أنظمة التكثيف في النص الشعري
محمد صالح وصيد الفراشات

عبدالله السمطي (ناقد من مصر)


الآية الجمالية التي نتصيدها في ديوان محمد صالح "صيد الفراشات" (1) هي: التكثيف والتشطيبات الدائمة لما هو زائد، وما هو استطرادي، إن الشاعر في ديوانه لا يقف عند حدود أداء المعاني، ولا يتوخى أن يصل لمعنى ما مكتمل، هناك دائما نقص ما في المعنى، يقابله فيض في الدلالة وفي الايحاء، مغزى ذلك أن التكثيف الوالغ في التجريد وفي الاشارة وفي إيثار الجمل الموحية القصيرة المتقطعة هو الأمر الأكثر بروزا في شعرية محمد صالح، وإذا كنا دائما ما نذكر قوله: "التكثيف" (2) في قراءاتنا النقدية في شكل عابر، فإن هذه المقاربة تنشد تفصيل هذه المقولة وتتبعها في هذا الديوان الذي يطرحها ويؤكد عليها، ويوقفنا على نموذج شعري له حضوره الثر في المشهد الشعري بعامة.

إن ديوان «صيد الفراشات» يوحي عبر عدة مشاهد/ أنساق ويحوي المشهد داخله مقاطع مكثفة، تقص زوائد اللغة، كل مشهد تقيبا معرف بأداة تعريف، وكأن الشاعر يسمي الشيء ويعينه. كأنه يقول: هكذا يكتب الشيء، المشاهد متواترة ومتوترة على رغم من تجريدها الشديد المختزل لأية بنى استعارية هنا يأخذنا محمد صالح لنقرر أن مشاهده «معلبة» في إطار حسي ذاهل تتقولب فيه الصور وتلقب من جديد. العناوين تدل على ذلك في عدة تعريفات "الجد،المطارد، القلة، السفر، الغريب، الكهل، السحب، الولد، البنت، الحادث...الخ" هذا التعريفات تدل بشكل مبدئي على أن الشاعر يعاود اكتشاف الأشياء عبر الذات، ويعيد تلقيبها وتعيينها، وفي شكل محدد، مكثف، ومن هذا المنظور سيتأتى للنص الشعري أن يتحدد وفتا لتقنيات مسبقة بشكل ما. وان كان فعل الكتابة سيقوم بلا ريب. بتغييرها وبتنضيدها، وتعيين خواصها تبعا لسياق المشهد الشعري ذاته.

إن "صيد الفراشات" يتكون، أو لنقل يحوي أربعة عشر قسما نصيا، بمعنى أن كل قسم يضم عددا من النصوص القصيرة التي لا تتقصد في تعالقها مغزى ما وحيدا، بل هي منتشرة ومتشعبة زغم أن ثمة عنوانا واحدا يضمها. ولعل هذا الانتشار يفضي الى أن يصبح النص أكثر تعددية في ايحاءاته، وأكثر رحابة في تأويله، وهي سمة من سمات النص الراهن الذي خلق من التشتت الشاعري وحدة منتظمة، وطفق في تحويل التشظي الذي يمنعه الواقع الى بنية متماسكة جماليا. متعددة الايحاءات تأويليا.

ومحمد صالح لا ينتأ عن هذا الأفق، بل انه يبز نصوصا كثيرا محايثة في مشهدنا الشعري وينحو صوب تكوين سياق خصوصي، حافل بمكوناته الذاتية الخالصة.

وإذ. تتجه مقاربتنا ازاء التكثيف، فسوف نكتفي هاهنا،. كما يتبدى من النصوص - بتحديد بعض أنظمة التكثيف البارزة في الديوان ولعل أجلاها، التجريد والحذف وتضبيب الدلالة،وكسر السياق، وتبديد المعنى واستثمار تقنية "النهاية" أو حسن الختام - كما تسميها البلاغة العربية - وإبراز المفارقة.

وفق هذا المحددات فإن التكثيف يكون من ناحيتين: الأولى لغوية تتعلق بابراز أسلوب ما نحوي أو اللعب بتحريك الكلمات تقديما وتأخيرا، وحذف بعض العناصر النحوية من بنى الجمل،والثانية تتعلق بالدلالة، وبإيحاءات المشاهد ومقاصدها، ولنقف قليلا مع كل نظام تكثيفي على حدة.

قواسم التجريد:

إن كثافة المشهد الشعري عند محمد صالح تبدي قدرا وافرا من الجهد والتأمل فإن تعبر عن مشهد ما بأقل ما يمكن من الألفاظ، وأن تقتطع من ركام الوجود مشاهدك الصغرى فإن ذلك يتطلب حذفا وصنعة تعي تماما ما يجب بسطه وما لا يجب. والتجريد من الملامح البارزة في أفق التكثيف، يمثل أحد الأنظمة الجوهرية في خلق توتر ايمائي واثق. إنه اختزال كامن في البنية اللغوية للنص. أن أجرى أن أزيل كل القشور والزوائد وأن أصل لكنه الأشياء، للجوهر لا للمحيط، ولجذر الشيء لا لغصونه هنا يصبح التجريد وليدا شرعيا للمخيلة التي تخترق الحواجز حتى تصل لمنطلقاتها تماما هذا ما يفعله التجريد، يتمسك بالبنى الأصلية للشيء بعد أن يقشره ويزيل ما يتراكم عليه من مواضعات، وفي المعاجم اللغوية "جرد الكتاب عراه من الضبط وجرد الجلد: نزع عنه الشعر. وجرد السيف من غمده: سله. وجرد القحط الأرض: أذهب ما فيها" (2).

هكذا فإن المعاني كلها تنبسط في معنى الإزالة والتعرية، والتجريد هو إزالة الزوائد وقصها وتعرية الدال وكشفه ليبدي ما فيه، وفي الشعر الحديث فإن التجريد يعتمد أساسا تجريد الكلمة، وتلعب الكلمة في قصيدة النثر دورا أساسيا عكس الشعرية التي طرحها رواد الشعر الحر التي كانت تعني بفضاء الجملة وبشعرية التراكيب. إن محمد صالح يمارس فعل التجريد بدءا من الشكل الشعري الذي يصب فيه محتواه الجمالي، وكلما كان النص قصيرا زادت أهمية كل كلمة فيه، والنص عند محمد صالح مضغوط لأقصى درجة، واذا كانت البلاغة العربية تربو التجريد بعلاقات الضمائر وتحولات الخطاب باعتبار ان المتكلم يصبح غائبا، فإن معنى ذلك أن الشاعر بانتقاله من (الأنا) الى الـ(هو) يزيل ذاته ويجردها من خطابها - بشكل مؤقت - تغيب فيه الذات من المشهد. بيد أنها تحاور الوجود من طرف خفي. مما يحدث نوعا من التوتر وصنع الشعرية.

لو تأملنا قليلا نصوص محمد صالح فإن ما يسترعي انتباهنا هذا الأفق التجريدي الحاد للأشياء، هناك نوع من الثبات والتسطيح الناتيء، الأشياء تتدبب ولا تنحني تواجه من دون أن تتعاضد بـ أو تتعالق بـ الأشياء، الأخرى - بمعنى أن العلاقات السياقية لا تنهض بدورها التركيبي، فلا تخلق هذه العلاقة بين شيء وآخر بين دال وآخر، رغم النشاط السردي الذي يتوامض في فضاء المقاطع الشعرية. وفي الشعر اعتدنا أن يكون حضور الكلمات والدوال مبررا من الوجهة الفنية.، وأن توجد هذه بسبب من تلك، إذ ان تجلي الدلالة لا يمكن له أن يظهر طالما أن بنيات النص لا تستهدف نوعا من التركيب والانشاء أو حتى نوعا من الهدم والحذف. إن التجريد الشديد جدا والمكثف لا يعطي الشاعر أن يقلص انجازات الدلالة المكتملة لكي يمنحنا كونا شعريا ولو مغيرا، أو يمنحنا صورة ما مكتملة لذات، لكنه يمنحنا نمطا من التأويل، ومحاولة مضاهاة الكلي بالجزئي والثابت بالعابر.

إن التجريد الفادح – بداهة – يتجلى في مقطع يحمل الديوان عنوانه، يوميء الى - ويبرر ربما - فاعلية التجريد لدى الشاعر يقول في هذا المقطع المعنون بـ "صيد الفراشات".

من أين جاء الخاطر المر

إنه منذ ما يعي.

ينتهي حيث بدأ

وإنه لن يعثر عليها أبدا ؟ الديوان (ص 32).

إن مرجعية الضمير في (عليها) غير محددة، ولا تسمى ما... هذا الحاجة التي لن يعثر عليها أبدا، هل هي الكلمة، أم القصيدة ؟ أم الحياة نفسها؟ إن الوعي هو البداية (إنه منذ ما يعي)، لكن لا نهاية هناك، بالأحرى لا بداية ولا نهاية. ثمة عبثية. لا جدوى. ارتحالات تضيء في بهاء السدي. الشاعر يمارس بدأه ومنتهاه في آن، بالطبع هو يحيل الكلام الى الضمير (هو) فالمقطع كله مجرد. كأنه قشر ذاته، وأزال ما عليها من تجارب وسفر وغربة وارتحالات حتى صار البدء هو النهاية، والنهاية هي البدء، الا يلخص المقطع الحياة جميعها؟ الا يوجز كل تجربة وكل حياة، الا يقول كثيرا، ويوميء ويوحي بأقل ما يمكن من العبارات ذلك هو مسعى التجريد ومسعى الكثافة.

سوف نظل أكثر على بعض المقاطع، لنرصد هذا البهاء التجريدي، الذي ينتظم في عدة نصوص يمكن توصيفها عبر نمطين:

الأول: تجريد عبر اللغة، والثاني تجريد عبر الدلالة.

في التجريد عبر اللغة يقوم الشاعر بالغاء كل ما يمكن إلغاؤه من عناصر نحوية، فمن الممكن أن ينتظم ضمير واحد المتعلم كله. والضمير الأبرز في ذلك. كما يتبدى من النصوص. هو ضمير الغياب (هو) الذي يشير بمعنى ما الى (الأنا) الشاعرة، أي أن معظم المقاطع مجردة. ويتبدى هذا التجريد في البعد الكمي للنصوص، حيث إن الكلمات مضغوطة جدا ويتضح في الاستغناء عن الاضافات والصفات وكثرة الضمائر المستترة.

وفي التجريد عبر الدلالة، نجد النصوص قد أومأت الى أشياء كثيرة  وهنا تحل الكلمة قدرا كبيرا من الدلالات على الرغم من أن قصيدة النثر تحتفي بقول (الجملة) لا بقول (الكلمة) وهذا إحدى ميزات محمد صالح الشعرية التي يبشر بها في هذا الديوان.

في نص بعنوان (الأصفر) يقول الشاعر:

كل هذه الصفرة ؟

ربما كان الأمر مقصودا

الطبق الكهربائي أصفر

والثرثرات.

والقطة تحت الطاولة

والشراب الفائز. الديوان (ص 65).

يتجلى نمطا التجريد بشكل بين، إذ إن إعادة كتابة النص، تدل على أن الشاعر اختزل كثيرا من البنية اللغوية للنص، الذي يمكن أن نجرب كتابته لغويا كالتالي:

(أسأل نفسي. أو (أساءل):

كل هذه الصفرة (ها هنا)

ربما كان (هذا) الأمر مقصودا

(منهم /منه /منها).

الطبق الكهربائي أصفر

والثرثرات (صفراء)

والشراب الفائر (أصفر).

لقد جرد الشاعر بحذف فني الجمل من عناصرها النحوية المكتملة فحذف فعل السؤال واسم الاشارة وحرف الجر، وحذف الصفات المكررة في اللون الأصفر. وهذا التجريد بالطبع له ضرورته في نسج الجملة الشعرية، وله دلالته التي تمنع الاستطراد والثرثرة، ونقض مضجع البوح الكامل، ويكتفي بتقديم إشارات وتلميحات. وهنا يصبح على الملقي ان يقوم بدور تأويلي للاحساس بهذه الاشارات والتلميحات، وآنئذ يقوم بدوره الفعال في عملية التلقي.

إن فعل التجريد ينسحب على النصوص جميعا، ونحن في تقديم منك الدالة على ذلك لن نقفوا الديوان كلا، إذ إن هذا الفعل تقاسما أفعال تقنية أخرى بيد أن ذلك لن يعوقنا عن تمثل عدة مشاهد، يمكن أن نتحدث عبرها عن قواسم عدة للتجريد:

1- السفر:

كانت المدينة التي علم بها طوال

الوقت.

وهكذا لم يتوقف.

وعبثا حاولت أن أحكي له.

ولو بعض سيرتها.

لا بد كانت المدينة التي يحلم بها.

أجل طوال الوقت. (الديوان/ ص 14).

2- الكلاب:

هكذا كل ليلة

والمدينة تذهب للنوم

والعابرون قليلون

ينتحون جانبا.

ويبولون (ص 82).

3- المدينة:

على حافة الصحراء

ينشئون كل يوم مدينة.

الذين أرهقهم ما انتهى اليه حال

مدينتنا،

الذين تعني المدينة لهم شيئا.

هم أول من يهرع الى هناك.

يعجبهم أن المدينة الجديدة.

تبدأ من حيث انتهت سابقاتها.

الشوارع واسعة.

والسيارات قليلة.

والنساء في الشرفات.

أن ما ضاع منهم.

قد سبقهم اليها.

الطيور.

والأشجار في المداخل،

والشمس على الواجهات

وأن بوسعهم الآن أن يتأملوا

بعمق أكثر.

مأساة المدينة التي غادروها.

الذين يعرفون أن البدايات شيء.

وأن النهايات شيء آخر.

أن المدن تتغير عادة.

وأن الطيور للذبح.

هؤلاء يغتنمون هذه اللحظة.

ويفرون من المدينة  (ص5)

4- ترانزيت:

مدينة بعد أخرى.

ونحن ننتظر.

نحن ولعب الأطفال

وحلي النسوة.

واوجاعنا.

وهم يسوقوننا الى هناك

نزلنا في مدن كثيرة.

اشترينا منها.

كل ما نحتاجه للوطن (ص 61).

اصطفيت النماذج السابقة التي تدور كلها حول موضوعة أثيرة في شعرنا العربي المعاصر والقديم على السواء وهي موضوعة «المدينة» لقد قدم الشاعر عدة لقطات من المدينة التي يكتب عنها، بيد أنه آثر أن تكون هذه اللقطات واللغة في التجريد لأقصى درجة. واذا كان التجريد بمثابة إزالة وتقشير وتعرية للزوائد والاضافات. واذا كان هذا المفهوم من الاتساع بحيث يمكن له استيعاب المكان والزمان أيضا، فإن الشاعر قد أزال ما حول المدينة، لم يسم مدينة بعينها، أطلق رؤاه فحذف الأسماء والصفات والشوارع والناس والمشكلات المجتمعية، وآثر أن يعتصم بالصوت الانساني المجرد الذي يشير له بـ «هو» أو هم لكنه في الوقت ذاته هو منتسب الى الـ «هو» والـ«هم» منتسب بشكل تجريدي لهذا الغياب.

في المشهد الأول المعنون بـ «السفر» يتحدث الشاعر عن المدينة /الحلم عبر حوار مكثف تجريدي مع الذات بالانتقال بين ضميري المتكلم والغياب، حيث لم تتوقف الأنا / المجردة «المخيبة» عن ممارسة الحلم بالمدينة الجميلة. والمشهد يختزل بكثافة زوائد لغوية وعناصر نحوية جلية فضلا عن الاختزال البادي في تكثيف مشهد المدينة الى أقصى درجة بالايعاز أن لا هناك، سوى الحلم بمدينة جميلة غائبة.

وفي المشهد الثاني يعطي صفة مذمومة لأناس المدينة الذين يشبه بعضهم «الكلاب» في ممارستهم فعلا مذموما، يكن مشاهدته ليلا عندما تذهب المدينة للنوم وهو فعل متكرر يحدث كل ليلة. وفي المشهد الثالث يتواصل الحلم كما في المشهد الأول، بمدينة أفري واسعة، على طرق الصحراء، يكمن فيها التأمل، واعادة استصراخ الأشياء كالطيور والأشجار كي تبقي كما هي في حال جمال ونقاء، حيث الطيور والأشجار في المداخل والشمس على الواجهات، وآنئذ يمكن التأمل، ونذكر مأساة المدينة الموحشة التي تمت مغادرتها، وفي المشهد الرابع تأكيد لحاجة الذات الى وطنها الخاص، وشجنها الحي الذي تحمله «ترانزيت» مدينة بعد أخرى.

لقد قدم محمد صالح مشاهد المدينة بشكل تجريدي طاغ، ويكن اجمال ذلك في عدة نقاط.

أولا: اختزال البعد المكاني للمدينة لأقصى درجة إذ أنه اكتفى بالاشارة الى بعض عناصر المدينة بشكل ايمائي ولم يسم ولم يفصل، وهذا أحدث نوعا من التجريد الدلالي، لأنه اكتفى بالافصاح عبر الدال، دون المضي في استقصاء الدلالة الكلية الواسعة له، خاصة حين يتعلق الأمر بدال شاسع كالمدينة.

ثانيا: تضبب الدلالة، وهذا مغط من أنماط التجريد، الذي لا يختفي وراء القشور والزيادات، ومن هنا يسهم حضور الدوال بأشكالها المنفردة المتجاوزة المجردة الى أن تقبر الدلالة عسيرة المنال عند القراءة للمشاهد، ويتطلب انتاج الدلالة تأويليا قدرا من القراءة المتمعنة. إذ أن تجاوز الدوال لا يعطي بالضرورة نوعا من فاعلية السياق،حيث لا يلب السياق في قصيدة النثر-خاصة المنتجة في السنوات الأخيرة. دورا في تحديد معنى الدال الايحائي، وإن كان معناه اللغوي الأول المتواضع عليه معروفا، لذا فالدلالة تظل مضببة عن طريق الغاء دور السياق، مع الاختزال الشديد للعناصر النحوية.

ثالثا: إن مدينة صالح تتحرك ضمن برج بصري مختزل لا مفصل، وهو إذ يفعل ذلك إنما يمنع وجودا خاصا بالمفردات القليلة جدا، التي تقبع في حد ذاتها إشارات مكانية عن الخارج، وهنا لا تندغم المدينة في وعي الشاعر بل في وعي الكلمات، بمعنى أن الشاعر ضيف عابر على المدينة، لا ينفعل ولا يتجاوز ويترك الكلمات تؤثث فعلا حواريا آخر، هو حوار الأشياء في حضورها الصامت في النص. إن فعلا كهذا يؤكد الوثاقة الشديدة بين بناء المكان وبناء النص، باعتبار تجريدي مكثف.

رابعا: لا يتأسى الشاعر على شيء، يعبر النص محايدا وباردا تماما. كما في العمود المحايد في فن القص. لكن الا توجد «ورطات» أخرى تختبىء وراء الكلمات ؟ إننا لو أخذنا النص منفردا لتمكنت منا الحيرة. والرغبة في الاستقاء على ظمأ من نصوص أخرى لكن من الممكن أن نلج الى جملة النصوص كلها حتى نجد الرغبة المتعانقة بين الكلمات وبين الأنا الشاعرة والباطنة.

أناظيم الحذف

حين يمارس الشاعر، حال كتابة نصه، فعل الحذف فإنه يقوم بتقليل وايجاز كلماته من جهة، ويقوم من جهة ثانية - في الوقت ذاته - بتوسيع علاقات دلالتها. تماما تنطبق المقولة الصوفية «كلما ضاقت العبارة اتسعت الرؤية» مساحة العبارة -عبر الحذف - تضيق زمنيا - بإيجاز الكلام - ومكانيا باستثمار اتساع فضاء الصفحة.

إن فعل الحذف، هو فعل انتقاء، لأن الشاعر حين يحذف كلمة ما، فإن الكلمة المثبتة الأخرى هي التي تصبح منتقاة، وتتحمل في التو دلالة الكلمة المحذوفة، تشحن بطاقة أخرى، مما يقوي من توهجها الدلالي، وحين تتجاور هذه الكلمات المشحونة بطاقات متعددة، يكون النتاج مدهشا مثيرا، وهناك نوعان من الحذف يقوم بهما الشاعر، الأول شفاهي يحدث قبل الكتابة، إذ ان طريقته وأسلوبه وتياره الشعري يمنعه من الدخول في فضاء كلمات معينة، أو استحضار ألفاظ مستهلكة، والثاني تحريري يحدث عند الكتابة، أو بعد اكتمال النص، حيث يقوم الشاعر بالمراجعة والتنقيح والحذف والاثبات.

بيد أن الوجهة الأثيرة التي نصبو لها هنا، هي مقاربة أناظيم الحذف عند محمد صالح في نصوص الديوان، ولأننا لا نعرف ماذا حذف الشاعر ونعرف ماذا أثبت، فإن ما أثبته ها هنا، يجعل من المحذوف فضاء مفتوحا للتأويل، خاصة أن الحذف يتعلق بحضور العناصر النحوية وغيابها.

ويعرف عبدالقاهر الجرجاني الحذف بقوله: «هو باب دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسحر، فإنك ترى به الذكر أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة أزيد للأفادة، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق وأتم ما تكون بيانا إذا لم تبن، وهذه جملة قد تنكرها حتى تخبر. وتدفعهما حتى تنظر» (4).

إن ملاحه تعريف الجرجاني للحذف، تجعلنا في يقين تقني بدوره الهام في عملية الابداع الشعري ولدى محمد صالح هناك صمت عن الافادة، وهناك حذف وفير من أجل توطيد طاقات الكلمات المثبتة وتكثير دلالتها. ولعل الحذف عنده يتبدى في اصطفائه التعبيرات القصيرة جدا وايثاره عدم البيان الكامل، إذ يترك ذلك للقاريء، إنها كتابة كالنقش الذي يدوم ولا تنسى قلته المركزة جدا. وفي النصوص جميعها يطالعنا الحذف بوصفه بنية أثيرة لدى الشاعر، إذ إنه اكمال لعنصر التجريد السابق الذكر، وسباحة في فضاء الاختزال والايجاز حيث يندرج ذلك كله في أفق التكثيف.

في نص (ولد وبنت) - الذي نتخذه نموذجا ها هنا - تتجل بنية الحذف بشكل واضح في اختزال العلاقة بين طرفي الحياة (الرجل والمرأة). والحذف يتم على نطاق الشكل الشعري أولا ثم على نطاق البنية النحوية وبالتالي البنية الدلالية للنص بوصفه كلا، إذ أن الحذف يؤثر على الجملة المحذوف منها بعض عناصرها، بل على النص كلا، وهنا نتذكر قول الجرجاني: «واعلم أن من أصول هذا الباب أن من حق المحذوف أو المزيد أن ينسب الى جملة الكلام لا الى الكلمة المجاورة له، فأنت تتول إذا سئلت عن «القرية» في الكلام حذف، والأصل أهل القرية، ثم حذف الأهل، يعني حذف من بين الكلام» (5).

وينقسم نص (ولد وبنت) الى أربعة أقسام نصية في أربعة عناوين هي: «البنت، الزيارة، العربة، الولد) وهي كلها لقطات مشهدية تعبر عن العلاقة الحميمة بين الطرفين، وذكر الولد والبنت، بمثابة نوع من الافضاء عن الماضي اذا استدعينا مقولة التجريد وقلنا إن الشاعر إنما يعبر عن أزاه، ويحذف ويطل عبر ضمير الغياب، يقول الشاعر في عناوينه الأربعة:

البنت:

يدين لها بكل شيء

الوردة في الكتاب

والرسائل

التي بيد مرتجفة كان يدسها

ولفح أنفاسه

وبرتقال بشرتها.

الزيارة:

البيت الذي باعته الأم

بعد ما اتسع عليها

ذو البابين على الناصية

الخشبي