن يغيرها في نفسه بقوت القلوب.. بالشعر (بالكلمة).

* لنبدأ هذه الرحلة عائدين بك الى مرافيء طفولتك، ماذا علمتك الطبيعة في تلك المرحلة، وهل كان لها دور متأصل في مجمل حياتك؟

- لم أع في طفولتي كيف أتعلم من الطبيعة، أو ماذا آخذ منها، وإذا شئتما الآن تحديد ما أخذته منها فلعلي أن أتحول الى باحث يتذكر، ويتساءل ويحلل لكن هناك في أعماقي، في جسدي، في مسلكي وفي تفكيري أشياء متأصلة كأنها طبيعة - فكرية، تجعلني أشعر أنها مستفادة (مأخوذة) من الطبيعة التي كانت في هذا كلا معلمتي الأولى.

من هذه الأشياء.. بساطة العيش على مستوى الحياة اليومية ومنها العيش بحرية خارج القيود أيا كانت، والتفكير والتعبير بحرية.

كما لو ان الانسان اسم آخر للوردة، للهواء والنهر أو للبحر ومنها حس الائتلاف الآخر مهما كان الاختلاف معه، كمثل ما تآلفت نباتات الحقل الواحد على الرغم من تنوعها وتباينها ومنها على الأخص. التجدد المستمر في صوره وأشكاله المتنوعة، ندرك من هذا التجدد أن الموت ليس إلا اسما آخر للحياة فلكي تولد "البذرة" لابد من أن "تقبر": فنحن لا نحيا الا حينما نعيش موتنا ولا نموت إلا لأننا نحيا.

* لقد سحبت سفينة الحوار الى وجه الحياة الآخر- الموت، هذه الوشيجة بين الاثنين والتي عبر عنها الامام علي كرم الله وجهه حينما قال "الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا" كذلك بروتون "لن تكون فزاعة الموت الا مجازا" فمن خلال البعدين الصوفي والسوريالي، ألم يخفك هذا "المجاز".. فتؤثر النوم على هذه اليقظة الموجعة؟

- أحب أن أظل دائما يقظا وفي يقظة وأنا مع ذلك لا أخاف من الموت، ذلك أنني أحب الحياة. لقد أعطيت الحياة مرة واحدة والى الأبد ولذلك يجب أن نحتضنها وان نحبها حتى الهيام كما نحب المرأة لا في أعضائها واحدا واحدا، فحسب - بل كذلك في جسدها - خلية خلية.

* ما دمنا وصلنا الى المرأة، فتاريخ الكتابة في العالم أجمع وفي الوطن العربي على وجه التحديد هو "تاريخ ذكوري".. أين هي المرأة الكاتبة ضمن هذا الطرح؟

- كل شيء في العالم العربي "ذكوري" ومعنى ذلك أن كل شيء في العالم فاسد وسيظل فاسدا ما لم تتغير هذه "الذكورية" لا على المستوى النظري وحده، وانما كذلك على مستوى التكون - والبنى - عقليا واجتماعيا. ولا يمكن أن يتم هذا الا بتغيير النظرة الدينية السائدة والنظرة السائدة الى الدين في آن.

أما كيف يتم هذا ؟ فإن لذلك حديثا آخر.

دون ذلك ستظل المرأة العربية مجرد زخرف وزينة ومتعة، أي مجرد اسم، مجرد رقم، ولن تصبح أبدا كيانا حرا، لها هويتها واستقلالها، وحقها الكامل في أن يكون جسدها ملكها الخاص تتصرف به بحرية كاملة، كما تتصرف عقليا.

والسؤال هو: ما يكون الرجل في مجتمع لا وجود للمرأة فيه، الا بوصفها اسما ورقما؟ أو بوصفها زخرفا ومتعة وبطنا "منتجا"؟

* ما دمنا نتحدث ونحن في حقل المرأة المملوء بالحياة والموت، لنأتي الى حقل الكتابة التي قد تكون لغما موقوتا أو قد لا تكون كذلك، فمن هو الذي يدير هذا اللغم في العالم العربي.. الكاتب أم السلطة؟

- قد تكون الكتابة الشعرية لغما أو لا تكون. لغما بمعنى أنها زلزلة لكل مستقر، وخلق لامكانات جديدة في رؤية الأشياء وفي اقامة علاقات مختلفة بينها وبين الكلمات، وفي فهم العالم والانسان.

من هنا أرى أن ثمة خطرا حقيقيا وقاتلا يواجه الكتابة الشعرية اليوم، يتمثل في تحولها من كونها "خلقا" الى صيرورتها "نتاجا"، ومن كونها "تقنية" و"فنا" الى صيرورتها "نشاطا" و "عملا" وفي هذا ما يؤدي الى تسوية الشعر بغيره من أنواع الكتابة وبخاصة السردية، وهي تسوية تؤدي بدورها الى انقراض الشعر، لانعدام "تميزه" عن غيره، ولانعدام معايير هذا التميز.ولئن كان هناك خطر على الشعر فهو كامن كما يبدو لي في هذه الأسباب "الداخلية ولا يجيء من "التقنية" كما يزعم بعضهم.

فالشعر اليوم يكاد أن يصبح "رسالة" مسرودة دون "فن".

لقد مثل الشعر في تأريخه كله مشكلا (الشكل - السر - الخفاء - المجهول - المتخيل..) واليوم يكاد يزول هذا كله. لا تكاد الكتابة الشعرية اليوم تطرح على نفسها أية مشكلة، ولهذا لا تكاد تطرح على العالم وعلى الانسان أية مشكلة.

أحيانا أتساءل بحزن هل تنتحر اللغة الشعرية ؟ هي كذلك ؟ خصوصا ان الكتابة الشعرية اليوم تصبح شيئا فشيئا قتلا أو "فكا" للسحر، بدلا من أن تكون وان تبقى بشكل أو آخر "عقدا" للسحر.

* كما تعرف أن اللغم لا يستشير ضحاياه، فمن هم ضحايا الكتابة ؟

- لا ضحايا للكتابة الشعرية. فهذه دائما شكل من أشكال "الانقاذ"، دون أن تدري ودون أن تقصد ولا أدرج في عداد "الضحايا" ما تزلزله الكتابة الشعرية ذلك انها لا تزلزل الا الموت. الشعر حياة ثانية لا تستحق الحياة الأولى ان تعاش الا في ضوئه - أعني ضوء الحب والصداقة والحرية.

* اذا كان الشعر هو ضوء الحب، هل تعتقد أن الشاعرية هي الأخرى "شهوة"، يصعب اعادة انتاجها في شروط توتر محسوب ؟

فليس من الصواب ان ندخر الشعر الى أن تأتي قصيدته التي قد لا تأتي..

- "الشاعرية شهوة"، أميل الى القول أن الشاعرية هي أم الشهوات، وليست الشهوات لكي "تدخر" بل لكي تعاش.. لكن أهو سهل،سواء مع الشعر أو في الحياة أن يعيش الانسان شهواته:

أسأل لكي أشير الى أن الحياة كمثل الشعر، ابتكار دائم، والى أن جمال الحياة والشعر هو في قدرة كل منهما على ابتكار الآخر.

* قد يكون العشق فضيحة العاشق إذا ما ولد الحب في حقل موبوء بالقيم البالية، فمن المنظور ذاته نسمع الدعوات المكرورة نفسها التي تروج الى اقصاء قصيدة النثر من مسرح الشعر بوصفها كائنا هجينا وكأن النثر هنا فضيحة الشاعر في حين قد تتحقق الشاعرية في النثر أكثر من تحققها في القصيدة ذاتها.

- قد تظل هذه الدعوات قائمة الى حد يطول قليلا أو كثيرا لكن ستظل باطلة ودون تأثير.

فما اصطلح على تسميته بـ "قصيدة النثر" صار واقعا راسخا، سواء رفض أو شكك فيه، بشكل أو آخر.

لذلك لم يعد جائزا للشعراء الاهتمام بتلك الدعوات الاهتمام الآن يجب أن يتركز على كتابة هذه القصيدة: ماذا انجزت هذه الكتابة شعريا، وما مشكلاتها الفنية الداخلية، وما قدراتها على اعادة النظر في ذاتها وفي سيرتها، وفي "لغاتها" و"بناها" وفي "جماليتها" على الأخص. فمسألة "قصيدة النثر" أصبحت الآن كمسألة قصيدة الوزن: داخلية، فنية، وليست "خارجية" - قبولا أو رفضا، بوصفها نوعا معينا من الكتابة الشعرية.

أقول ذلك لأنه لا يجوز الاستمرار في كتابتها بوصفها "مضادة" لقصيدة الوزن، فذلك يكشف عن "طفولة" لا تليق بالشعر لا في وعيه ولا في لاوعيه على السواء، يجب أن تكتب هذه القصيدة نصا أخر في شجرة الشعر. أختا ورفيقة لقصيدة الوزن وأقول ذلك لأن مجرد الكتابة بقصيدة النثر لا يقدم بالضرورة شعرا: فالمهم هو ماذا تقول هذه الكتابة وكيف تقوله ؟

أقول ذلك - خوفا على هذه القصيدة ذاتها من أن تسقط في السبات ذاته التي عرفته قصيدة الوزن في مراحل عديدة من تأريخها.

ذلك أنني ألاحظ نوعا من الاطمئنان الى الكتابة الشعرية. بقصيدة النثر، يكاد يصبح بليدا.

وجدير بهذه الكتابة أن تفترض على العكس، القلق، التساؤل واعادة النظر - لا فيما تقوله وحده، بل في طرق تعبيرها كذلك في المقام الأول، خصوصا أن هوية الشاعر الكتابية تقوم هي كذلك على طرح الأسئلة عليها واعادة النظر فيها وليست قائمة في الثبوت.

القصيدة وزنا أو نثرا، تمثل شقا في جدار العالم، نرى عبره ما لا يرى عادة وما أخشاه نتيجة لما تقدم وفي سياقه هذا ما أقوله الآن: هو أن تتحول الكتابة الشعرية العربية، وزنا ونثرا، الى لوحة كلامية، تروي الأشياء فيما هي تلتصق على هذه الأشياء، عاكسة إياها، كما هي، بحيث تصبح القصيدة غطاء لا كشفا.

وهكذا بدلا من أن يتحول القاريء (قاريء الشعر) الى أفق من البروق والتوهجات، والتصورات والحدوس والاشراقات، يتحول على العكس الى نفق يمتليء بـ "العسل" و "اللبن" و "الخبز" والموعد القريب العاجل.. الخ وأحب أن أضيف لمزيد من التوكيد، أن الخروج على شيء يفترض أن يحل محله شيء آخر أكثر غنى وجمالا.

وما سمي بـ "قصيدة النثر" ليس الا مجرد امكانية لتعبير شعري آخر. وتبدو الآن عبر "ركام" الكتابات كما عبرتما في كلامكما، انها مجرد "مادة" لا " فن " فيها والكتابة بها حتى الآن تعطي غالبا انطباعا بأننا أمام "بحر" أو "وزن" يتكرر بلا نهاية - دون "تقنية بارعة"، أو جديدة تحل محل التقنيات الوزنية التي خرج عليها، فلم يخلق الانتقال من قصيدة "الوزن" الى "قصيدة النثر" طرقا واشكالا تعبيرية وتقنيات في مستوى هذا الانتقال الذي يمكن وصفه بأنه جذري، لكيلا أستخدم لفظة ثوري التي فقدت معناها.

* ماذا تعني هنا بكلمة "فن"؟

- أعني الجانب الصيفي - الحرفي - التشكيلي... الجانب الذي كان يطلقون عليه اسم "الصناعة" وهو الاسم نفسه الذي كان اليونان يشيرون به الى كتابة الشعر.

الشعر لا يكون "وحيا" على افتراض أنه يكون الا بقدر ما يكون صناعة.

* هل يمكن أن تفصل وتعطينا أمثلة ؟

- أحب قبل الاجابة أن أؤكد على أن في الكتابة الشعرية العربية اليوم - في مختلف أشكالها الوزنية والنثرية وفي مختلف "أجيالها" ولا أحب مصطلح "جيل" - أصواتا شعرية بالغة الأهمية ومبدعة والملاحظات التي سأبديها اذن لا تنطبق على هذه الأصوات، وانما في الشائع العام السائد.

تعرفان ان المقول في الشعر لا يأخذ شعريته الا من طريقة القول وتكون طريقة القول شعرية بقدر ما يكون صاحبها الى جانب موهبته الشعرية، مسيطرا على أدواته - اللغوية والتصويرية، والتركيبية والايقاعية، فالعمل الشعري في آن وفي وحدة لا تنفصل موهبة (أي طبيعية) وفن (أي صناعة).

وهو إذن لا يعيد صورة العالم أو الأشياء، وإنما على العكس يعيد خلقها أي يقدم عنها صورة أخرى غير صورتها المستقرة.

* إذا صح ذلك ونظرنا في ضوئه الى الكتابة الشائعة السائدة فماذا ترى؟

- 1- نرى ان ما نقرؤه هو اجمالا تكرار أو اعادة انتاج لصور الأشياء المستمرة، سواء كانت هذا الأشياء "مادية" أو "نفسية روحية".

2- ونرى أن الأدوات واهنة تكاد الا تبين - نرى أن الأهم فيها وأعني الكلمات، تلقى على الورق جزافا واعتباطا، لذلك تجيء العلاقات التي مع الأشياء اعتباطية وجزافية هي كذلك.

3- نرى أن ما "يتشكل" بهذه الأدوات الواهنة ليس أكثر من طبقة قشرية مفككة وليس لها "منطق" داخلي، تقرآن الجملة الشعرية ومن ثم العمل الشعري، فتشعران انه يتفتت كالرمل ولذلك لا تشعران بأية حاجة لكي تعيدا قراءته. على العكس، نشعر اننا في حاجة الى قراءة متكررة لكل عمل شعري حقيقي هو الذي يتكون من عدة طبقات، وهو ما يمكن أن نسميه بالنص الذي لا يستنفد هذه اللااستنفادية هي نفسها التي تسمح لنا الآن بقراءة بعض النصوص القديمة العظيمة بوصفها "حديثة" أي بوصفها لا تزال قادرة على الحوار معنا وعلى طرح أسئلتها الخاصة علينا.

4- ونرى ان ما نقرؤه يمكن تلخيصه بنثر عادي دون أن يخسر شيئا من "معناه" أو من "شكله" والنص الذي يسمح بمثل هذا التلخيص هو حتما، نص غير شعري.

5- كذلك ان ما نقرؤه خال تماما من أية استراتيجية لأي من أنواع التحول الجمال والفكري.

6- نرى أن ما نقرؤه لابنية له. كأنه مجموعة من الأسطر - الخيوط تتعاقب وتتوال واحدها وراء الآخر، دون رابط بؤري، بحيث يمكن أن نحذف أو نضيف أو نغير تتابع الأسطر دون أن نشعر بأي خلل داخلي، أو بنيوي.

* مادمنا دخلنا في صلب اشكالية القصيدة العربية الحديثة..، لتحدثنا عن مشروع كتاب "الكتاب" الذي قوبل بنقد صارم من بعض قرائه وبينهم شعراء.. ولكنه قوبل بإعجاب كبير من الكثرة... حيث إن "الكتاب" طرح على مستوى القراءة مشكلا معقدا.،

-  يجب أن نلاحظ أن "الكتاب" بجزءيه حتى الآن (وسيصدر الجزء الثالث والأخير في أواخر هذه السنة) لم ينتشر إلا في وسط محدود وذلك لسببين، الأول: سوء التوزيع أو انعدامه في البلدان العربية من جهة والثاني: ارتفاع ثمنه الكبير، قياسا الى أثمان الكتب الشعرية. فثمن الجزء الواحد منه يعادل تقريبا ربع الدخل الشهري لمعلم مدرسة أو موظف في سوريا، على سبيل المثال مما لا يتيح شراءه لكثير من القراء الذين يحبون أن يقرأوه. وهذا يؤسفني كثيرا لأنه يحول دون أن يأخذ هذا الكتاب مداه القرائي غير أني لا أستطيع أن أفعل شيئا في هذا المجال. أما على صعيد القراءة... فالذي قلتماه صحيح، حيث إن قاريء الشعر عندنا، معتاد على قراءة الشعر بوصفه مقطوعات لكل منها استقلالها الخاص وموضوعها "الخاص" وليس معتادا على قراءة نص مركب، متعدد الأشكال وكل شكل مستقل، غير أنه في الوقت نفسه متداخل أو متواشج مع الأشكال الأخرى - في قصيدة واحدة، على مدى "الكتاب" تبدو في الوقت نفسه لعين القاريء ظاهريا، انها قصائد متفرقة عديدة.

* ما الذي استدعى هذا النوع من البناء النصي في "الكتاب"؟

- هذا ما سأصل الى الكلام عليه. هكذا تبدو قراءة "الكتاب" صعبة بالفعل ومحيرة. في كل صفحة منه اضافة الى الهوامش هناك ثلاثة نصوص: الأول: الى يمين الصفحة، نص، وثيقة، يسرد من الوقائع التاريخية أكثرها أهمية فيما يتعلق بالصلة بين المحكوم والحاكم ويمثل المحكوم في هذه الوقائع أشخاص معارضون بارزون، كل في ميدانه السياسي أو الفكري أو الشعري. والثاني: في النصف الأعلى من الصفحة، نص، استيحاء، يقوم على حياة المتنبي (دليل الشاعر في رحلته داخل تأريخه وثقافته) في توتراتها وآلامها وأفراحها وتطلعاتها وعلاقاتها.

والثالث: في النصف الأسفل من الصفحة، نص - استشراف. وبين هذه النصوص تداخل خفي.

يفترض في النص الأول أن يمثل الذاكرة التاريخية للدليل - المتنبي (وللقاريء عبر هذا الدليل)، وقد حرصت على أن تجيء لفته الشعرية، بسيطة، مباشرة، عمودية، على غرار اللغة الشعرية عند كافافيس وريتسوس، وكثير من هذه النصوص وضع في لغته ذاتها كما وضعها المؤرخون دون تدخل تقريبا - الا بتغيير طفيف لتراكيب الجمل، لكي يستقيم الوزن، وهذا ما كان يفعله كافافيس في قصائده "التأريخية"، فعنده قصائد كثيرة هي مجرد سرد "مرتب" كما جرت دون أي تدخل "فني" أو فكري".

أما النصان الآخران فيقومان على لغتي الشعرية الخاصة.

 و"الكتاب" الى ذلك يتكون من فصول، وكل فصل يتكون من ثمان وعشرين صفحة بعدد الحروف الأبجدية. وكل صفحة تتكون كما أشرت من ثلاثة نصوص اضافة الى الهوامش وبين الفصل والآخر، نقلة أو وقفة سميتها "الهوامش" تتكون من عشرة نصوص، أحيي بها الأشخاص الذين صنعوا تاريخنا الثقافي كل في ميدانه، وبخاصة الشعراء.

هذا فيما يتعلق بالجزء الأول من كتاب "الكتاب" وباختصار كبير.

* وماذا عن الجزء الثاني؟

- انه أكثر غنى كذلك في تعقيداته، إذ أنه يتضمن الى جانب رحلة "الدليل" في التاريخ رحلة صديقه "أبجد" في "الواقع – المدينة" داخل الخريطة العربية.

ويتضمن كذلك "مذكرات" سيف الدولة، ومذكرات أخته التي يقال أن المتنبي أحبها، أو أنها أحبته، كما يتضمن "دفاتر" المتنبي الشعرية غير المنشورة، أي التي ظلت "مخطوطة" و"حققها" للمرة الأولى و "نشرها" أدونيس.

* لكن كيف تفسر إلحاحك على ظواهر العنف في التاريخ العربي؟

- ليس هذا "الحاحا"، وانما هو كشف لما كان يشكل حياتنا اليومية انه مجرد سرد لمألوفنا السياسي _ الفكري ولا اخترع شيئا، هذا من حيث الواقع. أما من حيث الدلالة، فإنني أرى أن الكلام على الوجه الرهيب الوحشي في تاريخنا هو وحده الذي يضعنا، كما يخيل الي، في قلب ما هو انساني، ثم ان هذا الكلام، واستغرب كيف ينسى ذلك بعض القراء، يرافقه ويواجهه على الجوانب السمحاء والمشرقة في تاريخنا، ممثلة بالمبدعين في جميع الميادين وخاصة في الشعر وهو ما نراه في الفصول المعنونة باسم "هوامش". فهذا التجاوز في التاريخ بين الأعمال الأكثر وحشية والأعمال الأكثر إنسانية، يوضح التجاوز الآخر في أعماق كل فرد بين ممارسة العنف أو الميل اليه، والقدرة في الوقت ذاته، الكامنة فيه على السمو في درجات الكينونة العليا وعلى الابداع، الكلام على عنف التاريخ العربي وحاضره، فنيا والتعبير عنه مما يساعد في أن نتغلب عليه ونعلو إنسانيا، وإضاءة تاريخنا في بعده الانساني لا تقوم إذن على تغطية العنف الذي عرفه، وانما تقوم على الكشف عنه.

إن ارادة تخطيته لا تخفي الا ارادة البقاء فيه وفي فضاءاته والذين يعترضون على التعبير عن العنف في حياتنا وتاريخنا، يصعب عليهم كما يبدو لي، أن يتذوقوا الفن بوصفه رؤية "كونية"، انسانية وشاملة، وأن يعرفوا الجمال ومواطنه، وأن يرقوا الى الانسانية الكبرى: الحرية عدا أن هذا الاعتراض - يخفي رغبة عميقة في اشاعة العنف وترسيخه.

وذلك ما هو حاصل اليوم. فهؤلاء وأمثالهم لا يعني لهم أي شي ء أن ينفى أو يسجن أو يشرد أو يقتل آلاف العرب من المحيط الى الخليج، كل يوم وكأن هؤلاء ليسوا بشرا، بل ح