هل كان قرمطيا، أم علويا، أم من الغالية، أين قاد عصيانه ومن ضد من؟
لغز المتنبي الكبير

النص: ولفهارد هاينريش
ترجمة وتقديم: حسام الدين محمد (ناقد عربي يقيم في لندن)


يكاد يكون شاعرنا أبوالطيب المتنبي أحد أكبر ألغاز التارخ الأدبي العربي، فرغم الكتب العديدة التي كتبت عنه، في عصره، ثم في العصور اللاحقة، ورغم اعتباره أهم وكونه أشهر شاعر عربي حتى مطالع العصر الحديث، فإن المتنبي ما زال يحتفظ بأسراره ويضن بها على المعجبين به، وقد ساعده في ذلك العصر المضطرب الذي عاش فيه، المليء بالحركات السرية الاسماعيلية والقرمطية وكذلك البيئة التي جاء منها، والتي بحسب النص الذي سنقرأه، تدل على أصول متواضعة له، ولكنها تلمح، في الوقت نفسه، الى علاقة معينة بالبيت العلوي في الكوفة، يضاف الى ذلك اختلاط أخبار المتنبي آخر، وأخيرا السرية التي أضفاها المتنبي نفسه على الواقعة التي أدت لتلقيبه بهذا اللقب.

هذا النص محاولة مستقصية بالغة الثراء والأهمية حول لغز المتنبي، الذي مازال يلهم شعراءنا العرب سلفا دائم الفاعلية والكينونة في الذات الشعرية العربية، فقد روعي أن هذا النموذج سكن بواطن الشعراء العرب، باعتباره النموذج الأعلى، وهو، بهذه الطريقة، صار أبا لظواهر عديدة يمكن دراستها وتفحصها في اللاشعور الجمعي للشعرية العربية ويغير إعطاء هذه المسألة حقها سيصعب بالتأكيد فهم حالات نفسية وشعرية تكاد تبدو تطابقية في بعض الأحيان بين حيوات شعراء عرب وحياة المتنبي ونزوعه العظامي.

إن حالة الجمع بين الشعر والسياسة ليست بالتأكيد ظاهرة عربية، ولكن الجمع بين السياسة والحالة الانقلابية الدائمة، والتغيرية من حال الى حال، بشكل يشبه الرفض المستمر و"الثورة الدائمة"، هي حالة تبدو عربية بامتياز، واذا كانت هذه الحالة أفادت ظاهرة التمرد والخروج الدائم على السلطة، فإنها من جهة أخرى تبدو مسكونة كثيرا بحالة هاجسية استحواذية، يشتغل فيها هذا اللاشعور الجمعي الذي اعتبر المتنبي نموذجه الأساسي.

لكن أيا كان رأينا في هذه الظاهرة، فإن المتنبي سيظل الى أجل لا أدريه مالئا للدنيا وشاغلا للناس، وهذه الدراسة في العربية أخيرا، محاولة لفهم وتفحص مكنونات هذا الشاعر العظيم.

عندما توفي نبي الاسلام اعتبرت غالبية المسلمين أن النبوة قد ختمت وتوقفت (1). لقد اكتملت الرسالة الالهية ولن يكون هناك نبي آخر حتى نهاية الدهر.

مسألة أن الوحي قد ختم كان لها نتائج مهمة في التاريخ اللاحق للثقافة الاسلامية، فقد صار القرآن، وأيضا (وان بطريقة مختلفة قليلا)، الحديث والسيرة النبويان، شكل التعبير الجوهري للالهي في العالم وصارت مهمة العلماء، دارسي الشريعة، المحافظة على النصوص بشكل سليم وتام، وفهمها وتفسير معانيها، وقد وردت هذه الفكرة في الحديث النبوي المبكر "العلماء ورثة الأنبياء". (2).

وهكذا بدا مقدرا للاسلام منذ نشوشه أن يصبح ديانة كتاب وبحث علمي، وهذا، الى درجة عظيمة، ما صار اليه. وبالرغم من ذلك فإن شوق العديد من البشر لاتصال أكثر مباشرة مع الالهي وجد تعبيره مبكرا في التصوف الاسلامي، الذي وجد مكانا لعلاقات اضافية متعددة مع الالوهية، ولكن ليس خارج منظومة الكتاب والشريعة بل داخلهما.

أولى هذا العلاقات، تجعل من المتصوف سالكا في الطريق الروحي للتطهر بالالوهية، وثانيها، انتظام المتصوف ضمن سلسلة من السادة والمريدين والمقصود منها وصل المتصوف أو المتصوفة بالرسول ضمن تعليم خاص متدرج من فوق الى تحت، وأخيرا تسمح هذه العلاقات للمتصوف بتلقي الالهام الالهي. وهذا الالهام مختلف تماما عن الوحي فالمخاطب في التصوف هو المتصوف الفرد، بينما يستهدف الوحي المجتمع كله، وكن فكرة "الالهام" كانت مرفوضة من قبل العلماء غير المتصوفين (3).

ما علاقة الشعر بكل ذلك؟

يجب أن نشير بداية الى أنه مع توقف الوحي صارت أشكال أخرى من الالهام مشكوكا فيها، وخصوصا من أشخاص اعتبروا خصومة للوحي الالهي: الشعراء والكهان (4).

لم ينكر النبي الأصل ما فوق البشري لما يقوله هؤلاء، وقد كان تأثير الشعراء الهجائين الذين يلهمهم الجن خطيرا على الدعوة الاسلامية، وقد قام الرسول (ص) بتشجيع الشاعر حسان بن ثابت على نظم اهجيات ضد الكفار المكيين مبشرا اياه بأن جبريل سيكون معه (5).

وبما أن جبريل هو مبلغ الوحي فقد ترتب على ذلك تواز بين الوحي والالهام ولعل هذا أحد الأسباب التي دفعت الى انكار الالهام وعدم التصديق بوجوده، بل إن المحاولة للوصول الى المعرفة فوق البشرية مات مثارا للتساؤل عموما. اضافة لذلك، وبشكل طبيعي. فقد صار اعتبار أن الالهام الشعري، هو من مصدر فوق بشري مشكوكا فيه كثيرا. فأحد مصادر هذا الالهام في عالم الجن هو الشيطان، وهذه الكلمة صارت بعد زمن قصير من انتشار الاسلام تعريفا للشيطان الأوحد الذي تمت عملية تماه له مع ابليس وهذا الاستخدام وضع الشعر في بعض الدوائر الدينية، في إطار مسيء جدا.

الفكرة آلت عمليا الى عدم الاستخدام ولكنها بقيت كاصطلاح في اللغة فحسب، ولم يعد شيطان الشاعر يعني أكثر من الموهبة الشعرية (6)، وقد عادت هذه الفكرة لاحقا ولكن كأداة أدبية فقـط (7).

لم يعد أحد مؤمنا بهذه الفكرة، ولهذا السبب فمن الانصاف القول أن الالهام سواء كان من قبل ملاك أو جني، لم يعد اعتباره مصدرا للشعر في العالم العربي مهما البتة. استثني من قولي هذا الشعر الصوفي، حيث يمكن للالهام والأحلام أن يلعبا دورا مهما، لكن هذا الاستثناء يجد مبررا في أن الجمهور القروسطي سيعتبر هذا الشعر نظما للعقيدة الصوفية أكثر مما سيعتبره شعرا، وسوف تتجاهل كتب النقد والأدب هذا الشعر كلية.

وحيث إن الالهام كمصدر خارجي للمعرفة الشعرية صار مشكوكا فيا، فمن المقوقع أنه تم تحويله الى معنى آخر واعتباره ملكة خاصة عند الشاعر.وقد تم استخدام فكرة الالهام باطار اخلاقي، بحيث يتم من خلاله تمييز الحسن من السييء في الشعر والموسيقى (8)، أو كنظرية في الطبع والنشأة "الموهبة الطبيعية" و"الطاقة الابداعية"، التي توجه الشعراء في أسلوب وضع قدراتهم لصنع وانتاج الشعر الذي يرغبون به (9).. لكن هذه المحاولات بقيت بدائية ولم تصبح جزءا مهما من النظرية الأدبية.

بالنظر لكل هذا ليس من العجيب أن نجد أن واحدا من أهم الشعراء العرب في القرون الوسطى (والأكثر شهرة، اذ اعتمدنا حجم ما كتب عنه كمعيار للحكم) قد حمل اسم المتنبي.

عنوان هذه الدراسة بالطبع ملتبس بذكاء، لاحتوائه على سؤالين الأول: ما هو معنى كلمة المتنبي، والثاني: لماذا أعطي هذا الاسم لهذا الشاعر بالذات ؟

يمكن حل السؤال الأول بسرعة فالكلمة تشير الى شخص "يتصرف كأنه نبي" والكلمة هي اسم الفاعل من الفعل (تنبأ) المشتق من الاسم "نبي" (وهي كلمة مستعارة من الأرامية - نبيي - ومن العبرية نابي). وهذا الاشتقاق يحمل عادة المعنى الخاص لـ "يتصرف مثل، أو يدعي كونه"، دون أن يعني ذلك الزيف، أو الفساد بالضرورة (10).

كلمة "المتنبي" لهذا تشير الى شخص يتصرف مثل نبي، مدعيا النبوة دون اعتبار لما اذا كان نبيا أم لا. كلمة (متطبي) المشتقة من طبيب مثلا يمكن أن تشير الى "ممارس لفن الطب" أو الى دعي لحرفة الطب. صحيح، رغم ذلك، أن هذه الكلمات تميل لاكتساب المعنى الأقل تفضيلا عند استخدامها، وفي حالة المتنبي، ليس هناك شك في شرع المسلم المستقيم الذي يعتبر محمدا خاتم الأنبياء ان كلمة "المتنبي" لا يمكن أن تعني إلا "دعي النبوة" وحتى لو كان الأمر كذلك فإن استخدام هذه الكلمة لا يحدد أي شيء بالنسبة لاعتقادات الشخص الذي تطلق عليه، وسوف نرى أن الناس كانوا مدركين لهذه المشكلة.

بالنسبة للسؤال الثاني، وهو الموضوع الرئيسي لهذه الدراسة، فسوف أقوم بتقسيمه الى الاشكاليات المنفصلة التالية، الأولى: على أية أسس سمي الشاعر بالمتنبي الثانية وفي أي سياق يمكن لادعاء النبوة أن يكون معقولا، والثالثة: هل كان لادعائه النبوة تأثير على شعره. قبل الدخول في التفاصيل يبدو من المفيد اعطاء بعض المعلومات عن حياة وزمن المتنبي.

ولد المتنبي عام 303 هجرية - 915 ميلادية، وتوفي عام 354هـ / 965م. وكونه ولد في هذا الزمن فقد قيض له أن يشهد فترة من التاريخ الاسلامي كانت شيقة كما كانت مثيرة للقلق، ولقد عنون المستشرق السويسري ادم ميز دراسته الشاملة عن هذا القرن العاشر: عصر النهضة الاسلامي (10). وربما كانت هذه التسمية غير صحيحة أو غير مناسبة، ما دمنا لا نتعامل هنا مع اعادة اكتشاف شاملة لأثر كلاسيكي. الأمر هو على الأكثر ازدهار للفلسفة والعلوم المؤسسة على تقاليد مستمرة وعلى ترجمة للنصوص اليونانية. ومع ذلك فهناك بعض التشابهات بين القرن العاشر الاسلامي والنهضة الايطالية، ففي كلا الفترتين، شكل اتجاه ملحوظ نحو النزعة الانسانية (هيومانزم) والفردانية شكل رؤية العالم والادراك الداخلي لمجموعة نخبوية من البحاثة والحكام والمتعاملين مع الحرف، وبهذا بدت شخصية المتنبي متناسبة مع الفترة لدرجة كبيرة (12). تشابه آخر ظاهري هو تكاثر عدد بلاطات الحكم التي تنافست برغبة رعاية الفنون والعلوم مما أدى الى ازدهار ثقافي تناسب عكسيا مع قوة السلطة المركزية للخليفة.

مجرى حياة المتنبي نموذجي من هذا المنظور: فبينما كان شعراء القرن السابع يتجهون الى بغداد حيث مركز سلطة الخليفة، فإن المتنبي تولى منصبه كشاعر بلاط لأول مرة في بلاط سيف الدولة الحمداني في حلب وذلك عام 366هـ/948م، وهرب الى مصر عام 346/957 لينشد مدائحه في كافور الأخشيدي ثم فر الى بغداد عام 351/ 962 وانتهى به الحال قبل وفاته بفترة قصيرة في بلاط عضد الدولة البويهي في شيراز.

القرن العاشر الميلادي على أية حال، هو نقطة الذروة فيما سماه برنارد لويس في "العرب في التاريخ" بـ "تمرد الاسلام" (13). حيث صار الخليفة السني مطوقا بعدد من السلالات الحاكمة الشيعية، بعضها صديق يعترف بهيمنة الخليفة، مثل الحمدانيين في حلب والبويهيين في العراق وايران، الذين تملكوا لاحقا سلطة أكبر من سيطرة الخليفة نفسه، كان هؤلاء شيعة معتدلين من المذهب الامامي. البعض الأخر كان ينتمي الى الفرع الاسماعيلي الأكثر تطرفا، الذي كان يميل بإصرار الى قلب النظام القائم. السلالة الفاطمية في مصر - المعارضة للخلافة العباسية - كانت تدين بهذا المذهب، وكذلك القرامطة في البحرين. كلا المذهبين وغيرهما من الشيعة الغالية أيضا، كان لديهما منظمات دعاوية سرية لتنظيم الناس وتحريضهم لبدء العصيان. وقد نجحت هذه المنظمات بشكل خاص ضمن القبائل البدوية في الصحراء السورية. وقد قام القرامطة، بعد تأسيسهم لدولتهم في البحرين، بغارات مدمرة على جنوب العراق وفي عام 317 /930 هاجموا وفتحوا مكة أثناء فترة الحج، حيث قاموا بمجازر بين الحجاج والسكان وأخذوا معهم الحجر الأسود من الكعبة.

فترة أزمة بالتأكيد! لقد تم نصب الحلبة، ويمكن للمتنبي الدخول الآن (14).

ولد المتنبي في مدينة الكوفة العراقية، وهناك مع بعض التقطعات والمداخلات بسبب هجمات القرامطة، عاش سنوات طفولته. الكوفة بالاساس هي مدينة حامية عسكرية أسسها الجيش الفاتح العربي بعيدا عن العاصمة القديمة للامبراطورية الساسانية سلوقية - ستيسيفون (التي يدعوها العرب بـ "المدائن" وكانت الكوفة لوقت قصير، خلال فترة الخليفة الرابع "علي"، عاصمة الخلافة، ومنذ ذلك الحين بقيت ملتصقة بالعائلة العلوية وبعدد من الاعتقادات الشيعية المختلفة. المعسكرات جذبت اليها الكثير من غير العرب من "المدائن" المجاورة للعمل في الأعمال الوضيعة والحرفية، وهؤلاء صاروا بالتدريج ما يدعي "الموالي" للقبائل العربية، ولكنهم بقوا مسلمين من الدرجة الثانية.. واحد من التقاليد الدينية التي جلبها هؤلاء الموالي معهم كانت الغنوصية القديمة، التي اندمجت مع العقيدة الشيعية وانتجت تنويعا اسلاميا على الغنوصية (15). أغلب ما نعرفه عن هذه الحركة، التي انقسمت خلال السنين الى شيع عديدة ندين به الى تقييمات مؤرخي الفرق السنة والامامية الذين دعوهم بالغلاة، وذلك لتقديسهم لواحد أو آخر من الائمة (الذين هم أحفاد - وأحيانا أحفاد روحيون فحسب - لعلي بن أبي طالب يعتقد المؤمنون بهم بأنهم الخلفاء الشرعيون) الأمر الذي لم يوقف تأليه الأشخاص.

ترعرع المتنبي في هذا المحيط، رغم أننا لا نعلم فيما اذا كان اعتنق أيا من هذه الشرائع المذهبية التي عجت بها الكوفة، حتى وضعيته الطبقية الاجتماعية التي تفصح عن وضعية ثقافية ليست واضحة أيضا وقد ذكر عن والده أنه جعني، وأحد المراجع يؤكد أنه عضو أصيل في هذه القبيلة، وليس من مواليها. من جهة أخرى، فقد صور والد المتنبي كسقاء يحمل الماء على جمله ليبيعه، وهي وضعية أقل قيمة اجتماعيا، ويقدم نسب والد المتنبي بشكلين مختلفين تماما، يفترقان بشكل مثير عند جده. أكثر من ذلك، فقد قيل إنه عاش - وابنه المتنبي - في "خطة" (أرض مفروزة أو مقتطعة للاستيطان ضمن المدينة) قبيلة كندة، وهو قطاع وصفه أحد المصادر بأنه مأهول بالسقائين والنساجين (16).

كل هذه النقاط تفيد احتمال أن المتنبي لم يكن من سلالة عربية، وأن عائلته تنتمي بالتالي الى الطبقة الأدنى من المجتمع التي.كانت الغنوصية منتشرة فيها، من المفيد ملاحظة أن العديد من أتباع الغالية يحملون اسم قبيلة الجعني (17). من جهة أخرى، هناك اشارات مؤكدة انه كان بشكل ما على علاقة بأشراف العلويين في الكوفة: لقد أرضعته امرأة علوية: وقد داوم على فترات في مدرسة مخصصة لابناء "أشراف" الكوفة، وخلال فترة حياته القصيرة كمدع للنبوة وقائد ديني - سياسي، ذكر أنه زعم بأنه من سلاله العلويين (18).

هذه المعلومات اضافة لأجزاء أخرى من المعلومات تتعلق بصبا المتنبي، غير كافية لتوكيد ما هو حقيقي في هذه الفترة من سيرة المتنبي اذا تم استخدامها بشكل منفصل "كقاعدة" لمناقشة مجدية، لكن اذا أخذنا هذه المعلومات ككل فإنها تسمح لنا بتأكيد الشبه بأن المتنبي كان جزءا من الدائرة الشيعية الغنوصية في الكوفة والى حد ما مرتبطا بالاشراف العلويين في المدينة: واذا كان للمرء أن يقيم قصة زعمه للنبوة بين القبائل البدوية لصحراء السماوة، فإن النتيجة اللاحقة، لهذا السبب، يجب أن تؤخذ باعتبارها الأساس الذي ضمنه يصبح سلوكه اللاحق ذا معنى مفهوم. هذه ليست فكرة جديدة فالعديد من الباحثين اقترحوا وجود صلة ما للمتنبي بالقرامطة، لكن المعلومات التي لدينا مجزأة بشدة بحيث إن الرؤية الضرورية لملء الأمكنة الفارغة في الحكاية يمكن أن تقود المؤلفين العديدين الى اتجاهات متناقضة تماما: وفيما يرسم لويس ماسينيون في مقالته المشهورة "المتنبي، أمام القرن الاسماعيلي" صورة لشاعرنا كقرمطي "متخف" فإن الباحث المصري محمد محمد حسين، في كراس عن المتنبي والقرامطة يظهره على شكل متدين متعصب ومعاد للقرامطة (19). سوف نرى أنه رغم أن وجود صلة شيعية غالية محتمل جدا، فإن التصنيف القرمطي لا يبدو تصنيفا مفيدا جدا.

في المناقشة اللاحقة سوف تكون الفرضية انه عمليا كان هناك وقت في الفترة المبكرة من حياة الشاعر زعم فيه النبوة، وقد حصل أن واجهت هذه الفرضية التفنيد والانكار، خصوصا من قبل المتنبي نفسه، الذي قام في أواخر أيامه بنشر عدة تفسيرات للقبه كان المقصود منها ازالة العار والاحراج الذي يسببه هذا اللقب، الشيء الذي جعل منه هدفا سهلا للاستهزاء ضمن قسم من أعدائه. الشيء الذي جعل منه هدفا سهلا للاستهزاء ضمن قسم من أعدائه. المصادر التي تتناول المتنبي تضم، على أية حال، على الأقل، قصة واحدة يقترب فيها شاعرنا من الاقرار بالحماقة التي ارتكبها، في محادثة بين المتنبي والمحسن التنوخي (توفي 384/ 994)، جرت في الأهواز عام 354/965 قبل شهور قليلة من وفاة شاعرنا المفاجئة، يقول التنوخي:

"كان يتردد في نفسي أن أسأل أبا الطيب المتنبي عن تنبيه والسبب فيه، وهل ذلك اسم وقع عليه على سبيل اللقب، أو أنه كما كان يبلغنا، فكنت استحيي منه لكثرة من يحضر مجلسه ببغداد، وأكره أن أفتح عليا بابا يكره مثله. فلما جاء الى الأهواز، ماضيا الى فارس، خلوت به وطاولته الأحاديث وجررتها الى أن قلت له: أريد أن أسألك عن شيء في نفسي منذ سنين، وكنت أستحيي خطابك فيه من كثرة من كان يحضرك ببغداد، وقد خلونا الآن، ولابد أن أسألك عنه. وكان بين يدي جزء من شعره عليه مكتوب: "شعر أبي الطيب المتنبي".

فقال: تريد أن تسألني عن سبب هذا؟ وجعل يده فوق الكتابة التي هي "المتنبي" فقلت:

"نعم. فقال هذا شيء كان في الحداثة أوجبته صبوة (20). فما رأيت رهسمة (تلميحا) ألطف منها (21)، لأنه يحتمل المعنيين في أنه كان تنبأ واعتمد الكذب، أو أنه كان صادقا، إلا أنا اعترف بالمتنبي على كل حال قال: ورأيت ذلك قد صعب عليه، وتابع التنوخي. فاستقبحت أن استقمي وألزمه الافصاح بالقصة فأمسكت عنه (22).

من ضمن أشياء أخرى فإن رواية التنوخي تقترح علينا الخيارات المتعددة التي أخذها ومعاصروه في الاعتبار حول سبب لقب المتنبي، أولا، فهو يمكن أن يكون لقبا محضا وبسيطا بالمعنى الأدبي دون ارجاع الى معناه الحقيقي. المتنبي نفسه اقترح شيئا من هذا القبيل على صديقه اللغوي ابن جني (توفى 392/ 1002)، فعل أساس مما ذكره في تعليقا على ديران المتنبي فشاعرنا قد ادعى انه حصل على لقبه هذا بسبب بيت من أوائل شعره: "أنا في أمة تداركها الله غريب كصالح في ثمود" (23) والشاعر بوضوح يعني بالقول انه مثل النبي صالح، الذي لم يكن مقبولا من قومه، ثمود، الذين ارسل لهدايتهم، يشعر هو أيضا بالوحدة وقلة التقدير في جماعة باءت بالضلال التام. هل يعني البيت أيضا أنه شعر بأنه مرسل من قبل الله ؟ شيء يصعب تقريره، فدعواه الورعة: "تداركها الله" التي تترك كل شيء بشكل صريح لله تبدو وكأنها تشير الى أنه يريد تجنب هذا التأويل، في كلا الحالتين، يمكن للبيت أن يكون كافيا ليؤهله للقب المتنبي، لأن هذه ممارسة معروفة ضمن الشعراء العرب: العديد من المؤرخين ومنهم ابن الكلبي (توفي 204/819) ومناطقة مثل السكري (توفي 257/888) عرف عنهم انهم رتبوا قوائم كاملة لشعراء لقبوا بناء على كلمة أو فكرة في أحد أبياتهم (24) ومن المحتمل جدا أن المتنبي استخدم هذه الطريقة لشرح لقبه كغطاء لتمويه حقائق محرجة، وبالتأكيد، كما سوف نرى، فإنه لم يقابل بموافقة سريعة التصديق من كل الناس. يجب علينا، على كل حال، الا ننسى أن الخط محل المساءلة يمكن ويجب أن ينفك عن أي استخدام جرى الاعتياد عليه، سواء من قبل الآخرين (اذا كان الاسم حقيقة اشتق من هذا النسق) أو من الشاعر نفسه (اذا كان غطاء للتمويه فحسب)، وعند ذلك يغدو بحد ذاته منسجما مع ما تخبرنا به المصادر عن مغامراته "النبوية" الطائشة. الاحساس العميق بالغربة (أنا غريب)، ممزوج بتمرده وانسحابيته التي نجدها في عدد كبير من قصائده وحيث يشكل تشبيهه "بصالح" الحالة المناخية أو البيئية بحيث يجب اعتباره الحافز الباطني لانحرافاته الشبابية، ويمكن أن يكون العنصر المهم والمسيطر في شخصيته حتى نهاية حياته. وكما يصف الأمر ابن فراج (توفي بعد 347/ 1045)، مؤلف "التجنـي على ابن جني" فان المتنبي كان رجلا "مـر النفـس" (25).

المصادر تذكر تفسيرين آخرين للقب الشاعر، يحاولان تجاوز المعنى الحرف والواضح للقب. ولكن هذين التفسير ين يشبهان الألعاب الصغيرة التي لعبها المتنبي والبيئة المحيطة به لنزع فتيل الفضيحة من معناها العملي.

وسوف نحيل هنا الى المراجع (26). الاحتمال الثاني الذي يلمح التنوخي اليه هو افتراض أن الشاعر في نقطة معينة من ماضيه ادعى كونه نبيا _إما، كما يقول التنوخي صراحة، كدجال ودعي، أو كشخص آمن حقيقة برسالته. ونتيجة عدم وجود اعتراف من الشاعر نفسه، فإن الجواب على هذا السؤال غير ممكن تقريره، لكن اذا افترضنا أن شخصا يعلن صادقا انه نبي، فان هناك ثلاثة احتمالات لشرح سلوكا. ان يكون ساذجا أو أبله، أو أن يكون مريضا نفسيا، أو شخصا عاقلا ذا طموح سياسي - أو ذا إحساس بغضب من نوع أخلاقي، هذه التفاسير الثلاثة تم تطبيقها على حالة المتنبي، رغم أن الأول حصل بالخطأ.

لم يكن المتنبي بالتأكيد ساذجا، والقصة المضحكة التي تصوره بهذه الصورة مؤسسة على حالة خطأ بهوية الشخص. وحيث انني على أية حال، مهتم هنا بظاهرة النبوة المنتحلة عموما وليس فقط بما تعنيه في الحالة الخاصة للشاعر، فإن لدي مبررا ما لوضع الاحالة من المصدر هنا كاملة - والقصة هنا أيضا نموذجية عن نوع أدبي ليس منتشرا جدا ولكنه ملحوظ ضمن الأدب الحكائي، يهدف الى امتاع القاريء بالادعادات السخيفة غالبا بالجنون للانبياء الكذبة، وهو يشكل لهذا السبب نوعا مشابها للأنواع الأكثر تطورا التي تصور الأعمال الطريفة للبخلاء، والطفيليين والظرفاء، وسأتابع هنا القصة كما رواها كمال الدين بن العديم.

وقرأت في رسالة علي بن منصور الحلبي المعروف بدو خلة، وهي التي كتبها الى أبي العلاء بن سليمان، وأجابه عنها برسالة الغفران (27)، وذم فيها أبا الطيب المتنبي، وقال: وذكر ابن أبي الأزهر والقطربلي في التاريخ الذي اجتمعا على تصنيفه (كمصدر لما يقول) (28): ان الوزير علي بن عيسى (29) أحضره الى مجلسه فقال له: انت أحمد المتنبي؟ فقال. أنا أحمد النبي ولي علامة في بطني، خاتم النبوة، وأراهم شبيها بالسلعة على بطنه فأمر الوزير بصفعه فصفع وقيد، وأمر بحبسه في المطبق.

ثم طالعت (الضمير هنا عائد لأبي العلاء المعري) (التاريخ) المشار اليه فقرأت فيه حوادث سنة اثنتين وثلاثمائة قال: وفيها (سنة 302) جلس الوزير علي بن عيسى للنظر في المظالم وأحضر مجلسه المتنبي،وكان محبوسا ليخلي سبيله، فناظره القضاة والفقهاء فقال: أنا أحمد النبي، ولي علامة ببطني خاتم النبوة، وكشف عن بطنه وأراهم شبيها بالسلعة على بطنه فأمر الوزير بصفعه فصفع مئة صفعة وضربه وقيده وأمر بحبسه في المطبق.

فبان لي أن أبا الحسن علي بن منصور الحلبي، رأى في تاريخ ابن أبي الأزهر والقطر بلي ذكر أحمد المتنبي فظنه أبا الطيب أحمد بن الحسين، فوقع الغلط الفاحش لجهله بالتاريخ، فإن هذه الواقعة مذكورة في هذا التاريخ في سنة 302، ولم يكن المتنبي ولد بعد، فإن مولده على الصحيح في سنة 303، وقيل أن مولده سنة 301، فيكون له ان أبي محمد عبداالله بن الحسين الكاتب القطربلي ومحمد بن أبي الأزهر ماتا قبل أن يترعرع المتنبي العمر سنة واحدة ويعرف.

وهذا المتنبي الذي أحضره علي بن عيسى هو رجل من أهل أصبهان تنبأ في أيام (الخليفة) المقتدر (حكم 295/908- 320/ 932) يقال له: أحمد بن عبدالرحيم الأصبهاني،ووجدت ذكره هكذا منسوبا في كتاب عبيدالله بن أحمد بن طاهر الذي ذيل به كتاب أبيه في تاريخ بغداد (30).